كحل المحبّة
كحل المحبّة كنّا نستخرجه من عيون طائر الحميرا وقت التزاوج. في العادة تكون عينا هذا الطائر الجميل برتقالية، لكن في فترة التزاوج تتلوّن عيون الذكور باللون الأسود لتجذب الإناث. تبدأ العملية باصطياد الطائر وقلع عينيه وهو حي ومن ثمّ تجفيفها وسحقها لتصير كحلاً. كنّا أنا ورفيقي بعد ذلك نبيع المسحوق الأسود لأحد "المطاوعة" أو بالأحرى المشعوذين، والذي كان بدوره يبيعه لزبائنه بسعر مبالغ فيه، فمن يتكحّل به لا تقاومه المرأة.في تلك الفترة كنّا صغاراً ولم ندرك الضرر الذي نتسبب به، بل حتّى لم نفكّر في استخدام الكحل بأنفسنا، فأقصى أمانينا في تلك الفترة هي الحصول على درّاجة أو الذهاب لحديقة ألعاب هيلي. لكن ما سمعته بعد ذلك عن كحل المحبّة هو أنّه فتّاك.
المنطقة التي تسمّى اليوم بالصناعية الجديدة، تنتشر بها الكثبان الرملية الصغيرة وشجيرات الرمث، هناك كنّا ننصب الفخاخ لطائر الحميرا، نذهب في الصباح ونعود في المساء. ذكر الطائر يتميّز بذيله الطويل الذي يتدرج لونه من البرتقالي إلى الأحمر، وله عرف من ريش أحمر، وأطراف جناحاه ريشهما أسود. الأنثى تتميز بصدرها الواسع وريش بطنها الأسود.لفترة طويلة لم أرَ طائر الحميرا، وكنت أعتقد أنّه انقرض من الصيد، لكن قبل مدّة لا تزيد عن الشهر لمحت أحدها في ذات المنطقة قريباً من الشارع العام حين كنت ذاهباً لمقابلة أحد الإخوة في المنطقة الصناعية. حين جلسناً معاً كانت مناسبة لأذكر له موضوع كحل المحبّة، واستغربت اهتمامه الشديد بالأمر لدرجة أنّه نسي الموضوع الذي اجتمعنا من أجله في الأساس، والذي زاد في استغرابي أكثر أن هذا الأخ ليس في عمر مبكّر من الشباب، بل قد تجاوز الأربعين عاماً وممن نالوا قسطاً جيداً من التعليم والإطلاع.
مرّت عدّة أيام وقد نسيت أنا الأمر. اتصل بي ذات الأخ يطلب منّي الذهاب معه لورشة تصليح السيارات بحكم معرفتي بصاحبها. جاءني وركبنا سيارته معاً، لاحظت الكحل في عينيه لكن لم يدر بخلدي أبداً أي شيء ولم أربط الأمر بحديثنا السابق عن كحل المحبّة.وصلنا للورشة، وحين كنّا نشرح مشكلة السيارة لمشرف الورشة وهو من الجنسية المصرية بدت نظراته لصاحبي في منتهى الغرابة، وكلامه في غاية اللطف. أنا أعرف هذا المصري منذ سنين طويلة ولم أسمعه يكلّم أحداً من قبل بذلك الأسلوب.
فيما كنّا واقفين على مسافة من السيارة نراقب العامل وهو يفكّ الإطار مرّ أخونا المصري بقربنا وقال بصوت عالي وكأنّه يخاطب أحداً في الهواء "يا جميل يا مدوّر...."
بالطبع استغربت الأمر لكنّي لم أعلّق. ثم عاد ليمرّ بقربنا في حركة مصطنعة وليقول هذه المرّة وباللهجة المصرية أيضاً "عسل.....وحياتي عسل"...
على كال حال تركنا السيارة ودخلنا للمكتب حيث صاحب الورشة وهو صديق عزيز، ذكرت له استغرابي من فعل مشرف العمّال المصري فقال لي
-سبحان الله، إنّه يعمل لدي منذ خمسة وعشرين عاماً، وهو من أفضل الناس أخلاقاً، إلا أنّه الآن لم يذهب لأهله منذ خمس سنوات، وربّما ينفس عن نفسه بهذه الطريقة.في لحظة شرود ونحن ننتظر اصلاح السيارة استحضرت كلامنا عن الكحل، وربطت الأمر مع الكحل الذي بعيني صاحبي. حين خرجنا من المكتب لمعاينة السيارة سألته
-أستحلفك بالله، هل اصطدت طيور الحميرا.
