على حافة الخريطة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • وفاء عبدالرزاق
    عضو الملتقى
    • 30-07-2008
    • 447

    على حافة الخريطة


    ( على حافـّة الخريطة )


    بعد قليل سأترك خشبتي الميّتة باحثاً عن جهاتٍ بعيدة عن حجر، قررت أن أترك قدميَّ تمتحنان الدروب وتحتسيان الرمل، عبر الجسور والطرقات.
    لي رغبة الاستمتاع بشخص آخر وبمصير لم يختره الآخرون لي، مصير بلغ حد الهزيمة،كما لي رغبة شجاعة تقودني لهذا المصير.

    يغمرني غثيانٌ الحماقة، يحاور شكلي مستوضحاً سطحه الأملس.أحذو حذوه وأسال المتحجر: جد نفسك.

    تحاصرني سطوة رعد ورتابة مُملـّة، أستهلُّ يومي، أحوم حول ذاتي، أنظر إلى ثعبان الوقت أنظف نفسي منه، لي مسيرتـــي الخاصة وسخرية المتفرجين.
    لا أفضّل المكان، لا أفضّل الزمان، أعني أن كل شيء تورّم حتى أنا والهواء، من العدم تأتيني فجأة حفنة هلوسة تُشعرني بأني سأصاب بنوبة من التفتيت فأتأمل أفكاري وضرورة خروجي من شكلي، أشعر أن حياتي قلقة وحياة العالم مستقرة.
    ربما ميولي ورغبتي في أن أصبح شيئاُ مختلفاً، لذلك أجد نفسي دائما في فرن، لو فرضتُ أني الآخر الذي أحلم هل سأتكلم أنا أم هو؟

    تـُرى ما الذي أكون عليه وكيف أترك ثلجي؟
    ماذا أصنع وكم من الوقت أستغرق في المدينة؟

    حجمي صغير قد تواريه الأتربة، والشوارع المكتظة بمرايا مَن عبروا، ومَن أوجعته الوهلة الأولى في السير، ماذا أقول له؟
    - هل أردفُ راجعا بأحلام ما زالت في الظل؟
    - هل أخبره أنه صغير لا يستحق الحلم؟

    أكره صلصالا لم ينضج بمتاهاته الأربعين كعانس تتعرّى للهواء. أشعر أن الطرقات شوكة في لحم رخو،والهواء يُنذر بالشؤم.
    أرى الأسواق زانية، الرجل مشطور والمرأة مشلولة .

    وأنا أعدّ ُأولى خطواتي نحو الشارع، مررتُ بأحد الجسور الذي يقسم المدينة ويربطها بريفها أو بنصفها الآخر،نظرتُ إليه متمنياً ألاّ أتوحّش مثلهم، فقد بدا العابرون كأنهم خرجوا من مصارعةُ، إلاّ أن رجلاً واقفاً في نهاية الجسر شدّني أكثر من الجميع كونه يعدّ على أصابعه وعلى ما يبدو للعشرة فقط ثم يتطلع إلى رؤوس فارغة وجماجم جوفاء مبعثرة بشكل عشوائي على مقدمة الجسر.

    بحثتُ عن أشياء تخصني في هذا المكان الغريب، إذ لا أحد يعرفني أو يُشعرني بقيمتي وتريحه هيأتي، لا أدري هل شاخوا أو تعبوا،أم في قلوبهم مرضٌ أدى إلى شحوبهم إلى هذا الحد.

    دنت مني عجوز متسوّلة متكئة على عكازها، منثورة الشعر رثة الثياب بدت أسنانها الطويلة الصفراء مثل كوخٍ خربٍ وغابة تعتصر العمر بحرائقها.
    وددت لو أعود لذاكرة الصمت وخشبتي السوداء، لكن الحلم الشاسع في عيني عادت له تجلياته، فتساقطت النجوم أرغفة شهيـّة ساخنة أشعرتني بجوعي. امرأة أخرى عبرت الجسر متجهة صوبي يغسلها الرعب ويمتشق الهذيان قامتها المنتصبة، ممتلئة بعض الشيء غير أنها تترنح بدلال مجنون، لم ينقر شبّاك قلبها عصفور، أو يقين سؤال تفتح له بابها، لا أدري هل ضحكت الدنيا عليها أم هي التي ضحكت على الحياة.

