الشخصية الطُظية فى القاهرة الجديدة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرؤوف النويهى
    أديب وكاتب
    • 12-10-2007
    • 2218

    الشخصية الطُظية فى القاهرة الجديدة

    طنطا - ميت حبيش البحرية فى 6/2/2015م

    (1)

    القاهرة الجديدة ونجيب محفوظ

    ____________
    بالأمس وقمر الحزن يملأ السماء والبرد يتسلل إلى عظامى ..يأبى إلا أن يسكن فيها ..ومصرنا الحبيبة تسير فوق الشوك والخناجر والجراح والألغام والآلام ..وروحى حزينة حتى الموت ،قمت من بين أكداس الكتب التى تحيط بالجدران الأربعة بحجرة مكتبى وفتحت التليفزيون بشاشته العريضة جداً فالعين تعبت وكلت.
    شاهدت حمدى أحمد فى دور محجوب عبدالدايم صاحب المقولة الشهيرة "
    طظ" فى رواية نجيب محفوظ .
    هذه الرواية الحارقة المدمرة الصاعقة التى أتعبتنى حين قرأتها فى سنوات التكوين والعمر الأخضر وما شدنى إليها حتى السطر الأخير منها :
    "
    وابتسم الرفاق ،الأصدقاء الأعداء وتبادلوا نظرة ذات معنى ،وكأنهم يتساءلون معاً:
    " ماذا تخبىء لنا أيها الغد؟!"
    .
    هذه الرواية التى نشرها نجيب محفوظ سنة 1945م بعد نشره كفاح طيبة فى نفس السنة .
    المهم ..سرحت مع الفيلم وسعاد حسنى وأحمد مظهر وتوفيق الدقن ،ودار بعقلى أفكار كثيرة.
    ما هذا العفن الذى تعيش فيه مصر فى تلك الحقبة ؟
    لكن الثورى على طه أنقذنى من أفكارى ..
    وقلت لنفسى :من الذى يقبل أن يكون قواداً وبهذا الشكل المهين ؟
    إنه محجوب عبدالدايم ..هذا الشخصية
    "الطظية " الذى لايعرف قيمًا ولاخلقاً ،ضحية الفقر الدكر فى مجتمع بشع غاية البشاعة .
    وقلت لنفسى :
    ربما تكون هذه الشخصية من بين أفكار نجيب محفوظ ولا وجود لها فى الواقع!
    وشدنى شيطانى من أذنى وهتف بى :ألم تقرأ الجريمة والعقاب لدستوفيسكى ؟
    ألم تجد بعض الظلال ؟؟!!
    إلا أننى تذكرت أن نجيب محفوظ قد أكد على واقعية هذه الشخصية وليست من الخيال .

    وتعود بى ذاكرتى التى تأبى النسيان إلى ما قرأته فى دراسة فارقة ،صدرت فى سلسلة نجيب محفوظ التى تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب ،تحت عنوان "
    قفص الحريم "باميلا ألجريتو دييوليو،ترجمة محمد الجندى ،مراجعة د.محمد عنانى .سنة 2011م الكتاب رقم 11
    وبص31"تذكر فاطمة موسى محمود أن "
    نجيب محفوظ مر بأكبر اختبار عندما عرضت عليه عند تخرجه توظيفة حكومية ولكن بشرط الزواج من عشيقة وكيل وزارة فى إحدى الوزرات التى كان محفوظ قد تقدم إليها"فخضع لهذا العرض ولم يعلن زواجه لأسرته مما أدى أيضاً لعزلته عن أصحابه نتيجة لهذا التصرف الغريب .وتذكر فاطمة موسى أن "نجيب محفوظ كان عليه أن يغمض عينيه ويغادر المنزل عندما كان وكيل الوزارة يزور بيته".
  • عبدالرؤوف النويهى
    أديب وكاتب
    • 12-10-2007
    • 2218

    #2
    (2)
    الشخصية الطُظية فى القاهرة الجديدة المعاصرة
    ___________________

