داخل كراج النهضة تستمر الحياة صاخبة دون توقف, صخب وضجيج, جنود, فلاحون, عمال, ضباط ومراتب, فوضى عارمة, دخان ورائحة للحم المشوي تتصاعد في كل مكان, طلاب الجامعات, بائعات القيمر والصمون, جنود نائمون على الرصيف, مقاهي تفوح من أبوابها رائحة الشاي, باصات كثيرة بألوان مختلفة, سواق يصيحون بأعلى أصواتهم بصرة, ناصرية, عمارة, ديالى, كركوك, كأنهم نعاة الجنائز فكلها طرق للموت.ها قد جلست بجانب نافذة السيارة كعادتي منذ الطفولة, عشرات الجنود في مقتبل أعمارهم يسيرون بخطى متثاقلة, نظرات حائرة من عيون غائرة نحو الضياع بلا هدف, بدلات خاكية تغطي أجساد خاوية وبيريات سود وحمر فوق رؤوس تحمل أحلاما وأمالا بعيدة, أبعد بكثير من وحداتهم العسكرية.وصل السيارة عسكريان احدهما ثمل مترنح يسير بصعوبة وبخطى متعرجة يجره صديقه من يده ليرشده على الطريق, ما أن صعد حتى وقف منتصباً في مدخل الباب وبدأ يصيح بصوت عال كأنه إمام يخطب, أخذ يسب ويلعن ليشتم الحرب ومن قام بها, وهو يصرخ ما نحن سوى قطيع خراف نصعد السيارات بأرجلنا لنتوجه للمجازر دون ثمن وبلا نقاش أو معارضة, نحن خراف, نحن خراف...., قبل أن ينهض احدهم ليجلسه على أحد المقاعد ويسكته, هل نحن خراف بلا ثمن نذبح ولا نعارض..!. اعتقد لولا الخمر وما تعمله في العقول من خدر لانتحر الكثير من هؤلاء العسكر. نور خافت من أعمدة عالية كأنها فنارات السفن تبدد وحشة الطريق الطويل الممتد للجبهات البعيدة إلى المجهول بلا آفاق قريبة, طريق أعشق كل ما فيه, المزارع, الصحاري, الدكاكين, وجوه البشر أترقبها بانتباه شديد فقد تكون المرة الأخيرة التي أراهم فيها, طريق الرحيل كأنه الذهاب الأخير بلا عودة, أو ربما أعود ملفوفاً بالعلم ولا يمكنني رؤية شيء آنذاك, سأترك القلم الآن فسلطان النوم يناديني... تصبحين على خير.أكره الدم ولونه ورائحته, وأنا أكتب الآن أنظر للندب في أصابعي أثار جروح قديمة قبل سنوات مضت في بدايات الشباب عندما كانت والدتي تجبرني على ذبح الدجاج بالسكين لكوني قد أصبحت رجلاً وعلي فعل ذلك مثل بقية الرجال في القرية, فأبقى في صراع داخلي كبير بين أن أكون رجلا في عين أمي وأمام الناس ونفسي, وبين كرهي للذبح وسلب حق حيوان في الحياة, عندما كنت أحاول الذبح ما أن امسك السكين اضطرب كثيراً واجرح أصبعي في كل مرة, حتى سلمت والدتي للأمر الواقع فتبعثني مع الدجاجة والسكين لأبن الجيران ليقوم بالعملية بدلاً عني, فانتصرت أخيراً بقيت طفلاً جبانا في نظرها ونظر نفسي, بقيت الندب في يدي تذكرني بطفولتي التي احتفظت بها طوال العمر, كيف التحق للجبهة لأقتل أناس لم أعرفهم واسلب حقهم في الحياة, كل حروب البشرية مجرد هراء, وضحك على الذقون. كثيراً ما حاولت الهروب من الخدمة العسكرية للتخلص من هذا الواقع المزري الذي لم اقتنع فيه أبداً, فأتذكر وجه الرفيق(أبو صدام) مسؤول محلتنا البعثي وهو يطرق الباب علينا كل أسبوع ليتأكد من التحاقي للجبهة بعد انتهاء إجازتي الدورية, عاش البعث, عاش القائد الضرورة. ظلام دامس إلا من ضوء المصباح الخافت فوق راسي وأنا أكتب, صمت مطبق إلا من فحيح الإطارات على الإسفلت وبعض أصوات الشخير المتقطع هنا وهناك, بزغ ضياء قرص الشمس فوق رؤوس بساتين النخيل المعتمة ليعلن عن نهار جديد, بدأ ينشر نوره في الأجواء ويصبغ السماء بلون أصفر قبل أن يمنح