أعشاش الحمام البري / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي / تونس

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم درغوثي
    نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
    أبو غسان
    مستشار في ملتقى الترجمة
    • 22-06-2008
    • 356

    أعشاش الحمام البري / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي / تونس

    أعشاش الحمام البري
    قصة قصيرة
    ابراهيم درغوثي/ تونس



    عدت اليوم إلى الدار بعد غيبة دامت أكثر من عشر سنين . وضعت المفتاح الكبير في ثقب باب الخشب. دفعته بيدي، فاستعصى في بادئ الأمر ثم أطاعني فدخلت إلى السقيفة ومنها إلى بقية الغرف ...
    التراب تكدس في كل مكان:
    رمال الصحراء الصفراء الغليظة ،
    وتراب الشمال البني ،
    والغبار الرقيق ارتفع أكداسا هنا وهناك .
    والنمل حفر أوكاره تحت الحيطان التي تشققت .
    وشجرة التوت التي عاشرت جدي ، ماتت.
    والأرض احتضنت أوراقها وبعضا من الأغصان التي كسرتها الرياح .
    والمدجنة تهشم بابها
    ووضع
    اليمام
    بيضه
    فوق
    أعشاش
    الحمام

    *****

    رأيت سربا من الحمام يطير فوق رأسي عندما اجتزت باب السقيفة ودخلت إلى ساحة البيت .
    طار الحمام عاليا ثم حط فوق السطوح، وراح يراقبني بعيون مسكونة بالفجيعة.
    وسمعت داخل الأعشاش صوصوة الفراخ الصغيرة.
    ورأيت ظلال الجدارن تكدست وسط الساحة لترسم مستطيلا قدام السقيفة وشبه منحرف أمام بيت الوالدة.
    خطوت
    خطوتين
    باتجاه
    الدار
    فخفقت
    أجنحة
    اليمام
    فوق
    السطوح

    *****
    باب البيت كبير .
    لونه : أزرق نيلي.
    وعلى الباب رسوم كثيرة:
    سمكة
    وكف
    وسفينة سيدنا نوح
    وهودج الجازية الهلالية
    وسيف علي بن أبي طالب
    وبيتا شعر خطهما أخي الكبير :
    الأول يقول :
    " يا دار عبلة
    بالجواء تكلمي
    وعمي صباحا
    دار عبلة واسلمي."
    وقد كتبه عندما عشق ابنة الجيران وهام بها وجدا.
    والثاني خطه حين أكتشف حبه، فسامه أبي عذابا ومهانة.
    فكتب بخط يكاد لا يرى:
    يا دار
    جمع فيك الشؤم واللؤم
    متى يعشش في أركانك البوم ؟

    *****

    دفعت الباب، فعاند.
    ودفعته بقوة فاندفع إلى الداخل يئز ويعوي.
    وخرج من الغرفة هواء فاسد كهواء القبور.
    وخيل إلي وأنا أضع رجلي اليمنى داخلها أنني أرى أشباحا تتراقص.
    وحين اعتدت النظر في الظلام،رأيت صورتي مرسومة على بلور خزانة الملابس،
    فابتسمت.
    وردت لي الصورة ابتسامتي المرتبكة.
    ثم انخرطت في ضحك مجنون.
    ضحك كعواء ابن آوى .
    ورفرفرت
    أجنحة
    اليمام
    فوق
    السطوح.

