السينما وسيلة اتصال ثقافية واجتماعية ناجحة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عفت بركات
    عضو الملتقى
    • 09-04-2008
    • 205

    السينما وسيلة اتصال ثقافية واجتماعية ناجحة


    لم يعد للسينما ذلك البريق الذي كان لها في الأربعينيات والخمسينات وفترة ما قبل ظهور التلفزيون وتطور الوسائل الإلكترونية التي تستخدم الصوت والصورة كالتلفزيون وتوابعه.. التسجيل على شريط الفيديو ثم الاسطوانات. وأخيراً ظهور الانترنت التي تطورت فيما بعد إلى استخدام الوسائل المتعددة Multimedia فقد تراجع الاهتمام بها عالميا كظاهرة اجتماعية تقام لها الدور التي تقدم العروض للأفلام الممتازة ويذهب إليها الجمهور بشكل منتظم لمشاهدة الأفلام التي كانوا يجدون فيها غاية المتعة والراحة الذهنية ويتعلمون منها الكثير عن حياة الشعوب الأخرى وعن تاريخ الحضارات السابقة وغير ذلك من المواضيع التي تغطيها عادة قصص السينما أو الأفلام الروائية.
    أما الجانب الأخر لاستخدامات السينما في التوثيق والتعليم والأخبار والثقافة والإبداعات الإنسانية الأخرى فقد تأثر إلى حد كبير أيضاً بظهور كاميرات الفيديو التي تتمتع بالقدرة على القيان بكل مهام السينما التوثيقية بكفاءة واقتدار مع مرونة فائقة وسهولة وتوفير لكثير من الجهد الذي تتطلبه السينما .. فالفيلم السينمائي يحتاج إلى كاميرات معينة Cine Camera ومدخلات عديدة كالأفلام والكيماويات ومعدات المعامل التي يتم فيها إعداد الفيلم مرورا بالتحميض وإعداد النسخة السالبة ثم الطبع حتى مراحله النهائية كالمونتاج والمؤثرات الصوتية ... الخ.
    يضاف إلى ذلك كله عامل الزمن. فالفيلم يحتاج إلى فترة طويلة ليعد ويكون جاهزاً للعرض، أما الفيديو فهو جاهز فوراً، وعملية المونتاج تتم بسرعة فائقة الكترونية كانت أم يدوية. واستخدام شريط الفيديو اقتصادي للغاية إذ يمكن مسحه وإعادة التسجيل عليه أكثر من مائة مرة أما الفيلم فبمجرد تعرضه للضوء يفقد صلاحيته للقيام بأي عملية أخرى.. فهو يستخدم لمرة واحدة فقط ... ومجال المقارنة واسع ويستغرق مساحة أكبر. ولكن الذي يهمنا ويعنينا هو واقع السينما أو الفيلم السينمائي اليوم.

    ظهور وسائل الاتصال الالكترونية وخاصة التلفزيون وتطوره السريع أثر على كثير من وسائل الاتصال الجماهيرية كالصحافة والكتاب وكل الإعلام المطبوع .. ولكنه لم يلغها ولم يقدم نفسه بديلا عنها بل ظلت هي كما هي تقوم بدورها، ربما في إطار أضيق.. وتحتفظ لنفسها بالقدرة على إحداث التأثير الفعال في من يتعاملون معها، وكذلك السينما.
    فالمقدمة التي بدأنا بها الحديث عن السينما قد انتهت أو في طريقها إلى الزوال. فالذي تأثر بالنسبة للسينما الروائية هنا طريقة العرض.. والذي قلت نسبته هو دور العرض.. وعدد الذين يذهبون إلى دور العرض .. وهذه ظاهرة عالمية .. نجدها أينما ذهبنا أو بالأحرى أينما حل التلفزيون في بلد من بلاد هذا العالم المنتشرة على ظهر هذه الكرة الأرضية ماعدا القليل منها كما سيرد فيما بعد.

