[IMG]file:///C:/DOCUME~1/ADMINI~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] الشعْرية الحالمة أو شعرية العشق المقدس
عند الشاعر المغربي سعيد ساجد الكراوني
من خلال مجاميعه الشعرية
" في الطريق إلى قرطبة"
تقديم:
إن تَوْقَه إلى عالم يؤثثه الجمال والدِّعة والسلام هي الرغبة الجَوعى والمِلحاحة التي تجتاح ذات الشاعر، فهو يستظل بمظلة الإبداع المتميز والراقي.
وأجْمِلْ بالشعر عندما يكون مخاضاً عسيرا، بيد أنه يثمر ثمارا ً غضة تستهوي كل عاشق للجمال والجميل، وقد مكَّننا الشاعر " سعيد ساجد الكرواني"1من ظلال أشعاره الظليلة الماتعة، من خلال مجاميعه الشعرية التي خَصَّها بعنوان:" في الطريق إلى قرطبة".[2]
فجملة العنوان " في الطر يق إلى قرطبة "، تشي بأننا سنحتفي معه عند كل توقفاته وعرصاته ، فالطريق ينتهي بنا إلى قرطبة ، هذه المدينة الأندلسية الساحرة، فماذا عساه يقول عنها شاعرنا ؟.
يستهِلُّ المجموع الشعري الأول " في الطريق إلى قرطبة "بإهداء هو ترنيمة عشق.
يقول الشاعر في الصفحة 3:
إليك يامنْ لَسْتِ من بنات التراب
هي حروف تتلألأ فَتُغْرينا بتذوقها، ودونما ريب أن" الطريق إلى قرطبة" ترتسم من خلاله محطات ووقفات شعرية عبَّرت عنها لغة القوافي ببلاغة متناهية ..في الطريق إلى قرطبة يسرقك ويبهرك الجمال الآسر.يتوسَّل النداء لنداء ساحرته دونما الكشف عنها ..ولا نتعرَّف على معشوقته إلا في اللاَّحق من المقاطع الشعرية.
يقول :
يا
صِرْتُ الدَّوْح َ
وصِرتِ حمامَتَهُ حقَّا
نغْزِلُ أشْجان صَبابتِنا
بيْن لُمى المِزْهَرِ رَقَّا
وأنا صِرْتُ يَمَامَكِ
عُدْتِ أيَا رُوحِي
دَوْحِي ائْتَلَقَا
.......
توشوش لك الموسيقى ترانيم عشق، قرطبة تُخلِّد في ذاكرة التاريخ عبقها وسحرها وترانيمها.
إن الإهداء الذي اهتدى إليه الشاعر يَشِي بأن صاحبة الإهداء خالدة، ليست فانية كبنات التراب،فكل ماهو تراب إلى زوال، وفي مطلع المجموعة الشعرية المُعنونة بالطريق إلى قرطبة يتَّضح عشق وكلف شاعرنا بالأمكنة فهي تسكن وجدانه، فيمتطي مراكب العشق ليَحُطَّ الرٍّحال بقرطبة السِّحْر والجمال.
يقول الشاعر في الصفحة " 11"
طَيْفٌ
هي طيف
أخْضَرُ مِنْ
شوق في
سِحْرِكْ
هِيَ أنْدَلُسٌ
في صَدْرِكْ
...الخ
إلى أن يقول في ص 12
أيا روحي
تَشْتَعِلُ الحَمْراءُ
بِنَبْضِكْ
ورمادُ سفائنِكِ اِمْتَدَ
صداها
يرشقني
بِعَبِيرالجَوْلاتِ
هي إذن، الطيبة الآسرة الجمال، هي الإشراقة ووصيفة الحمام، وهي تتفوَّقُ على البلابل السَّكرى.
يُسافر بنا الشاعر الحالم " سعيد ساجد الكراوني "إلى جزيرة الجمال ليُشركنا معه في بوحه ونبْضه.وهذا ما يُسْتَشَفُّ من ص 9 المعنونة بـ: هَلْ تَجَلَّى لِي الأميرة ؟!
وهذا ما يُفضي بنا للقول أيضاً بأن الشاعر مسكون بسحر قرطبة دون غيرها من بنات التراب..
وفي ثنايا هذه المجاميع الشعرية تأسرنا اللغة الشعرية بانسيابيتها، فنلهث وراء أشعاره لسبْر أغوارها ولارتشاف لذَّتها، ونحتاج بطبيعة الحال لقراءة واعية وعميقة لنستطيع الإمساك بالمعنى الثَّاوي في كل مقطع شعري، ولنحتفي بدورنا برُقِي اللغة الشعرية التي ارتقى بها الشاعر في مدارج السَّناء ..
فنجد أن لغته الشعرية تَنْهض على الوصف والتكرار والاشتقاق، وغيرها من الأساليب ...
مثل :
سلمى
فراشتي
صبية
ناعمة
...
وشَعْرُهَا
كوردة دقيقة
...
وشِعْرُها
كَنَفْحةٍ عميقة
بسمتها
مشرقة رقيقة
وتقوم أشعاره على حُسن انتقاء المفردات، إذ يمتح ويستلهم مفرداته من قاموس الطبيعة، وهو الذي يجعل من أشعاره تتسربل برداء الجمال والحُسن: ( الياسمين،النحل،البلابل،نورس، الحمام،الفراش،ظبيتي،الغزالة،الماء،البدر،اليمام...ا لخ).
هو شاعر تسكنه القصائد المليحات، المغموسة بالضِّياء، ص21-22.
هو العاشق النَّاسك في محراب اللُّّغة، يركب بحر التكرار ليُضْفي على القصيد إيقاعاً وجرْساً موسيقياً بديعا وجميلاً كما في ص 32.
