بحر العيوب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نصيرة بحورة
    أديب وكاتب
    • 15-12-2014
    • 28

    بحر العيوب

    ...في حافظتي اسفنجتين صغيرتين ..وضعت احداهما في اناء يحتوي ماء نقي والأخرى في ماء عكر ...وبعد برهة من الزمن عدت لاستخرج كلاهما واجعل كل واحد ة منهما عل صخرة محايدة للأخرى...ثم ترقبت قليلا فإذا بالاسفنجة التي وضعت في الماء النقي اخذ يسيل منها ماءا صافيا كالزلال ...وإما التي وضعت في الماء العكر ظل يقطر منها ماء اسود خانق كريه الرائحة...
    لا احد منا يستنكر ذلك... اذ لو ان لك صديقان احدهما يقطن في حي تسامت به الاخلاق وارتقت القيم في جوانبه و اوساطه حتى تجلت الهمة على اهله و الذين يتفانون في انماء الرفعة و الاعتزاز و الحذر من الوقوع في المعاصي و ما يؤذي شيم النفوس النزيهة ... بينما الاخر يعيش على نمط يفتقد للتحضر والرقي ...التحضر الذي نستوحيه من مبادئ ديننا وأخلاقنا وهو اساس المنفعة ذلك لنستنبط الفارق ونتأمل ثمار واقعنا حيث نجد الفاصل بمزاياه وخصائصه المطلقة بين هذين الصديقين اذ ان لكل منهما غريزة مجسدة تقوم على النشأة التي ترعرع عليها وعلى طبيعة البيئة التي تحتضنه والتي تربى بين افرادها ويبقى الفارق ليعطي الاشارة تارة باللون الاخضر وأخرى باللون الاحمر الذي عرف بالتنبيه عن الخطر وما بعد الخطر ...إلا اننا قد نولي اهتمامنا في معظم الحالات بما يستوجب حسن التدارك والاهتمام ...وأرادت الاقدار ان تجمع بين هذين الصديقين في بيتك ليس نزولا عند الرغبة فحسب وإنما ليزداد تقربك منهما وإنماء معرفتك بهما وتجاذبتما اطراف الحديث تارة للمؤانسة وطورا لتومض في نفسك بريق وانعكاس تلك البراءة التي تجلت على محيا كل من الطفلين اللذان قدما رفقة ابويهما ودار بينكما حوار شيق بخيره وشره حتى استقرالنقاش حول مسالة المدرسة وأفاق التعليم وإبعاده على محتوى الدراسة والتلاميذ والمعلمين وساحة المدرسة وكيف كان ملتقا جامعا بين النجباء والتائهين في مهب الضياع وكانا الصبيين يستلهما ملاذ النقاش وماذا بأحدهما يخوض معركة الحوار بأسلوب جلي وصفاء في القريحة ونقاء في الذهن ودهاء عميق يعبق بخلاصة سندسية تستشعرك بالرفعة وبعدا في الفكر و حدة في النظر وشوق الى ما يتلفظه من جمال القول وبلاغة التعبير وأريحية البال ويسعى بكل ما في وسعه لتبليغ صوته بلباقة فائقة وقدرات مشحونة ومكثفة بما اعطاه الله من نعمة المحيط الذي يحويه وخصوبة المرعى ا لذي نشا فيه فكان له الحظ الوفير في تركيبة المركبة التي طافت به ارقى الميادين وجالت به احسن المراتب فكان له الاستيعاب الثري بخيرات الفكر ونزاهة العاطفة وثبات اليقين ...ثم لفت انتباهك لفتة عشوائية للصبي الاخر والذي حاول الخوض في المناظرة إلا ان الغلبة ادت به للإعياء فما استكان وما استلان ولكنه اعطى ما في جعبته من خبل الكلام وسوء التعبير وسقم التفكير فشعرت بالملل والأسف لما افرغه هذا الطفل من حوصلته وقلت في نفسك تبا لهذه الحظيرة التي نشا فيها هذا الغلام وتبا لما استوعبه مع الايام من كدر الخلق فعصفت به الاضطرابات فطاش لبه وغاب وعيه وتفاقم شره وسماجته ...فتربصت به الضغائن وتورط في لجج النزاع ومصارعة الاحداث .
    ان بذور السمو تنغرس بين شمائل الناس وهم في غضون ثم تزداد قوة مع الايام ...وكذلك من اعتنق اوحال الخطأ واعتاد المظالم ..وعلى هذا المنوال الذي هو اداة لتنظيم سلوك النشأة الاولى عدت اذكر حكاية تلك الاسفنجتين وما امتصت كل منهما فإذا بالتي وضعت في الماء الصافي اعطتنا نقاء وصفاء وأما التي نقعت في الماء العكر استوجب عليها ان تعطينا قذارة اللون وخبث الريح ...وكما ان النقاء يخالف الكدر والذي حلق في افاق الكمال والوجاهة ليس كالذي غاص في بحر العيوب ثم طفح يبحث عن التماس المبررات .

يعمل...
X