    وقفتْ أمامي لصيقة كمن لا يروقها وضعي، اقتربت حتى كدت أشم رائحة أنفاسها العطنة، امتلأ الجسر بأجساد عارية، منحنية الرقاب ضائعة لا تعرف وجهتها ، مرَّ رجال سكارى تفوح من أفواههم رائحة خمرت بلعابهم و حمضت أجسادهم، تجشّأ الأكبر سنا بينما الشاب المرافق لهم أسند آخر تطوّح سكراً، لم استطع رؤية الدماء تسيل من صبية صُفر الوجوه حفاة، وضعتُ يديَّ على وجهي متفادياً منظرهم المؤلم، كانوا بُكماً إلا أصغرهم اقترب مني بالكاد يُسمَع صوته وسألني:
    - هل ترغب شيئاً؟
    - بلى ..أشتهي ..وأرغب.

    كأن جوابي لم يعجبه ، لذلك غادر مختوما بغياب روحه وتركني محموماً بفراغ ناصفني لحظتي ولم يدعني أكمل.

    لا أستطيع المشي بسرعتهم فحجمي لا يُسعفني. لو لم أقرر الإفلات من يدها لما أصابني العطش، ربّما قرار خاطئ،أو حين ظننتُ أن الفكرة معقولة وممكن تنفيذها، لم أتخيل صدمتها أو ضررها.

    يدها صغيرة والإفلات منها سهل، شعرت بدموعها حين بكت فقدي.
    في ذهني أفكار وأشياء غريبة تدعني أتساءل: هل أنا أحمق فعلا أم أتخيل؟ هل لي رقبة ورأس وجسد؟

    لم يفعل شيئا، يبدو أنه عجز عن النطق، لذا هضم خبزه على مهل، لقمة في فمه، قطعة في يسراه، ثلاث في يمناه، وأنا أستجدي نبلا من الجوع وانتظر.
    متى ترك أهله؟ من هم أهله؟هل يعرفه أحد هنا؟

    وقفتُ أراقب الوجوه عند أول الجسر لأكون قريبا من القادمين والغادين، أتكاشف معهم، بين وجهي وبينهم ثمة فاصل، رأيت عينين مبتسمتين معلنتين عن نظرة قلقة، ثم غاب الطفل الذي يقضم خبزه على مهل دون أن يتفوّه بكلمة واحدة مما جعلني أتساءل:هل كانت نظرته لئيمة؟ هل هي ضدي أم معي؟

    الشمس تشرق باتجاه الأطفال، أخذتْ اتجاه طفلة تقلـّدت قلادة من حجر أبيض اللون، حين ابتسمتُ لها اقتربت وناولتني قرصاً من الخبز لـُفّ بخيط مربوط بقفل.

    شعرتُ بحركة جوع في أمعائي، تفحَّصتُ الرغيف، استغربت.

    - لماذا رُبطَ الخيط بالقفل يا صغيرتي؟ سألتها وأجابت:
    - هذا كي لا تتحسس دفئه، كي لا يتسرب السم إلى جسدك كله.
    - لكنه غير ساخن.
    من باب المجاملة تحسست قرص الخبز وعلى فمها ابتسامة استهزاء:
    - أعرف، لذلك سيصبح سـمّا.
    - وأين مفتاح القفل؟
    تأبطت طفولتها وتركتني محموما بالأسئلة، يبدو أنها رغبت تركي لكنها التفتت لي ثانية:
    - ألا ترجع معي؟

    رميتُ القفل في النهر، اتكأتُ على سياج الجسر متلذذا ًبأول قضمة، أحرق اللعاب فمي بحموضته ، لكني بلعتها وحدثتُ نفسي:
    - جميلة مبادلة المعدة جوعها باللعاب وطعم الخبز.

    تذكرتُ أصلي الطيني، أنا أول مرة أتمتع بإحساسِ إنسان.
    بلعتُ اللقمة والتهمت الأخرى، تذكرتُ لعنتها لي، ليتها تدرك المسمار وتدرك معنى الجلوس على مسمار.

    بللتُ أعماقي بقولها المريب مستغرباً لغزها. في اللحظة ذاتها ، شاهدتُ عن بعد امرأة تتلفت إلى الجهات كلها، تداري خجلها وبكاءها عن عثرات الطريق كمن يتلوى بسلاسل، مسكت الطفلة من يدها واحتضنتها خائفة، تحشرج صوتها باحثاً عن بياض لم تجده في عيون المارّة، عيون جحظ بياضها وجمد، داعبت شعر الطفلة زاجرة لها بدلال:
    - ألم أقل لا تغيبي عن ناظري؟..كدت أفقدك.