يقول:
سِهام عَلَيَّ تَوالَتْ
توالت عليَّ سهام
سهام توالت عليَّ
عليَّ سهام توالتْ
توالت سهام عليَّ
عليَّ توالت سهامٌ
...
هذا التكرار إنَّما هو تأكيد على عشقه وكلفه وصبابته لفراشته المُشتهاة، فهو المتعلق بهاجرة الشَّرق المُنصهر في بوثقة سرِّها الذَّهبي السَّاني ، ص 40 في القصيدة المُعنْونة بـ: " بَحْرُ الشَّوْقِ".
من هنا نستشف أن الشاعر في المجموع الشعري الأول " في الطريق إلى قرطبة" ،عاشقٌ، سابحٌ في ملكوت العِشْق، وما المعشوقة إلاَّ قرطبة السحر والبهاء لكَوْنِها تُبْهِرُ كلَّ راءٍ، كما أنها الجوهرة واللون المتفرد والضِّياء والسَّناء، سكنت لبَّه ووجدانه ومُهجته، فأرتسمت أشعاراً بنكهة العشق الجميل،وانتقالاً إلى المجموع الشعري الثاني الموسوم بعنوان" على جَبين الثريا"
نجد أن الشاعر يُغازل معشوقته يقول :
...
نغْزلُ أشجَان َ صَبابَتِنا
نَغَماً
بين لَمى المِزْهَر رقَّاً
عِشْقِي يتفَجَّرُ ص 63
وانطلاقاً ممَّا سلف يتضح أنه مسكون بِعِشْقِ لؤلؤة الأعماق "قرطبة" ، فهي الجوهرة التي تبوَّأتْ مكان البؤبؤ من العين وسِرَّ الوصل الأندَلُسِي، كما ورد في الصفحة 66.
هكذا نرتشف عذْب الكلام كلَّما انتقلنا معه من مقطع شعري إلى آخر وكأننا فراشات تنتقل بين الأقاحي لتمتصَّ الرحيق، فيتضوَّعُ المكان بحفنات السحر والبهاء.
لذلك انبرت الأقلام لإفراد دواوين عشق لها، هي قرطبة صارت عُنواناً للاحتراق إذ تعلو وتسْنو فوق الجوزاء ص57.
لازال شاعرنا يُبْحر في سحر قرطبة..تتأجج مشاعر الوجد والصبابة والشوق والبوح، وهذا ما نسْتَشِفُّه من خلال قصيدة بعنوان " اكْتِنَاهُ الْآخَرِ ص 69.
أجُوسُ خِلاَلَ الْمقابِرِ
فِي غَسَقِ اللَّيْلِ
أنْشُرُ وَجْهيَ
فِي الْأُفْقِ فَجْرَا
...
إلى أن يقول
فَأَبُوحُ بِمَكْنُونِ
سِرِّ الْهواجِسِ جَهْرَا
..
وعينَاكِ غرناطتي
تُغْريان صبابة عِشْقي
تُِؤجِّجُ جَمْرَ المواجِدِ
بيْنَ حَنَايَا حَنِينِي
وشوقي ص 70.
هي قرطبة، البراءة ، الطُّهر، النور تتلَوَّنُ بالحسرة والشحوب ص 74.
يَعْبُرُ الشاعر إلى رحاب غرناطة، يحمله إليها الشوق والذكريات، فهو مجنون قرطبة.
في ص 83، جاء على لسان الشاعر في: " حين يسْتبْطِنُ مجْنون قرطُبةَ الضَّميرَ"
تُطَوِّقُني بالبَخُورِ
قبَابُ طُليطلةٍ
في مساءَاتِهَا العاطِرَة
يتغنَّى الشاعر بغرناطة، يغازلها فهي نبض الحياة.
يقول في ص 97
عبْرةٌ واشتياقْ
لِطَلْعَتِكِ البَدْرُ
لكِ النَّحلُ
يَمْلأُ كُلَّ السِّلالْ
بِجْنْيِ الْعَسَلْ
وفي جانب الشَّرْفَة الطَّيْرُ
يُصِْغِي لِنَجْوَى الْغَزَلْ
تُزَرْكِشُ مَنْطقةُ العَنْدَلاتْ
فَيُزْهِرُ في القلبِ
نَبْضُ الحيَاةْ
أمِيرَةَ عِشْقِي
...
لا زال الشاعر يرنو لسماء قرطبة ، لِسناها وعبقها،فهي عطرقد تضوَّع في سنا مهجته، وسكن شِغاف القلب.
هي قرطبة تعزفها أوتاراً ذهبية، هو المُوَشَّح في سماها ينْبض، يُسافر بنا عبر تاريخ الأندلس المجيد:( طليطلة، غرناطة، إشبلية، قرطبة..).
ولازِلْنا نمضي في دُنا السِّحر والجمال لنحُطَّ رِحالنا في المجموع الشعري الثالث الذي اجترح له شاعرنا عنوان" أَبْحُرُ العِشْقِ"، حيث يرتِّلُ الشاعر تراتيل العشق ليبْحِر عبر سفينة العشَّاق، هو الشوق عشقه لفراشة تسكن عمق الفؤاد ص 117و 118.
وعِشقي هو الشَّوق
يَنْقَضُّ في زَمْهريرِ المكانِ
...
أُنادي فراشتيَ سانية
إلى قوله:
أُنادي فراشتي العاشقةْ
بعُمْقِ الفؤادِ
...
ثم سرعان ما ينتقل بنا الشاعر لوصف الشَّوق والعشق الذي يجرفه ويشتعل في مُهجته.
يُنادي سليمى لتقتسم معه الوقت والدَّرب والعِطر ص 126، والسحر والشعر والنور والعشق والسُّؤْدَدا
يرسم الشاعر لسُليمى أبهى الصور فهي أحلى صبية، هي العشقُ المُجْتَبى ص 128.
