يعتبر المسرح فعلا اجتماعيا مؤثرا في بناء الحضارة الإنسانية. و هو الفعل الوحيد القادر على تفكيك الواقع، من أجل تشخيص الاعتلالات والعيوب والأخطاء الاجتماعية والمجتمعية. وذلك بهدف تجاوزها نحو بناء واقع جديد، مختلف ومتطور. وبذلك يكون المسرح فعلا إبداعيا مفتوحا على المستقبل الذي سيبنيه أطفال اليوم. وهذا ما يجعل مسرح الأطفال يحتل مكانة هامة في البلدان الغربية، التي استطاعت أن تجعل من مسرح الطفل أداة لصناعة التفوق والريادة، بالنسبة للثروة الوطنية الأولى، والتي هي الموارد البشرية الضرورية لتكريس السيادة الاقتصادية والعلمية والسياسية. لذلك يشكل "مسرح الأطفال" هما يوميا للمشروع التربوي المجتمعي عند الدول التي تمتلك استراتيجية واضحة للحفاظ على مكانتها الحضارية بين الأمم الأخرى. وهذا بالضبط ما يحملنا على القول بأن مسرح الأطفال هو مسألة تخص "الكبار".لكن دلالة مفهوم الكبار تختلف باختلاف السياق الذي يوضع فيه "مسرح الصغار"..ذلك أن الراشدين/كبار السن هم من وضعوا أسس ومقومات مسرح الأطفال/ القاصرين/صغار السن.وبذلك أصبح الكبار يشكلون الطرف المتحكم في الفعل المسرحي لهذه الفئة العمرية و الاجتماعية: الباحثون، المؤلفون، المخرجون، التقنيون، السينوغرافيون ، الممثلون والنقاد..إذ غالبا ما يكون الأطفال ـ إن شاركوا في العمل ـ مجرد مؤدين للرسائل المنتقاة من طرف "الكبار"،(المسرح المدرسي نموذجا).فلا وجود لأية تجارب مسرحية انطلقت من الأطفال وتوجهت إلى الأطفال، على امتداد الوطن العربي، ولو كانت تحت إشراف الكبار.. والأدهى من كل ذلك، أن هؤلاء "الكبار " المهتمين بإشكالية "مسرح الصغار"، لم يتلقوا أي تكوين أكاديمي/ علمي في هذا المجال، وذلك بسبب انعدام مؤسساته، من الخليج إلى المحيط..هذا الغياب التام لشعبة "مسرح الأطفال" في مؤسسات التكوين العلمي والأكاديمي، يحيلنا ألى "كبار" آخرين، في سياق دلالي آخر. إنه سياق القرار السياسي، باعتباره الفعل الاجتماعي القادر على "صناعة التغيير".وهنا يصبح الفاعلون المسرحيون المهتمون بمسرح الأطفال ـ رغم إبداعهم، جهودهم، تضحياتهم، وعصاميتهم ـ "صغارا" في مواجهة "الكبار"/المالكين لسلطة القرار.و اداة هذه المواجهة الغير متكافئة هي: التوصيات، التي تسقط في "جادبية الرفوف المثلجة"، بسبب انعدام "المسؤولية المباشرة". إذ يستحيل أن تجد مكتبا أو قسما خاصا بمسرح الأطفال، في أي وزارة من الوزارات التابعة لأي حكومة من الحكومات العربية.الشيء الذي يجعل المهتمين بمسرح الصغار، على قلتهم، تائهين بين دواليب الإدارات والوزارات، التي قد تبدي نوعا من الاهتمام بهذا المسرح، في إطار برامج خاصة أو مشاريع مرحلية: برامج تحسيسية، أو احتفالات خاصة (اليوم العالمي للبيئة، اليوم الوطني للسلامة الطرقية..إلخ). ولن يتغير هذا الوضع أبدا، ما لم تتغير نظرة الفاعلين السياسيين لمسرح الأطفال، عن طريق بلورة خطط استراتيجية وطنية في كل بلد عربي، بالشكل الذي يمكن كل أطفال الوطن من ممارسة المسرح في كل المؤسسات المهتمة بالطفولة، وعلى جميع الأصعدة والنواحي المرتبطة بنمو "رجال الغد"،وفق رؤية تنشد تثمين وتقوية الموارد البشرية العربية، وإعطاءها حقها في إثبات الذات والانفتاح على الآخر. وهذا ما يجعلنا نقول أن "مسرح الصغار" مسألة تهم "الكبار"، و بكل دلالات ومعاني كلمة "الكبار".
المسرح : بين "الصغار" و "الكبار"..
تقليص
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 196047. الأعضاء 6 والزوار 196041.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.