نصف إنسان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمود خليفة
    عضو الملتقى
    • 21-05-2015
    • 298

    نصف إنسان

    في أوائل التسعينات من القرن المنصرم، كنت أمر بميدان السيدة زينب حينما أذهب إلى عملي بمستشفى الحوض المرصود بشارع قدري. وكان يقابلني صباحا أحد الشحاذين وهو مستويا على سيارته والتي هي عبارة عن خشبة مثبت بها عجلات من الرولمان بلي، وكان يدفع الأرض بيديه حينما يريد أن يأمر سيارته البسيطة بالحركة. كان الناظر إليه وهو مستويا على سيارته يرى نصف إنسان لأنه فاقد لساقييه، ربما في حادث!
    وكان يجري بسيارته في حركة عجيبة بطول ميدان السيدة زينب ناحية المسجد الشريف بدون ملل أو كلل وكأنه يهتف للدنيا التي فجعته في فقد ساقييه بالشعار الشهير "لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس"... وكنت أسمع هتافه وصداه بوجداني وكأنه يزيد عليه بقوله "يا دنيا يا حقيرة"...
    نظرت إليه مرة وهو جالسا في سيارته العجيبة فرأيت فيه جمالا عجيبا يأخذ بالألباب! فهذا الإنسان المشوه جعل الله فيه جمالا خفيا لا ندري سره؛ هل من تحمله لفجيعته؟ أم من مثابرته ورضاه لقضاء الله؟ أم من مقاومته لنشوب مخالب القدر في جسده بعنف شديد؟ أم من شكله العجيب الغريب؟ أم من جمال الروح؟ أم من ماذا؟...
    حينما تستوي الشمس في كبد السماء، كان يعود إلى بيته راضيا بما جادت عليه الدنيا من صدقات الناس.
    ولا أدري هل كان يعود إلى سيارته ويجري بها في ميدان السيدة زينب بعد العصر ويحضن الدنيا كلها في صدره وهو يصيح "صلي على إللي هيشفعلك" كما يفعل صباحا أم لا؟ وهل لازال حيا أم لا؟...
    الطائف في 17/12/1436 30/9/2015
    التعديل الأخير تم بواسطة محمود خليفة; الساعة 03-10-2015, 17:56.
يعمل...
X