ملامح هاربة
( البُورْترِيْه فنٌّ صعْبٌ و مُعَقّدٌ . نحن لا نَرْسمُ الوجُوهَ و حَسْب , إنّما نرْسمُ ما يخْتَبِئُ خلْفَ جُدْرانهِا . تذكّروا : نحن نَرْسُمُ بإحساسِنا قبلَ فرْشَاتِنا . نرْسُمُ تارِيخَ الوجوه . و قبْلَ أن تَبْدأَ في الرسْمِ تذكّر أن ما تنْظرُ إليهِ ليْسَ وَجْهًا بقَدرِ مَا هُو صُنْدوقٌ أسْوَد )
هكذا قال لنا مدرس الرسم في ورشة عمل فنية ...
في زاوية من الشارع كان المارّة يتحلّقون حول شيء ما . جرّني فضولي من تلابيبي نحوهم , وجدتهم يستمتعون بمنظر امرأةٍ في منتصف عمرها ترسم وجه رجلٍ يجلس قبالتها في هدوء تمثال . فهمت أنها رسامة تعرض على المارّة رسم وجوههم مقابل حفنة من المال .
مرّرت فرشاتها بحركات ناعمة و متتالية على وجه الرجل في صفحة المرسم , ثم قطعت الورقة و أعطته , تفرّس وجهه الجديد باهتمام . يبدو أنه وجد شبها كبيرا بين الوجهين , لذلك ابتسم و مد يده ببضع ورقات . كانت ملامحه بسيطة جدا و لم يكن يخبئ شيئا خلفها . كان يحمل وجها واحدا .
تذكرت كيف كنت أرسم وجوه أصدقائي , كنت أتعب في رسمها و أشك في قدرتي الفنية . يقولون : ( أنت تجيد الرسم ) و أردّ : ( بل أجيد الكذب بفن ) أعطيهم أوراقا تحمل وجوههم , يفرحون و يمضون , و أودّ لو ألحقهم و أصرخ وراءهم : هذه الوجوه لا تشبهكم , لستم أنتم , فرشاتي كاذبة . ذات ليلة رسم مرهقة حَطَمت مرسمي و بعثرت ألواني . ليلتذاك قطعت عهدا على أصابعي ألا تبرّ بريشة بعد اليوم . كم هو صعب و مرهق أن ترسم وجه إنسان . مهما أوتيت من جنون الريشة ثمة شيء خلف الوجوه يستعصي عليك .
جاء دوري و جلست قبالة الرسامة . كيف سترسمني ؟ كم وجها سترسم ؟ أي الوجوه سيعجبها ؟ هذا ما كان يشغلني . كلما كثرت الوجوه التي نحملها و تداخلت في بعضها تعقدت مهمة الرسم . هي لن ترسمني بقدر ما ستخبرني كيف رسمني الآخرون منذ أول نسمة هواء استنشقتها إلى آخر نفحة ألمِ زفرتها ؟ نولد صفحات بيضاء . ثم يمارس الآخرون هواياتهم على بياضنا .. لا نلبث أن نتحول إلى فسيفساء من صنعهم .
ــ ابتسم , ألا تريد أن تعود بذكرى سعيدة من هنا . انتشلني صوتها الهادئ من وحل أفكاري .
ــ أفضل أن ترسميني كما أنا .
كان طلبها ( أن أبتسم ) ليس لأعود بذكرى جيدة , بل لتسهل على نفسها مهمة الرسم . حينما طلبت ابتسامة أدركت أنها رسامة بارعة , كانت تعرف أن رسم وجه ـ كما هوـ يعني رسم آلاف الوجوه في وجه واحد .
انهمكت في الرسم و أرسلت عينيها تغوص في لجة وجهي , شعرت أنها تخترقني . تتوقف متفحصة زواياي الغامضة , إذا قبضت على ملامح هاربة عادت و قتلتها بفرشاتها . كانت عيناها تشي بأنها تتمشى في أزقة وجهي زقاقا زقاقا .