    ويبدو أن شخصية طُظ سيطرت على نجيب محفوظ ،الخارج على الأعراف والتقاليد وقيامه بدور حقير ،كما سبق أن أوضحنا ،فيرسم الشخصية الطظية بإتقان وبراعة ،وكأنى به يحاول أن يتنصل مما إرتكبه هو"شخصياً ،من تصرف شديد الغرابة ،عظيم الفجور واعترافه بذلك فى أحاديثه ،محاولاً تطهير روحه من دنس فظيع شديد الفظاعة ،أقدم عليه فى لحظة ضعف .
    ويبدو أن الشخصية الطظية حية ،بيننا ،تقتات من كرامتنا وأمننا وتسعى كالحيات والأفاعى فى أرواحنا وشواعنا وحوارينا .
    وفى صفحات رواية القاهرة الجديدة وفى ص10
    "فسأله أحمد بدير :
    - وأنت يأستاذ محجوب ما رأيك فى المناظرة ؟
    فأجابه بهدوء:
    طُظ
    __هل المبادئ ضرورية ؟
    __طُظ..
    _غير ضرورية إذاً؟
    __طُظ..
    __فى أيهما ؟!
    __ طُظ ..
    __وهل لك رأى ما؟
    __طُظ..
    __وهل طُظ هذه رأى يرى؟
    فقال محجوب بهدوئه المصطنع :
    __هى المثل الأعلى .."
    وفى إحدى جلساتنا المعتادة بنادى طنطا الرياضى - حول حمام السباحة الأوليمبى -كنا مجموعة من أطباء ،محامين ،قضاة ،أساتذة جامعيين ،مهندسين،محاسبين ،إلخ .
    مجموعة تكاد تشمل طوائف المجتمع يعتنقون العديد من الأفكار والتيارات السياسية ،إلا أن أحدهم يميل ميلاً شديداً إلى جماعات الإسلام السياسى ،
    ولكن بحكم وظيفته المرموقة يحاول أن يخفيها ويلتحتف بمبدأ التقية ويعتصم بالصمت أكثر الوقت ،وإذا طُلب منه الكلام يهمهم ويتأتأ وبصعوبة بالغة نتبين مخارج الحروف وقد يمضى الوقت ولانعرف رأيه فيما نتحاور فيه.
    وبعد مجزرة العريش وسقوط الضحايا المدنيين والعسكريين والشرطيين والنفوس ثائرة والمرارة فى طعم كل شىء نتناوله ويدخل بطوننا .
    دار الحديث عما يجب عمله وأدلى كل ٌمنا برأيه إلا أن هذا "الأحد" ولأول مرة نرى الكلام ينساب من فمه ،وكأن عقدة اللسان قد حُلّت ،فأخذ بناصية الحديث قائلاً:
    وإيه يعنى إللى بيحصل شىء عادى وممكن يحصل كل يوم وربما الجيش هو إللى بيعمل كده أو المخابرات عشان البلد تظل مولعة ..
    وسيطرت الدهشة على الجميع ..فأنبرى أحدنا زاعقاً فيه:
    إنت ملتك إيه !!؟؟إيه الكلام الفارغ ده .!!هو إنت شمتان بدل ماتتوجع زينا ..فعلاً إنتم تستهلوا الإبادة .
    وعلى الفور كان حضور الشخصية الطظية ،التى لاخُلق لها ولاقيم ولامبادئ ، تتسلط على رأسى وتأخذنى إلى "القاهرة الجديدة المعاصرة "التى يسعى إليها نفرٌ منا ،غاب عنهم العقل واستحكم الغباء فى تصرفاتهم ،وأصبحت"
    طظ هى مثلهم الأعلى "لما يجاهدون فى الوصول إليه وتحقيقه بالنار والحديد والاستقواء بالخارج لهدم كيان مصر .

    تعليق

    • عبدالرؤوف النويهى
      أديب وكاتب
      • 12-10-2007
      • 2218

      #3
      (3)

      إحسان شحاتة ومهدى عاكف
      ______________
      مهدي عاكف ،مرشد الإخوان السابق، يقول :
      -
      طظ في مصر وأبو مصر واللي في مصر.