الأشياء ألوانها المتنوعة في الأماكن المختلفة, لم يبق سوى القليل وأصل وحدتي العسكرية. ساتر ترابي يحيط بخيام متناثرة وبعض الخرائب كأنها قبور متناثرة, انتهيت للتو من التعداد والرياضة الصباحية القاسية, قبل البدء بحفر الأجداث أقصد الملاجئ, جهزت السلاح وملأته بالعتاد قبل أن انكب على فراشي الرث المليء بالتراب والرمال من اجل الاستراحة والغداء, علي أن أترك الكتابة فالعريف يصفر بالبوق فقد حان موعد التدريب المسائي. ربما سيشن علينا العدو هجوما واسعا في الأيام المقبلة, بدأت تتساقط قذائف المدفعية بين الحين والآخر, المنايا ملازمة لنا في كل مكان ونشعرها تلامسنا أحيانا, كلما اقتربت ازداد تمسكنا بالحياة أكثر بالرغم من كل قسوتها وبشاعتها, الجميع هنا لا يريد الموت ويكره السلاح والقتل ولكننا ننفذ الأوامر.. الأوامر, كم أكره هذه الكلمة الحقيرة البائسة. عدت للكتابة الآن بعد أن توضأت من دماء أصحابي, ولا زالت البقع الحمراء تنتشر على بدلتي العسكرية فدم الإنسان لا يمكن غسله وإزالته بسهولة, يبقى منظره عالقاً في الذهن مدى الحياة, الكثير من الجرحى يئنون من الألم وعشرات الشهداء ماتوا بأحضاني, لا تعلمين معنى أن يموت شخص عزيز على قلبك بين يديك, حالة لا يمكنني وصفها والتعبير عنها بمجرد كلمات. حتى الضباط تخلوا عن جبروتهم وعنفوانهم المصطنع ها هم بيننا في الملاجئ, لأول مرة أشعر بأنهم بشر مثلنا بعد أن كفوا عن الأمر والنهي والتعالي بعدما جمعنا الموت ووحدنا كبشر بلا رتوش, علي أن أنهض الآن, سأكمل متى ما استطعت. قد مر يومان على القصف المستمر,أشعر بالموت يحاول أنتهاش روحي في كل لحظة, تتساقط القذائف المستعرة لتمزق الأجساد لأشلاء متناثرة, دخان أسود رائحة الموت البشعة تنتشر في كل مكان, حاولنا الهرب باتجاه العدو عسى أن ننعم بالحياة ونصبح أسرى حرب ولم نفلح, قتلوا العديد أمام عيني ممن خرجوا رافعين أيديهم وهو يلوحون بفانلاتهم البيض طلباً للنجاة, ولا يمكننا الانسحاب للخلفيات لانتشار فرق الإعدامات هناك يقتلون المنسحبين برصاصة في الرأس, قررت البقاء فالموت هنا أرحم من الموت بأيدي أبناء البلد, فالموت أشكال وليس واحد.اعترف الآن بأن الجندي كان على حق, ما نحن سوى قطيع خراف يساق ليجزر بالمجان. قصف عنيف مستمر منذ ثلاثة أيام بلياليها وبلا هوادة, ربما اكتب الكلمات الأخيرة, أن مت اليوم فأعلمي إني عشقت الحياة معك وسأحمل ذكراك وكل أيامنا السعيدة بما فيها من أحلام وأمنيات في روحي, أتخيل كل معاناتك من بعدي ومعنى أن تكوني أرملة, قبلي لي ولدي صلاح, وقولي له بأنني اح... دموعها أعادت الرطوبة لبقع الدم المنتشرة على الورق وكأنها قد نزفت من جروح زوجها للتو, انتابتها نوبة بكاء شديدة قبل أن تسمع طرقات شديدة مستمرة على الباب, رجل نحيل يرتدي السفاري يغطي كرشاً ممتلئ ويكشف عن أخمص المسدس للعيان, وجه أسمر شاحب مصفر بعيون جاحظة, ما أن تحدث ليكشف عن أسنان صفراء قبيحة, وخلفه في الشارع سيارة (لاندكروز) بداخلها رجلين. - عليكِ الحضور الآن معنا على الفور إلى مديرية الأمن العامة من أجل بعض الاستفسارات السريعة.فراس عبد الحسين
مذكرات وأمن عامة
تقليص
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 110166. الأعضاء 7 والزوار 110159.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.