هدف خاطئ...!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد غبسي
    أديب وكاتب
    • 25-11-2014
    • 97

    هدف خاطئ...!

    اقتربت منا مروحية تابعة لقوات التحالف الذي يقصف اليمن ، كنت أجلس القرفصاء الى جوار خمسة أشخاص في منعطف ترابي أعلى هضبة ، كانت أمامهم مجموعة رشاشات حديثة ملقية على التراب ، قد يكون وجودهم في المكان مصادفة ، و ربما كانوا عسكريين بزي مدني !
    كلما أعرف أنهم تبعثروا بمجرد ظهور المروحية تاركين الأسلحة في مكانها ، ألتفت شمالاً ويميناً بحثاً عن صخرة للإختباء وراءها ، سارت بي قدماي نحو جرف صغير ، ومع اقتراب المروحية تسلقت الى أعلى الجرف الذي لم يستطيع صد الرصاص القادم من المروحية بكثافة ، فجأة توقفت المروحية أمام الجرف لينزل منها جندياً مجهزاً بكل أدوات الموت والرعب العسكرية ، صوب بندقيته نحوي فتزحلقت من أعلى الجرف لأقف أمامه مباشرة ، في ذروة العجز عن الكلام قلت له : أنا لست هدفك..
    ليرد قائلاً : بل أنت الهدف
    وأنا ابكي كطفل أقسمت له بأني لست الهدف
    قال : من أنت إذاً وماذا تفعل في هذا المكان ؟
    أجبته : أنا صحفي وكلما أعرف أنني هنا ولو كنت عسكرياً أو محارباً لما تمكنت من العثور عليّا بهذه السهولة ،
    رد بقسوة مصطنعة في محاولة منه للتخلص من إنسانيته قائلاً : أنا جندي ويصعب عليك خداعي
    وقد جفت الدموع من عيني أقسمت له مجدداً بأني هدف خاطئ وسألته : هل تعرف أيضاً لمَ أنت هنا الآن ؟
    نزع خوذته قائلاً أنا هنا وتقطع صوته...بدأت الدموع تتساقط من عينيه وهي مليئة بالأسئلة وعلامات التعجب ،
    بدا شاباً وسيماً في العشرينيات من عمره ، كأنه بطل " التايتانك " إنما ليس في مهمة إنقاذ هذه المرة ، فقد جاء كقاتل مأجور في فيلم " جزار نيويورك " بملامح ولغة عربية .
    سألني مجدداً : هل لديك أطفال ؟
    أخبرته بأن لديّ ثلاثة أطفال .
    نزع قشطة الرصاص من مسدسه وألقى بها على الأرض وبدأ يصرخ باكياً ودموعه تنهمر بغزارة وكأنه يريد الإنتحار...
    نزل المزيد من الجنود الذين استغربوا تأخر زميلهم في تنفيذ مهمته الصغيرة ، حاولوا تحفيزه بعدة جمل عسكرية لا رحمة فيها ولا مشاعر إنسانية ، لكن بعد فوات الآوان .
    بدأت أشفق عليه وهو يتألم ويضرب صدره بمسدسه ، أخذت قشطة الرصاص وأعطيته إياها قائلاً له : اكمل مهمتك...
    أخذها ووضعها في المسدس بعد أن أفرغ منها رصاصة واحدة وهو عاجز عن تنفيذ مهمته وعاجز أيضاً عن العودة الى المروحية التي تنتظره قبالة الجرف .
    صحت في وجهه إذا لم تستطع فدع أحد زملائك ينفذ الأمر ، أنا مقتولٌ لا محالة كمئآت الأبرياء الذين تقتلونهم في منازلهم ، هل لديك فكرة كم طفل قُتل في حربكم هذه ؟
    هل تعرف كم أصبت وأنت تحلق في فضاء الموت لتقصف أهداف خاطئة ؟
    ماكان عليك أن تنزل من الطائرة ، فمهمتك كبقية زملاءك القتل عن بعد وليس مرافقة الرصاص الى صدور الضحايا ..!
    تلاشى صوته وأنا أحاول وضع اصبعهُ على الزناد ، توقف كل شيء عند هذه اللحظة ، عند هذه الصورة التي لم يحدث بعدها أي شيء ، استيقظت مع انبلاج الفجر في غرفتي واستيقظت صغيرتي وجاءت تعانقني وكأنها تعرف بأنني نجوت للتو من معركة تابعت كل تفاصيلها .
    " حمداً لله على سلامتي " قلت لنفسي وأنا أحتضن صغيرتي وأنظر بفرحة عارمة الى أبنائي وزوجتي ، وبدأت أراجع أحداث القصة كمادة صحفية .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــ
    محمد غبسي
    31/7/2015م
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد غبسي; الساعة 31-07-2015, 13:28.
    اللوحة الأولى في ذمة الله
    القصيدة الأخيرة في الجحيم
    اللحظة التي أقف عليها ليست للبيع...
    أنا هنا استمتع بمشاهدة الفيلم الذي تؤدون فيه دور اللصوص .
  • عبدالإله فؤاد
    أديب وكاتب
    • 23-07-2015
    • 56

    #2
    مثل هذه الكوابيس كثيرة في هذا العالم الموبوء بالنزاعات والحروب.. جميل هذا النحت في البعد الإنساني للمتحاربين. . دمت مبدعا متألقا أخي العزيز أستاذ محمد غبسي. .

    تعليق

    • محمد غبسي
      أديب وكاتب
      • 25-11-2014
      • 97

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالإله فؤاد مشاهدة المشاركة
      مثل هذه الكوابيس كثيرة في هذا العالم الموبوء بالنزاعات والحروب.. جميل هذا النحت في البعد الإنساني للمتحاربين. . دمت مبدعا متألقا أخي العزيز أستاذ محمد غبسي. .

      السيد عبدالإله فؤاد....شكراً لمرورك الكريم وثناءك العاطر....دمت بحب وخير وسلام يا سيدي
      اللوحة الأولى في ذمة الله
      القصيدة الأخيرة في الجحيم
      اللحظة التي أقف عليها ليست للبيع...
      أنا هنا استمتع بمشاهدة الفيلم الذي تؤدون فيه دور اللصوص .

      تعليق

      يعمل...
      X