      (جريدة روزاليوسف بتاريخ 9-4-2006)

      لا أختلف مع أحد أن لفظة طُظ ،بحرفيها الطاء المضمومة والظاء المسكونة ،شغلتنى فترة من الزمن ،كنت أفتش فى المعاجم والقواميس اللغوية عما تعنيه ،وغُلبت وغُلب حمارى ،فقد قطعت أشواطاً كثيرة فى البحث وأعيانى البحث ..فلذت بالصمت لحين أجد معناها .
      نعم ..إذا دب فى قلب المرء الاستهانة بأشخاص يتحكمون فيه ،لا يملك إلا أن يقول لنفسه:
      طُظ فيهم وفى أبوهم ،وإذا حوصر ولم يجد مفراً لايجد إلا طُظ تنفلت من بين شفتيه عالية مدوية .
      ولا أظن أن نجيب محفوظ اخترع هذه اللفظة فى روايته القاهرة الجديدة ،فبالتأكيد كانت على كل الألسن وتتدوالها جميع طبقات الشعب ،من كثرة المظالم التى تملأحياته والوطن تحت أقدام الإستعمار الإنجليزى القذر .

      ومحجوب عبدالدايم يتغزل فى لفظة طُظ ،أكاد أسمعها وهى تخرج من بين شفتيه مثقلة بالتنغيم والتطريب ،فقد وردت فى رواية القاهرة الجديد مئات المرات .
      وما أقدم عليه محجوب عبدالدايم ،من الأعمال المشينة والانحطاط المرفوض الذى تأباه النفس الشريفة والعقل السليم ،لكن فى لحظة التعصب لفكرة ما يتم إغفال كل الجوانب الأخرى حتى المتعلقة بالحياة ذاتها ،كالذى يفجر نفسه لقتل أعدائه .
      أزعم أن إحسان شحاتة ماتت بداخلها منظومة القيم والمبادئ الطاهرة الشريفة ولم تر إلا الانقياد لعواطفها الخبيثة الخسيسة ،كذلك محجوب عبدالدايم ، فتم التزواج بينهما وكلاهما يعلم حق العلم ،الوساخة والخساسة والتدنى، الغارقين فيه.

      ولكن ما الذى يدعو مهدى عاكف إلى طُظ محجوب عبدالديم بعدما يزيد عن
      ستينعاماً ويستدعيها من بين دفتى رواية القاهرة الجديدة ؟؟
      سؤال راودنى طويلاً وأنا أقرأ جريدة روزا اليوسف ،آنذاك،وقد أحتفظت بهذا العدد "الثمين "ضمن مقتنياتى لفرائد الأحاديث وخرائد المقالات !!!
      لقد ظهرت جلية من إجابات مهدى عاكف ،على الأسئلة المطروحة عليه ،العجرفة والتعالى والاستهانة والاستعلاء والتعصب لما يعتقده ويدين به ،وكأنه الوحيد الذى يمتلك الحقيقة المطلقة دون خلق الله أجمعين .
      طظ فى مصر وأبو مصر وإللى فى مصر
      ..هكذا خرجت من بين شفتى مرشد الإخوان" المسلمين " ولم ينكرها بل صارت علامة مميزة للإخوان "المسلمين" .
      تمنيت ،فى وقت ما ،أن يضعوها شعاراً لهم فهو حقيقٌ بهم ويليق بفكرهم وخستهم ونذالتهم .

      تعليق

      • عبدالرؤوف النويهى
        أديب وكاتب
        • 12-10-2007
        • 2218

        #4
        (4)

        نجيب محفوظ يتذكر


        كتابات نقدية كثيرة عن أعمال نجيب محفوظ،وأحاديث صحفية لاحصر لها يُدلى بها نجيب محفوظ ودراسات متخصصة عن أعمال نجيب محفوظ .

        منذ وعيت القراءة ..دأبت على قراءة أعمال نجيب محفوظ ..لايفوتنى رواية أو قصة قصيرة إلا وأسعى للحصول عليهما .
        فنجيب محفوظ أمير الرواية العربية بل ومليكها المتوج بجائزة نوبل العالمية .