    السينما والتلفزيون المدفوع PAY TV

    أما صناعة السينما فقد نمت وتطورت وزادت الاستثمارات فيها .. وإنتاجها من الأفلام في زيادة مستمرة .. وزاد أيضاً جمهورها وعدد المستهلكين والمشاهدين للأفلام الروائية .. وبدلا من أن يذهبوا لمشاهدتها في دور السينما فإنهم يشاهدونها من خلال التلفزيون .. فالأفلام التي مضت عليها فترة زمنية معينة تعرض في التلفزيون بشكل مستمر ومكثف ولا يكاد يخلو يوم في أمريكا مثلا أو في أوروبا من فيلم يعرض من خلال برنامج تلفزيوني .. أما تلك الأفلام الجديدة فبدلا من أن يذهب بعض الناس إلى دور السينما لمشاهدتها فإنهم يفضلون مشاهدتها وهم في منازلهم عن طريق التلفزيون المدفوع PAY TV .. وبدلا من أن يدفع رب الأسرة قيمة التذاكر في شباك السينما لكل الأسرة فإنه يدفعها للشركة التي تقدم له خدمة التلفزيون المدفوع والتي تربط جهازه بالشبكة وعبر الأسلاك.

    إن العالم مازال في حاجو ماسة إلى الاستفادة من الدور الذي تلعبه السينما الروائية وخاصة في إطار الاتصال الثقافي بين الدول والشعوب .. لأن في استطاعتها تناول كثير من المواضيع الحضارية والثقافية والاجتماعية ومعالجتها بطريقة تغري أغلب سكان على متابعتها والاستفادة منها.. وخاصة وأن السينما قد درجت منذ فترة طويلة على دبلجة الأفلام بالصوت واللغة التي يفهمها أهل البلد أو بالترجمة المصاحبة للفيلم أثناء العرض الأمر الذي يضمن مشاهدة نفس الفيلم في أكثر من بلد ولأكثر من شعب وتكون النتيجة مزيداً من التلاقي الثقافي بين الشعوب ومزيداً من حسن التفاهم والتعرف على بعضها البعض .. بل أن السينما نفسها لديها القدرة على الاتصال والتأثير على الشعوب دون استخدام أية لغة من اللغات فهي نفسها وبلغة يفهمها كل الناس.


    السينما لغة اتصال جديدة:

    ستان فان ديربيك Stan Van Derbeek فنان تشكيلي ومن العاملين في الحقول التجريبية لصناعة الأفلام قال " يبدو واضحاً وجلياً أننا قد ابتدعنا لغة عالمية جديدة... ابتدعنا لغة عالمية غير لفظية... لغة الصورة .. وكنتيجة طبيعية لمقولته هذه فهو يقترح أن تستخدم الوسائل السمعية والبصرية لتطوير هذه اللغة.
    وبالرغم من أن طريقة فاندربيك كطريقة فان المبدأ الذي تعتمد عليه طريقته في المعالجة هو مبدأ قديم، قدم السينما نفسها. ففي التاريخ القديم للسينما اعترف العاملون فيها والمؤيدون لها بأن السينما في حقيقة الأمر لغة عالمية.. ومادام الأمر كذلك فلابد أن يضيعها المشتغلون بقضايا الاتصال وبصفة خاصة الاتصال الدولي في الاعتبار عندما يستعرضون الوسائل التي يمكن استخدامها في المجال الدولي.