    يدٌ صغيرة بيد مكسوّة بالغبار، تعانقتا وواصلتا السير، رعشت الطفولة متراقصة اليدين.
    باي.. باي.. باي.
    أشرتُ إليها بحركتها نفسها وانشغلتُ بكلمتها "باي" حتى بدت الطفلة ظلا،وأنا في أحضان الظل أتساءل: هل ال(باي) لي أم للحياة؟

    آلمني تمزق أحشائي، رغم محاولاتي بالتجلـّد، أفلت الصبر منّي، خنقت صوتي كي لا يصرخ وفي أعماقي أسئلة مشبوهة:
    - هل راجعٌ وإلى أين؟
    - هي قريبةّ وأنا منها بعيد؟
    - هل أنا في الشارع وحدي أم هي معي؟
    - أهذا لغز؟
    - هل عثرت علي؟
    هربت من أمها بحثا عني، إذاً نحن عائدون، وأنا استرجع التفاصيل، لا أعرف ستأخذني إلى أين، لكن سأكمل حكايتي.


    - أهذه الحياة التي بحثت عنها زمناً وتمنيتها؟
    - رغيف تتلكـّأ بسببه أحشائي ؟
    - ألمٌ تغلغلَ في أمعائي بسبب طفلة ؟
    - أهذه لعنة من يبحث عن لونه في قرصنة السواد؟
    - هل قصدت توديعي الوداع الأخير بكلمة ( باي )؟
    - لماذا هي بالذات؟ أين ذلك الملعون؟ هل خاف من أهله؟
    - هل هي مخلوقة في ساعة مسمومة بفحولتها؟

    ملامح مسطـّحة لوجوه صفر تركن الشارع، عيون جحظ بياضها لسواد قلوب أصحابها، صمٌّ بكمٌ، خبز مربوط إلى قفل بلا مفتاح، أشباح تمشي واهنة السير، مجرد أشباح ظننتُها حياة لي.

    لم يخطر ببالي ارتياب الفم من طعم لعابه، من خبز مربوط إلى قفل، من وجوه فسدت ملامحها وتعفـّنت.
    لم أر لساناً على شكل مـُدية، لم أسمع من قبل عن يد بشكل مسحاة، أو عن قدم مَطرقة،وضفيرة ثعبان، عن دهاء صامت، شوك أخرس، خُرس، عُمي والجسر واحد.
    - لماذا لا يتهدم الجسر ويبحث عن عابرين قلوبهم سليمة؟

    جُلّ طموحي، هو أن أرى وأسمع، إن تحقق أقول أنا إنسان، يرى بعينه، يسمع بقلبه ويفهم في روحه.

    أنا متخم بدخان السجائر، دخان كثيف دمعت له عيناي، من أين هذه الكثافة، هل الدنيا مولعة بالتدخين؟ هل الجسر منفضتها؟هل أنا أشبه أحد العابرين؟ أنا من ثلجي تحركتُ وهم بحركتهم تجمدوا،هل من تفسير؟

    مَرّ الوقت لئيماً وقرصاناً أيضا،ً بلهجة من امتطى راحلة صبر وقرصان،عاهدت نفسي أن أبتلع باقي القضمات وأصرخ ، أقلها أصرخ.
    لينتعش الجسر،همهمتُ، استفحل الألم، خبأته، حاولت الهروب منه باستذكار وجه الطفلة، تطلعتُ صوب الجسر الذي ترنح هو الآخر مع المترنحين، سُمُّ السكر أثلجهم جميعا.
    تذكرت الخبّازين وتراجعت عن تذكّري:
    - ما الفائدة من خبز مربوط بقفل؟

    شممتُ رائحة الصلصال الأول، تنفـّسته، أحسست بتكسر كائن في جسدي، ترنحتُ، رغم هيئتي الحجرية تحاملت على وجعي وقررت العودة لخشبتي، ربما صحا حارس المتحف وبحث عني كثيراً وخشية أن يـُتهم بالسرقة عليّ إنقاذه، مسكين لا يدري شيئاً عن منغولي دخل مع أسرته المتحف وسرق تمثالا من الفخار مربوطاً إلى خشبة بمسمار،أهداه لأول طفلة شاهدها في باب المتحف.