وضعت فرشاتها جانبا و ارتاحت قليلا . تنفست ببطء , كان واضحا الإرهاق على وجهها . قطعت الورقة و أعطتني . كانت لحظة مجنونة . كيف سيكون وجهي ؟ نظرت إلى الورقة , إلى وجهي .. لم أستطع أن أرفع عيني . أعطيتها أجرتها مضاعفة دون أن تلتقي عينانا !
هكذا قال لنا مدرس الرسم في ورشة عمل فنية ...
في زاوية من الشارع كان المارّة يتحلّقون حول شيء ما . جرّني فضولي من تلابيبي نحوهم , وجدتهم يستمتعون بمنظر امرأةٍ في منتصف عمرها ترسم وجه رجلٍ يجلس قبالتها في هدوء تمثال . فهمت أنها رسامة تعرض على المارّة رسم وجوههم مقابل حفنة من المال .
مرّرت فرشاتها بحركات ناعمة و متتالية على وجه الرجل في صفحة المرسم , ثم قطعت الورقة و أعطته , تفرّس وجهه الجديد باهتمام . يبدو أنه وجد شبها كبيرا بين الوجهين , لذلك ابتسم و مد يده ببضع ورقات . كانت ملامحه بسيطة جدا و لم يكن يخبئ شيئا خلفها . كان يحمل وجها واحدا .
تذكرت كيف كنت أرسم وجوه أصدقائي , كنت أتعب في رسمها و أشك في قدرتي الفنية . يقولون : ( أنت تجيد الرسم ) و أردّ : ( بل أجيد الكذب بفن ) أعطيهم أوراقا تحمل وجوههم , يفرحون و يمضون , و أودّ لو ألحقهم و أصرخ وراءهم : هذه الوجوه لا تشبهكم , لستم أنتم , فرشاتي كاذبة . ذات ليلة رسم مرهقة حَطَمت مرسمي و بعثرت ألواني . ليلتذاك قطعت عهدا على أصابعي ألا تبرّ بريشة بعد اليوم . كم هو صعب و مرهق أن ترسم وجه إنسان . مهما أوتيت من جنون الريشة ثمة شيء خلف الوجوه يستعصي عليك .
جاء دوري و جلست قبالة الرسامة . كيف سترسمني ؟ كم وجها سترسم ؟ أي الوجوه سيعجبها ؟ هذا ما كان يشغلني . كلما كثرت الوجوه التي نحملها و تداخلت في بعضها تعقدت مهمة الرسم . هي لن ترسمني بقدر ما ستخبرني كيف رسمني الآخرون منذ أول نسمة هواء استنشقتها إلى آخر نفحة ألمِ زفرتها ؟ نولد صفحات بيضاء . ثم يمارس الآخرون هواياتهم على بياضنا .. لا نلبث أن نتحول إلى فسيفساء من صنعهم .
ــ ابتسم , ألا تريد أن تعود بذكرى سعيدة من هنا . انتشلني صوتها الهادئ من وحل أفكاري .
ــ أفضل أن ترسميني كما أنا .
كان طلبها ( أن أبتسم ) ليس لأعود بذكرى جيدة , بل لتسهل على نفسها مهمة الرسم . حينما طلبت ابتسامة أدركت أنها رسامة بارعة , كانت تعرف أن رسم وجه ـ كما هوـ يعني رسم آلاف الوجوه في وجه واحد .
انهمكت في الرسم و أرسلت عينيها تغوص في لجة وجهي , شعرت أنها تخترقني . تتوقف متفحصة زواياي الغامضة , إذا قبضت على ملامح هاربة عادت و قتلتها بفرشاتها . كانت عيناها تشي بأنها تتمشى في أزقة وجهي زقاقا زقاقا .
وضعت فرشاتها جانبا و ارتاحت قليلا . تنفست ببطء , كان واضحا الإرهاق على وجهها . قطعت الورقة و أعطتني . كانت لحظة مجنونة . كيف سيكون وجهي ؟ نظرت إلى الورقة , إلى وجهي .. لم أستطع أن أرفع عيني . أعطيتها أجرتها مضاعفة دون أن تلتقي عينانا !