تتوحَّدُ سُليمى مع ذات الشاعر العاشق..تسمو الأرواح، هو العاشق المتحدي الحالم الذي صنع لحبيبته سجناً في عينيه، مما جعله شاعرا ً يبوح بسِرِّ العشق.
شعر الشاعر يفوح وينوح ويبوح عشقاً ص 139.
وعودة إلى الأساليب التي يوظفها الشاعر في باقي أشعاره نلحظ حضور التضاد " الطباق"
مثل: مجمع البحرين / مفرق البحرين
ليكشف عن طبيعة المشاعر والأحاسيس التي تغْزو الذات الشاعرة وتَسْتبِدُّ بها..
ففي مجمع البحرين استحال العشق إلى وصال حيث هاجر الملح الأُجاج ، وحَلَّ محلَّه نبْع من زنجبيل سلسبيل..
هو الشاعر يرسم لمعشوقته لوحة آسرة فاتنة ويُغْدق عليها كلَّ البهاء، فهي ترنو على استحياء تجزي على السُّقيا
تُجْزِي عن الرُّؤيا وهذا ما يتبدَّى لنا انطلاقاً من ص 157.
ويركب الشاعر أيضا أسلوب الأمر في ص 160
نحو:
واقْتبسْ من نُور المرآةِ
وانْهلْ منْ زُرْقَةِ
بَحْرِ الأشواقْ
وامْتَحْ منْ سرِّ مَهاتِي
...
وتَشَرَّبَ هذا الرَّوحُ
..
وانْقُشْ في رقِّ
ليؤكِّد على أن العشق هو وحده عينُ المَطْلَبِ ص 163.
يُضفي الشاعر على بحر العشق من جميل الصًّفات والنعوت..
وانتقالاً إلى المجموع الشعري الرابع" الموتُ فاتحة الحَيَاةِ" ينتقل الشاعر من عشق قرطبة، بسحرها الآسر وتاريخها الجميل الجليل، ومن افتقاد جميل لغرناطة السحر والبحر، ليأخذنا معه في جولاته إلى القدس الجريحة التي نزلت منزلة رفيعة في نفسيته والتي استوطنت بدورها وجدانه فتوقَّف عندها ليرْسُم صورتها وصورة طفلها الذي يعاني ويُكَابِدُ من ظلم العدو الصهيوني الغاشم، إنَّهُ الطفلُ الذي يُمَزِّقُهُ العذاب.
يقول في الصفحة 182
سَواري القدْسِ أرَّقَهاَ انتحابُ
وهذَا الطفل مزَّقَهُ العذابُ
وأرضُ الحَشْرِ تَشْكُو من ضيَاعٍ
...
لِيُقِرَّ بأن الباغي له حساب
ويَسِمُ العدو بالجبان الذي أتى على كل جميل في أرض القدس..
يقول:
رِباطُهُمُ منافيهمْ شِدادٌ
تَحِنُّ إلى لقائهِمُ الرِّحَابُ
سألْتُ القُدْس عنْ إصرارِ جيلٍ
...الخ.
ثم يعلن عن مكنته للتضحية لأجل الأقصى بدمائه
يقول في الصفحة 187
دماءُ القلبِ للأقصى الخِضابُ
...
هي القدْسُ سمتْ، وسكنت القلوب...
ومانزال في المجموع الشعري الرابع " الموت فاتحة الحياة"
هذا العنوان الذي يستوقفك ويشدُّك إليه لكونه يجمع النقيضين الموت# الحياة، وهنا نتساءل كيف يتأتَّى للموت أن تكون فاتحة للحياة ؟.!
فالموت يؤشر على النهاية،على الرحيل والذُّبول والتوقف النِّهائي ..وانعدام الحياة ، في حين الحياة حركة،نبضات قلب ..لكن توظيف مفردة " فاتحة" سيزيل كل هذا الغموض واللبس.
فهنا الموت هو التضحية والمقاومة والكفاح والنضال لأجل الحياة، فالحياة تستمر وتزدهي من خلال السعي إلى إحقاقها عن طريق التشبت بها..وهكذا فالسَّبيل الأوحد للحياة هو ركوب موج الموت واشتهائه، وسيتبدَّى هذا جليَّاً من خلال مداهمة نص" طفولة القدس ص 182- 183-184-185-186-190.
هو في هذا المجموع الشعري ينفتح على القضايا العربية: ( القدس، العراق..الخ).
فيرسمُ ويصور بحروفه الرشيقة البديعة طفولة القدس التي رغم الدَّمار والخراب الذي يحيط بها وتعيش فيه فهي تُصِرُّعلى رفع مشعل الحياة، فيسِمُها تارةً بالأشبال وتارة أخرى بأسُود القدس وأجنادُ العزّ ِص 184- 185.
فأطفال القدس كلهم إصرار، هم الرجال الذين يرنُون للنَّصر، لذلك سخَّر الشاعر شعره للتَّغني بالقُدس وبأبطالها الشَّجعان.
ومن القدس الجريحة إلى أرض العراق مهد الحضارات، يقول في الصفحة 191.
لحفيد أبي الطَّيِب سِحْر الكلمات
والسَّيَّابُ يُغَنِّي
وجواهِريٌ
صَدَّحَ دَهْراً
وَلُحُونُ بَيَاتِي تَنْسَابْ
..الخ.
فهو يستدعي شعرائها : ( أبي الطيب المتنبي، بدر شاكر السَّيَّاب وجواهري والبياتي ..).