    *****
    مسحت دموعي بكفي.
    وخطوت بوجل داخل الدار، إلى يمين الخزانة،

    باتجاه صورة الوالدة المعلقة قريبا من الشباك.
    سلمت عليها،
    فخرجت من الصورة،
    واحتضنتني.
    وضعت شفتي الملتهبتين على جبينها،
    وبكيت.
    فمسحت أمي دموعي،
    وربتت على كتفي،
    وعادت إلى الصورة المعلقة قريبا من الشباك.
    وقفت هنيهة قرب الحائط أتأمل وجه أمي ،
    فخرجت كلماتها من جوف الحائط كالصدى البعيد:
    لقد سئمت هواء القبور،
    افتح شبابيك القلب يا ولدي،
    وخذني .
    ضربت المسمار المغروس في قلب الحائط،
    فسال الدم على الجدار.
    اقتلعت المسمار،
    ورميت به من الشباك،
    فرفرفت
    أجنحة
    اليمام
    فوق
    السطوح.
    *
    وضعت الصورة في جيبي .
    وضعت أمي فوق القلب مباشرة
    وخرجت....

    *****
    تركت
    ورائي
    باب
    الدار
    مفتوحا....
  • م. زياد صيدم
    كاتب وقاص
    • 16-05-2007
    • 3505

    #2
    أخى العزيز ابراهيم..

    ** ابراهيم...............

    لقد انقذت صورة هى ذكرى عطرة وقد اوصى الله بها فى حياتها ومماتها انها الام. وما دون ذلك فهى خرائب بالية كستها الاتربة وعشعش فيها الطير فليبقى هناك .. وليمضى البطل فى رحاب الامل ورضى الله والوالدين ..

    تحياتى العطرة...............
    أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
    http://zsaidam.maktoobblog.com

    تعليق

    • ابراهيم درغوثي
      نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
      أبو غسان
      مستشار في ملتقى الترجمة
      • 22-06-2008
      • 356

      #3
      العزيز زياد صيدم
      شكرا على هذا التعليق اللطيف

      لك المودة و التقدير

      تعليق

      • جلال فكرى
        أديب وكاتب
        • 11-08-2008
        • 933

        #4
        الدرغوثى الاكبر
        اسف ما قرأتها الا اليوم.
        الاطلال الِميتةُ تصحو فى جنبات ذاكرة طفل شده الحنين الى صدر امه فاصابته الهلوسه حيث يختلط الضحك بالبكاء الم الفقدان و لذة الذكرى
        لم تمتعنى فقط بل ابهرتنى و عيشتنى فى اجواء ما اجمل وصفك لها
        دام مدادك أديبا مبدعا.
        بالحب نبنى.. نبدع .. نربى ..نسعد .. نحيا .. نخلد ذكرانا .. بالحقد نحترق فنتلاشى..

        sigpicجلال فكرى[align=center][/align]

        تعليق

        • مهتدي مصطفى غالب
          شاعروناقد أدبي و مسرحي
          • 30-08-2008
          • 863

          #5
          (( الجمال يطغى على الذكرى فيغرقها في البوح))

          أخي الأديب المبدع إبراهيم
          قصة يلبسها الجمال بتقنيات اللغة التي تروح و تجيء بين الشعر و التجلي جمالا تتلبسه الصورة الساحرة التي تطاوع كاتبها فتآخي رؤيته لتعطي المعنى لفظاً من حياة ...أسرتني صور تحاكي وجودها و تترقرق كماء البوح الذي يأخذنا لعالم من ذاكرة لا تنسى واقعها ..من هذه الصور :(رمال الصحراء الصفراء و الغليظة )و ( الغبار الرقيق) و ( شجرة التوت التي عاشرت جدي) و( عيون مسكونة بالفجيعة ) و كم هي جملة متألقة بمفرداتها المبتدعة و الخلاقة ((وسمعت داخل الأعشاش صوصوة الفراخ )) هي لقطات من هذه القصة التي ترسم خطاها على أرض الإبداع و الجمالية عسى أن أتمكن قريباً من إضاءة إبداعيتها و جمالياتها
          تسلم يداك يا أخي لقد أعدت لي الثقة بالقصة القصيرة العربية بعد أن شابها الكسل و الخمول الفني
          ليست القصيدة...قبلة أو سكين
          ليست القصيدة...زهرة أو دماء
          ليست القصيدة...رائحة عطر أو نهر عنبر
          ليست القصيدة...سمكة .... أو بحر
          القصيدة...قلب...
          كالوردة على جثة الكون

