البحر الباكي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمود خليفة
    عضو الملتقى
    • 21-05-2015
    • 298

    البحر الباكي



    البحر الباكي
    جلستُ على شاطيء البحر أستمتع بمنظره الأزرق الخلاب وحركة موجه الأزلية حينما تبدأ تتكون من بعيد رويدا رويدا حتى تقوى ويشتد عودها وتصدر أصواتا عنيفة وهي تضرب أرض البحر بكل قوة وعنف، وأخيرا تضعف وتضعف عند الشاطيء، ويعيد البحر الكرة مرة أخرى مع موجة جديدة وهكذا بلا نهاية وبلا كلل ولا ملل ولا ضيق ولا فتور...
    قلت في نفسي إن الحياة وأفولها تتشابه مع تكوين الموج وضعفه واختفاءه في النهاية...
    وبعد فترة طويلة من التأمل، وأثناء تكوين إحدى الموجات، تهيأ لي بأن البحر يتكلم؛ فشهقت وهتفت: سبحان الله.. سبحان الله.. وهل البحر يتكلم؟!
    فرد علي البحر وهو يوشوشني في أذني:
    -نعم يا أخي، أنا أكلمك.. ألست كائنا حيا مثلك أحس وأتكلم وأحيانا أتألم...
    تمتمت:
    -سبحان الله...
    تساءلت شبه ساخر:
    -وكيف تتألم؟!
    فسمعته يرد علي ساخرا:
    -حينما يغرق أي إنسان وهو يستغيث بأي شيء لكي ينجو.
    وكدت أن أسأله ساخرا مثله:
    ولماذا تبلع الغرقى في جوفك طالما أنك تتألم؟!
    ولكني سألته؟
    -وما هو إحساسك الذي كلمتني عنه؟
    فتهيأ لي وهو يتبسم:
    -أنا وكل البحار في الدنيا نحس بحركة أمنا الأرض وحركة جدتنا الشمس وحركة كل النجوم والكواكب...
    وتابع:
    -حتى آلام البشر نحسها...
    تعجبت من تشبيهاته ومن إحساسه...
    فأصخت السمع وهو يكمل:
    -ربنا -سبحانه وتعالى- خلقنا بهذا الإحساس.. ألسنا بنا حياة؟
    تعجبت، فقال لا تتعجب، بل نحن البحار نتعجب من قدرك يا أيها الإنسان؛ إن الله قد سخرنا نحن معاشر البحار لك يا أيها الإنسان. نحن اعتبرناك شبه إله...
    فقلت:
    -حاشا لله، الإله لا شبيه له.
    سمعت صوت البحر وهو يسبح الله عز وجل... وبعد قليل، سمعت صوته وهو يتهدج وكاد أن يبكي...
    فسألته: ما بك؟ ماذا جرى؟
    فرد بصوت باك:
    -منذ سنين عديدة وفي مكانك هذا الذي تجلس فيه، رأيت ببصيرتي قبل بصري حبيبين يجلسان بعيدا عن بعضهما وكان الحب والوله والعشق بينهما على ما أشد ما يكون...
    ففرغت فاهي من الدهشة والحيرة...
    وقبل أن أسأله وكيف عرفت أن بينهما حب ووله، سمعته يقول طبعا أنت مندهش الآن من كلامي هذا، فهززت رأسي موافقا، فقال لقد شاهدت حبلا فضيا ينتقل من قلبه إلى قلبها وبالعكس، ويزداد بياضا كل يوم عن اليوم الذي قبله...
    فقلت في نفسي وأنت تعرف عن الطاقة والشاكرات وخاصة شاكرا القلب المسئولة عن الحب...
    سألته:
    -وماذا حدث بعد قصة الحب هذه؟
    فرد في أسى وحزن:
    -لم يستطع أي منهما أن يبوح بما في قلبيهما ويكفى من العين للعين رسول...
    فضحكت صاخبا:
    -يا واد يا بحر يا دنجوان...
    أوقفت الضحك والتعليق وهو يتابع:
    -كانت موجاتي تذهب إلى الشاطيء لكي تلمس وتداعب قدميهما معا في ذات الوقت، وكنت سعيدا بهذا العمل.
    فضحكت قائلا:
    -يا سيدي يا عم بحر.
    فسألته:
    -وهل تزوجا في نهاية قصة حبهما كما يحدث في نهاية أفلامنا العربية؟
    تهدج صوته:
    -في أحد الأيام، نزلت هي لتستحم بعدما غابت جدتنا الشمس، فجرفتها موجة عاتية إلى الداخل بقوة، فصرختْ وصرختُ لكي ينقذها أحد، فلم يهرع إليها إلا حبيبها لأنه هو الوحيد الموجود، وحاول بكل قوة لديه أن ينقذها ولكنه عجز حتى استقر جسداهما في جوفي...
    كدت أن أقول له بألا يبكي لأنه لو بكى فسيغرق الأرض ومنْ عليها، ولكني أفقت على لمسة من زوجتي على كتفي وهي تبتسم لتخبرني بأن الشمس قد غابت ورواد البحر قد أفلوا إلى مساكنهم...
    التعديل الأخير تم بواسطة محمود خليفة; الساعة 06-11-2015, 03:49.
يعمل...
X