حديث البحر
أقبل الرجلُ في سدفة الليل تعباً منهوكاً ،يتلمس وجه زوجته، ويتحسس صفحة خدها الأبيض الناصع ، وقد استحالت قشرته أبرد من الجدار. فلقد نصب الصقيع خواره فوق سطح الغرفة ،وأطلق زفرات التنين الباردة فوق سطح المنزل ..جال الرجل ببصره في أرجاء الغرفة الضيقة التي تشبه الزنازين ، فرمق الباب الخشبي المهتريء ،والسقف المتصدع ،وقد رتقت ثقوبه بخرق بالية ..رائحة الرطوبة تملأ الغرفة المتهالكة بسبب الشقوق التي تسرب منها المطر والبرد ،تسلل إليه شعور باليأس والحسرة، لعن الفقر والجوع .. ثم ارتد طرفه إلى جسد زوجته المسكينة ..ممدةً بلا حراك على حصير مهتريء من الكتان البالي، صفحة وجهها شاحب يميل للصفرة والذبول، مسدولةَ الأطراف. سعى إليها ، يتحسس يدها الباردة، حاول جاهداً أن ينفث فيهما الحرارة والدفء، فرك أصابعها وأظافرها ببطنِ أصابعه دون فائده ، ثمّ سكب دمعة بائسة لثمتُ قمرَ جبينها الوضاء .. دس يده فى فتحه صدره فغاصت إلى أسفل ،برز الشعر المعوشب كالحسك بين ثدييه، انتزع من طيات جلبابه المهتريء قنينة من الدواء ، رج الزجاجة بقوة ،ثم نزع سدادتها بما تبقى من فكيه الصفراوين ، فأسفر عن سائل أحمر قاني، اندفع كزبد طافح ،أُطلق عنوة من فوهة بندقية عامرة بالبارود ، فغمر كلتا يديه، وتسرب بعضه على حصيرة من الكتان القديم ،استشاط غضبا ،وتلمظت روحه من الغيظ والغضب ، لعن الزجاجة والصيدلي ،إنكفأ على صدرها، حاول عبثاً أن يسكب الدواء بين شفتيها الباردتين ،رفع رأسها قليلاً ،ثم وسد ذراعه مؤخرة رأسها، ورفعها برفق ، وقد أُطبقت شفتيها الغامقتين،والصقتا بمخيط ، فاستعصت على الفتح ،حاول أن يسقيها الدواء ،لكنه انساب ومرق على خديها وأنفها فغشيته مشاعر الألم والحسرة مرة أخرى فطفق يلعن الزجاجة والدواء ،وصاح معاتباً : فتحية ..فتحية .. قومي .. أنا جبت الدوا ..أوعى تموتي ،وتسبيني لوحدي يابنت الكلاب .. وغاص في نشيج مرير ،ثم استدار بغتة إلى الباب ،عندما تناهى إليه وقع أقدام خافتة، تدنو من الباب .. أقدام قوية شرعت تدق الباب، وتركله بأعقاب البنادق .. غشي ثغره ابتسامة صفراء باهته، كأنه عجوز بائس سرق منه المرض واليأس أعواد العمر الخضراء ، وثب كالملدوغ ..جذب الباب ، لم يجد أحد .. تفقد السلم من أعلى إلى أسفل ..انسابت دمعة باهته ..وهو يلعن الصيدلي في فيلم " حياة أو موت" ..وطفق يردد ساخراً :من حكمدارية بوليس العاصمة ،إلى أحمد إبراهيم القاطن في دير النحاس ... !!ثم ارتدت إليه حسرة نشبت في صدره ،وغشيته مشاعر البؤس والألم
- بس أنا مش أحمد إبراهيم .. أنا مدبولي عوض، بياع الترمس ،ودي فتحية مراتى .. ياريت زمن أحمد إبراهيم يرجع ..!! ثم انخرط في نشيج مرير ..وعاد إلى جسد زوجته الممدد..
