الزيارة..بقلم رشيد شرشاف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد شرشاف
    أديب وكاتب
    • 24-06-2015
    • 246

    الزيارة..بقلم رشيد شرشاف

    الزيارة..بقلم رشيد شرشاف
    ٱستيقظت،ٱستيقظنا،ٱستيقظت أولا ثم أيقظت شبيهي،شبيهي الذي يسكن بمخيلتي،بمخيلتي يسكن،يتخذ أوراقي سكنا،سكنا يتخذها،أوقظه بجرة قلم،يستيقظ،وقبله أستيقظ أنا،آخذ قلما وأوراقامن درج مكتبي الصغير،وأكتب،آخذ ورقة وأكتب:ٱستيقظ شبيهي،بعد نوم عميق ٱستيقظ،ٱستيقظ بجرة قلم بعد أن ٱستيقظت،وٱتجهت توا إلى مكتبي الصغير،وأخرجت من درجه أوراقا وقلما،وكتبت بخط أنيق:ٱستيقظ شبيهي،فقط ٱستيقظ،ٱستيقظ فقط،ثم وضعت القلم على سطح مكتبي،وضعته برفق،وذهبت إلى المطبخ كي أجهز لنفسي فنجان قهوة،ذهبت ولم يذهب شبيهي،ذهبت وظل شبيهي مكانه،ظل جالسا على السرير ينتظر عودتي،لم أعد،لن أعود قبل أن أجهز فنجان القهوة،لن أعود،سأعود بعد أن أجهز فنجان القهوة،الفنجان الذي بشربه سأستطيع أن أكمل قصة شبيهي،شبيهي الذي على الورق،المنتظرني على حافة السرير،متى أرتشف فنجان قهوتي؟متى تستمر قصة شبيهي؟شبيهي الذي على الورق،الجالس على السرير.
    فاضت القهوة من الإبريق الموضوع فوق النار المنبعثة من وابور الغاز،جهزت قهوتي وملأت فنجاني كله،ملأته بالقهوة الساخنة،وعدت إلى مكتبي ورشفت منه رشفة واحدة ووضعته،وضعته على سطح مكتبي،وأخذت قلمي.
    عيني تتفحص جدران غرفتي في شرود،شبيهي ضاق به الجلوس على السرير،أكتب كلمة أو كلمتين أو ثلاث،أحاول أن أسير بأحداث القصة إلى الأمام،لا يعجبني ما أضفت من كلمات،أمحي الكلمات المضافة بسرعة،وأفكر في كلمات أخرى،أكتب إستيقظ شبيهي،شبيهي ٱستيقظ،عندما ٱستيقظ تذكر أن اليوم يوم عطلة فنام،هذا غير صحيح،عندما ٱستيقظ كانت الشمس المشرقة قد داعبت غرفته بلطف ،فنهض مبشورا ،سعيدا،لا يريد أن يضيع أي دقيقة،أي ثانية من هذا اليوم الجميل.جميل جدا،هكذا تكون البداية،يستيقظ شبيهي نشيطا،سعيدا،فرحا باليوم الجديد،يفطر أولا، ثم يرتدي ملابسه،ويذهب لزيارة صديقه عدنان،من عدنان هذا؟
    يرتدي ملابسه و يذهب لزيارة أهله بالقرية،أهله المشتاق إليهم كثيرا،المشتاق إليهم،يذهب إليهم مشتاقا،مشتاقا يذهب إليهم،يذهب لزيارة أمه وأبيه،وأخته وأخيه،المشتاق إليهم،،فالمشتاق لا يخصه سوى النظر في وجه أهله والذهاب إليهم،لذلك فهو يذهب لزيارة أهله بالقرية.
    رشفت قليلا من القهوة،القهوة التي صببتها في الفنجان قبل قليل،القهوة التي صببتها أصبحت دافئة،وأنا لا أحبها إلا ساخنة،محرقة،متمنعة على شفتي،متدللة،تتطلب الصبرو المهارة في الرشف كي لا تحرق شفتي،يجب أن أصب الفنجان في الإبريق و أملأ فنجانا آخر،يتمنع ويتدلل ولا يحرقني في شفتي،الأمر يتطلب مهارة في الرشف ليس إلا.