    صمود السينما رغم مواجهة التلفزيون:

    والسينما قد برهنت على أنها وسيلة قوية التأثير ولديها من مقومات البقاء والاستمرار ما يجعله قمينة بألا يتجاهلها المخطئون والممارسون لشئون الاتصال... ففي خلال الثلاثينات وهي فترة الكساد الاقتصادي في أمريكا ازدهرت السينما وحققت مكاسب كبيرة أدت إلى إقامة المزيد من الاستوديوهات ودور العرض المزودة بالصوت وبالتالي حققت مزيد من الإنتاج وجاءت الحرب العالمية الثانية فانتعشت السينما وزاد الإقبال عليها. وبعد الحرب وخلال فترة الخمسينيات برز منافي جديد للسينما وهو التلفزيون ... ولم تستسلم صناعة السينما فقد بذلت مجهوداً جباراً لاستعادة جمهورها من مشاهدي الأفلام الروائية تكللت مساعيها ومجهوداتها بالنجاح بفضل المبتكرات التكنولوجية الجديدة الحديثة مثل 3-د. ثلاثية الأبعاد وسينيراما Cinerama وسينما سكوب Cinema Scope بالإضافة إلى لجوء المنتجين إلى الأفلام التي لا تكلف كثيراً وتدر عائداً معقولا والتقليل من إنتاج الأفلام الضخمة Grand production.

    ونظراً للضغوط المستمرة التي مارسها ظهور التلفزيون على السينما فقد اتجهت صناعة السينما في السبعينيات والثمانينات وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص إلى إنشاء الشركات المختلطة التي تسعى لتحقيق الأرباح أكثر من اهتمامها بالإبداع وبالقضايا التي يناقشها الفيلم. والمهم أن يحقق الفيلم لها الربح المعقول. لذلك فقد تحولت القضية كلها إلى تجارة تمول1 من البنوك... وقد أدى هذا الاتجاه إلى حدوث خسائر كبيرة لم يتحملها الممولون.. وبدأت السينما نفسها تبحث عن جمهور فوجدته في الشباب.


    الوجه الآخر للسينما:

    إن الجانب الهام في صناعة السينما بالنسبة لغالبية دول العالم كوسيلة للاتصال الدولي هو جانب من الفيلم التسجيلي الوثائقي الذي ينقل رسالة محددة إلى قطاعات معينة ذات تأثير على المجتمع.. وفي بعض الأحيان يتاح لهذا النوع من الأفلام العرض من خلال التلفزيون لتتسع رقعة انتشاره.. وهذا النوع من الأفلام تنتجه عادة الدول وتتولى توزيعه على البلاد التي تتعامل معها على أسس من التبادل الثقافي أو من خلال مكاتب الاتصال الموجودة فيها مثل COI مركز الإعلام المركزي الانجليزي أو مكتب الاتصال الأمريكي USCA والذي كان يعرف في الماضي USIA.
    وهناك بعض المؤسسات التلفزيونية المملوكة للقطاع الخاص تنتج هذا النوع من الأفلام – وان كانت قد استبدلته في الآونة الأخيرة بالفيديو – لأغراض علمية تتحدث عن أعماق البحار وعن البراكين والزلازل وبواطن وعن الطيور والحياة البرية والمعادن والثروات الأرضية والبحرية .. وتقلبات الطقس ومشاكل البيئة وغير ذلك من الأفلام التسجيلية التي تنقل رسالة علمية إلى المشاهد لتزيد من حصيلة معلوماته ومعارفه.
    وتاريخ السينما يسجل بأن أول (1) دولة في العالم ابتدعت هذا الفن من الأفلام هي المملكة المتحدة تليها الولايات المتحدة الأمريكية وان الفيلم التسجيلي قد بلغ مرحلة النضوج في عام 1930 تحت الرعاية المباشرة للحكومات الوطنية وبلغ قمة النضوج في فترة الحرب العالمية الثانية.
    وفي المملكة المتحدة أنتج فيلم تسجيلي 1929 وعنوانه "Drifters التائهون" وقد تم تصويره في بحر الشمال وهو يحكي عن الحياة اليومية لصيادي سمك الرنكهHerring Fishermen ثم توالي إنتاج عدد من الأفلام التسجيلية المشهورة عن الطقس والفحم الحجري وبحر الشمال الخ ... وفي الولايات المتحدة أسهمت فترة الكساد في التدهور الاقتصادي في الثلاثينات في إتاحة الفرصة لإنتاج عدد من الأفلام التوثيقية التي تصور تلك المرحلة أشهرها فيلم المحراث الذي شق الأرض The Plow That Broke The Plain عام 1936 والنهر The River 1937.
    أردنا بإيراد هذه النماذج عن صناعة الفيلم التسجيلي وذيوعه وانتشاره في أوروبا وأمريكا أن نؤكد حقيقة أن هذا النوع من صناعة السينما يحمل رسائل هامة تختلف عن تلك التي تتضمنها الأفلام الروائية وان السينما ذات التاريخ العريض والتي سبقت وسائل الاتصال الالكترونية لم تعتمد فقط على الفيلم الروائي كما يظن الكثير من الذي يحبون مشاهدة السينما والاستمتاع بها .. بل إن للسينما رسالة اتصالية تضاهي تلك التي تقوم بها الوسائل الأخرى مع اختلاف الشكل والصناعة وطريقة الوصول إلى الجمهور المستهلك .. أما فعاليتها وأثرها على المشاهد فهي مسألة لا يرقى إليها الشك مطلقا.
    لقد اعتدنا في الماضي وحتى منتصف الخمسينات على مشاهدة الشريط السينمائي للأخبار News Reel يعرض قبل بداية الفيلم في دور السينما العامة .. وعلى مشاهدة الأفلام الوثائقية في الأندية والجامعات والمدارس والمكتبات ومراكز الثقافة .. وكانت تلعب دورا هاما في تزويد الجمهور بالمعلومات والمعرفة والعلوم وقد اختفت هذه الظاهرة ألان في كثير من البلدان التي ظهر فيها التلفزيون ويقدم فيها خدمات منتظمة للجمهور.
    أن إنتاج الأفلام التوثيقية ما زال مستمرا في العالم اليوم .. وهناك ألاف من الأفلام التسجيلية التعليمية ولأغراض التدريب تنتج كل عام وليس فقط في الدول المنتجة للأفلام الروائية بل إن كثيرا من الدول لا تملك مقومات الفيلم الروائي تركز على إنتاج الفيلم ألتوثيقي .. وهذه الأفلام تنتج للتلفزيون نفسه ولأغراض التعليم والبرامج التعليمية educational programmers داخل وخارج المدارس .. وفي نطاق أوسع تقدم هذه الأفلام لمجموعات خاصة وفي مراكز الثقافة وقاعات المحاضرات في الجامعات وقطاعات التجارة والصناعة.

    المفارقات مرة أخرى :
    نتعرض مرة أخرى لوضع المفارقات والتباين وموقف الفرد من وسائل الاتصال المبني على الانتماء الجغرافي والتقسيم القائم على نصيب الفرد من الدخل القومي وموقع الدولة التي يتم في نطاقها عرض الأفلام في خريطة التوزيع إلى المجموعات الاقتصادية الثلاثة .. أو بالأحرى الاثنتين وعالم الانتقال الثالث – transitional countries وهو الاسم الجديد لدول المعسكر السوفييتي سابقا – إننا مضطرون إلى تكرار ذلك بالنسبة للسينما .. بل أن الحديث عن المفارقات في السينما ادعى وأكثر إلحاحا.
    ونلجأ لتبيان ذلك إلى كتاب اليونسكو (1) للإحصاء السنوي كما فعلنا من قبل إذ يقول أن عدد دور السينما وطريقة حضور الرواد إلى تلك الدور يختلف اختلافا كبيرا حول العالم ففي آسيا كلها وما بين عام 1965 – 1977 كان عدد دور السينما في ازدياد حتى 1973 عندما بدأ ينخفض .. وخلال نفس المدة فقد زاد عدد السينما العامة في الاتحاد السوفييتي بمعدل 50% وعدد المشاهدين بمعدل 30% وفي بقية أنحاء العالم فان الغالبية منها – عدا أفريقيا – قد استقر فيها عدد الذاهبين المنتظمين إلى دور السينما العامة دون أي تعديل.
    وهذا كله لا يعني أن السينما قد قل دورها كوسيلة اتصالية تؤثر وبفعالية على المشاهدين بل على العكس فان الانخفاض الدراماتيكي في عدد رواد السينما والذي بلغ 72% في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي في العشرين سنة الماضية عوضه التطور الهائل للتلفزيون وانتشاره بدرجة أمكن معها لأعداد اكبر من تلك الجموع التي كانت تذهب إلى دور السينما بانتظام مشاهدة الأفلام السينمائية الروائية منه والوثائقية من خلال محطات التلفزيون .. كما أن الصلة التي نشأت بين الوسيلتين السينما والتلفزيون بل أن مؤسسات الإنتاج السينمائي في هوليود وفي أوروبا تقوم بإنتاج العديد من الأفلام والمسلسلات التي تعرض في التلفزيون .. والحصيلة في النهاية هي مزيد من المشاهدين للأفلام السينمائية وقليل من الذاهبين إلى دور السينما التجارية وهي نتيجة ايجابية بالنسبة للسينما.