حاول عبثا أن يرفع جثتها فحملها بين ذراعيه ،لكن جسدها استحال كتلة ثقيلة متخشبة ، فصار يركلها ويسبها ..ثم انثنى على الجثة الهامدة يلثمها لثمات حارة كشؤبوب فاض من الغيث، والدموع قد انسابت تجري من مأقيها ، كخيوط رفيعة تجري على نحره مثل شلال أهُرق فوق جدول صغير ،.. مكث أيام لايفارقها حتى تغيرت الجثة وتلونت، وخرج منها روائح كريهة ،فخرج مذعوراً إلى براح الفضاء الواسع .. يقدح زناد الفكر، وقد أعتوره مس من الجنون بحثاً عن إيجاد مخرج من ذلك المشهد العبثي.. وكأنه سيناريست قد استشاط غيظا من تلك النهاية المترهلة ..فانبرى يبحث عن نهاية مؤثرة تليق بصورة العمل ..فمدبولي عوض هو ذاته أحمد إبراهيم مهما تغيرت الشخوص و تلونت الأسماء ..الإذاعة والتليفزيون اكتظا بحشد كبير من المسؤلين يرصدون أخر المجريات والأحداث .. من أجل الإطمئنان على حالة فتحية، ومن أجل بث الأنباء أولا بأول لطمأنة الرأي العام ..دوى نعيق مركبات الأنقاذ يزلزل شوارع المدينة الخالية ،وقد اكتظت المقاهي والنواصي بالحشود، والجموع الغفيرة، التي تقاطرت كالأسراب من كل زاوية وزقاق أمام الشاشات العملاقة التي ُنصبت فوق الجسور والطرق ،والبنايات العالية .. الأعلام المرئي يتابع عن كثب في تغطية شاملة مجريات الأحداث ، قنوات الأخبار تقطع بثها اليومي لتتابع أخر المستجدات بشأن حادثة فتحية، تنكس الأعلام ريثما يتم الأطمئنان على فتحية.. الصيدلي العجوز يمكث أمام المرآة يهذب من شاربه التركي، ويرجل من شعره الأبيض ..يحضر زجاجة الدواء، ويغشى جبينه ابتسامة يتلألأ له وجه الوضيء الذي يبعث التفاؤل والأمل في نفوس البائسين ، تتوعك فتحية من شدة المرض و تلثم الدواء ، فيتسرب الوهن من جسدها، وينتشي من الداء العضال، وتتبدل ملامحها من طيف شاحب إلى ملاك وضيء ،ثم يفتر ثغرها عن ابتسامة تكلل وجهها الناصع بعلامات الحسن والجمال ،تسود الفرحة وتعم أرجاء المدينة .. ويعانق الناس بعضهم البعض ، ويتناسوا الهدف الآسر الذي أحرزه فلان الفلاني... ويظل الحدث عالقاً في أذهان الكثيرين من أبناء الوطن .. هكذا تكتب النهايات ..!تلك النهايات هي التي تجلب الأعمال وتدر الأموال ..تباً لسارقي المرح من أعين البؤساء ..!ثم انخرط في وصلة من الضحك ،مسبغ بنشيج مرير ،يقطع الأنفاس
- لابد أن فتحية الأن ترفل في فيافي النعيم .. ولربما أغدقوا عليها فمنحوها شقة ..!ومركبة ...!وحلي ... ما أسعدك الليلة يافتحية ..! لقد ابتسم القدر أخيراً، وارتقيت عالياً في سماء المجد والشهرة ..تُرى ..؟ هل ستعرفني فتحية ، أم تراها تتنكر لي ..لن يمكنها أن تتخذني زوجا .. سأرتضي أن أكون خادماً يكفي أن أكون بجوارها ناصح أمين ..فتحية مازالت ساذجة ،بحاجة إلى مستشار يحفظ أموالها وضياعها ..لن أطلب الكثير .. ! اعتوره المس والهذيان ،وضربت الشمس ناصيته فأغشي عليه ..
