ظلال مترامية الأطراف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الحميد عبد البصير أحمد
    أديب وكاتب
    • 09-04-2011
    • 768

    ظلال مترامية الأطراف


    الأفق الشرقي تتبدل قبته من سواد الليل إصفراراً ، وقد لُثمت
    أطرافه حُمرة قانية ، كأنما شب فيه حريق مُضرم، أكل جوانبه و حواشيه، هُنيهات وأطل القمر مستديراً مضيئاً ،يجتر ردائه الأبيض المخملى خلف أشجار الدوح السامق .. كنت قد خرجت من براح القرى ، أستقل مركبة قديمة في طريقي إلى المدينة ..قطعنا المسافات البعيدة بين الحقول والمراعي، سلكنا طريق مُترب مكتظ بطبقات من الحصى والتراب، نُصارع الزمن في سباق محموم مع الوقت والألم، سعياً في اللحاق بالجنازة قبل أن تُشيع الفقيدة إلى مثواها الأخير ، علقت المركبة في حصير من الكثبان الرملية، بعدما اختلت عجلة القيادة من يد السائق فاختل توازن المركبة وانحرفت عن طريقها ،وساخت العجلات إلى أسفل، فخرجنا جميعاً مشمرين لدفع المركبة بعيداً عن البقعة الرملية من أجل اعادتها لجادة الطريق ..لم يفلح الأمر وتطلب الكثير من الجهد والوقت .. اعتذرت إليهم ومضيت في طريقي بحثاًعن وسيلة تُقلني إلى الضفة الأخرى ، حتى لا يتسرب الوقت منى ،انكفأت على قارب صغير يختصر الجسر العالق بين القرية والمدينة ،نزعت سترتي وشمرت عن ذراعاي، وضربت المجداف في صفحة الماء ،حتى وصلت إلى الضفة الأخرى وألفيتني بين كتل من الحشائش اليابسة ، وثبت إلى الماء ،فابتل حذائي وسروالي ، لم أكد أصل إلى المدينة حتى قطعت مسافة في العراء ،ثم هبت الرياح في وجهي واستشاطت من حولي ، ضاقت بي السبل وغابت عنى الطرق ، وألفيتني أسير هائماً على وجهي في سهل فسيح معوشبب الحشائش والكلأ ،يلفه سياج خشبي متهالك ،نظرت إلى السماء فرأيت الأفق ينساب بألوانه بين الأشجار ، لتسري معه حمرة الشفق الخريفي البارد متضائلة مضمحلة ..تمكنت بصعوبة من اللحاق بالمشهد الأخير، وأنا ألحظ جسدها الهزيل يواري التراب ..جف ريقي فاذدريته بصعوبة..اختل توازنى ،فانكفأت على مرفقاي ،اسح دموعاً لا مثيل لها انسابت كالجداول تجري على لحيتى وقميصي .. كنت محزون الفؤاد،مكروب ، مكتئب، أشعر بالضيق والوهن ،العرق يتفصدُ من أعطافي، كأنني أسير حافياً فوق جمرات متقدة أوقدت لظاها