        نجيب محفوظ ملأ الدنيا وشغل الناس .
        وأعود إلى مكتبتى ..منقباً عن ما كُتب عن نجيب محفوظ ،فأجد تلالاُ من الكتب والدراسات فى مجلات متنوعة وأحسبنى وقت صدورها قد طالعتها بالقدرالذى يُتاح لى من الوقت والاهتمام .
        قلتُ فى المقالة الأولى ..أنا لم أصدق ماأثبتته باميلا فى كتابها قفص الحريم وتشككت فيما هو منسوب لمحفوظ لكن الدراسة موجودة والكتاب أيضاً.

        • وما قالته فاطمة موسى محمود، مذكور فى دراستها باللغة الإنجليزية سنة 1981م .
        • وأتصفح عدة دراسات عن نجيب محفوظ ،سابقة على هذا التاريخ أو لاحقة عليه ،صدرت باللغة العربية ،فلم أجد ذكراً أو تلميحاً لما ذكرته فاطمة موسى .


        وأفتح كتاب "نجيب محفوظ يتذكر" لجمال الغيطانى وفى الصفحة رقم 5 يكتب نجيب محفوظ وبخط يده :
        هذا الكتاب أغنانى عن التفكير فى كتابة سيرة ذاتية لما يحوية من حقائق جوهرية وأساسية فى مسيرة حياتى فضلاً عن أن مؤلفه يعتبر ركناً من سيرتى الذاتية " 5نوفمبر 1987نجيب محفوظ

        شخصية محجوب عبدالدايم ليست شخصية خيالية بل هى شخصية من لحم ودم ..هكذا أكد نجيب محفوظ .
        إنما الغريب فى الأمر أن أى نجيب محفوظ لم يتذكر ما قالته فاطمة موسى مع أنه قرر أن الكتاب يحوى حقائق جوهرية وأساسية فى مسيرة حياته..
        إذن ما السبب فى تناسى ذكر تلك الحقيقة ؟
        هل هى مقصودة أم الخجل من ذكرها أم ...............؟ الله أعلم
        وبالرجوع إلى كتابات نقدية متنوعة عن أدب نجيب محفوظ ،لم أجد ذكراً لحقيقة محجوب عبدالدايم " بطل "فضيحة فى القاهرة " ثم تغير العنوان إلى "القاهرة الجديدة "وعندما أخرج أبو سيف الفيلم "سماه "القاهرة 30"
        .

        تعليق

        • عبدالرؤوف النويهى
          أديب وكاتب
          • 12-10-2007
          • 2218

          #5
          (5)
          النقاد والقاهرة الجديدة

          شق نجيب محفوظ طريقه الشاق لإرساء قواعد رواية عربية ،وقت أن كانت المحاولات السابقة عليه ،تجاهد فى تعبيد هذا الطريق ..
          وما قام برصده الدكتور جابر عصفور فى كتاباته العديدة ،من أن هناك محاولات عديدة للرواية العربية فى بعض أقطار العالم العربى .فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،ولكنها كانت محاولات متوسطة القيمة وضعيفة التأثير .

          كانت ثلاثيته المصرية "عبث الأقدار ،رادوبيس،كفاح طيبة " بداية ناضجة أشاد بها نقاد عصره ..ثم بدأ نجيب محفوظ فى السير فى الإتجاه الواقعى بروايته "القاهرة الجديدة "وفقاً لما أثبته من أن الطبعة الأولى للقاهرة الجديدة سنة1945م .
          ويذكر الدكتور على شلش فى كتابه "
          نجيب محفوظ..الطريق والصدى
          .كتاب الثقافة الجديدة ،الهيئة المصرية لقصور الثقافة، طبعة ديسمبر 1993م ،ص135
          "
          أن نجيب محفوظ قدّم تاريخ الكتابة على تاريخ النشر فقدّم "القاهرة الجديدة "على "خان الخليلى
          ".