-نعم....مجرّد فضول للتجربة، ألا ترى الكحل!!!....لكن ليس صحيحاً أنّه يؤثر في النساء، لم ألاحظ ذلك.
-هل اصطدت الطائر ذو الذيل الأحمر أم غيره؟!
-لا....لم يكن ذيله أحمر على ما أظن....صدره كان فيه ريش أسود.
-ماذا؟!!!......لا حول ولا قوة إلا بالله، تلك هي الأنثى، وكحلها يجذب الذكور، وهذا سبب إنجذاب هذا المسكين المحروم منذ خمس سنين لك....كان يقصدك أنت حين كان يقول "جميل ومدوّر....وعسل وحياتي عسل"....أنصحك بالهروب الآن قبل أن يغتصبك هنا العمال الذين لم يروا أهلهم منذ مدّة طويلة.
-ولماذا لم تخبرني؟
-لم أخبرك!!!....ولماذا أخبرك؟ ولماذا تفعل هذا من الأساس!؟.
-أردت أن أحسّ أنّي مرغوب.
-على كل حال أنت مرغوب الآن وبقوّة، لكن من الجهة الأخرى. ولعلمك فإن الكحل يبقى في العين لمدّة طويلة تزيد على أسبوع، وخلال هذه المدّة حاول أن تحافظ على نفسك ماستطعت.المهم.....السيارة مازالت في الورشة ولم يرجع الأخ لاستلامها منذ أربعة أيام. حاولت الاتصال به لكنه لا يرد على الهاتف، وآخر ظهور له على الواتساب أيضاً منذ أربعة أيام.من أراد أن يدعو له فليدعو، لكن أنا يهمّني أمر آخر. ما هي النفسية الضرورية ونوعية العقل اللازم لنا لنبحث عن تحقيق رغبتنا الأساسية في أن نكون مرغوبين من الغير في كحل.....وكيف نتقبّل أن يحقق الكحل أقصى أمانينا؟!.....وهل يمكن أن تكون الأشياء سهلة هكذا؟!
نلنا حظاً من التعليم ولم يؤثر بنا، لأننا اتخذناه إمّا وسيلة لكسب العيش فقط أو زينة.
كحل المحبّة كنّا نستخرجه من عيون طائر الحميرا وقت التزاوج. في العادة تكون عينا هذا الطائر الجميل برتقالية، لكن في فترة التزاوج تتلوّن عيون الذكور باللون الأسود لتجذب الإناث. تبدأ العملية باصطياد الطائر وقلع عينيه وهو حي ومن ثمّ تجفيفها وسحقها لتصير كحلاً. كنّا أنا ورفيقي بعد ذلك نبيع المسحوق الأسود لأحد "المطاوعة" أو بالأحرى المشعوذين، والذي كان بدوره يبيعه لزبائنه بسعر مبالغ فيه، فمن يتكحّل به لا تقاومه المرأة.في تلك الفترة كنّا صغاراً ولم ندرك الضرر الذي نتسبب به، بل حتّى لم نفكّر في استخدام الكحل بأنفسنا، فأقصى أمانينا في تلك الفترة هي الحصول على درّاجة أو الذهاب لحديقة ألعاب هيلي. لكن ما سمعته بعد ذلك عن كحل المحبّة هو أنّه فتّاك.
المنطقة التي تسمّى اليوم بالصناعية الجديدة، تنتشر بها الكثبان الرملية الصغيرة وشجيرات الرمث، هناك كنّا ننصب الفخاخ لطائر الحميرا، نذهب في الصباح ونعود في المساء. ذكر الطائر يتميّز بذيله الطويل الذي يتدرج لونه من البرتقالي إلى الأحمر، وله عرف من ريش أحمر، وأطراف جناحاه ريشهما أسود. الأنثى تتميز بصدرها الواسع وريش بطنها الأسود.لفترة طويلة لم أرَ طائر الحميرا، وكنت أعتقد أنّه انقرض من الصيد، لكن قبل مدّة لا تزيد عن الشهر لمحت أحدها في ذات المنطقة قريباً من الشارع العام حين كنت ذاهباً لمقابلة أحد الإخوة في المنطقة الصناعية. حين جلسناً معاً كانت مناسبة لأذكر له موضوع كحل المحبّة، واستغربت اهتمامه الشديد بالأمر لدرجة أنّه نسي الموضوع الذي اجتمعنا من أجله في الأساس، والذي زاد في استغرابي أكثر أن هذا الأخ ليس في عمر مبكّر من الشباب، بل قد تجاوز الأربعين عاماً وممن نالوا قسطاً جيداً من التعليم والإطلاع.