كان قلبه الخفاق يتمتم وهو في غمرة الحلم :فتحية لم تمت ..لقد تركتها مريضة سأحضر الدواء وستغدو بخير .. يتذكر زوجته المنكوبة تارة ويلحظ إلى عينه الشاردة المتلهفة تسبح في آفاق عوالم مجهولة .. كان جبينه يتفصّد عرقا وألما ، ورجلاه الهزيلتان قد تسلل إليهما التعب والألم ، فتعبا عن حمل جسده المنهك الضعيف ،الغيوم الحمراء تدفع الشمس إلى المغيب ،فحملت متاعها ودست وجهها في رداء البحر .. ثم أقبل الليل يسوق قطعانه الرابضة خلف الظلال ،واستحال القمر في إشراقته مضيئاً يبرق كعادته، ، وهو يبسط مرامه وأشعته المرمرية المتلألئة على شاطيء البحر، كأنه مشعوذ أبيض جاء يتوكأ على عصاه السحرية ليصلحَ ما أتلفته الشمس .. طَوَّحّ الرجل ذراعيه ثم تَلَوَّى كالملدوغ وقد أعتوره المس والهذيان من سكرة الجمال ، كأنه قد أرتشف الكأس لآخر صبابة ، نزع حذائه وطرح ثيابه ومرق كالسهم إلى الشاطيء ،ُيعانق المياة الساكنة التي نعست من همس القمر، وهو يغازل حوريات البحر .. سمع هاتف رقيق: تعال ..لاتخف ..لن نؤذيك ..هل تريد أن ترى زوجتك.. التفت حوله فلم يجد سوى إنعكاس ضوء القمر فوق لحاف البحر، غط في نشيج مرير وطوح بذراعيه في أعماق الماء..
- لم أقتلها .. قتلها الفقر والجوع .. كانت عفاريت البحر يعبثن بعقله.. ثم شرعت إحداهن تَثِبُ بين الأمواج فتشطر أعراف الماء وذوائبه ..ثم تراءى له طيف زوجته فتحية يسير على صفحة الماء، ويختال كالباليرينا ثم تمددت على الأمواج وقد أرسلت غدائرها الذهبية تتألق تحت خيوط القمر، ولا تنفك توميء إليه بأناملها تستدنيه بعينيها المسحورتين ،ثم تفتنه وتستبيه ببارق ثغرها الوضاح :إِدْنُ مني.. فابتسم ملياً ثم اقتحم الماء ناشراً ذراعيه ..وهو يهذى :ليست فتحية ..فلم تكن تلك سيماءها...لابأس، مرحى.. فما عاد كأس الحياة يخلُص لي، ثم وثب إلى ذراعيها المتقدتين شغفاً وحبا ..قاس الرجل فوهة الهاوية بعينه ، ووثب يريد أن يقع في حضن غادة البحر .!لكنه وقع على صارم المنون ..
وفي الصباح عُثر عليه ميتاً وأثار لدغات كأنها لثمات حميمية ناتئة في جسده
أقبل الرجلُ في سدفة الليل تعباً منهوكاً ،يتلمس وجه زوجته، ويتحسس صفحة خدها الأبيض الناصع ، وقد استحالت قشرته أبرد من الجدار. فلقد نصب الصقيع خواره فوق سطح الغرفة ،وأطلق زفرات التنين الباردة فوق سطح المنزل ..جال الرجل ببصره في أرجاء الغرفة الضيقة التي تشبه الزنازين ، فرمق الباب الخشبي المهتريء ،والسقف المتصدع ،وقد رتقت ثقوبه بخرق بالية ..رائحة الرطوبة تملأ الغرفة المتهالكة بسبب الشقوق التي تسرب منها المطر والبرد ،تسلل إليه شعور باليأس والحسرة، لعن الفقر والجوع .. ثم ارتد طرفه إلى جسد زوجته المسكينة ..ممدةً بلا حراك على حصير مهتريء من الكتان البالي، صفحة وجهها شاحب يميل للصفرة والذبول، مسدولةَ الأطراف. سعى إليها ، يتحسس يدها الباردة، حاول جاهداً أن ينفث فيهما الحرارة والدفء، فرك أصابعها وأظافرها ببطنِ أصابعه دون فائده ، ثمّ سكب دمعة بائسة لثمتُ قمرَ جبينها الوضاء .. دس يده فى فتحه صدره فغاصت إلى أسفل ،برز الشعر المعوشب كالحسك بين ثدييه، انتزع من طيات جلبابه المهتريء قنينة من الدواء ، رج الزجاجة بقوة ،ثم نزع سدادتها بما تبقى من فكيه الصفراوين ، فأسفر عن سائل أحمر قاني، اندفع كزبد طافح ،أُطلق عنوة من فوهة بندقية عامرة بالبارود ، فغمر كلتا يديه، وتسرب بعضه على حصيرة من الكتان القديم ،استشاط غضبا ،وتلمظت روحه من الغيظ والغضب ، لعن الزجاجة والصيدلي ،إنكفأ على صدرها، حاول عبثاً أن يسكب الدواء بين شفتيها الباردتين ،رفع رأسها قليلاً ،ثم وسد ذراعه مؤخرة رأسها، ورفعها برفق ، وقد أُطبقت شفتيها الغامقتين،والصقتا بمخيط ، فاستعصت على الفتح ،حاول أن يسقيها الدواء ،لكنه انساب ومرق على خديها وأنفها فغشيته مشاعر الألم والحسرة مرة أخرى فطفق يلعن الزجاجة والدواء ،وصاح معاتباً : فتحية ..فتحية .. قومي .. أنا جبت الدوا ..أوعى تموتي ،وتسبيني لوحدي يابنت الكلاب .. وغاص في نشيج مرير ،ثم استدار بغتة إلى الباب ،عندما تناهى إليه وقع أقدام خافتة، تدنو من الباب .. أقدام قوية شرعت تدق الباب، وتركله بأعقاب البنادق .. غشي ثغره ابتسامة صفراء باهته، كأنه عجوز بائس سرق منه المرض واليأس أعواد العمر الخضراء ، وثب كالملدوغ ..جذب الباب ، لم يجد أحد .. تفقد السلم من أعلى إلى أسفل ..انسابت دمعة باهته ..وهو يلعن الصيدلي في فيلم " حياة أو موت" ..وطفق يردد ساخراً :من حكمدارية بوليس العاصمة ،إلى أحمد إبراهيم القاطن في دير النحاس ... !!ثم ارتدت إليه حسرة نشبت في صدره ،وغشيته مشاعر البؤس والألم
- بس أنا مش أحمد إبراهيم .. أنا مدبولي عوض، بياع الترمس ،ودي فتحية مراتى .. ياريت زمن أحمد إبراهيم يرجع ..!! ثم انخرط في نشيج مرير ..وعاد إلى جسد زوجته الممدد..
حاول عبثا أن يرفع جثتها فحملها بين ذراعيه ،لكن جسدها استحال كتلة ثقيلة متخشبة ، فصار يركلها ويسبها ..ثم انثنى على الجثة الهامدة يلثمها لثمات حارة كشؤبوب فاض من الغيث، والدموع قد انسابت تجري من مأقيها ، كخيوط رفيعة تجري على نحره مثل شلال أهُرق فوق جدول صغير ،.. مكث أيام لايفارقها حتى تغيرت الجثة وتلونت، وخرج منها روائح كريهة ،فخرج مذعوراً إلى براح الفضاء الواسع .. يقدح زناد الفكر، وقد أعتوره مس من الجنون بحثاً عن إيجاد مخرج من ذلك المشهد العبثي.. وكأنه سيناريست قد استشاط غيظا من تلك النهاية المترهلة ..فانبرى يبحث عن نهاية مؤثرة تليق بصورة العمل ..فمدبولي عوض هو ذاته أحمد إبراهيم مهما تغيرت الشخوص و تلونت الأسماء ..الإذاعة والتليفزيون اكتظا بحشد كبير من المسؤلين يرصدون أخر المجريات والأحداث .. من أجل الإطمئنان على حالة فتحية، ومن أجل بث الأنباء أولا بأول لطمأنة الرأي العام ..دوى نعيق مركبات الأنقاذ يزلزل شوارع المدينة الخالية ،وقد اكتظت المقاهي والنواصي بالحشود، والجموع الغفيرة، التي تقاطرت كالأسراب من كل زاوية وزقاق أمام الشاشات العملاقة التي ُنصبت فوق الجسور والطرق ،والبنايات العالية .. الأعلام المرئي يتابع عن كثب في تغطية شاملة مجريات الأحداث ، قنوات الأخبار تقطع بثها اليومي لتتابع أخر المستجدات بشأن حادثة فتحية، تنكس الأعلام ريثما يتم الأطمئنان على فتحية.. الصيدلي العجوز يمكث أمام المرآة يهذب من شاربه التركي، ويرجل من شعره الأبيض ..