          وكتب عن هذه الرواية ستة عشر كاتباً من مصر والأقطار العربية ..وجميعهم أشادوا بها .
          وما يهمنى أن سيد قطب فى كتابه "
          كتب وشخصيات"
          قد أشاد بها ،بل ووجه اللوم إلى النقاد"
          من دلائل غفلة النقد فى مصر التى تحدثت عنها فى كلمة سابقة ،أن تمر هذه الرواية القصصية "القاهرة الجديدة"دون أن تثير ضجة أدبية أو ضجة اجتماعية"
          ويستطرد
          "...والقاهرة الجديدة شأنها شأن خان الخليلى للمؤلف نفسه لاتقل أهمية فى عالم الرواية القصصية فى الأدب العربى عن شأن أهل الكهف ،وشهرزاد لتوفيق الحكيم فى عالم الرواية التمثيلية "
          ثم يواصل
          ".....ولكن كان على النقد اليقظ فى مصر -لولا غفلة النقد فى مصر - أن يكشف أن أعمال نجيب محفوظ هى نقطة البدء الحقيقية فى إبداع رواية قصصية عربية أصيلة .
          فلأول مرة يبدو الطعم المحلى والعطر القومى فى عمل فنى له صفة إنسانية ؛فى الوقت الذى لايهبط مستواه عن المتوسط من الناحية الفنية المطلقة ............
          القاهرة الجديدة ..
          هى قصة المجتمع المصرى الحديث ،ومايضطرب فى كيانه من عوامل ،ومايصطدم فى أعماقه من اتجاهات .
          قصة الصراع بين الروح والمادة ،بين العقائد الدينية والخلقية والاجتماعية والعلمية ،بين الفضيلة والرذيلة ،بين الغنى والفقر ،بين الحب والمال ..فى مضمار الحياة "

          وهذه المقالة الطويلة أو الدراسة النقدية..نشرت فى مجلة الرسالة فى 30ديسمبر 1946م ثم تم تجميعها مع دراسات أخرى فى كتاب "كتب وشخصيات"

          تعليق

          • عبدالرؤوف النويهى
            أديب وكاتب
            • 12-10-2007
            • 2218

            #6
            (6)

            سيد قطب والقاهرة الجديدة

            لامفر ،من الاعتراف، بأن سيد قطب من أوائل النقاد الذين وقفوا وساندوا نجيب محفوظ فى بدايته الأولى .
            وكان قلم وفكر سيد قطب مرهوناً بالنقد البناءوالاهتمام المتنامى والراصد لأعمال نجيب محفوظ ،فقد نالت رواية "خان الخليلى" تقديراً واستحساناً فقال :
            "
            وهذه القصة "خان الخليلى"تستحق أن تفرد لها صفحة خاصة فى سجل القصة المصرية الحديثة........إنما تستحق هذه الصفحة ،لأنها خطوة حاسمة فى طريقنا إلى أدب قومى واضح السمات متميز المعالم ،ذى روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الأجنبية - مع انتفاعه بها- نستطيع أن نقدمه - مع قوميته الخاصة - على مائدة العالمية ،فلايندغم فيها ولايفقد طابعه وعنوانه؛فى الوقت الذى يؤدى رسالته الإنسانية ويحمل الطابع الإنسانى العام ،ويساير نظائره فى الآداب الأخرى .
            وهذه الظاهرة حديثة العهد فى الأدب المصرى المعاصر ،لم تبرز وتتضح إلا فى أعمال قليلة من بين الكثرة الغالبة لأعمال الأدباء المصريين ،وهى فى هذه القصة أشد بروزاً وأكثر وضوحاً فمن واجب النقد إذن أن يسجل هذه الخطوة ويزكيها"

            المرجع السابق ص218،217

            وفى حكم صارم ..يقول عن القاهرة الجديدة "
            فى القاهرة الجديدة نبدأ وننتهى ،ونحن أمام جيل من الناس ومجتمع قابل للزوال ،فلاتبقى إلا بعض الملامح الإنسانية الخالدة "
            ص250 المرجع السابق.