مرّت عدّة أيام وقد نسيت أنا الأمر. اتصل بي ذات الأخ يطلب منّي الذهاب معه لورشة تصليح السيارات بحكم معرفتي بصاحبها. جاءني وركبنا سيارته معاً، لاحظت الكحل في عينيه لكن لم يدر بخلدي أبداً أي شيء ولم أربط الأمر بحديثنا السابق عن كحل المحبّة.وصلنا للورشة، وحين كنّا نشرح مشكلة السيارة لمشرف الورشة وهو من الجنسية المصرية بدت نظراته لصاحبي في منتهى الغرابة، وكلامه في غاية اللطف. أنا أعرف هذا المصري منذ سنين طويلة ولم أسمعه يكلّم أحداً من قبل بذلك الأسلوب.
فيما كنّا واقفين على مسافة من السيارة نراقب العامل وهو يفكّ الإطار مرّ أخونا المصري بقربنا وقال بصوت عالي وكأنّه يخاطب أحداً في الهواء "يا جميل يا مدوّر...."
بالطبع استغربت الأمر لكنّي لم أعلّق. ثم عاد ليمرّ بقربنا في حركة مصطنعة وليقول هذه المرّة وباللهجة المصرية أيضاً "عسل.....وحياتي عسل"...
على كال حال تركنا السيارة ودخلنا للمكتب حيث صاحب الورشة وهو صديق عزيز، ذكرت له استغرابي من فعل مشرف العمّال المصري فقال لي
-سبحان الله، إنّه يعمل لدي منذ خمسة وعشرين عاماً، وهو من أفضل الناس أخلاقاً، إلا أنّه الآن لم يذهب لأهله منذ خمس سنوات، وربّما ينفس عن نفسه بهذه الطريقة.في لحظة شرود ونحن ننتظر اصلاح السيارة استحضرت كلامنا عن الكحل، وربطت الأمر مع الكحل الذي بعيني صاحبي. حين خرجنا من المكتب لمعاينة السيارة سألته
-أستحلفك بالله، هل اصطدت طيور الحميرا.
-نعم....مجرّد فضول للتجربة، ألا ترى الكحل!!!....لكن ليس صحيحاً أنّه يؤثر في النساء، لم ألاحظ ذلك.
-هل اصطدت الطائر ذو الذيل الأحمر أم غيره؟!
-لا....لم يكن ذيله أحمر على ما أظن....صدره كان فيه ريش أسود.
-ماذا؟!!!......لا حول ولا قوة إلا بالله، تلك هي الأنثى، وكحلها يجذب الذكور، وهذا سبب إنجذاب هذا المسكين المحروم منذ خمس سنين لك....كان يقصدك أنت حين كان يقول "جميل ومدوّر....وعسل وحياتي عسل"....أنصحك بالهروب الآن قبل أن يغتصبك هنا العمال الذين لم يروا أهلهم منذ مدّة طويلة.
-ولماذا لم تخبرني؟
-لم أخبرك!!!....ولماذا أخبرك؟ ولماذا تفعل هذا من الأساس!؟.
-أردت أن أحسّ أنّي مرغوب.
-على كل حال أنت مرغوب الآن وبقوّة، لكن من الجهة الأخرى. ولعلمك فإن الكحل يبقى في العين لمدّة طويلة تزيد على أسبوع، وخلال هذه المدّة حاول أن تحافظ على نفسك ماستطعت.المهم.....السيارة مازالت في الورشة ولم يرجع الأخ لاستلامها منذ أربعة أيام. حاولت الاتصال به لكنه لا يرد على الهاتف، وآخر ظهور له على الواتساب أيضاً منذ أربعة أيام.من أراد أن يدعو له فليدعو، لكن أنا يهمّني أمر آخر. ما هي النفسية الضرورية ونوعية العقل اللازم لنا لنبحث عن تحقيق رغبتنا الأساسية في أن نكون مرغوبين من الغير في كحل.....وكيف نتقبّل أن يحقق الكحل أقصى أمانينا؟!.....وهل يمكن أن تكون الأشياء سهلة هكذا؟!
نلنا حظاً من التعليم ولم يؤثر بنا، لأننا اتخذناه إمّا وسيلة لكسب العيش فقط أو زينة.
تعليق