ناهيك عن استدعائه لرجالاتها العظام، من خلال شخصية عمر بن الخطاب في ص 192، هو العراق جريح الأوطان كما ألْمَعَ إلى ذلك في الصفحة 193، كما يرصد لنا ماتعرَّضت له حضارة العراق الأبية من نهبٍ لتراثها، إذ اندثرت بساتينها الغنَّاء وانمحت وصارت في خبر كان.
...
وتراثك ينْهبُهُ
يشْنُقُ نخْلاً وحماماً
...
لِيصيرً كأنْ لمْ يغْنَ بِمَجْدٍ
هذا البُسْتان ص 194- 195.
هو أنينُ العراق تنقله ريشة الشاعر " سعيد ساجد الكراوني"، بامتطائه صهوة الحرف الباذخ.
وفراتُ الخَيْرِ صَدَاها
سَيُنَاغِيهِ أنِينُكِ يا أحْلى طفلة
هي الجريحة ..الأبية .
...
وتجوعُ البصْرةُ
لاَ تُسْلِمُ عِرْضاً
أوْ أرضاً ص 197.
وفي ص 204 المُعَنْونة بالرَّاية التي لن ْ يُدَاهِمُها الذُّبول
هنا يفْخر الشاعر ويتغنَّى بأرض المغرب من خلال بطولة " عبد الكريم الخطابي"، الذي هزم العدو الإسباني بكل بسالةٍ وشجاعة.
جاء في ص 207- 208:
ومضى
لِيَقْهر جَيْشَهُمْ
باُلُوفِهِ المتآلفَةْ
في قِلَّةٍ
وعلى لُحُونِ جِهادِهَا مُتحالِفَة
منْ قال أوراقُ الكرامة
قَدْ طَوَتْهَا الرِّيحُ
في الزَّمن الخرابْ؟
مَنْ قالَ إنَّ كتائِبَ الْخَطَّابِ
قَدْ فقَدَتْ
صَهِيلَ خُيُولِهَا؟
...
وبتوظيفه لأسلوب الاستفهام الإنكاري يؤكد على أنه لا زال هُناك فرسان ومناضلين في ص 208.
منْ قال إنَّ رِوايَةَ الْفُرْسانِ
قَدْ صَدِئَتْ
وَدُسَّتْ في االتُّراب ؟
...
إنَّه يصور لنا روح الكفاح والتضحية والمقاومة التي هي السبيل لزوال الضباب حسبما ورد في ص 209.
شاعرنا يأمل عودة الشمس واشتعال البريق واسترجاع الأطيار لسحر هديلها ص 211.
ورغم البِلى والعدى فالراية لنْ ولن يصيبها الذُّبول وهذا ما يتأكد من خلال الصفحة 216.
هي راية أبداً
فلا يسري لمُهجتها الذُّبول ، ومن ثمة فهي لا ترتضي ذلَّ الغزاة
...
والنصر يأتي
كي تكون لروح أجدير
روائح كالصلاة
...الخ.
استنتاج:
إن شاعرنا يمتلك روحا إبداعية خلاَّقة، فهو يعمد لرسم الحياة والأشياء والمشاعر بأصباغ الشعر الجميل ، فيُوغِل بنا في عوالم الجمال ليشكِّل لنا شعراً وفقاً لايقاعات الذَّات، فيعبِّر عن نشوته حينا وأتراحه حينا آخر في المجموع الشعري الرابع.
الشاعر "سعيد ساجد الكراوني" يشتغل كثيرا على الإيقاع الداخلي وذلك من خلال تقنية التكرار، إذ نَلْحَظُ تجانس الحروف في الكلمات، أو أيضا من خلال الكلمات في بنية الجملة الواحدة..وهذا كما أسلفنا هو جوهر الشعر وكنهه.
واللغة عندما تكون راقية رقيقة مشذبة تنطلق كالسَّهم لتصيب أربها، كذلك هي لغة الشاعر " سعيد ساجد الكرواني" تطريز ،تنميق وزركشة بهية تُحَاصِرُك أينما ولَّيْت ذائقتك.
هو يرسُم بالحروف لوحات حِسان،نرتقي معه سلالم البهاء والحُسْن، لا تجسُر أن تتملَّص من إبهاره اللُّغوي وسحر اللغة عنده، فهو قد أحْسَنَ توليفاتها وركَّبها في أحسن تركيب، كما قوَّمها أحسن تقويم من خلال مجاميعه الشعرية.
فنُنْصِتُ لصوت الأحرفِ وهي ترتطم بالبياض وبحواسنا فتترك بصماتها،هي اللغة الأنيقة تجْعلك تتوقف مُطوَّلاً للاحتفاء والانتشاء.
وصفوة قولنا أشعار الشاعر "سعيد ساجد الكرواني" فسيفساء فني بديع، فهو الشاعر العاشق للجميل والجمال، لذلك فهو أحْرص مايكون على تجويد مفرداته وحروفه، يغوص في يمِّ اللغة لِيُتْحفنا بالدرر، فما أعذب وأشهى أن تتذوق ذائقتنا شعره ..يقيناً أنها ستطلب الاستزادة..
وبسفرنا معه في مجاميعه الشعرية هذه نلْمَس طغيان معجم العشق، وهذا ما توصَّلنا إليه من خلال إحصاء مفردات العشق وأخرى مرتبطة بالوجدان والعاطفة، وهو عشق مقدس في احتفائية بهية قِوَامُها الحرف العربي الأنيق.
فطوبى للشاعر حينما يجعل الحرف يتسربل بالحُسن وينْغمس في البهاء فيسمو ويزْهو قطوفاً دانية تتشرَّبُها ذواتنا التي هي في حاجة للارتواء والانتشاء في ظل تراكمات الحياة وتنقاضتها.
2- في الطريق إلى قرطبة ،شعر لمؤلفه سعيد ساجد الكرواني ، ط الأولى 2014، منشورات الدفاع الثقافي بتازة ، تصميم الغلاف والصور الداخلية محمد تقي الدين الكرواني.