    رشفت قليلا من القهوة وعدت إلى الكتابة من جديد،أين وصل شبيهي؟آه سيذهب لزيارة أهله.
    الجو جميل بالخارج،شمس دافئة،ونسيم عليل،ونشاط يسري بالعروق.لم يزر أهله منذ شهرين،شهرين متتابعين لم يطل بوجهه عليهم،منذ عين مدرسا بهاته القرية النائية ،لم يطل عليهم ولا مرة واحدة.ٱنشغل بالبحث عن مسكن،وترتيب أموره،وتعويد نفسه على العيش بهاته القرية،والتعرف على أهلها البسطاء،الظرفاء،لم يضايقه غير هذا المدير الذي يستفرد بالمدرسة،يريد أن يكون الكل في الكل،يتدخل في شؤون بعيدة عنه،متطفل مكروه هذا المدير،يضايق شبيهي ويخنق أنفاسه،يريد أن يتحكم فيه كباقي زملائه،لكن هيهات،شبيهي يابس العود،صلب القناة،قوي المراس،متين العرى،لا يتدلل لبغي البغاة.لحظة ،أين سمعت هذا الوصف من قبل؟أين؟آه إنه مقطع من بيت شعري لم أعد أذكر صاحبه،لا يهم ،المهم أن شبيهي لم يرضخ للمدير،وكاد الصراع ينتهي على شر،لولا مؤازرة الزملاء له،وتلطيف الجو بينه وبين سيادة المدير،أقصد سعادة المدير،المدير.
    تابع شبيهي سيره بين الحقول مستمتعا بالجو الجميل،ناقلا بصره بين المشاتل،والأشجار المثمرة،وروعة البساتين،والأزهار الخلابة،مستمتعا بكل لحظة،بكل نسمة،بكل عطر،بكل نظرة،بكل خطوة،بكل شيء،وفجأة ظهر له من بين الأشجار شيطان صغير،أقصد طفل صغير،يتدلى من أحد الأغصان،وينظر إليه في حذر،طفل أصلع ليس له قرون كما الشياطين ،الشياطين وحدهم لهم قرون،كذلك بعض الحيوانات،والطفل الذي رآه ليس حيوانا ولا شيطانا،لكن أفعاله تفوق أفعال الشياطين،الطفل الذي رآه تلميذ مشاغب يدرس عنده ،الطفل الذي رآه ليس كباقي الأطفال،الطفل الذي رآه مجازا ينسب إلى الأطفال،الطفل الذي رآه تركيبة وجهه غريبة،الطفل الذي رآه رأسه مفطح،يتصدره أنف معقوف قليلا،يسيل منه المخاط بغزارة،وتحته مباشرة ـ تحت الأنف ـ هناك شفتان غليظتان،منتصبتان كجبلين عظيمين،وفوقه مباشرة ـ فوق الأنف ـ هناك عينان خبيثتان ،تركن براءة الأطفال جانبا،وتركل دهشتهم اللذيذة ركلة قوية،الطفل الذي رآه ـ الطفل الأصلع ـ كان يرميه بالطبشور حين يستدير إلى السبورة ليخط شيئا،ومع ذلك لم يكن يغضب منه بل كان يواجه التلاميذ ويقول لهم،أن من فعل هذا المنكر سينبت الشيب برأسه،ويصبح عجوزا أشمطا،لا يستطيع اللعب مثلهم،لأن شعره الآن ملطخ بالطبشور،شعره أصبح أبيضا كالثلج ،ولأن الطفل أصلع تماما،فإنه أخذ يمسح رأسه خفية،وحده يفعل ذلك،فيبتسم شبيهي.