    تلك الذكريات الموحشة والمترسبة في روحي، انسابت عميقاً تقدحُ شرراً في داخلي .. ثم توقدت في أحشائي ظلمة حالكة ، إختلقت ذلك المسخ الذي لاينفك يتلمظ عندما يقرعني بسياطه، لاسيما عندما أسمع ذلك النعيب المتقطع " رحلت مجدداً لكنها لن تعود للأبد " .
    تجردتُ من معطفي الموبوء بأثقال الذكريات والوجع ،كنت أجتره عله يتجشأ مرارة الغصص والأشواك التى جرفتها الذكريات ،فأسحها دموعاً تتلاشى خيوطها بين أعمدة التراب، وذرات الغبار العالق في الفراغ ، قميصي الأبيض المهتريء، لاتفتأ أزرته تنسال من أكمامها، ورابطة العنق ماتلبث تضيق بي، ويشتد خناقها،وتستحيل حبلا من مسيد طوق حول نحري وجسدي ، لا أنفك أحاول الهروب والفرار منه ،لكن محاولاتي كانت تبوء بالهزيمة والفشل .. رياح الذكريات ‘أكلت ماتبقى منى ،ثم ذرتنى فتاتاً وغباراً عالقاً في الهواء ، كلما عاد بي شريط الأحداث بعاصفة هوجاء من الذكريات التي هزت كياني، كأننى مرجل يغلي فوق النار..كنت عائداً للتو من المدينة بعد أن شيعتها إلى مثواها الأخير .تسمرت في مكاني وأنا ألحظ إلى جسدها وهو يغيب تحت الثرى ..يا إلهي ..! كن رحيماً بي ..كنت استدر الدموع، فأشعل حطب الفراق في آتون الذكريات ..لكن الدموع استعصت وتمردت وتصخرت في قلبي المترع بالألم ..لم أشعر بانصراف القوم حولي ،وأنا جاحظ العينين ،في غياب عن الواقع ،كان لابد من انسلاخ الروح عن الجسد حتى اتفادى مصرع الألم ونصاله التي شرعت في تمزيقي وتفتيتى ..أحاول أن أستدعي شريط الأحداث، وأبحث بين الصفحات قبل ضياع الذكرى في نفق النسيان ،فأضرم حريق يشب في ذاكرتي أجعل منه وقودا يدور منه محرك الذكريات، والأحداث تمضي تباعاً أمام عيناي، تسلسل زمني ،لصور ومشاهد ،ألوان ، وأطياف تعبر مضيق الذكريات في طريقها إلى مرافيء النفايات ..كنت أشعر بالوهن والضعف ،بعدما سلبت طاقتى ،خارت قواي ، وليت ظهرى .. مضيت في طريقي ..
    بتلك النظرة الباردة لم يحتمل جسدي ،ثقل تحطُّم آماله بهذه الطريقة دفعةً واحدةً، فقدت الأحساس بنفسي بكل ذرة في كيانى الموبوء بالعلل ، مضيتُ في طريقي لا أشعر بشيء ، عيناى تخذلانى ،فأرى الأشياء تخبو وتنزوي من حولي حتى وجدتنى على الطريق ، يزحف حذائي الملتصق بالرصيف كأنني أجتر مركبة محملة بالصخور، أضواء المركبات لا تفتأ تصفق وجهي، وتغشى عيناي ،وأصوات قرعهم يزحف ببطء إلى مسامعي .انتحبت بكل ألم، انتحبت لأحاسيس كثيرة اشتجرت في داخلي وسيطرتْ عليه، حتى جعلتْ فؤادَه فارغا ،كأنما قُطِعتْ شرايينه ،وأُلقِيَت مزَقَها في أنحاء مختلفة ،لشدة ما أحزنتني تلك الذكريات البائسة لاسيما عندما تثب إلى مخيلتي ،وأرى تلك الصفرة تتسرب إلى وجهها الشاحب ، وقد أجرت على خدها الأسيل دمعة فريدة لاتفارق ذهني .كأنها كانت تسائل الأيام أن أجود عليها بتلك الكلمة مرة واحدة حتى انصرمت سني عمرها ..فما كان أشد وقع الكلمة وتأثيرها عندما نطقت بها ذلك اليوم ،فقد برقت أساريرها، وتهلل محياها ،وأومض ثغرها،ونشرت ذراعيها تعانق الرياح ..كم كنت أحمق حينما دعاني غروري لأن أبخل عليها بحقيقة ماتجيش به مشاعري، وما أحمل إليها من توق وشغف ..بل كنت انانياً عندما كنت أستعذب حيرتها وبكائها وهي تتسول مني العاطفة والدفء، أتلذذ بدموعها وانتشى كلما ظفرت بهزيمة أنثى ..ياويلي!! رأيتهاملاكاً هزيلاً نائماً ، شحوبها يطغى على لون السّتائر ، فتبدّتْ لي صفرتها كالموت .