عند الشاعر المغربي سعيد ساجد الكراوني
من خلال مجاميعه الشعرية
" في الطريق إلى قرطبة"
تقديم:
إن تَوْقَه إلى عالم يؤثثه الجمال والدِّعة والسلام هي الرغبة الجَوعى والمِلحاحة التي تجتاح ذات الشاعر، فهو يستظل بمظلة الإبداع المتميز والراقي.
وأجْمِلْ بالشعر عندما يكون مخاضاً عسيرا، بيد أنه يثمر ثمارا ً غضة تستهوي كل عاشق للجمال والجميل، وقد مكَّننا الشاعر " سعيد ساجد الكرواني"1من ظلال أشعاره الظليلة الماتعة، من خلال مجاميعه الشعرية التي خَصَّها بعنوان:" في الطريق إلى قرطبة".[2]
فجملة العنوان " في الطر يق إلى قرطبة "، تشي بأننا سنحتفي معه عند كل توقفاته وعرصاته ، فالطريق ينتهي بنا إلى قرطبة ، هذه المدينة الأندلسية الساحرة، فماذا عساه يقول عنها شاعرنا ؟.
يستهِلُّ المجموع الشعري الأول " في الطريق إلى قرطبة "بإهداء هو ترنيمة عشق.
يقول الشاعر في الصفحة 3:
إليك يامنْ لَسْتِ من بنات التراب
هي حروف تتلألأ فَتُغْرينا بتذوقها، ودونما ريب أن" الطريق إلى قرطبة" ترتسم من خلاله محطات ووقفات شعرية عبَّرت عنها لغة القوافي ببلاغة متناهية ..في الطريق إلى قرطبة يسرقك ويبهرك الجمال الآسر.يتوسَّل النداء لنداء ساحرته دونما الكشف عنها ..ولا نتعرَّف على معشوقته إلا في اللاَّحق من المقاطع الشعرية.
يقول :
يا
صِرْتُ الدَّوْح َ
وصِرتِ حمامَتَهُ حقَّا
نغْزِلُ أشْجان صَبابتِنا
بيْن لُمى المِزْهَرِ رَقَّا
وأنا صِرْتُ يَمَامَكِ
عُدْتِ أيَا رُوحِي
دَوْحِي ائْتَلَقَا
.......
توشوش لك الموسيقى ترانيم عشق، قرطبة تُخلِّد في ذاكرة التاريخ عبقها وسحرها وترانيمها.
إن الإهداء الذي اهتدى إليه الشاعر يَشِي بأن صاحبة الإهداء خالدة، ليست فانية كبنات التراب،فكل ماهو تراب إلى زوال، وفي مطلع المجموعة الشعرية المُعنونة بالطريق إلى قرطبة يتَّضح عشق وكلف شاعرنا بالأمكنة فهي تسكن وجدانه، فيمتطي مراكب العشق ليَحُطَّ الرٍّحال بقرطبة السِّحْر والجمال.
يقول الشاعر في الصفحة " 11"
طَيْفٌ
هي طيف
أخْضَرُ مِنْ
شوق في
سِحْرِكْ
هِيَ أنْدَلُسٌ
في صَدْرِكْ
...الخ
إلى أن يقول في ص 12
أيا روحي
تَشْتَعِلُ الحَمْراءُ
بِنَبْضِكْ
ورمادُ سفائنِكِ اِمْتَدَ
صداها
يرشقني
بِعَبِيرالجَوْلاتِ
هي إذن، الطيبة الآسرة الجمال، هي الإشراقة ووصيفة الحمام، وهي تتفوَّقُ على البلابل السَّكرى.
يُسافر بنا الشاعر الحالم " سعيد ساجد الكراوني "إلى جزيرة الجمال ليُشركنا معه في بوحه ونبْضه.وهذا ما يُسْتَشَفُّ من ص 9 المعنونة بـ: هَلْ تَجَلَّى لِي الأميرة ؟!
وهذا ما يُفضي بنا للقول أيضاً بأن الشاعر مسكون بسحر قرطبة دون غيرها من بنات التراب..
وفي ثنايا هذه المجاميع الشعرية تأسرنا اللغة الشعرية بانسيابيتها، فنلهث وراء أشعاره لسبْر أغوارها ولارتشاف لذَّتها، ونحتاج بطبيعة الحال لقراءة واعية وعميقة لنستطيع الإمساك بالمعنى الثَّاوي في كل مقطع شعري، ولنحتفي بدورنا برُقِي اللغة الشعرية التي ارتقى بها الشاعر في مدارج السَّناء ..
فنجد أن لغته الشعرية تَنْهض على الوصف والتكرار والاشتقاق، وغيرها من الأساليب ...
مثل :
سلمى
فراشتي
صبية
ناعمة
...
وشَعْرُهَا
كوردة دقيقة
...
وشِعْرُها
كَنَفْحةٍ عميقة
بسمتها
مشرقة رقيقة
وتقوم أشعاره على حُسن انتقاء المفردات، إذ يمتح ويستلهم مفرداته من قاموس الطبيعة، وهو الذي يجعل من أشعاره تتسربل برداء الجمال والحُسن: ( الياسمين،النحل،البلابل،نورس، الحمام،الفراش،ظبيتي،الغزالة،الماء،البدر،اليمام...ا لخ).
هو شاعر تسكنه القصائد المليحات، المغموسة بالضِّياء، ص21-22.
هو العاشق النَّاسك في محراب اللُّّغة، يركب بحر التكرار ليُضْفي على القصيد إيقاعاً وجرْساً موسيقياً بديعا وجميلاً كما في ص 32.