    توجه نحوه،وتكسر سن قلمي،فتوقفت عن الكتابة رغما عني،دائما يتكسر سن قلمي عندما أبدأ الحديث عن هذا الطفل في قصصي،يتكسر وأتوقف عن الكتابة لحظة قصيرة،أسترجع فيها ذكريات الطفولة البريئة،الخبيثة في بعض الأحيان،الحزينة أحيانا أخرى،أنظر إليها من جميع الزوايا،فتتعدد صور طفولتي لحد التناقض،تتعدد في ذاكرتي، وتتراكم،وتتزاحم،وتتصارع لتخرج صورة واحدة،تصور جانبا واحدا من طفولة متعددة الصورثم أعود للكتابة مرة أخرى.أبري القلم بالمبراة وأعود للكتابة،آخذ المبراة من درج المكتب وأبري القلم،درج مكتبي مليء بأشياء عديدة لا آخذ منها إلا المبراة لأبري القلم ثم أعود للكتابة،لكنني الآن سأحطم هذه العادة،سأسحقها،سأرتشف قهوتي أولا ثم أعود للكتابة،قهوتي التي أحبها ساخنة،متمنعة على شفتي لابد أنها الآن قد أصبحت باردة،لذلك يجب علي أن أملأ فنجانا آخر،سأرتشف القهوة ساخنة،سأفرغ الفنجان كله بجوفي كي لا تبرد قهوتي وبعدها أعود إلى الكتابة.متى أعود إلى الكتابة؟أعود إلى الكتابة حينما أرتشف فنجان قهوتي كله رشفة واحدة.متى أتم كتابة قصتي؟أتمها حينما أرتشف فنجان قهوتي.متى تقول؟حينما أرتشف قهوتي.الجواب صحيح،حسن جدا،هديتك العودة إلى الكتابة
    وتوجه شبيهي نحو الطفل الأصلع المتشبث بغصن الشجرة،وأشار إليه أن ينزل فنزل بٱرتباك ،وأخذ ينظر إليه متوجسا،حاميا وجهه بكلتي يديه،عضلات وجهه متقلصة،ويديه وفريصتيه وساقيه كلها متقلصة،ورفع شبيهي يده إلى أعلى،وربت على رأسه بلطف مطمئنا إياه،وسأله عن سبب وجوده بهذا المكان،فأشار الأصلع إلى بيت قريب مكسور الباب لكنه مازال يفي بالغرض،وقال أن ذلك بيته،ونظر إلى الشجرة وقال أنها ملعبه،فٱبتسم شبيهي ،وٱبتسم الأصلع،وٱلتمعت أسنان شبيهي ،وبرقت صلعة الصغير،وسأله شبيهي عن مكان والديه،فأخبره الصغيرأنهما يعملان في الحقل،وقريبا سيلحق بهماليساعدهما ،وربما يترك الدراسة
    فتجهم وجه شبيهي وندت عنه تنهيدة طويلة وقال له:حاول أن تتابع دراستك.هذا كل ماقال له،ثم أشار إلى الشجرة وحذره من مغبة السقوط منها،وعندما كان ذاهبا سأله عن أقرب طريق إلى محطة القطار،فأراه الطريق في حماس،فشكره شبيهي وتوجه إلى المحطة،شكره بابتسامة لطيفة برقت لها أسنانه اللؤلؤية،وودعه الطفل الأصلع ملوحا بيده ولم تبرق صلعته الملساء لأن الشجرة ظللت رأسه خفية.
    وأكمل شبيهي طريقه،مستمتعا بالجو الجميل،ومداعبة النسيم العليل.صور الماضي تتلاطم في رأسه،وخضرة الحقول المحيطة به تزرع قلبه بالنشوة،والشوق إلى أهله يسرع خطاه.إخترق بعض الحقول،وصعد إحدى الروابي،فظهرت أمامه سكة الحديد،سار بمحاداتها قليلا إلى أن وصل إلى المحطة،فتوجه إلى شباك التذاكر،وٱشترى تذكرة،وماهي إلا دقائق حتى وصل القطار،فركبه وٱتخذ مقعدا قرب النافذة،وأخذ يشغل وقته بالتفرس في وجوه المسافرين،وبعد لحظات إنطلق القطار فتنهد في إرتياح و....رن جرس الباب ،فتوقفت عن الكتابة،وذهبت لأفتح الباب،وظل شبيهي جالسا على مقعده في القطار،هو يجلس وأنا أنهض من مقعدي،هو يخرج لزيارة أهله ،وأنا أظل في البيت بين أربعة جدران.ما هذا الشبيه الذي يخالفني في كل شيء؟..وفتحت الباب فوجدت عائلتي أمامي تنظر إلي مبتسمة،عائلتي الساكنة بعيدا عني،الساكنة بالقرية النائية،وجدت أبي وأمي وأخي وأختي،وجدت عائلتي.أسعدتني المفاجأة،فٱحتضنتهم بين ذراعي،وأدخلتهم وأنا أتكلم دون توقف،أدخلتهم وتركت شبيهي راكبا القطار،تركته ذاهبا إلى أهله،تركته وأنا أعلم أنه سيصل إلى أهله،طال الوقت أم قصر.حتما سيصل....