    العالم الثالث هو الأول في إنتاج الأفلام الروائية:

    ومن المعلومات المفيدة التي وردت في تقرير اللجنة الدولية لدراسة مشاكل الاتصال في العالم إن الأفلام الروائية أو ذات الطول المماثل لها Feature Length Films التي تنتج كل عام تبلغ 3000 (1) (1977) وان الهند – هي من الدول العالم الثالث – أكثر المنتجين في العالم للأفلام الروائية إذ يبلغ إنتاجها (557) فيلما تليها اليابان (337) ثم فرنسا (222) فايطاليا (165) بينما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يأتيان في مركز متخلف .. ثم أن هناك ملاحظة هامة وهي أن 11 قطرا من أسيا ينتجون أكثر من نصف إنتاج العالم من الأفلام الروائية .. أو ذات الطوال الروائي .. وواحدا وعشرين قطرا مضافا إليهم الاتحاد السوفييتي سابقا ينتجون الثلث .. والباقي وهو يعادل بالتقريب حوالي 17% ينتجه عشرون قطرا أبرزها الولايات المتحدة والمكسيك ومصر والبرازيل .. ومما يلفت النظر في هذه الإحصائية أن أمريكا الشمالية وأوروبا لا يتصدران قائمة المنتجين للأفلام السينمائية كما اعتاد على ذلك في وسائل الاتصال الأخرى.

    لا غنى عن الفيلم:

    نخلص من كل ما تقدم إلى أن الفيلم رغم تطور وسائل الاتصال الأخرى وخاصة تلك الوسائل الالكترونية التي تستخدم نفس الطريقة في الوصول إلى الجماهير الصوت والصورة كالتلفزيون والفيديو كاست وما زال صامدا كواحد من وسائل الاتصال الضرورية لمعالجة بعض القضايا التي قد لا يعالجها التلفزيون بنفس القدرة والكفاءة ولذلك فان الانصراف إلى أو التركيز على الوسائل المطبوعة الأخرى كالكتاب والصحف والمجلات أو الوسائل الالكترونية كالراديو والتلفزيون يترك فراغا هاما لا يستطيع سده إلا الفيلم .. ومهما كان حجم ذلك الفراغ وقلة الموجودين فيه فهم عادة من النوع الذي لا يقف التأثير عليه وحده بل يمتد من خلاله ليصل إلى الآخرين في نطاق أوسع وجمهور أكثر ولنضرب مثلا على ذلك بالدور الذي تقوم به السينما المتجولة Mobile Cinema في البلاد التي لا يغطيها الإرسال التلفزيوني لكبرها أو لعدم توافر الطاقة في وديانها وقراها أو لعدم استقرار سكانها كالبدو الرحل في السودان ودولة الإمارات المتحدة وهما من ابرز الدول في العالم الثالث التي تستخدم هذا النوع من القوافل السينمائية في الوصول إلى هذه القطاعات الهامة من المواطنين المعزولين .. فهؤلاء جميعا يحتاجون إلى اتصال من خلال المشاهدة ليروا رأي العين كيف يمكنهم من خلال الإرشاد والتوجيه رعاية أسرهم والمحافظة على ثرواتهم الحيوانية. وتطوير المراعي والزراعة وبالتالي زيادة الإنتاج التي تعود عليهم جميعا بما يرفع من مستوى معيشتهم .. وهي أيضا تعلمهم الإسعافات الأولية ... واستخدام التطبيقات البسيطة وتزودهم بالمعلومات البيطرية الأولية لمعالجة الماسية وتبصيرهم بأفضل الطرق للاستفادة من ألبانها واو بارها ولحومها بطريقة تعود عليهم بنفع عظيم في أهليهم وذويهم.
    إن أثر السينما في مجال التنمية الثقافية والاجتماعية وفي توصيل المعلومات العلمية من الموضوعات التي تثير اهتمام العلاء والباحثين .. وفي تسجيل الأحداث الهامة وتوثيق التطورات العلمية وحتى التغييرات التي تطرأ على بعض المناطق كمناطق الآثار في جنوب مصر قبل بناء السد العالي ... وفي حلفا في الجانب السوداني لنفس هذه الفترة .. وفي بناء السد العظيم في الصين وتوثيق أوضاع النهر والأرض من حوله والسكان قبل بناء السد وتوثيق تهجيرهم إلى المناطق الجديدة وغير ذلك من التغييرات التي تطرأ على العالم ويختفي بعدها كل ما كان موجوداً قبل تغييرها وبناء أو تشييد البديل الجديد من مكانها كل ذلك يحتاج إلى السينما التسجيلية والتوثيقية لتحفظه للتاريخ...
    والأفلام الروائية تزيد إليها الحاجة ولا تنقص .. والوسائل الجديدة كالتلفزيون.. والتلفزيون المدفوع .. أصبحت وسائل أخرى بديلة لدور العرض التقليدية التي كان الناس يرتادونها بشكل منتظم قبل ظهور التلفزيون الذي بفضله تصل الأفلام الروائية الآن إلى الناس في بيوتهم وهم جلوس بين أفراد أسرهم ليشاهدوا نفس الفيلم الذي كان يذهبون إلى مشاهدته مرة أو مرتين في دور السينما.


    العالم الثالث ينتج نصف ما ينجه العالم من الأفلام الروائية:

    ومشكلة التوازن في صناعة السينما وفي تدفقها الحر بين بلدان العالم لا يمثل عقبة ولا يثير قضيته مماثلة كتلك التي أثيرت عند الحديث عن التلفزيون وبرامجه والراديو على الموجة القصيرة والصحف والمجلات والتي تسير كلها في اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب ... وللشمال دائماً القدح المعلى في الإنتاج.. وفي التوزيع .. وفي السيطرة العالمية على المشاهدين والقراء .. ويمتاز سكانه على الغير بوفرة وسائل التلقي .. مما يجعل مجتمعات العالم الأول تستأثر بكل ما هو متاح في مجال المعرفة والمعلومات أو على الأقل بنصيب الأسد.
    وإذا كان العالم الثالث ولأول مرة في التاريخ ينتج نصف ما ينتجه العالم من الأفلام الروائية فليس معنى ذلك إن النسبة محفوظة في إطار العالم الثالث نفسه .. فدولة تحتوي على ثلاث أرباع العالم من حيث السكان وعدد أقطاره ودولة يناسب عدد سكانه مع ذلك فأن الذي ينتجه من الأفلام السينمائية والذي يبلغ نصف إنتاج العالم تقوم به إحدى عشرة دولة فقط مما يحدث إخلالاً في التوازن وفي التدقيق داخل إطار دول الجنوب .. وهي نفس القضية التي يبذل العالم اليوم جهداً لمعالجتها بين الشمال والجنوب .. فما بالنا إذن وهي تحدث الآن في داخل الجنوب، وعدم التوازن في التدفق يتجه من الجنوب إلى الجنوب وبطريقة مخلة أيضاً تدعو إلى النظر ووضع خطة محكمة لدفع الخلل.