    وأنا بيدها الصغيرة تفقدتُ تكويني، لم أجد عرقاً على جسدي، حمدتُ صانعي فهو لم ينحتني لأعيش بين هؤلاء الأغبياء، شعرت بشيء يشبه المعدن في باطن كفي، كان له شكل مفتاح، تحسستُه، لهوتُ، رميته أرضاً وتجمّدتُ ، بينما طفلة جميلة تلهو بتمثال مربوط إلى خشبة قديمة،شربتُ ندمي وتمنيتُ لو أني لم أفكِّر بتجربة الخريطة.
  • يسري راغب
    أديب وكاتب
    • 22-07-2008
    • 6247

    #2
    الاستاذه الشاعره الروائيه
    هذا ما افراه واتنقل بين حروفه نص عالمي في لغته في اسلوبه في حركته يلمس اعماق النفس ويدرس حركات الجسم بمرونة لغوية ماهره وانت في الاجادة دائما مميزه واستغرب انك لم تكوني حاضرة مشعة طوال السنين السابقه
    النص اكثر من رائع وعلى خجل واستحياء هو طبعك كما كانت سيرتك ان لم اكن مخطئا انك انت الاديبة وفاء التي لمع اسمها يوما في الامارات
    تقبلي احترامي وتقديري الكبيرين

    تعليق

    • وفاء عبدالرزاق
      عضو الملتقى
      • 30-07-2008
      • 447

      #3
      اخي الفاضل يسري المحترم
      نعم انا وفاء التي كانت في الامارات وما زلت كما تتصور من استحياء المبدع

      سررت لرايك ومرورك على مساحتي المتواضعة
      وارسلت لك ايميلي ان امكن
      اشكر كل من قراني بقلبه
      سوف انشر نصوصا اخرى انشاء الله هل تذكر قصائدي الشعبية ايضا؟ لي واحدة منشورة هنا
      اني مسافرة احاول ان اوشك الوصول وكلما طرأت فكرة المحاولة رجعت الى نقطة البداية.

      تعليق

      • م. زياد صيدم
        كاتب وقاص
        • 16-05-2007
        • 3505

        #4
        الاخت وفاء..

        ** وفاء.............

        لقد علمت كما ارادت هى..وخبرت كما تمنت الحياة فى الجانب الآخر من الواقع للبشر ..!!

        وعليه تكمن هنا فكرة القص وخفاياه لتضرب اعماق حواسنا بعنف !!

        تحياتى العطرة..........
        أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
        http://zsaidam.maktoobblog.com

        تعليق

        • وفاء عبدالرزاق
          عضو الملتقى
          • 30-07-2008
          • 447

          #5
          اخي المبدع زياد صيدم

          أن نقرأ لبعض هذا هو ثمر الكلمة
          فعلا ستثمر شجرتي بمروركم البهي
          اتمنى ان اكون عند حسن الظن

          تعليق

          • يسري راغب
            أديب وكاتب
            • 22-07-2008
            • 6247

            #6
            في الخريطة
            فتاة شعرها كستنائي
            عيناها غامقتان
            اسرار الليل وشاعريته
            والازياء زرقاء غامقه
            خطوط بيضاء على الياقة الداكنه
            وامسيه بين كتاب من كل بلاد العرب
            راقيه الخطوات
            رومانسية الطبع في القائها
            الوفاء طبعها واسمها
            جميلة التكوين هذا خلقها وخلقها
            اديبة / روائية وشاعره
            ربع قرن من الزمان قد مضى
            كانت العراق ابية
            ولا تزال رغم الجراح قوية
            لو رايتها
            ستعرف العراق جيدا
            شعب بين المشرقين شرقيته متاصله
            لك مني ياعراقية المحيا
            ياشرقية الوصف والاسم والصفه
            كل الاماني الغاليه

            تعليق

            • وفاء عبدالرزاق
              عضو الملتقى
              • 30-07-2008
              • 447

              #7
              اخي يسري راغي

              الحياة كبيرة ذنوبها تشتتنا تقودنا إلى محرقتها
              لكننا نبقى تلك الولادة الخضراء.

              كل الشكر لفضلك

              تعليق

              • اشرف الخريبي
                عضو الملتقى
                • 25-08-2008
                • 57

                #8
                العزيزة وفاء
                نص ماتع رغم طوله النسبي ولكنه يحمل سردا هادئا وروحا شاعرة
                تحياتي لك
                اشرف الخريبي
                [URL="http://asherfalkorpay.jeeran.com/index.html"]http://asherfalkorpay.jeeran.com/index.html[/URL]
                شكرا لتواجدك

                تعليق

                • وفاء عبدالرزاق
                  عضو الملتقى
                  • 30-07-2008
                  • 447

                  #9
                  اخي الفاضل اشرف المحترم

                  كل الشكر والاجلال لمحبتك
                  وفاء

                  تعليق

                  يعمل...
                  X