    التعديل الأخير تم بواسطة رشيد شرشاف; الساعة 26-07-2015, 21:11.
    كن ابن من شئت واكتسب أدباً يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ فليس يغني الحسيب نسبته بلا لسانٍ له ولا أدب إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة رشيد شرشاف مشاهدة المشاركة
    الزيارة..بقلم رشيد شرشاف
    ٱستيقظت،ٱستيقظنا،ٱستيقظت أولا ثم أيقظت شبيهي،شبيهي الذي يسكن بمخيلتي،بمخيلتي يسكن،يتخذ أوراقي سكنا،سكنا يتخذها،أوقظه بجرة قلم،يستيقظ،وقبله أستيقظ أنا،آخذ قلما وأوراقامن درج مكتبي الصغير،وأكتب،آخذ ورقة وأكتب:ٱستيقظ شبيهي،بعد نوم عميق ٱستيقظ،ٱستيقظ بجرة قلم بعد أن ٱستيقظت،وٱتجهت توا إلى مكتبي الصغير،وأخرجت من درجه أوراقا وقلما،وكتبت بخط أنيق:ٱستيقظ شبيهي،فقط ٱستيقظ،ٱستيقظ فقط،ثم وضعت القلم على سطح مكتبي،وضعته برفق،وذهبت إلى المطبخ كي أجهز لنفسي فنجان قهوة،ذهبت ولم يذهب شبيهي،ذهبت وظل شبيهي مكانه،ظل جالسا على السرير ينتظر عودتي،لم أعد،لن أعود قبل أن أجهز فنجان القهوة،لن أعود،سأعود بعد أن أجهز فنجان القهوة،الفنجان الذي بشربه سأستطيع أن أكمل قصة شبيهي،شبيهي الذي على الورق،المنتظرني على حافة السرير،متى أرتشف فنجان قهوتي؟متى تستمر قصة شبيهي؟شبيهي الذي على الورق،الجالس على السرير.
    فاضت القهوة من الإبريق الموضوع فوق النار المنبعثة من وابور الغاز،جهزت قهوتي وملأت فنجاني كله،ملأته بالقهوة الساخنة،وعدت إلى مكتبي ورشفت منه رشفة واحدة ووضعته،وضعته على سطح مكتبي،وأخذت قلمي.
    عيني تتفحص جدران غرفتي في شرود،شبيهي ضاق به الجلوس على السرير،أكتب كلمة أو كلمتين أو ثلاث،أحاول أن أسير بأحداث القصة إلى الأمام،لا يعجبني ما أضفت من كلمات،أمحي الكلمات المضافة بسرعة،وأفكر في كلمات أخرى،أكتب إستيقظ شبيهي،شبيهي ٱستيقظ،عندما ٱستيقظ تذكر أن اليوم يوم عطلة فنام،هذا غير صحيح،عندما ٱستيقظ كانت الشمس المشرقة قد داعبت غرفته بلطف ،فنهض مبشورا ،سعيدا،لا يريد أن يضيع أي دقيقة،أي ثانية من هذا اليوم الجميل.جميل جدا،هكذا تكون البداية،يستيقظ شبيهي نشيطا،سعيدا،فرحا باليوم الجديد،يفطر أولا، ثم يرتدي ملابسه،ويذهب لزيارة صديقه عدنان،من عدنان هذا؟
    يرتدي ملابسه و يذهب لزيارة أهله بالقرية،أهله المشتاق إليهم كثيرا،المشتاق إليهم،يذهب إليهم مشتاقا،مشتاقا يذهب إليهم،يذهب لزيارة أمه وأبيه،وأخته وأخيه،المشتاق إليهم،،فالمشتاق لا يخصه سوى النظر في وجه أهله والذهاب إليهم،لذلك فهو يذهب لزيارة أهله بالقرية.
