أنا والحاوية والقطط السمان
بناءا على الإتفاق المبرم بيني وبين زوجتي لتنظيم وتوزيع الأشغال المنزلية
تقرَّرَ أن تكون حصّتي في غسل المواعين وكيّ الملابس وشراء مستلزمات المنزل
من بقالة وخضار ولحوم وخلافه . اختلفنا على بند الزبالة ، من مِنّا سيلملمها ويحملها
ويلقي بها في حاوية الحارة ، طبعا أنا حمّال الأسيّة دائما !
حملت الكيس ذات مساء ، توجّهت به إلى الحاوية المصمودة في شارعنا وكأنها بقعة
لزجة في ثوب مونيكا عشيقة رئيس الحي والمسؤول الأول والأخير عن نظافته .
شاهدت جاري يحمل هو أيضا كيسه ليلقي به في الحاوية اليتيمة والمغلوب على أمرها .
كان عابسا " يبرطم " بكلام غير مفهوم .
ــ خير يا أبو العز ؟ ما بك تتخانق مع دبان وجهك ؟ وحّد الله يا رجل .
رمى بالكيس على الأرض وانصرف دون أن يعيرني أي انتباه وكأنني عابر سبيل أو شحاد .
يبدو أنه في تلك اللحظة كان غائبا عن الوعي . لن أتركه يذهب حتى أعرف سبب زعله .
ــ تعال يا صاحبي وقل لي ما هي المشكلة ، قد نتعاون في حلّها .
توقف ، استدار وقال معتذرا :
ــ حقّك عليّ لم أنتبه لوجودك .
ثم أكمل قائلا :
ــ ألستَ متضرّرا مثلي من هذه الحاوية التي تلتصق ببيوتنا مثل القرادة ؟!
ــ نعم متضّرر و " متنيّل " أيضا . ما هو الحل برأيك ؟
ــ الحل هو أن يضيف رئيس الحي حاوية أخرى تساعد أختها في استيعاب أكياس
الزبالة بدلا من أن نلقي بها على الأرض .
تأملّت وجه جاري أبو العز المحتقن غضبا ، الذي لو صرف هذه الشحنة من غضبه
في مكانها الصحيح لتحرّرت فلسطين وعاد لواء الإسكندرون للأم سوريا .
كنت أظنه سيقترح نقل الحاوية وأختها التي في خياله إلى مكان آخر ونستريح من الروائح
ومن أصوات مواء القطط السمان التي تتنافس فيما بينها للفوز بأكبر نصيب من فتات موائدنا
ونرتاح أيضا من فضول صبيان تجار البالة الذين ينبشون الزبالة بحثا عن بضاعة يسرحون بها .
ابتسمت هازئا وقلت له : ــ معك حق يا كبير !
ــ لماذا تضحك ؟ هل كلامي لم يعجبك ؟
ــ الحقيقة أني تذكرت طرفة " الدوّار " فضحكت .
الدوّار
تربع ولي العهد على كرسي العرش بعد ايام من رحيل والده المؤسس .
فَوَرَثَ التاج وورَثَ الأرض , ما فوقها وما تحتها ، وورث شعباً لا يقول لا مهما غلا الثمن .
صفن الملك الشاب وأخذ يقلّب في دهاليز خياله عن فكرة تجعل من شعبه شعبا يمارس الديموقراطية بحق
طبعه حامي وغيور على مصلحة الوطن ، يُنشيء أحزاب ويمشي في مظاهرات يشتم ويسب
ويلعن أصحاب القرار من كبيرهم إلى أصغر موظف في الدولة إذا لم ينعم بالحرية والعيش الكريم .
جمع الملك وزراءه ومستشاريه وأمرهم برفع أسعار الخبز والرز والزيت والطحين .
وكالعادة بلعَ المواطن رفع الأسعار وتم الهضم بكل سهولة ويسر .
ارفعوا الأسعار إلى الضعف وارفعوا معها أسعار البنزين والسولار والكاز .
وكأن شيئا لم يحصل . الناس استوعبت الغلاء بكل رحابة صدر .
نتف الملك شعر رأسه من الغيظ . وطلب من مدير دائرة السير أن ينصب كمينا
بجوار أكبر ميدان في العاصمة . الميدان الرئيس والذي منه يتفرع السير إلى
باقي المناطق . وطلب منه جَلْد كل مخالف خمسون جلده .
بعد عدة أيام وإذ بالجماهير الغفيرة تحتشد حول القصر .
شاهدهم الملك من خلف نافذة قصره وصرخ بفرح قائلا :
ــ وأخيراً عملتوها يا ولاد الستين .. .
وقف أمامهم وقد رسم على وجهه تكشيرة مصطنعة ثم قال :
ــ خير، ايش فيه ؟
تقدم أحدهم نحو الملك ووجنتاه ترتجفان غيظاً وهمس قائلا :
ــ لو تأمر سيدي بزيادة عدد الجلادين على الدوار . كل يوم نتأخر على أشغالنا ،
يرضيك هذا يا جلالة الملك ؟!
