خرافة -1-
- اسمعوني ,حينما أقول أنا "يا من حاجاتك " تقولون أنتم :"يرحم الأم اللي جاباتك "(التي أنجبتك)
- لنبدأ: يا من حاجاتك ...
- يرحم الأم اللي جاباتك
- يا سادة يا مادة يدلنا ويدلكم على الشهادة .كان ثمة سلطان ولا سلطان غير الله واللي عليه ذنب يقول استغفر الله ...
- لا ..لا ...هذه حَكَيْتِهَا لنا البارحة ..هات غيرها .
- كان ثمة راجل قد تزوّج امرأتين إحداهما ذكية ماكرة والأخرى بسيطة ساذجة ومغفّلة .كانت الزوجتان تقومان بشؤون البيت ولم تكن الماكرة تدخر فرصة لظلم الساذجة حيث كانت دائما تدّعي الإعياء والمرض ليكون على الثانية أن تغسل وتكنس وتطبخ وتعتني بولدها علي وببنتها عائشة وبأبناء ضرّتها .وكانتا تذهبان معا للعين لجلب الماء ولغسل الثياب وفي مرّة من المرّات أُعجبت السّاذجة بوفرة العشب حول المنبع وودّت لو تتحوّل إلى بقرة فتلتهم كلّ تلك "الخبيّزة" ثمّ تعود كما كانت امرأة تحمل الجرّة على ظهرها وتعود إلى بيتها وزوجها وأولادها .وسألت ضرّتَها الماكرةَ :"أُخيّتي هل يمكنكِ أن تضربيني بهذه المضرب فأتحوّل إلى بقرة فألتهم كلّ هذا العشب ثمّ إذا حان موعد العودة إلى الحيّ ضربتني ضربة أخرى تُعيدني إلى صورتي الأولى ؟" فما كان من الضّرة إلاّ أن رَحَّبَت بالفكرة وعبّرت عن استعدادها للمساعدة .وانطلقت توا إلى مضرب الصّوف فضربت به صاحبتها التي تحوّلت بقدرة قادر إلى بقرة سمينة وجدت سعادتها في الإقبال على العُشْبِ الأخضر الطريّ .ومضى لها وقت ليس بالقصير وهي ترعى هادئة مطمئنة إلى أن امتلأ بطنها وحان وقت الرّجوع إلى الحيّ فاقتربت من ضرّتها وجعلت تخور متوسّلة أن تهشّ عليها بالمضرب لتعود الأمَّ المنشغلةَ عَلَى أبنائها .ولكن هيهات هيهات ..لقد قسا قلبُ "الماكرة" وأعرضت عن رغبة البقرة وتشاغلت عن خوارها وساقتها أمامها إلى الحيّ ...ولما أدركت البيت اعترضها ربيبَاهَا متسائلين عن أمهما فأشارت إلى البقرة وقالت لهما :"تحوّلت أمكما إلى بقرة ولا أدري كيف ومتى ستعود آدمية ".وكذلك كان جوابها لزوجها .ومرّت أيّام وذهب زمان وجاء زمان وبعد أن قبل عليّ وعائشة بالواقع الجديد وجعلا يواظبان على مصاحبة أمهما إلى المرعى ونشأت بينهم علاقة لا تختلف عن تلك التي كانت بين الأمّ وأبنائها فكانا يعانيان من قسوة زوجة الأب التي حرمتهما الطّعام واللباس والحنان وكانا إذا اختليا بأمهما البقرة شكوا لها ما يلاقيانه من عنت زوجة الأب فكانت تحنو عليهما فتغدق عليهم الحليب والزبدة والسّمن فنما جَسَدَاهُما وكان صحيحين سليمين من الأدواء وقد أثار هذا الحالُ انشغالَ "الماكرة" وزاد من حيرتها أنّ أبناءها كانوا ضعافا معتلي الأبدان وقد أصابهم الهزال .فقرّرت أن تقطع عن ربِيبَيْها هذا الرزق حتى لا يكونا أفضل من أبنائها .