يقول:
سِهام عَلَيَّ تَوالَتْ
توالت عليَّ سهام
سهام توالت عليَّ
عليَّ سهام توالتْ
توالت سهام عليَّ
عليَّ توالت سهامٌ
...
هذا التكرار إنَّما هو تأكيد على عشقه وكلفه وصبابته لفراشته المُشتهاة، فهو المتعلق بهاجرة الشَّرق المُنصهر في بوثقة سرِّها الذَّهبي السَّاني ، ص 40 في القصيدة المُعنْونة بـ: " بَحْرُ الشَّوْقِ".
من هنا نستشف أن الشاعر في المجموع الشعري الأول " في الطريق إلى قرطبة" ،عاشقٌ، سابحٌ في ملكوت العِشْق، وما المعشوقة إلاَّ قرطبة السحر والبهاء لكَوْنِها تُبْهِرُ كلَّ راءٍ، كما أنها الجوهرة واللون المتفرد والضِّياء والسَّناء، سكنت لبَّه ووجدانه ومُهجته، فأرتسمت أشعاراً بنكهة العشق الجميل،وانتقالاً إلى المجموع الشعري الثاني الموسوم بعنوان" على جَبين الثريا"
نجد أن الشاعر يُغازل معشوقته يقول :
...
نغْزلُ أشجَان َ صَبابَتِنا
نَغَماً
بين لَمى المِزْهَر رقَّاً
عِشْقِي يتفَجَّرُ ص 63
وانطلاقاً ممَّا سلف يتضح أنه مسكون بِعِشْقِ لؤلؤة الأعماق "قرطبة" ، فهي الجوهرة التي تبوَّأتْ مكان البؤبؤ من العين وسِرَّ الوصل الأندَلُسِي، كما ورد في الصفحة 66.
هكذا نرتشف عذْب الكلام كلَّما انتقلنا معه من مقطع شعري إلى آخر وكأننا فراشات تنتقل بين الأقاحي لتمتصَّ الرحيق، فيتضوَّعُ المكان بحفنات السحر والبهاء.
لذلك انبرت الأقلام لإفراد دواوين عشق لها، هي قرطبة صارت عُنواناً للاحتراق إذ تعلو وتسْنو فوق الجوزاء ص57.
لازال شاعرنا يُبْحر في سحر قرطبة..تتأجج مشاعر الوجد والصبابة والشوق والبوح، وهذا ما نسْتَشِفُّه من خلال قصيدة بعنوان " اكْتِنَاهُ الْآخَرِ ص 69.
أجُوسُ خِلاَلَ الْمقابِرِ
فِي غَسَقِ اللَّيْلِ
أنْشُرُ وَجْهيَ
فِي الْأُفْقِ فَجْرَا
...
إلى أن يقول
فَأَبُوحُ بِمَكْنُونِ
سِرِّ الْهواجِسِ جَهْرَا
..
وعينَاكِ غرناطتي
تُغْريان صبابة عِشْقي
تُِؤجِّجُ جَمْرَ المواجِدِ
بيْنَ حَنَايَا حَنِينِي
وشوقي ص 70.
هي قرطبة، البراءة ، الطُّهر، النور تتلَوَّنُ بالحسرة والشحوب ص 74.
يَعْبُرُ الشاعر إلى رحاب غرناطة، يحمله إليها الشوق والذكريات، فهو مجنون قرطبة.
في ص 83، جاء على لسان الشاعر في: " حين يسْتبْطِنُ مجْنون قرطُبةَ الضَّميرَ"
تُطَوِّقُني بالبَخُورِ
قبَابُ طُليطلةٍ
في مساءَاتِهَا العاطِرَة
يتغنَّى الشاعر بغرناطة، يغازلها فهي نبض الحياة.
يقول في ص 97
عبْرةٌ واشتياقْ
لِطَلْعَتِكِ البَدْرُ
لكِ النَّحلُ
يَمْلأُ كُلَّ السِّلالْ
بِجْنْيِ الْعَسَلْ
وفي جانب الشَّرْفَة الطَّيْرُ
يُصِْغِي لِنَجْوَى الْغَزَلْ
تُزَرْكِشُ مَنْطقةُ العَنْدَلاتْ
فَيُزْهِرُ في القلبِ
نَبْضُ الحيَاةْ
أمِيرَةَ عِشْقِي
...
لا زال الشاعر يرنو لسماء قرطبة ، لِسناها وعبقها،فهي عطرقد تضوَّع في سنا مهجته، وسكن شِغاف القلب.
هي قرطبة تعزفها أوتاراً ذهبية، هو المُوَشَّح في سماها ينْبض، يُسافر بنا عبر تاريخ الأندلس المجيد:( طليطلة، غرناطة، إشبلية، قرطبة..).
ولازِلْنا نمضي في دُنا السِّحر والجمال لنحُطَّ رِحالنا في المجموع الشعري الثالث الذي اجترح له شاعرنا عنوان" أَبْحُرُ العِشْقِ"، حيث يرتِّلُ الشاعر تراتيل العشق ليبْحِر عبر سفينة العشَّاق، هو الشوق عشقه لفراشة تسكن عمق الفؤاد ص 117و 118.
وعِشقي هو الشَّوق
يَنْقَضُّ في زَمْهريرِ المكانِ
...
أُنادي فراشتيَ سانية
إلى قوله:
أُنادي فراشتي العاشقةْ
بعُمْقِ الفؤادِ
...
ثم سرعان ما ينتقل بنا الشاعر لوصف الشَّوق والعشق الذي يجرفه ويشتعل في مُهجته.
يُنادي سليمى لتقتسم معه الوقت والدَّرب والعِطر ص 126، والسحر والشعر والنور والعشق والسُّؤْدَدا
يرسم الشاعر لسُليمى أبهى الصور فهي أحلى صبية، هي العشقُ المُجْتَبى ص 128.