يحضر زجاجة الدواء، ويغشى جبينه ابتسامة يتلألأ له وجه الوضيء الذي يبعث التفاؤل والأمل في نفوس البائسين ، تتوعك فتحية من شدة المرض و تلثم الدواء ، فيتسرب الوهن من جسدها، وينتشي من الداء العضال، وتتبدل ملامحها من طيف شاحب إلى ملاك وضيء ،ثم يفتر ثغرها عن ابتسامة تكلل وجهها الناصع بعلامات الحسن والجمال ،تسود الفرحة وتعم أرجاء المدينة .. ويعانق الناس بعضهم البعض ، ويتناسوا الهدف الآسر الذي أحرزه فلان الفلاني... ويظل الحدث عالقاً في أذهان الكثيرين من أبناء الوطن .. هكذا تكتب النهايات ..!تلك النهايات هي التي تجلب الأعمال وتدر الأموال ..تباً لسارقي المرح من أعين البؤساء ..!ثم انخرط في وصلة من الضحك ،مسبغ بنشيج مرير ،يقطع الأنفاس
- لابد أن فتحية الأن ترفل في فيافي النعيم .. ولربما أغدقوا عليها فمنحوها شقة ..!ومركبة ...!وحلي ... ما أسعدك الليلة يافتحية ..! لقد ابتسم القدر أخيراً، وارتقيت عالياً في سماء المجد والشهرة ..تُرى ..؟ هل ستعرفني فتحية ، أم تراها تتنكر لي ..لن يمكنها أن تتخذني زوجا .. سأرتضي أن أكون خادماً يكفي أن أكون بجوارها ناصح أمين ..فتحية مازالت ساذجة ،بحاجة إلى مستشار يحفظ أموالها وضياعها ..لن أطلب الكثير .. ! اعتوره المس والهذيان ،وضربت الشمس ناصيته فأغشي عليه ..
كان قلبه الخفاق يتمتم وهو في غمرة الحلم :فتحية لم تمت ..لقد تركتها مريضة سأحضر الدواء وستغدو بخير .. يتذكر زوجته المنكوبة تارة ويلحظ إلى عينه الشاردة المتلهفة تسبح في آفاق عوالم مجهولة .. كان جبينه يتفصّد عرقا وألما ، ورجلاه الهزيلتان قد تسلل إليهما التعب والألم ، فتعبا عن حمل جسده المنهك الضعيف ،الغيوم الحمراء تدفع الشمس إلى المغيب ،فحملت متاعها ودست وجهها في رداء البحر .. ثم أقبل الليل يسوق قطعانه الرابضة خلف الظلال ،واستحال القمر في إشراقته مضيئاً يبرق كعادته، ، وهو يبسط مرامه وأشعته المرمرية المتلألئة على شاطيء البحر، كأنه مشعوذ أبيض جاء يتوكأ على عصاه السحرية ليصلحَ ما أتلفته الشمس .. طَوَّحّ الرجل ذراعيه ثم تَلَوَّى كالملدوغ وقد أعتوره المس والهذيان من سكرة الجمال ، كأنه قد أرتشف الكأس لآخر صبابة ، نزع حذائه وطرح ثيابه ومرق كالسهم إلى الشاطيء ،ُيعانق المياة الساكنة التي نعست من همس القمر، وهو يغازل حوريات البحر .. سمع هاتف رقيق: تعال ..لاتخف ..لن نؤذيك ..هل تريد أن ترى زوجتك.. التفت حوله فلم يجد سوى إنعكاس ضوء القمر فوق لحاف البحر، غط في نشيج مرير وطوح بذراعيه في أعماق الماء..
- لم أقتلها .. قتلها الفقر والجوع .. كانت عفاريت البحر يعبثن بعقله.. ثم شرعت إحداهن تَثِبُ بين الأمواج فتشطر أعراف الماء وذوائبه ..ثم تراءى له طيف زوجته فتحية يسير على صفحة الماء، ويختال كالباليرينا ثم تمددت على الأمواج وقد أرسلت غدائرها الذهبية تتألق تحت خيوط القمر، ولا تنفك توميء إليه بأناملها تستدنيه بعينيها المسحورتين ،ثم تفتنه وتستبيه ببارق ثغرها الوضاح :إِدْنُ مني.. فابتسم ملياً ثم اقتحم الماء ناشراً ذراعيه ..وهو يهذى :ليست فتحية ..فلم تكن تلك سيماءها...لابأس، مرحى.. فما عاد كأس الحياة يخلُص لي، ثم وثب إلى ذراعيها المتقدتين شغفاً وحبا ..قاس الرجل فوهة الهاوية بعينه ، ووثب يريد أن يقع في حضن غادة البحر .!لكنه وقع على صارم المنون ..
وفي الصباح عُثر عليه ميتاً وأثار لدغات كأنها لثمات حميمية ناتئة في جسده
تعليق