الحــــــــــب وفلســـــــــفة الصداقة
عندما كنت طفلا كنت أفكر دائما في ساعي البريد وكنت أشاهده عندما يأتي إلي المنزل ويعطي لامي وأبي الخطابات وكنت انظر إليهما فكانوا في بعض الأحيان يحزنوا وفي بعض الأحيان يفرحوا وكنت أتأمل هذا الشخص الذي يأتي ويعطينا الخطابات طول الوقت .
وعندما كبرت في السن كان أملى أن أعمل مثل هذا الشخص حيث في استطاعتي أن أسعد بعض الأشخاص وأعطى لهم أخبارا مفرحه وبعض الأحيان أعطيهم أخبار محزنه وتمنيت من الله أن يساعدني في تحقيق هذا الحلم وبالفعل أصبحت ساعي بريد .
وذهبت إلى مكتب البريد كالمعتاد أتلقى خطاباتي التي سوف أقوم بتوزيعها وكانت المفاجأة إن الخطابات أكثر بكثير عن كل مرة وسألت زميلي
ماذا حدث هذه المرة لما كل هذه الخطابات ؟
فقال لي : لقد تم افتتاح ملجأ للأطفال في المنطقة التي توزع فيها خطاباتك
وكالعادة ذهبت إلى منطقتي لكي أوزع الخطابات بها وفى النهاية ذهبت إلى ملجأ الأطفال وسلمت الخطابات جميعها إلى الساعي المسئول عن الدار ووقفت أنظر من بعيد على وجوه الأطفال الأيتام وعلى من تركهم أبائهم والذين عثر عليهم في أماكن مجهولة الهوية وكذلك الأطفال الذين لا يستطيع أبائهم أو أمهاتهم على تربيتهم فحمدت الله إنني نشأت بين أخواتي ومع أمي وأبي .
وكل يوم أذهب إلي هذا المكان لتسليم الخطابات وفي يوم من الأيام
رأيت طفلة وطفل يراقباني عندما أحضر ويتابعا ماذا أفعل وعندما
اذهب أرى على وجوههم شيئا من الحزن وظل الحال هكذا كل يوم حتى بدأت صداقة بيني وبينهم فكانوا سعداء عندما يروني وأنا كذلك وسألوني عدة مرات ماذا تعمل ؟
فقلت لهم إنني أحضر الخطابات مرسلة من جهات رسمية أو من أصدقاء أو من أحد يستعلم عن شيء ما
وفي يوم ما جئت وتكلمت مع أصدقائي وضحكت لهم وأعطوني ابتسامة ولكن بها شيء من الخوف و الحزن يطغي على ملامحهما وسألتهما ماذا حدث ؟ فوجدت الطفلة حسناء تبكى وتقول لي : لماذا لا يوجد من يسأل عني ؟ أو يرسل لي خطاب ؟
وسألني مصطفى الطفل الصغير هل يمكن أن تعطيني الخطابات التي لم يتسلمها أصحابها ؟ فقلت له : للأسف كل هذه الخطابات مرسلة من شخص إلى شخص أخر بانتظار أخبار عنه فقلت لهما : إنني مشغول و يجب أن أنصرف وتركتهما وذهبت إلي عملي .
وفي الليل تذكرت هؤلاء الأطفال الذين ينتظرون عاطفة أو رسالة أو حتى سلام من أحد لكي يكونوا سعداء وبدأت أفكر ماذا أفعل ؟ فخطرت علي بالي فكرة أن اكتب خطاب وأرسله إلي حسناء وخطاب آخر أرسله إلي مصطفي
إنني في هذه الليلة لا استطيع النوم إحساس غريب يملأ قلبي حيث انه في إمكاني أن أسعد أطفال حتى ولو بكلمة واحدة .
وذهبت في اليوم التالي وسلمت خطاباتي إلى الساعي كالمعتاد وأمسكت بخطاب حسناء وخطاب مصطفي وقولت لهما : كنتم تظنون انه لا يوجد من يسأل عنكما ولكن الآن يوجد من يسأل عنكما فسألوني من هو ؟
فقلت لهما : ستعلمون من هو عندما تكبرون .
وظل الحال علي ما هو عليه كل يوم أعطي خطاب لحسناء وآخر لمصطفي ذو لون وشكل مختلف وفي بعض الأحيان صور و بعض الأحيان شخصيات كارتونية مضحكة وصور لحيوانات .
و ذات يوم مرضت بمرض لم اقوي علي النهوض من فراشي لكي أعطيهم حبهم وأمالهم وأمانيهم وصداقتهم وخطاباتهم لكنى لن أتوقف يوما ما عن إرسال الخطابات ورغم مرضي طلبت من صديقي في العمل أن يسلم الخطابات الخاصة بالملجأ بنفسه وبالفعل قام صديقي بالعمل المكلف به علي أحسن وجه .
ويوما ما رن جرس باب المنزل وفتحت الباب ووجدت ساعي الملجأ ومصطفى وحسناء أمامي فانهالوا علي بالقبلات والأحضان وسألوني
لماذا لم تحضر إلي الملجأ كالمعتاد ؟ فقلت: للأسف إنني مريض ونظروا لي
وقالوا أين خطاباتنا ؟ فضحكت وقلت لهما: صديقكم كان يأتي إلي منزلي كل يوم ويعطيني الخطابات فوضعتها في درج المكتب وفحت الدرج وأخرجت لهم الخطابات فارتسمت علي وجوههم السعادة والفرح وكأنهم كانوا في الصحراء ولم يجدوا ماء ليشربوا وفجأة وجدوا الماء وأمسكتهم بذراعي واحتضنتهم وقلت لهما : نحن لن نفترق أبدا وسوف نظل سويا طول العمر فأنا في احتياج لكما وانتم في احتياج لي والله يساعدنا على فعل الخير و يجب علينا ألا ننسى أطفالنا وأحبابنا .
أطلب منك يا ربي أن تهبنا الحب والإخلاص والتقوى في قلوبنا حتى يوم الدين .
و كل عام وأنتم بخير وخاصة على جميع أطفال العالم
مع تحياتي
الدكتور / سمير المليجى