تتوحَّدُ سُليمى مع ذات الشاعر العاشق..تسمو الأرواح، هو العاشق المتحدي الحالم الذي صنع لحبيبته سجناً في عينيه، مما جعله شاعرا ً يبوح بسِرِّ العشق.
شعر الشاعر يفوح وينوح ويبوح عشقاً ص 139.
وعودة إلى الأساليب التي يوظفها الشاعر في باقي أشعاره نلحظ حضور التضاد " الطباق"
مثل: مجمع البحرين / مفرق البحرين
ليكشف عن طبيعة المشاعر والأحاسيس التي تغْزو الذات الشاعرة وتَسْتبِدُّ بها..
ففي مجمع البحرين استحال العشق إلى وصال حيث هاجر الملح الأُجاج ، وحَلَّ محلَّه نبْع من زنجبيل سلسبيل..
هو الشاعر يرسم لمعشوقته لوحة آسرة فاتنة ويُغْدق عليها كلَّ البهاء، فهي ترنو على استحياء تجزي على السُّقيا
تُجْزِي عن الرُّؤيا وهذا ما يتبدَّى لنا انطلاقاً من ص 157.
ويركب الشاعر أيضا أسلوب الأمر في ص 160
نحو:
واقْتبسْ من نُور المرآةِ
وانْهلْ منْ زُرْقَةِ
بَحْرِ الأشواقْ
وامْتَحْ منْ سرِّ مَهاتِي
...
وتَشَرَّبَ هذا الرَّوحُ
..
وانْقُشْ في رقِّ
ليؤكِّد على أن العشق هو وحده عينُ المَطْلَبِ ص 163.
يُضفي الشاعر على بحر العشق من جميل الصًّفات والنعوت..
وانتقالاً إلى المجموع الشعري الرابع" الموتُ فاتحة الحَيَاةِ" ينتقل الشاعر من عشق قرطبة، بسحرها الآسر وتاريخها الجميل الجليل، ومن افتقاد جميل لغرناطة السحر والبحر، ليأخذنا معه في جولاته إلى القدس الجريحة التي نزلت منزلة رفيعة في نفسيته والتي استوطنت بدورها وجدانه فتوقَّف عندها ليرْسُم صورتها وصورة طفلها الذي يعاني ويُكَابِدُ من ظلم العدو الصهيوني الغاشم، إنَّهُ الطفلُ الذي يُمَزِّقُهُ العذاب.
يقول في الصفحة 182
سَواري القدْسِ أرَّقَهاَ انتحابُ
وهذَا الطفل مزَّقَهُ العذابُ
وأرضُ الحَشْرِ تَشْكُو من ضيَاعٍ
...
لِيُقِرَّ بأن الباغي له حساب
ويَسِمُ العدو بالجبان الذي أتى على كل جميل في أرض القدس..
يقول:
رِباطُهُمُ منافيهمْ شِدادٌ
تَحِنُّ إلى لقائهِمُ الرِّحَابُ
سألْتُ القُدْس عنْ إصرارِ جيلٍ
...الخ.
ثم يعلن عن مكنته للتضحية لأجل الأقصى بدمائه
يقول في الصفحة 187
دماءُ القلبِ للأقصى الخِضابُ
...
هي القدْسُ سمتْ، وسكنت القلوب...
ومانزال في المجموع الشعري الرابع " الموت فاتحة الحياة"
هذا العنوان الذي يستوقفك ويشدُّك إليه لكونه يجمع النقيضين الموت# الحياة، وهنا نتساءل كيف يتأتَّى للموت أن تكون فاتحة للحياة ؟.!
فالموت يؤشر على النهاية،على الرحيل والذُّبول والتوقف النِّهائي ..وانعدام الحياة ، في حين الحياة حركة،نبضات قلب ..لكن توظيف مفردة " فاتحة" سيزيل كل هذا الغموض واللبس.
فهنا الموت هو التضحية والمقاومة والكفاح والنضال لأجل الحياة، فالحياة تستمر وتزدهي من خلال السعي إلى إحقاقها عن طريق التشبت بها..وهكذا فالسَّبيل الأوحد للحياة هو ركوب موج الموت واشتهائه، وسيتبدَّى هذا جليَّاً من خلال مداهمة نص" طفولة القدس ص 182- 183-184-185-186-190.
هو في هذا المجموع الشعري ينفتح على القضايا العربية: ( القدس، العراق..الخ).
فيرسمُ ويصور بحروفه الرشيقة البديعة طفولة القدس التي رغم الدَّمار والخراب الذي يحيط بها وتعيش فيه فهي تُصِرُّعلى رفع مشعل الحياة، فيسِمُها تارةً بالأشبال وتارة أخرى بأسُود القدس وأجنادُ العزّ ِص 184- 185.
فأطفال القدس كلهم إصرار، هم الرجال الذين يرنُون للنَّصر، لذلك سخَّر الشاعر شعره للتَّغني بالقُدس وبأبطالها الشَّجعان.
ومن القدس الجريحة إلى أرض العراق مهد الحضارات، يقول في الصفحة 191.
لحفيد أبي الطَّيِب سِحْر الكلمات
والسَّيَّابُ يُغَنِّي
وجواهِريٌ
صَدَّحَ دَهْراً
وَلُحُونُ بَيَاتِي تَنْسَابْ
..الخ.
فهو يستدعي شعرائها : ( أبي الطيب المتنبي، بدر شاكر السَّيَّاب وجواهري والبياتي ..).
ناهيك عن استدعائه لرجالاتها العظام، من خلال شخصية عمر بن الخطاب في ص 192، هو العراق جريح الأوطان كما ألْمَعَ إلى ذلك في الصفحة 193، كما يرصد لنا ماتعرَّضت له حضارة العراق الأبية من نهبٍ لتراثها، إذ اندثرت بساتينها الغنَّاء وانمحت وصارت في خبر كان.