    كانت عيناها مغمضتين وهناً ، والمصل منغرسٌ في معصمها ، ينوح نقطةً ، نقطة .كأنها تنسلّ من بين أصابعي .. ظلت عيناى تذرفان وجعاً طويلاً تيبس في مفاصلي
    ولم تلنه غيرَ هذه الفاجعة فأسمعَ الأرصفة والعابرين نشيجي ..وأنا أراها بين الغيوم المتراكمة تطلعُ في خمارٍ أبيضٍ نقي وفوق محاجرها تنز دموعها الشفافة ثمّ تختفي..تلاطم البحر المجنون في داخلي فاتشحت عيناي بضباب وغبار كثيف
    اجبرني على أن أتكأ ذلك السور القريب
    لا شيء سوى الغبار . ما أصعب تمييز الأشياء حين يعلو الغيار ويحل الظلام . حتى الطريق يختفي من تحت الأقدام ، وتختفي معه الأصوات والحركات
    .. ،ولا أدري لما أعترتني تلك الهزة والرجفة وكأن صوتها مازال يصدح داخلي ما رأيت في حسنها أحد يضارعها لاسيما تلك الإبتسامة الساحرة التي كانت تند من محياها فتنقلب حياتي رأساً على عقب ،كنا نتشاطر الأحزان والأفراح نتشارك الأفكار ، كم كانت عنيدة ..! لكنها كانت قوية العزم ، نقية الفؤاد ،طيبة العرق، يكاد صوتها الندي الرقيق لايبرح مخيلتي ، ،كم كنت أعب الكلمات في رأسي ثم ألفيتني أعدو كالمعتوه حتى أودت بي الذكريات إلى حافة النهر الذي يصلني بقريتي ،فانكفأت على صفحة الماء اغترفه وارش به وجهي وأطفيء ذلك الغليل الذي يشب في قلبي ،علنى أنضح به صدأ الذكريات التي نبتت كالأشواك في روحي، أخذتني العبرات ثم أجهشت بالبكاء، وانخرطت في عويل ونحيب ،ونزقت الدموع كالخيوط على صفحة الماء شعرت بضيق في صدري وقلبي يعلو وينخفض فاتكأت إلى شجرة قريبة منى ألتقط أنفاسي كان النهار يوشك على الأفول
    وبكيتُ بحرقةٍ ثم انحنيتُ على غصنها المكسور، تأوهتُ لعناقها، لشفتيها الساكنتين، لشمس عينيها وهي تسفح شعاعها الأخير.ثم رأيت
    الشمس تربت مواسية على كتفي التلال المحيطة بالقرية الغارقة في الظلال, وطيور تسرع الى اعشاشها تحط هنا وهناك في اعالي اشجار التوت , وقد تعالت اصواتها إيذانا بحلول الظلام ، ثم وثبت إلى القارب الذي انطلق يعب الماء والموححتى لاح في الظلام شبح قرية، وأنا أودع خلفي ظلال الليل
    المترامي الأطراف .لقد ذهبت بعيداً حيث لن أراها تطهر في حياض الفردوس، وتنعم بصفاء الأبدية،

    23/7/2015

    التعديل الأخير تم بواسطة عبد الحميد عبد البصير أحمد; الساعة 09-06-2019, 07:54.
    الحمد لله كما ينبغي








  • رشيد شرشاف
    أديب وكاتب
    • 24-06-2015
    • 246

    #2
    أستاذ أحمد فريد
    أعجبتني طريقتك في الكتابة
    أسلوبا و بناء و موضوعا
    تحية مودة و تقدير
    كن ابن من شئت واكتسب أدباً يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ فليس يغني الحسيب نسبته بلا لسانٍ له ولا أدب إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي

    تعليق

    • عبد الحميد عبد البصير أحمد
      أديب وكاتب
      • 09-04-2011
      • 768

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة رشيد شرشاف مشاهدة المشاركة
      أستاذ أحمد فريد
      أعجبتني طريقتك في الكتابة
      أسلوبا و بناء و موضوعا
      تحية مودة و تقدير

      يسرني أنها لاقت أعجاب حضرتك ..

      عاطر التحايا لمرورك الآلق أ. شريف

      شكراً لك
      الحمد لله كما ينبغي








      تعليق

      يعمل...
      X