مسخ قيمة الولاء الوطني وخيانتها في الفصل الأول من "كفاح شعب مصر" للثاني الإعدادي
(1)
ثم لما أراد الكاتب أن يبين مدى ظلمهم قال ص8: "ولم يكتف هؤلاء بكل ذلك بل راحوا يسخرون من عادات المصريين وتقاليدهم حتى بلغ بمليكهم أن يسخر من سقنن رع أمير طيبة".
هكذا وصل بنا الكاتب إلى المشكلة التي ستكون محور حبكة هذا الفصل، والتي ستتصاعد بعد ذلك كما سنرى.
بم أوهمنا الكاتب هنا في فقرتيه ص 7 وص8؟
أوهمنا أن تسلط الهكسوس على عموم الشعب بالقتل والنهب والسلب والتشريد أهون وأقل سوءا من السخرية من عادات المصريين، فهل هذا صحيح؟ أتكون السخرية من الحاكم أمرَّ وأشد فظاظة من قتل العامة ونهب أموالهم وأقواتهم؟ أم يكون الأمر نوعا من عبادة الحاكم الإله كما كان عند الفراعنة؟ أيا كان السبب فكلامه لا يُقبل ولا يستقيم، ويمهد للمرحلة الثانية من مراحل سلسلة التناقضات الفنية في هذه الصفحات القليلة.
(4)
إنْ تغاضيْنا عما قاله الكاتب، وأردنا معرفة ما فعله "سقنن رع" فإننا سنقرأ قول الكاتب ص8: "وكان سقنن رع أقوى أمراء مصر، وأكثرهم إخلاصا لبلاده وأشدهم معارضة لحكم هؤلاء الأجانب الدخلاء". ما هذا؟ ماذا قال الكاتب عن "سقنن رع"؟ أقال عنه: إنه كان أشد أمراء مصر إخلاصا، وأشدهم معارضة للهكسوس أيضا؟ أقال ذلك؟ نعم، قال ذلك. لماذا قال ذلك؟ أهناك أحداث مما أوردها الكاتب سابقة أو لاحقة تؤيد ذلك؟ لا. ماذا؟! لا، لا توجد أحداث سابقة أو لاحقة تؤيد ذلك، بل الأحداث المذكورة تناقض ذلك بدءا ومنتهى وبينهما! كيف؟ دعونا نعيد نقل ما فعله الهكسوس بالبلاد كما قاله الكاتب ص7: "راح هؤلاء يظلمون الناس، وينهبون أقواتهم، ويسرقون أموالهم، ويشردون أبناءهم- حتى عم الغضب والسخط جميع أنحاء البلاد". ماذا يفعل القائد المخلص عندما يكون مصير شعبه ذلك؟ يهب لنجدته، ويضحي من أجله. فهل فعل سقنن رع ذلك؟ لا. لِمَ؟ لأنه منفصل عن شعبه ويعيش لنفسه، ولأنه لم يتحرك إلا بعد أن وجد الخطر قد بلغه. كيف؟ قال الكاتب ص8: "أرسل ملك الهكسوس رسولا يقول لسقنن رع: إن أفراس البحر في طيبة تزعجه في أواريس، وإذا لم تكف أفراس البحر عن هذه الأصوات فسيرسل من يبيدها. فصاح سقنن رع غاضبا قائلا لرسول ملك الهكسوس: هذا تهديد ووعيد! أتزعجه أفراس البحر في طيبة والمسافة بين طيبة وأواريس سبعمائة ميل أو تزيد؟ ثم عاد رسول الهكسوس يقول: لقد علم سيدي الملك أنك تزيد جيشك؛ لهذا أرسلني إليك منذرا ومحذرا". هنا أدرك "سقنن رع" حقيقة موقفه، وأدرك أن الخطر سيزحف عليه، فماذا فعل؟ يقول الكاتب: "وما إن خرج رسول الهكسوس حتى اجتمع سقنن رع برجاله للتفكير في رد هذه الإهانة التي لحقت بهم من مستعمر دخيل، وانتهى اجتماعهم بأن يرسل سقنن رع إلى جميع أمراء مصر رسله ليدعوهم إلى ضم الصفوف وجمع الكلمة، وإلى لقاء قريب في القصر". هكذا فعل "سقنن رع" لما أحس الخطر. ولم يقتصر الأمر عليه وحده، بل امتد ليشمل الأسرة. كيف؟ يقول الكاتب ص10:"وكان لزوجته الفضل في دفعه إلى ساحة الشرف، وشجعت ابنها الأكبر كاموس على مواصلة الحرب". إن الخطر جعل الأسرة كلها تتحرك وتبذل الجهود، فماذا فعل لمّا حدث لمصر والناس ما وصفه الكاتب سابقا في ص7؟ عرفنا من رسول ملك الهكسوس أنه يزيد جيشه. لماذا يزيد جيشه؟ لا يوجد إلا سبب واحد تؤيده الأحداث وهو مواجهة مثل هذه الإهانة التي كان يتوقعها. ونسأل: أين الإخلاص الوطني عند سقنن رع على ضوء الأحداث التي أوردها الكاتب؟ والجواب الظاهر أنه لا يوجد إلا الإخلاص للذات، أما الإخلاص الوطني فلا يوجد. (5) فهل كان "سقنن رع" في هذا وحيدا بين أمراء مصر؟ لا، كلهم كانوا كذلك. كيف؟ يقول الكاتب ص9:"وعندما اجتمع الأمراء بدأ سقنن رع يقول: لن نرضى الحياة في وطننا عبيدا أذلاء، ولن نقبل أن يتحكم فينا عدو يفسد علينا نفوسنا وأفكارنا ويغتصب أرضنا ويقتل أبناءنا ويحطم عزتنا وكرامتنا. ثم راح سقنن رع يقص عليهم قصة أفراس النهر، وكيف كانت تقلق ملك الهكسوس. فصاح أمير بوتو: لقد تجاوز الظالمون المدى. وصاح أمير قفط: لن نقبل هذه الإهانة. وصاح امير أرمنت: لا بد من تأديبه وطرده من البلاد". هكذا مثّل هذا الاستفزاز لملكهم ونفوذهم سببا لتوحيد قوتهم، فتجمعوا وتعاونوا، وقد كان الواجب - لو كانوا مصريين مخلصين- أن يفعلوا ذلك من لحظة دخول الهكسوس مصر، لكنهم لم يفعلوا إلا بعد أن اقتربت النار منهم. فأين الإخلاص الوطني؟ بل أين الانتماء إلى شيء غير ذواتهم؟ لا يوجد. (6) فهل يكتفي الكاتب بكل هذا المسخ لهذه القيمة التي ألف كتابه من أجلها؟ لا. لِمَ؟ لقد أسبغ الإخلاص الوطني على الخائن خيانة صريحة. كيف؟ بعد أن وحّد الخوف أمراء مصر، وتعاونوا- بدأت الحرب، واندحر الهكسوس إلى الشمال، وبدأت مطاردتهم. ولما أحس ملك الهكسوس بالخطر استدعى المصري الخائن "سواتن" لينفذ انتقامه. يقول الكاتب ص 11: "وراح أحمس يطاردهم حتى اقترب من عاصمة ملكهم أواريس، فدعا ملك الهكسوس سواتن الضابط المصري الذي أغدق عليه المال والجاه والسلطان؛ ليكون عونا له في حكم البلاد. وقال له ملك الهكسوس: لقد حانت اللحظة التي تقوم فيها لنا بخدمة. فقال سواتن: أية خدمة يا سيدي". ماذا قال الكاتب؟ قال: "الضابط المصري الذي أغدق عليه المال والجاه والسلطان؛ ليكون عونا له في حكم البلاد. وقال له ملك الهكسوس: لقد حانت اللحظة التي تقوم فيها لنا بخدمة. فقال سواتن: أية خدمة يا سيدي". ما معنى ذلك؟ معناه أنه قَبِل الخيانة من أول لحظة، واستمر فيها حتى آخر لحظة. وبِمَ نعت سواتن الضابط المصري عدو بلاده ملك الهكسوس؟ نعته بـ"سيدي". إذا، هو خائن من مفرق شعره إلى أخمص قدميه، لكن الكاتب يناقض قوله هذا بعد قليل من خلال الحوار الموجود في ص ص 11-12. يقول الكاتب: "فقال ملك الهكسوس: خذ هذا الخنجر وصوبه إلى صدر أحمس وأنت تستقبله وتفتح له أبواب هذا القصر. فرد عليه سواتن: لن أفعل هذه الجريمة المنكرة!". لم امتنع سواتن؟ لأن قتل أحمس جريمة منكرة. ونسأل المؤلف: وماذا تعني مشاركة سواتن الهكسوس فيما أورده ص7 آنفا: "راح هؤلاء يظلمون الناس، وينهبون أقواتهم، ويسرقون أموالهم، ويشردون أبناءهم- حتى عم الغضب والسخط جميع أنحاء البلاد"؟ أليست تلك المشاركة جريمة منكرة متكررة؟ يبدو أنها ليست كذلك عند الكاتب، وأن قتل الحاكم هو الجريمة فقط. فهل اكتفى الكاتب بهذا الرفض؟ لا، بل جعل سواتن يورد تراتيل الوطنية. كيف؟ يقول الكاتب ص12: "فعاد الملك يقول: ألم تذكر لي دائما كرهك الشديد لأحمس؟ يا لك من رجل كاذب مضلل! فرد سواتن يقول: إنني أكرهه، وكان يطيب لي فيما مضى الخلاص منه، ولكنه الآن أصبح رمزا لمصر كلها وقائدا للبلاد جميعها، فإذا قتلته بهذا الخنجر لا أكون قد وجهت الضربة لأحمس فقط بل أكون قد وجهتها إلى وطني وبلادي وقومي، إنني مصري قبل كل شيء". ماذا يقول سواتن يد ملك الهكسوس على أهله وقومه وبلاده منذ احتلالهم مصر؟ يقول: "فإذا قتلته بهذا الخنجر لا أكون قد وجهت الضربة لأحمس فقط بل أكون قد وجهتها إلى وطني وبلادي وقومي، إنني مصري قبل كل شيء". أيعقل أن يذكر الكاتب ذلك على لسان سواتن بعد هذا السجل الحافل بالخيانة؟ نعم، لقد رضي الكاتب بذلك واهما أن وصفه يكفي، وأنه لن يوجد احد يفاضل القول بالفعل. ولم يكتف الكاتب بذلك بل زاد أغنية جديدة من أغاني سواتن في حب لبلاده في ص12. ماذا قال؟ قال: "فهز الملك رأسه وقال: ما كنت أظن أنك تخذلني بعد أن منحتك كل شيء في الحياة: المال والجاه والسلطان! فرفع سواتن رأسه قائلا: إن حب المصري بلاده لا يعدله مال ولا جاه ولا سلطان". ما هذا يا سواتن؟ أتكون توبة بعد كل هذه الخيانة؟ أم تكون تمهيدا للتحول إلى سيد جديد؟ هي الأخرى؛ لأن تاريخه لا يوحي بالأولى. (7) فهل يتنبه أحد من أولي أمر التربية والتعليم ويحذف هذا الفصل من الكتاب؟ أرجو وأدعو!