    رشفت قليلا من القهوة،القهوة التي صببتها في الفنجان قبل قليل،القهوة التي صببتها أصبحت دافئة،وأنا لا أحبها إلا ساخنة،محرقة،متمنعة على شفتي،متدللة،تتطلب الصبرو المهارة في الرشف كي لا تحرق شفتي،يجب أن أصب الفنجان في الإبريق و أملأ فنجانا آخر،يتمنع ويتدلل ولا يحرقني في شفتي،الأمر يتطلب مهارة في الرشف ليس إلا.
    رشفت قليلا من القهوة وعدت إلى الكتابة من جديد،أين وصل شبيهي؟آه سيذهب لزيارة أهله.
    الجو جميل بالخارج،شمس دافئة،ونسيم عليل،ونشاط يسري بالعروق.لم يزر أهله منذ شهرين،شهرين متتابعين لم يطل بوجهه عليهم،منذ عين مدرسا بهاته القرية النائية ،لم يطل عليهم ولا مرة واحدة.ٱنشغل بالبحث عن مسكن،وترتيب أموره،وتعويد نفسه على العيش بهاته القرية،والتعرف على أهلها البسطاء،الظرفاء،لم يضايقه غير هذا المدير الذي يستفرد بالمدرسة،يريد أن يكون الكل في الكل،يتدخل في شؤون بعيدة عنه،متطفل مكروه هذا المدير،يضايق شبيهي ويخنق أنفاسه،يريد أن يتحكم فيه كباقي زملائه،لكن هيهات،شبيهي يابس العود،صلب القناة،قوي المراس،متين العرى،لا يتدلل لبغي البغاة.لحظة ،أين سمعت هذا الوصف من قبل؟أين؟آه إنه مقطع من بيت شعري لم أعد أذكر صاحبه،لا يهم ،المهم أن شبيهي لم يرضخ للمدير،وكاد الصراع ينتهي على شر،لولا مؤازرة الزملاء له،وتلطيف الجو بينه وبين سيادة المدير،أقصد سعادة المدير،المدير.
    تابع شبيهي سيره بين الحقول مستمتعا بالجو الجميل،ناقلا بصره بين المشاتل،والأشجار المثمرة،وروعة البساتين،والأزهار الخلابة،مستمتعا بكل لحظة،بكل نسمة،بكل عطر،بكل نظرة،بكل خطوة،بكل شيء،وفجأة ظهر له من بين الأشجار شيطان صغير،أقصد طفل صغير،يتدلى من أحد الأغصان،وينظر إليه في حذر،طفل أصلع ليس له قرون كما الشياطين ،الشياطين وحدهم لهم قرون،كذلك بعض الحيوانات،والطفل الذي رآه ليس حيوانا ولا شيطانا،لكن أفعاله تفوق أفعال الشياطين،الطفل الذي رآه تلميذ مشاغب يدرس عنده ،الطفل الذي رآه ليس كباقي الأطفال،الطفل الذي رآه مجازا ينسب إلى الأطفال،الطفل الذي رآه تركيبة وجهه غريبة،الطفل الذي رآه رأسه مفطح،يتصدره أنف معقوف قليلا،يسيل منه المخاط بغزارة،وتحته مباشرة ـ تحت الأنف ـ هناك شفتان غليظتان،منتصبتان كجبلين عظيمين،وفوقه مباشرة ـ فوق الأنف ـ هناك عينان خبيثتان ،تركن براءة الأطفال جانبا،وتركل دهشتهم اللذيذة ركلة قوية،الطفل الذي رآه ـ الطفل الأصلع ـ كان يرميه بالطبشور حين يستدير إلى السبورة ليخط شيئا،ومع ذلك لم يكن يغضب منه بل كان يواجه التلاميذ ويقول لهم،أن من فعل هذا المنكر سينبت الشيب برأسه،ويصبح عجوزا أشمطا،لا يستطيع اللعب مثلهم،لأن شعره الآن ملطخ بالطبشور،شعره أصبح أبيضا كالثلج ،ولأن الطفل أصلع تماما،فإنه أخذ يمسح رأسه خفية،وحده يفعل ذلك،فيبتسم شبيهي.