...
وتراثك ينْهبُهُ
يشْنُقُ نخْلاً وحماماً
...
لِيصيرً كأنْ لمْ يغْنَ بِمَجْدٍ
هذا البُسْتان ص 194- 195.
هو أنينُ العراق تنقله ريشة الشاعر " سعيد ساجد الكراوني"، بامتطائه صهوة الحرف الباذخ.
وفراتُ الخَيْرِ صَدَاها
سَيُنَاغِيهِ أنِينُكِ يا أحْلى طفلة
هي الجريحة ..الأبية .
...
وتجوعُ البصْرةُ
لاَ تُسْلِمُ عِرْضاً
أوْ أرضاً ص 197.
وفي ص 204 المُعَنْونة بالرَّاية التي لن ْ يُدَاهِمُها الذُّبول
هنا يفْخر الشاعر ويتغنَّى بأرض المغرب من خلال بطولة " عبد الكريم الخطابي"، الذي هزم العدو الإسباني بكل بسالةٍ وشجاعة.
جاء في ص 207- 208:
ومضى
لِيَقْهر جَيْشَهُمْ
باُلُوفِهِ المتآلفَةْ
في قِلَّةٍ
وعلى لُحُونِ جِهادِهَا مُتحالِفَة
منْ قال أوراقُ الكرامة
قَدْ طَوَتْهَا الرِّيحُ
في الزَّمن الخرابْ؟
مَنْ قالَ إنَّ كتائِبَ الْخَطَّابِ
قَدْ فقَدَتْ
صَهِيلَ خُيُولِهَا؟
...
وبتوظيفه لأسلوب الاستفهام الإنكاري يؤكد على أنه لا زال هُناك فرسان ومناضلين في ص 208.
منْ قال إنَّ رِوايَةَ الْفُرْسانِ
قَدْ صَدِئَتْ
وَدُسَّتْ في االتُّراب ؟
...
إنَّه يصور لنا روح الكفاح والتضحية والمقاومة التي هي السبيل لزوال الضباب حسبما ورد في ص 209.
شاعرنا يأمل عودة الشمس واشتعال البريق واسترجاع الأطيار لسحر هديلها ص 211.
ورغم البِلى والعدى فالراية لنْ ولن يصيبها الذُّبول وهذا ما يتأكد من خلال الصفحة 216.
هي راية أبداً
فلا يسري لمُهجتها الذُّبول ، ومن ثمة فهي لا ترتضي ذلَّ الغزاة
...
والنصر يأتي
كي تكون لروح أجدير
روائح كالصلاة
...الخ.
استنتاج:
إن شاعرنا يمتلك روحا إبداعية خلاَّقة، فهو يعمد لرسم الحياة والأشياء والمشاعر بأصباغ الشعر الجميل ، فيُوغِل بنا في عوالم الجمال ليشكِّل لنا شعراً وفقاً لايقاعات الذَّات، فيعبِّر عن نشوته حينا وأتراحه حينا آخر في المجموع الشعري الرابع.
الشاعر "سعيد ساجد الكراوني" يشتغل كثيرا على الإيقاع الداخلي وذلك من خلال تقنية التكرار، إذ نَلْحَظُ تجانس الحروف في الكلمات، أو أيضا من خلال الكلمات في بنية الجملة الواحدة..وهذا كما أسلفنا هو جوهر الشعر وكنهه.
واللغة عندما تكون راقية رقيقة مشذبة تنطلق كالسَّهم لتصيب أربها، كذلك هي لغة الشاعر " سعيد ساجد الكرواني" تطريز ،تنميق وزركشة بهية تُحَاصِرُك أينما ولَّيْت ذائقتك.
هو يرسُم بالحروف لوحات حِسان،نرتقي معه سلالم البهاء والحُسْن، لا تجسُر أن تتملَّص من إبهاره اللُّغوي وسحر اللغة عنده، فهو قد أحْسَنَ توليفاتها وركَّبها في أحسن تركيب، كما قوَّمها أحسن تقويم من خلال مجاميعه الشعرية.
فنُنْصِتُ لصوت الأحرفِ وهي ترتطم بالبياض وبحواسنا فتترك بصماتها،هي اللغة الأنيقة تجْعلك تتوقف مُطوَّلاً للاحتفاء والانتشاء.
وصفوة قولنا أشعار الشاعر "سعيد ساجد الكرواني" فسيفساء فني بديع، فهو الشاعر العاشق للجميل والجمال، لذلك فهو أحْرص مايكون على تجويد مفرداته وحروفه، يغوص في يمِّ اللغة لِيُتْحفنا بالدرر، فما أعذب وأشهى أن تتذوق ذائقتنا شعره ..يقيناً أنها ستطلب الاستزادة..
وبسفرنا معه في مجاميعه الشعرية هذه نلْمَس طغيان معجم العشق، وهذا ما توصَّلنا إليه من خلال إحصاء مفردات العشق وأخرى مرتبطة بالوجدان والعاطفة، وهو عشق مقدس في احتفائية بهية قِوَامُها الحرف العربي الأنيق.
فطوبى للشاعر حينما يجعل الحرف يتسربل بالحُسن وينْغمس في البهاء فيسمو ويزْهو قطوفاً دانية تتشرَّبُها ذواتنا التي هي في حاجة للارتواء والانتشاء في ظل تراكمات الحياة وتنقاضتها.
2- في الطريق إلى قرطبة ،شعر لمؤلفه سعيد ساجد الكرواني ، ط الأولى 2014، منشورات الدفاع الثقافي بتازة ، تصميم الغلاف والصور الداخلية محمد تقي الدين الكرواني.