          تعليق

          • ابراهيم درغوثي
            نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
            أبو غسان
            مستشار في ملتقى الترجمة
            • 22-06-2008
            • 356

            #6
            الغالي جلال فكري
            يسعدني دائما تقديرك
            لك كل الود و التقدير

            تعليق

            • ابراهيم درغوثي
              نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
              أبو غسان
              مستشار في ملتقى الترجمة
              • 22-06-2008
              • 356

              #7
              العزيز مهتدي مصطفى غالب
              شكرا على هذه القراءة الفنية لنصي
              أسعدني تقديرك
              لك الألق الدائم

              تعليق

              • وفاء عبدالرزاق
                عضو الملتقى
                • 30-07-2008
                • 447

                #8
                اخي الفاضل ابراهيم درغوثي

                ارجعتني إلى البراءة الأولى حيث نفتقد الآن
                الشارع البسيط الغني بأله المتواضع قدر طيبتهم
                ووجه أمي الذي يشع في أرجاء الدار
                اين تلك البراءة وذلك الطهر اخي الفاضل؟
                لعل الحياة أبقت لنا منه شيئا
                سلم يراعك

                تعليق

                • ابراهيم درغوثي
                  نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
                  أبو غسان
                  مستشار في ملتقى الترجمة
                  • 22-06-2008
                  • 356

                  #9
                  شكرا أختنا وفاء
                  سعدت بما جاء في تعليقك
                  دام لك الود

                  تعليق

                  • أسماء رمرام
                    أديب وكاتب
                    • 29-07-2008
                    • 470

                    #10
                    [QUOTE=ابراهيم درغوثي;98652]
                    لقد سئمت هواء القبور،
                    افتح شبابيك القلب يا ولدي،




                    وقد سئمت الذكرى قيود القبور
                    ففتح لها بطل القصة شبابيك القلب
                    وعانق وجه أمه
                    لتظل الذكرى خالدة
                    وذكرى الأم لاتنسى
                    شكرا لك أخي الكريم
                    تحياتي

                    تعليق

                    • ابراهيم درغوثي
                      نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
                      أبو غسان
                      مستشار في ملتقى الترجمة
                      • 22-06-2008
                      • 356

                      #11
                      و الشكر موصول لك
                      أختنا أسماء
                      مع ودي و تقديري

                      تعليق

                      • عبد الرحيم محمود
                        عضو الملتقى
                        • 19-06-2007
                        • 7086

                        #12
                        نعم أخي إبراهيم بيوتنا قبور صنعها لنا من قتل
                        الحرية وحظر الفكر ورسم خطوطا بألوانه هو
                        تبين مقدار سيرنا في مناطق رضاه ومناطق
                        غضبه ، طبعا الحمام يجب أن يطير فلا تجتمع
                        السكينة في بيوتنا معنا ، نحن خلقنا للقلق والذل
                        والعسف والقهر ، حتى صور الموتى تطلب
                        الخروج من الوطن بعد أن تحول لمنطقة حظر
                        التنفس والتفكير والحياة ، والحب .
                        تحيتي !
                        نثرت حروفي بياض الورق
                        فذاب فؤادي وفيك احترق
                        فأنت الحنان وأنت الأمان
                        وأنت السعادة فوق الشفق​

                        تعليق

                        • حسين خلف موسى
                          عضو الملتقى
                          • 13-06-2008
                          • 82

                          #13
                          اسجل حضور بحب
                          [B]
                          [CENTER][B]حسين خلف موسى[/B][/CENTER]

                          [/B][CENTER]
                          [/CENTER]
                          [CENTER][B][B]إقرأ كلماتي وتابع وقع خطواتي[/B][/B][/CENTER]

                          تعليق

                          يعمل...
                          X