    توجه نحوه،وتكسر سن قلمي،فتوقفت عن الكتابة رغما عني،دائما يتكسر سن قلمي عندما أبدأ الحديث عن هذا الطفل في قصصي،يتكسر وأتوقف عن الكتابة لحظة قصيرة،أسترجع فيها ذكريات الطفولة البريئة،الخبيثة في بعض الأحيان،الحزينة أحيانا أخرى،أنظر إليها من جميع الزوايا،فتتعدد صور طفولتي لحد التناقض،تتعدد في ذاكرتي، وتتراكم،وتتزاحم،وتتصارع لتخرج صورة واحدة،تصور جانبا واحدا من طفولة متعددة الصورثم أعود للكتابة مرة أخرى.أبري القلم بالمبراة وأعود للكتابة،آخذ المبراة من درج المكتب وأبري القلم،درج مكتبي مليء بأشياء عديدة لا آخذ منها إلا المبراة لأبري القلم ثم أعود للكتابة،لكنني الآن سأحطم هذه العادة،سأسحقها،سأرتشف قهوتي أولا ثم أعود للكتابة،قهوتي التي أحبها ساخنة،متمنعة على شفتي لابد أنها الآن قد أصبحت باردة،لذلك يجب علي أن أملأ فنجانا آخر،سأرتشف القهوة ساخنة،سأفرغ الفنجان كله بجوفي كي لا تبرد قهوتي وبعدها أعود إلى الكتابة.متى أعود إلى الكتابة؟أعود إلى الكتابة حينما أرتشف فنجان قهوتي كله رشفة واحدة.متى أتم كتابة قصتي؟أتمها حينما أرتشف فنجان قهوتي.متى تقول؟حينما أرتشف قهوتي.الجواب صحيح،حسن جدا،هديتك العودة إلى الكتابة
    وتوجه شبيهي نحو الطفل الأصلع المتشبث بغصن الشجرة،وأشار إليه أن ينزل فنزل بٱرتباك ،وأخذ ينظر إليه متوجسا،حاميا وجهه بكلتي يديه،عضلات وجهه متقلصة،ويديه وفريصتيه وساقيه كلها متقلصة،ورفع شبيهي يده إلى أعلى،وربت على رأسه بلطف مطمئنا إياه،وسأله عن سبب وجوده بهذا المكان،فأشار الأصلع إلى بيت قريب مكسور الباب لكنه مازال يفي بالغرض،وقال أن ذلك بيته،ونظر إلى الشجرة وقال أنها ملعبه،فٱبتسم شبيهي ،وٱبتسم الأصلع،وٱلتمعت أسنان شبيهي ،وبرقت صلعة الصغير،وسأله شبيهي عن مكان والديه،فأخبره الصغيرأنهما يعملان في الحقل،وقريبا سيلحق بهماليساعدهما ،وربما يترك الدراسة
    فتجهم وجه شبيهي وندت عنه تنهيدة طويلة وقال له:حاول أن تتابع دراستك.هذا كل ماقال له،ثم أشار إلى الشجرة وحذره من مغبة السقوط منها،وعندما كان ذاهبا سأله عن أقرب طريق إلى محطة القطار،فأراه الطريق في حماس،فشكره شبيهي وتوجه إلى المحطة،شكره بابتسامة لطيفة برقت لها أسنانه اللؤلؤية،وودعه الطفل الأصلع ملوحا بيده ولم تبرق صلعته الملساء لأن الشجرة ظللت رأسه خفية.
