لم أتخيّل أبداً أنّي قد أواجه موقفاً كالذي واجهته البارحة، أبعدني الله وإياكم عن هكذا مواقف.
البارحة كنت أمارس رياضة المشي في الحديقة مع أحد الإخوة حين اتصلت بي ابنتي الصغيرة تطلب منّي إحضار باقة ورد لمعلّمتها. في العادة أشتري الورد من المحلات المعتادة في العين، لكن الوقت كان حوالي التاسعة والنصف وهو متأخر بالنسبة لي للذهاب للعين، ثمّ إن مجرّد باقة ورد عادية لا تستحق الكثير من العناء........وليتني لم أفكّر هذا التفكير.
سألت صاحبي عن محلّ الورد في البريمي فدلّني عليه. عندما وصلت وفتحت باب المحل ودخلت كانت هناك امرأة واقفة، وجهها لم يكن باتجاهي ومنظرها من الخلف أوحى لي بأنها آسيوية. كان واضحاً أنّها تقلّم بعض أغصان الزينة الخضراء التي توضع في الباقات. انتظرتها لتلتفت لي مع صوت انفتاح الباب لكنّها لم تفعل، ألقيت عليها التحيّة.....وأيضاً كان علي الانتظار لبضع ثوان لأحظى بالتفاتة من نصفها الأعلى فقط، أمّا رجليها فأبقتهما كما هما. كانت نظرتها متغنّجة بطريقة غريبة، وفاترة، ثمّ مسحتني من أعلى لأسفل.......ثم ابتسمت......خفت أن يكون هناك شيء ما بخصوص ملابسي، تفحّصت نفسي جيداً، تأكدت أن سروالي الرياضي في مكانه الصحيح، وأني لا أرتدي الحذاء بالمقلوب، وأن قميصي في وضعه العادي......كل شيء كان طبيعياً.
عندما رفعت رأسي أنظر لها وجدتها قد استدارت بكلّها في اتجاهي، وقالت وهي تتثنّي ماشية باتجاه الطاولة التي كانت على يمين الباب
-أهلاً هبيبي.....حينها فقط عرفت أن الذي أمامي ذكر وليس أنثى، ولولا صوته الخشن لما عرفته. وليتني حينها اكتفيت وخرجت......لكن المكتوب لا مفرّ منه.
تجاهلت نظراته العجيبة وأخبرته أنّي أريد باقة ورد بسيطة. خرج من وراء الطاولة ومرّ بقربي ذاهباً للطرف القصي من المحل وهو يشير لي بأصابعه وغمزة عينيه أن أتبعه، أصابتني قشعريرة وبرودة، ثمّ انتبهت أن واجهة المحل زجاجية وأنّه من المستحيل أن يحاول معي شيئاً، وما زاد في طمأنينتي رؤية سيّدتين في الخارج تريدان الدخول من الباب.
تبعته بهدوء وأنا أسمع دخول السيدتين من خلفي. عندما وقفت بجانبه أمام أنواع الورد وضع إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى على صدره ثمّ نظر لي بطرف عينه وأطلق تجاهي تنهيده غريبة كأنها خرجت من عينيه، ولمّا رأى تسمّر عيني فيه من الدهشة كنز شفتيه وكوّرهما في اتجاهي. تخيّلت حينها أن السيدتين ورائنا تلاحظان الموقف، وددت لو ابتلعتني الأرض حينها، ابتعدت عنه خطوة وأشحت عنه ببصري ورسمت على وجهي ملامح الجدية. أشرت له على نوع الورد الذي أريد وانسحبت بسرعة لأجلس على الكرسي القريب من الباب وأنا أتصبب من العرق.
كانت السيدتان تتفحصان أنواع الفلّين والجلّاد، كنت أحاول الانصات لهمسهما مخافة أنهما كانتا تتهامسان علي. وفجأة إذا به يناديني بصوت ناعم
-هبيبي.....هبيبي.....يريد لمعه؟!
تمتمت في نفسي وأنا أدعو عليه "هبّوك في جهنّم". التفت تجاه السيدتين فإذا بهما تنظران لي بطرف عيونهما.
رفعت صوتي له بنبرة فيها جفوة قائلاً
-لا ما يريد لمعه.
-هبيبي لمعه وايد هلو.......مثلك انته هلو.حينها لم تستطع إحدى السيدتين أن تكتم ضحكتها، وأجزم أن الأخرى أيضاً كانت تضحك بصوت مكتوم. أحسست أنّي لا أستطيع الجلوس، قرّرت الإنتظار بالسيارة لحين فراغه من إعداد الباقة.
جلست في السيارة وعيني لداخل المحل، كان هو يتحدّث للسيدتين وأحياناً ينظر للخارج ويلوّح لي بيديه كأنها حبيبة تلوّح لحبيبها، وتخيلته يقول أشياء عنّي للسيدتين وساعتها تكون الفضيحة من الوزن المعتبر.......أحسست أني لا أستطيع البقاء في السيارة وتركه يلفق عنّي ما يشاء.
نظرت لنفسي في المرآة قبل أن أنزل لأتأكد أن ملامحي متجهمة، ونفخت صدري للأمام قليلاً، كل ذلك لأردعه عن قول أي شيء لي قد تفسره السيدتان تفسيراً آخر.
دخلت ووقفت أمام الطاولة أنتظر بعدما لمحته يلف الباقة باللاصق فتوقعت أنه انتهى منها، أخرجت محفظتي استعداداً للدفع. أحسست بمشيته من ورائي. لم يذهب لوراء الطاولة بل وقف عند كتفي وهو يحمل الباقة، فتحت المحفظة أبحث عن خمسة ريالات هي ثمن الباقة وأنا مضطرب، ومازاد في اضطرابي هو اقتراب السيدتين ووقوفهما بقربنا تنتظران لتدفعا الحساب هما أيضاً.
بعد أن أخذت منه الباقة وأخذ عني الورقة النقدية، رفع يده يعطيني وردة حمراء وقال
-هذا عشانك هبيبي سالم
اللعين لمح اسمي في البطاقة الشخصية وأنا أفتح المحفظة. نزل علي الأمر كالصاعقة، نظرت بسرعة للسيدتين فنكستا رأسيهما خجلاً ........ وددت لو صرخت بهما وحلفت لهما بأغلظ الأيمان أنّي لست كما يظنان......لكن لم يكن بيدي أي شيء......حملت خيبتي وخرجت، ولا أبالغ إذا قلت لكم أني بالكاد استطعت إدخال مفتاح السيارة في المكان الصحيح، وحتى الآن لم تفارقني نظرات السيدتين.......
رجاءً، من يعرفهما يخبرهما بحقيقة الموقف.
تعليق