            ما استرعى انتباهى وشده بقوة ،أن المجتمع القابل للزوال الذى بشّر به سيد قطب ،عاد ،وبشراسة لامثيل لها وبضراوة لافكاك منها ،مع الجيل الذى صنعته أعمال سيد قطب الدينية ..معالم فى الطريق وغيرها من الدراسات ،بعد تآلفه الروحى والفكرى مع كتابات "أبو الأعلى المودودى ".

            هذا الكتاب القنبلة الذى زرع الدمار فى النفوس وأحدث فكراً متطرفاً إرهابياً عالمياً ،نما وتنامى عبر سنوات طويلة ،فكان الحصاد المر ونهاية مؤسفة لناقد بارع من نقادنا الأفذاذ فى حياتنا الأدبية والفكرية .

            فهل شخصية محجوب عبدالدايم ..التى لاتأبه إلا لنفسها وذاتهاوجشعها للسلطة والمال وإطاحتها بكل القيم والمبادئ فى سبيل تحقيق ماتهفو إليه وتسعى ،قد خلقت مجتمع "الإخوان المسلمون "الذى شكّل لنفسه منظومة فكرية وعقائدية وإجتماعية وأنانية و"دوجما "تخالف أبسط قواعد الإنسانية ؟؟!

            ولماذا انغلق الإخوان المسلمون فى جيتو "كالجيتو اليهودى " فى مجتمع مفتوح يمور بشتى التيارات الفكرية والعقائدية ؟؟؟

            ولماذا نقرأ فى حديث "المرشد العام " كلمة طُظ ..المثل الأعلى لمحجوب عبدالدايم ..دون غيرها من شخصيات القاهرة الجديدة؟؟؟!
            وبالتأكيد.. كانت أعمال نجيب محفوظ من ضمن التكوين الفكرى والثقافى للجيتو الإخوانى ،تأسياً واقتداءً بمفكرهم وسيدهم وفيلسوفهم !
            ولماذ انقلبوا علي "نجيب محفوظ" فى أواخر حياته وأرسلوا من يقوم بذبحه؟؟!!

            تعليق

            • عبدالرؤوف النويهى
              أديب وكاتب
              • 12-10-2007
              • 2218

              #7
              (7)
              الشخصية الطُظية تعود من جديد

              لم ينضب المخزون القصصى من ذاكرة نجيب محفوظ ،وظلت شخصية محجوب عبدالدايم هاجسه الذى يقلقه الحين بعد الآخر .
              وكما أسلفنا مافعله نجيب محفوظ فى حياته الواقعية ،قام به محجوب عبدالدايم فى روايته "القاهرة الجديدة .
              وأؤكد أن نجيب محفوظ وبعد فعلته الشنعاء فى حق نفسه والانحدار الذى هيمن عليه وقاده إلى مستنقع العفن والانحطاط ،لم يبرأ منه ربما طوال حياته .
              فكان مدعاة للتنغيص عليه وألماً لم يُشف منه.
              فى سنة 1979م ..وفى مجموعته القصصية "
              الشيطان يعظ
              " الصادرة عن دار مصر للطباعة "مكتبة مصر"، الطبعة الأولى ، ينشر نجيب محفوظ "قصته القصيرة "
              أيوب
              "من ص 204 حتى ص249

              عبدالحميد حسنى ،هذا المريض الذى ملك كل شىء وصار محط العيون والأفئدة ..المليونير الذى صار حديث المدينة ..ويفتك به مرضٌ نفسى عُضال يُقعده عن ملازمة أعماله ويصير قعيد السرير لايفارقه ..ويعجز الأطباء فى شفائه .
              وفجأة يظهر ،بعد ربع قرن من آخر لقاء بينهما ، صديقه وزميله الدكتور جلال أبو السعود ،الطبيب البارع ، الذى يدله على طريق الشفاء ..ويدفعه دفعاً أن يكون متسقاً مع نفسه صادقاً معها ،فلايكذب عليها ولا يحاول خداعها ..فالشرور تأتى بالشرور وتزلزل الروح وتهدمها وتهزمها وتمرضها ،ففى نهاية الأمر،الإنسان روح ..وما الجسد إلا وعاءٌ لها .