بناءا على الإتفاق المبرم بيني وبين زوجتي لتنظيم وتوزيع الأشغال المنزلية
تقرَّرَ أن تكون حصّتي في غسل المواعين وكيّ الملابس وشراء مستلزمات المنزل
من بقالة وخضار ولحوم وخلافه . اختلفنا على بند الزبالة ، من مِنّا سيلملمها ويحملها
ويلقي بها في حاوية الحارة ، طبعا أنا حمّال الأسيّة دائما !
حملت الكيس ذات مساء ، توجّهت به إلى الحاوية المصمودة في شارعنا وكأنها بقعة
لزجة في ثوب مونيكا عشيقة رئيس الحي والمسؤول الأول والأخير عن نظافته .
شاهدت جاري يحمل هو أيضا كيسه ليلقي به في الحاوية اليتيمة والمغلوب على أمرها .
كان عابسا " يبرطم " بكلام غير مفهوم .
ــ خير يا أبو العز ؟ ما بك تتخانق مع دبان وجهك ؟ وحّد الله يا رجل .
رمى بالكيس على الأرض وانصرف دون أن يعيرني أي انتباه وكأنني عابر سبيل أو شحاد .
يبدو أنه في تلك اللحظة كان غائبا عن الوعي . لن أتركه يذهب حتى أعرف سبب زعله .
ــ تعال يا صاحبي وقل لي ما هي المشكلة ، قد نتعاون في حلّها .
توقف ، استدار وقال معتذرا :
ــ حقّك عليّ لم أنتبه لوجودك .
ثم أكمل قائلا :
ــ ألستَ متضرّرا مثلي من هذه الحاوية التي تلتصق ببيوتنا مثل القرادة ؟!
ــ نعم متضّرر و " متنيّل " أيضا . ما هو الحل برأيك ؟
ــ الحل هو أن يضيف رئيس الحي حاوية أخرى تساعد أختها في استيعاب أكياس
الزبالة بدلا من أن نلقي بها على الأرض .
تأملّت وجه جاري أبو العز المحتقن غضبا ، الذي لو صرف هذه الشحنة من غضبه
في مكانها الصحيح لتحرّرت فلسطين وعاد لواء الإسكندرون للأم سوريا .
كنت أظنه سيقترح نقل الحاوية وأختها التي في خياله إلى مكان آخر ونستريح من الروائح
ومن أصوات مواء القطط السمان التي تتنافس فيما بينها للفوز بأكبر نصيب من فتات موائدنا
ونرتاح أيضا من فضول صبيان تجار البالة الذين ينبشون الزبالة بحثا عن بضاعة يسرحون بها .
ابتسمت هازئا وقلت له : ــ معك حق يا كبير !
ــ لماذا تضحك ؟ هل كلامي لم يعجبك ؟
ــ الحقيقة أني تذكرت طرفة " الدوّار " فضحكت .
الدوّار
تربع ولي العهد على كرسي العرش بعد ايام من رحيل والده المؤسس .
فَوَرَثَ التاج وورَثَ الأرض , ما فوقها وما تحتها ، وورث شعباً لا يقول لا مهما غلا الثمن .
صفن الملك الشاب وأخذ يقلّب في دهاليز خياله عن فكرة تجعل من شعبه شعبا يمارس الديموقراطية بحق
طبعه حامي وغيور على مصلحة الوطن ، يُنشيء أحزاب ويمشي في مظاهرات يشتم ويسب
ويلعن أصحاب القرار من كبيرهم إلى أصغر موظف في الدولة إذا لم ينعم بالحرية والعيش الكريم .
جمع الملك وزراءه ومستشاريه وأمرهم برفع أسعار الخبز والرز والزيت والطحين .
وكالعادة بلعَ المواطن رفع الأسعار وتم الهضم بكل سهولة ويسر .
ارفعوا الأسعار إلى الضعف وارفعوا معها أسعار البنزين والسولار والكاز .
وكأن شيئا لم يحصل . الناس استوعبت الغلاء بكل رحابة صدر .
نتف الملك شعر رأسه من الغيظ . وطلب من مدير دائرة السير أن ينصب كمينا
بجوار أكبر ميدان في العاصمة . الميدان الرئيس والذي منه يتفرع السير إلى
باقي المناطق . وطلب منه جَلْد كل مخالف خمسون جلده .
بعد عدة أيام وإذ بالجماهير الغفيرة تحتشد حول القصر .
شاهدهم الملك من خلف نافذة قصره وصرخ بفرح قائلا :
ــ وأخيراً عملتوها يا ولاد الستين .. .
وقف أمامهم وقد رسم على وجهه تكشيرة مصطنعة ثم قال :
ــ خير، ايش فيه ؟
تقدم أحدهم نحو الملك ووجنتاه ترتجفان غيظاً وهمس قائلا :
ــ لو تأمر سيدي بزيادة عدد الجلادين على الدوار . كل يوم نتأخر على أشغالنا ،
يرضيك هذا يا جلالة الملك ؟!
تعليق