وجعلت تفكّر في حيلة تنشب بها مخالب مكرها في قلبي ابْنيِ ضرّتها فوضعت حجارة في فمها وتظاهرت بالمرض وذهبت توا إلى زوجها طالبة منه أن يذبح لها البقرة لأنّ احد المتطبّبين وصف لها كبدها فاحتار الرجل وجعل يعرض عليها أن يشتري لها كبد بقرة أخرى من السوق أو يشتري لها بقرة يذبحها لها ويناولها كبدها لكنها كانت مصمّمة على إقناعه بأنّ المتطبب حدّد لها كبد هذه البقرة وليس غيرها وسألها زوجها متوسلا إليها أن تصرف النّظر عن البقرة قائلا :"أليست أمّ اولادي ؟؟كيف أذبح أمّ اولادي ؟ارعوي يا امرأة" لكنها كانت تتهمه بأنه يكرهها ولا يريد لها الشفاء وفي النّهاية أذعن الزوج ولم ينفع بكاء الأطفال في إثناء الزوجة وذُبحت البقرة والتهم لحمها من قبل الزوجة وأبنائها ولم يكن للأبناء إلاّ أن يجمعوا العظام ويدفنوها قرب الدّار (وبرا يا زمان وإيجا يا زمان )طلعت نخلة من كومة العظام وجعلت تكبر وتكبر حتى ضربت في عنان السماء وجعلت تنتج البلح اللّذيذ الذي لا ينقطع على امتداد الفصول الأربعة .وعادت البسمة والنّضارة إلى وجهي عليّ وعائشة وعادت الحيرة إلى قلب الزوجة وصممت على اكتشاف السرّ وحينما علمت بقصة النّخلة وإطعامها للطفلين قرّرت اقتلاعها فاكترت رجلا لاجتثاثها وكان لها ذلك وكان للطفلين البائسين الحزن والأسى واللوعة .ولكنّ عناية الله لم تكن لتتركهما يواجهان شرّ الزوجة لوحدهما فأحيى لهما الله جذور النّخلة وجعلها تجود بالعَسَل والسّمن وحينما اكتشفت الضرّة الشريرة الأمر قرّرت أن تطردهما من الحيّ ليهيما على وجهيهما في الفيافي والقفار ورحلت عائشة وأخوها وكانا يسيران بالنّهار وينامان بالليل يأكلان من ثمار الغابة ومما يجدانه ملقى في السّبل .وذات يوم شديد الحرارة ,اشتدّ العطش بعليّ وشكا لُوَابَهُ إلى أخته فجعلت كلما مرّت بغدير أو عين سألتها :"يا عين ,إذا شرب منك أخي, إلى ماذا تحُوّلينَهُ؟ فتجيبها :سأجعله قردا ..."فتقول لأخيها :"لا يا أخي لا يمكن أن أتركك تتحول إلى قرد ..العطش أهون" ثمّ تسأل الثانية والثالثة والرابعة فيكون الجواب :"سأجعله يتحوّل إلى خنزير ...سيكون ديكا ...سينتقل إلى ثور هائج ,..." إلى أن وقفت على ضفة بحيرة وسألتها :"يا بحيرة إذا شرب منك أخي فإلى ماذا سيتحوّل ؟؟" فأجابتها :"إذا شرب مني إنسيّ تحوّل إلى غزال " فالتفتَتْ إلى أخيها المتهالك وقالت له :"اشرب يا عزيزي وتحوّل إلى غزال .هذا أفضل الموجود "وشرب عليّ وتحوّل إلى ظبي وانطلق وراء أخته يتبعها ويقضم ما طاب له من العشب وأوراق الأشجار .وبينما كانت عائشة تسير رفقة الغزال اعترضها شاب وسيم وجعل يتأمّلها وقد انبهر بجمالها الأخّاذ وعرض عليها الزواج فلم تمانع واشترطت عليه أن يحمي أخاها الغزال وألا يؤذيه ما حَيِيَ .فكان القبول وعاد بها إلى قصره المنيف وتزوّجها وأولم الولائم وأكرمها أيما كرم .وبعد شهور عزم الرّحل على زيارة البقاع المقدّسة لأداء الفريضة .فترك لها كفاية من المال وأوصى بها خيرا وركب جواده وانطلق حاجّا .