    وأكمل شبيهي طريقه،مستمتعا بالجو الجميل،ومداعبة النسيم العليل.صور الماضي تتلاطم في رأسه،وخضرة الحقول المحيطة به تزرع قلبه بالنشوة،والشوق إلى أهله يسرع خطاه.إخترق بعض الحقول،وصعد إحدى الروابي،فظهرت أمامه سكة الحديد،سار بمحاداتها قليلا إلى أن وصل إلى المحطة،فتوجه إلى شباك التذاكر،وٱشترى تذكرة،وماهي إلا دقائق حتى وصل القطار،فركبه وٱتخذ مقعدا قرب النافذة،وأخذ يشغل وقته بالتفرس في وجوه المسافرين،وبعد لحظات إنطلق القطار فتنهد في إرتياح و....رن جرس الباب ،فتوقفت عن الكتابة،وذهبت لأفتح الباب،وظل شبيهي جالسا على مقعده في القطار،هو يجلس وأنا أنهض من مقعدي،هو يخرج لزيارة أهله ،وأنا أظل في البيت بين أربعة جدران.ما هذا الشبيه الذي يخالفني في كل شيء؟..وفتحت الباب فوجدت عائلتي أمامي تنظر إلي مبتسمة،عائلتي الساكنة بعيدا عني،الساكنة بالقرية النائية،وجدت أبي وأمي وأخي وأختي،وجدت عائلتي.أسعدتني المفاجأة،فٱحتضنتهم بين ذراعي،وأدخلتهم وأنا أتكلم دون توقف،أدخلتهم وتركت شبيهي راكبا القطار،تركته ذاهبا إلى أهله،تركته وأنا أعلم أنه سيصل إلى أهله،طال الوقت أم قصر.حتما سيصل....
    مساء الورد
    أدري تماما أن ملاحظتي ستزعجك..أو ربما!!طال منك النص كثيرا
    تمتلك أدوات القص
    تمتلك الموهبة والخيال
    تمتلك تلك الروح الوهاجة لكنك لم تستغلها لصالح النص
    يستحق نصك أن تكثفه كي يعتدل ويصبح مرنا وسلسا وتخرجه من خانة التهدل التي وضعتها به دون إرادته
    أحببت طريقة التشديد على الفعل لكنك أطلت بها كثيرا
    أتمنى عليك أن تعود لزرعك وكما يقول الربيع لي دائما
    عودي لزرعك عائده وشذبيه
    تحياتي لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • رشيد شرشاف
      أديب وكاتب
      • 24-06-2015
      • 246

      #3
      الأستاذة الكريمة عائدة محمد نادر
      أعجبتني صراحتك و تفضلك بقراءة قصتي
      فعلا القصة طويلة و تحتاج بعض التشذيب
      لقد إنتهيت من كتابتها سنة 1999 ونشرتها ببعض الجرائد الوطنية في ذلك الحين
      أرجو منك قراءة آخر أعمالي بالمنتدى كقصة :على أوتار الجرح ـ جعفر لن يأتي أبدا ـ القرار الأخير ـ أنا العريس...
      وشكرا سيدتي مقدما

      تحياتي لك
      كن ابن من شئت واكتسب أدباً يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ فليس يغني الحسيب نسبته بلا لسانٍ له ولا أدب إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي

      تعليق

      • عبدالإله فؤاد
        أديب وكاتب
        • 23-07-2015
        • 56

        #4
        تجربة كتابية جميلة، لكنها طالت حد المبالغة في المبنى على حساب المعنى، أخي رشيد. التركيز على تقطيع فعل الشبيه أفقد التشويق فعاليته. أعرف أنها مسألة اختيار، لكنه يستحق المزيد من التدقيق.. دمت مبدعا متألقا أخي العزيز رشيد شرشاف.

        تعليق

        • رشيد شرشاف
          أديب وكاتب
          • 24-06-2015
          • 246

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عبدالإله فؤاد مشاهدة المشاركة
          تجربة كتابية جميلة، لكنها طالت حد المبالغة في المبنى على حساب المعنى، أخي رشيد. التركيز على تقطيع فعل الشبيه أفقد التشويق فعاليته. أعرف أنها مسألة اختيار، لكنه يستحق المزيد من التدقيق.. دمت مبدعا متألقا أخي العزيز رشيد شرشاف.
          أخي المحترم الأستاذ عبد الإله فؤاد
          شكرا على مرورك الطيب بصفحتي
          أشكر لك حسن قراءتك وتفاعلك مع القصة وكذلك ما تفضلت به من طيب الكلام والرد.
          كن ابن من شئت واكتسب أدباً يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ فليس يغني الحسيب نسبته بلا لسانٍ له ولا أدب إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي

          تعليق

          يعمل...
          X