              ويحكى له الدكتور جلال أبو السعود عن يومياته التى يكتبها عن حياته ،مُطهراً إياها من الأكاذيب ،مجاهداً فى الإفصاح عما يؤلمه ويشقيه ويرهقه ..
              ويفيق عبدالحميد حسنى من أكاذيبه والزيف الذى يتمرمغ فيه ويستعرض حياته الأولى ويحكى للدكتور جلال أبو السعود حقيقة نفسه ،ودفينة روحه ،مكتشفاً أساس مرضه الحقيقى ويقول :
              كنت مراجعاً بحسابات الأشغال ،وكان مقاولاً ممن يتعاملون مع الوزارة ،ندت عنه كلمة فوجدتنى أمام إغراء لم يعرض لى من قبل ،اقتلعنى من مستقر حياتى ،اكتشفت أننى أنطوى على رغبات أخرى غير رغبات الثقافة والسعادة البريئة ،ثمة حياة أفضل ،ترددت طويلاً ثم مددت يدى وكان لى منطقى أيضاً المستمد من مناخ فاسد ،وتوهمت أنى أطبقه بحرية كاملة "
              ويواصل تشريح حياته والاعتراف بمكنونه أمام الدكتور جلال أبو السعود،
              فيقول
              :عشق المقاول راقصة أجنبية ،لم يكن من الميسور فى ذلك الوقت أن تمد إقامتها فى مصر ما لم تتزوج من مصرى ..(ثم بعد صمت)..قبلت أن أتزوج منها سراً نظير هبة محترمة..." بتلك الهبة فتحت مكتب للإستيراد ......بدأت بالتهريب نظراً لتشدد القوانين فى تلك الأيام ،ثم فتحت المكتب بعد ذلك ،ثم انفجر النجاح بعد الانفتاح حتى بلغت ثروتى السائلة خمسة ملايين من الجنيهات
              " ص241،240

              ويتلقف أحد مخرجينا هذه القصة ..ويصنع منها فيلماً عظيماً ،بقيادة الرائع عمر الشريف والعبقرى فؤاد المهندس والقديرة مديحة يسرى وآخرين .
              إنه محجوب عبدالدايم الجديد لكن اسمه
              عبدالحميد حسنى
              ..صنيع الانفتاح فى عهد الرئيس المؤمن محمد أنور السادات !!!

              لكن هل برأ نجيب محفوظ من أزمته ؟
              أزعم..أنه مات وهى بين جنباته تؤلمه أشد الألم ولم يتطهر منها ،رغم استماتته فى التحرر منها .

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25791

                #8
                كأنك من جديد تسحبني من رقبتي
                في أروقة القاهرة الجديدة
                و عالم محفوظ
                و تعيد و تثبت كل ما جرى و كان له الصدى و المعنى في تكويننا الأدبي
                نجيب محفوظ كان يقرأ في كل بيت و حارة و زقاق
                في العمل و البيت و الطريق
                لم تمله الامزجة
                و لم تمجه النفوس و العقول حتى في أسوأ نوباته الابداعية
                ربما هو و محمد عبد الحليم عبد الله في حاجة ماسة إلي دراسات أخرى تكشف ما تمتعا به من محبة القراء
                و دخولهما كل بيت في مصر كفورها و نجوعها و مدنها !

                هل أشكر لك هذا المجهود الضخم ؟
                أن وضعت أمامي صبي أغر اسمه ربيع عقب الباب يعشق الكتب و حتى لو لم يقرأها بعقله ؟
                وظلت بغلاف المطبعة و رائحتها التي كانت تأسرني كأنها العطر و ما هي إلا نحاس و مواد نفاذة قاتلة
                طوبى لك عبد الرؤوف ولكل العاشقين للابداع الحقيقي الذي أفرخ كل هذه الأجيال من المبدعين !
                sigpic

                تعليق

                يعمل...
                X