وعلمت الضرّة بما آلت إليه أمور عائشة من نعيم فأثار ذلك سخطَهَا واشتدّ حنقها ومن فرط حسدها قرّرت أن ترسل ابنتها العوراء لتحلّ محَلّ عائشة في النعيم المفانق .وأرسَلتْ معها من يقتل رَبيبتَها وكَانَ لها بعْضُ ذلكَ :فالْقِيَت عائشةُ في البئر واستولت العوراءُ على القصر والخدم وأمست الآمرةَ النَّاهِيَةَ وقالت في نفسها إذا عاد السيّدُ أغريته بذبح هذا الغزالِ وسأرسِل بعضا من لحْمِه إلي أميّ ...ومضى زمن ودارت الأيام دورتها وعاد الزوجُ من الحجّ ودَلَفَ إلى غرفة زوجته فصدمه ما رأى من قبح وجْهها ودمامة خلقتها فجعل يسألها :ما لوجهك قد اسودّ تقول :هو بسبب ريح بلادكم ..فيسألها :ما لأنفك قد تضخّم ؟ فتجيبه: ذلك من نشوق بلادكم ..ويسألها :ما لأسنانك قد تساقطت ؟ فتردّ :بسبب سِواك بلادكم ...ثمّ اقتربت منه وجعلت تطلب منه أن يذبح الغزال فهو مشاكس ولا تهدأ له حركة ومفسد للحديقة .فذكّرها بطلبها وبالميثاق الذي بينهما لكنها أصرّت على ذبح الغزال .
وفي النهاية, قبل السيّد الطلب وقرّب الغزال وجعل يشحذ السّكاكين ولما همّ بمدّه على الأرض ,طلب منه الظبي أن يسمح له بنداء يكرره ثلاث مرّات .فما كان من السيّد إلاّ أن مكنه من الطلب .تقدّم الغزال من البئر ونادى :يا عائشة ,غسلوا بريماتهم (مفرده بريمة :تصغير للبرمة)ومَضُّوا (شَحَذُوا ) سكِيكِيناتهم (مفرده مصغّر :سُكَيكِين ) وخويّك الغزال تَمَدّ ما بيناته(امتدّ على الأرض ..بينهم )فلم يصله جواب .فكرر ذلك مرتين وثلاث مرات فجاءه الجواب من البئر :لي وليك ربي (لي ولك الله ) فسمع السيّد الصوت الصّادر عن البئر فأسرع لاكتشاف الأمر فإذا به يجد زوجته عائشة على الماء وعلى ركبتيها ولدان أحدهما شعره من ذهب والآخر شعره من فضة وقد سمتهما الحسن والحسين .فأخرجهم وسألها عما حدث فأخبرته بمكيدة زوجة أبيها وروت له القصة كاملة فما كان منه إلاّ أن ذبح "العوراء" وجعل عينها المصابة في قصر الوعاء وغطّاه بكسكسيّ ماسخ لا يستساغ وأرسل به إلى زوجة الأب ومع الرسول كلبة تنبح وتقول :"هب هاب السرّ في الحلاّب " وقطّة تموء قائلة :"قر قر قر العين العوراء في القعر " ومن شدّة سرور الزوجة "الماكرة" وسعادتها بما كانت تظنه لحم الغزال كانت تأكل بنهم وهي تخاصم الكلبة والقطة وتنهرهما غاصبة من تنغيصهما لهذه المناسبة السعيدة لكن المفاجأة كانت مروّعة فقد وصلت أخيرا إلى قعر القصعة ووجدت عين ابنتها فأُسقط في يدها .
وتقول أمي في نهاية كلّ خرافة :"خرافتنا هابا هابا والعام الجاي (المقبل) تجينا(تجيئنا ) صابة .
تعليق