    ومعالجة الأمر ينبغي أن تطرح في إطار المعالجة الكلية لعدم التوازن في مجال الاتصال بين دول العالم جميعاً.. وهي دعوة للإصلاح أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً من ذي قبل لأن عجلة التطور أسرع مما يكن أن يستوعبه ويتمشى معه الإنسان العادي في العالم الثالث ولو لم يبتدع العالم اليوم وسيلة لتلافي هذا الخلل وتضييق الشقة التي تزداد كل يوم اتساعا لانفلت الأرض إلى جزئين والعالم إلى عالمين... لأننا لا يمكن أن نتصور عالما واحدا بهذا التباين والتناقص في الوسائل والإمكانيات التي تؤثر على مستقبل الإنسان في هذا العصر الذي يتميز بحضارة المعلومات وثورة المعلومات.

    وفي الجانب الأخر فان على الدول أن تسعى لإعادة بناء مؤسساتها الفيلمية حتى تتمكن من تحقيق طفرة معقولة في مجال الاتصال السينمائي بشقيه الروائي والتسجيلي وهذا يقتضي استجلاب المعدات المتطورة .. وتدريب الكوادر الفنية على التصوير السينمائي وكتاب السيناريو والمخرجين على إنتاج أفلام بمستوى يكون مقبولا بالمعايير الدولية حتى يجد طريقه إلى المشاهدين في العالم الأول الذي هو من أوائل المستهدفين بالاتصال السينمائي ليحدث فيهم تغيرا جوهريا في نظرتهم إلى العالم الأقل نموا والذي يمتاز بالثروات الطبيعية وبالثقافات والحضارات العظيمة والعريقة التي لو قدر لها أن تكون هي المعيار بين الأمم للتقدم والتخلف لأصبح العالم المتخلف اليوم متقدما والمتقدم اليوم متخلفا.

    إن الاتصال الدولي بواسطة الفيلم السينمائي يجب أن يجد مكانته اللائقة به في خريطة السياسات الإعلامية والاتصالية للدول جميعا وبالأخص النامية منها .. وكونه اقل انتشارا لا يعني إهماله .. وكون عدد المستفيدين منه أو المستهدفين به قليل لا يعني تجاهله .. فالعاملون في حقل الاتصال الدولي في حاجة إلى الوصول إلى أي فرد وفي أي مكان في هذه الكرة الأرضية حتى لا يقال في يوم من الأيام أن قطاعا قد أهمل .. ولم يجد من الاهتمام ما يستحق من القائمين بالاتصال الدولي. وقد يكون هذا القطاع هم الساسة أو المشرعون في بلد من بلاد العالم الذي يتأثر قراره بقناعات هذه القطاعات والفئات أكثر من تأثير الجماهيري عليها.
    --------------
    د.محمد ناصر الخوالده
    أستاذ الاتصال الجماهيري المساعد
    [email]e.barakat7@hotmail.com[/email][frame="14 98"] **** محبتي ****[email]e_barakat23@hotmail.com[/email][url]http://www.almolltaqa.com/vb/blog.php?b=567[/url][/frame]
  • عبد الرحيم محمود
    عضو الملتقى
    • 19-06-2007
    • 7086

    #2
    الغالية عفت بركات
    بحث جميل وفي غاية الاستقصاء ، يدل على
    سعة اطلاعك ، وتبحرك في الفهم العميق للموضوع
    بورك الفكر والقلم سيدتي .
    نثرت حروفي بياض الورق
    فذاب فؤادي وفيك احترق
    فأنت الحنان وأنت الأمان
    وأنت السعادة فوق الشفق​

    تعليق

    يعمل...
    X