مَقَامَاتُ مُهَلْوِسِ الزَّمَانِ عَبْدِ البَاسِطِ بْنِ الشَّيْخِ العَمُورِيِّ
الْمَقَامَةُ الكِيرَانِيَّةُ (مَثَلُ صَيَّادِ النَّعَامِ )
الْمَقَامَةُ الكِيرَانِيَّةُ (مَثَلُ صَيَّادِ النَّعَامِ )
قَالَ العَمُورِيُّ: إِنِّي وَجَدْتُ فِي نَفْسِي قُنُوطًا وَمَلَلاً، غُربَةً وَفُتُورًا جَلَلاً، وَقَدْ طَالَتْ غَيْبَتِي عَن قَمَر الدُّجَى ، وَسرَاج الأَمَاني وَ الرَّجَى، شَيْخِي زَرْوَالَ المُرْتَجَى ، بَحْر الحكْمَة زَيْن المَقَال، عَظيمِ الهِمَّة كَامِلِ الخِصَالِ، شَجَرَةِ العِلمِ وَارِفَةِ الظّلَالِ، مُنْقِذِ الأَتْبَاعِ مِنَ الزَّلَلِ وَ الضَّلَالِ ، فَسِرْتُ إِلَيْهِ لَيَالِيَ طَوِيلَة، أَبْتَغِي الْقُرْبَ مِنْهُ إِلَى الله وَسِيلَةً، حَتَّى أَنَاخَتْ نَاقَتِي دِيَارَه، وَ لَاحَتْ لِي وَسْطَ الظَّلَامِ أَنْوَارُهُ ،وَأَشْرَقَتْ عَلَى الدُّنَيَا شُمُوسُ أَسْرَارِه، فَنَحَوْتُ إِلَيْهِ مُسْرِعا، وَبيْنَ أَضْلُعِي قَلْبًا خَاشِعًا، وَمَا طَرَقْتُ البَابَ، ، حَتَّى أَتَانِي مِنْهُ الجَوَاب، أُدْخُل زَاوِيتَنَا آمِنا، وَ إجْلِسْ جِوَارَنَا سَاكِنًا، خَبِّرْنا مَسْألَتَكَ في عُجَالَة، فَإنَّ شَيْخكَ مُنقَطعٌ إِلى صَاحِبِ العِزَّةِ وَالجَلاَلَة.
فَقُلْتُ: الصَّمْت فِي حَضْرَةِ الأَوْلِيَاء أَدَبٌ جَم، وَ بَيْنَ أَيْدِيكُم يَقِي صَاحِبَهُ المَعَرَّةَ وَالذَّم، لَكِنِّي أَرَى فِي سَمَاءِ عَيْنَيْكَ سَحَابَةَ حُزْن وَهَم، وَعَلَى جَبينِكَ مُسْحَة أَلَم وَغَم، فَخَبِّر شَارِحَكَ مَا يُسِيئُ إِمَامَه.
فَصَمَتَ هُنَيْهَة وَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَمَّا خَلَقَ الله الإِنْسَانَ، وَأَنْزَلَه مَنْزِلَةَ الخَلِيفَة لَا تَائِهاً وَلَا حَيْرَانا ، فَوَهَبَهُ العَقْلَ مَرْكَباً يُوصِلُهُ بَرَّ الأَمَانِ، وَيَقِيهِ عَدَاوَةَ الإِخْوَانِ، وَحَسَدَ الأَقَارِبِ وَ الخِلَّان، ثُمَّ أَرْشَدَهُ بِالرِّسَالَةِ وَالقُرْآن، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ الِإفْصَاحِ وَ الْبَيَان، لَا لِشَيْءِ إِلَّا لِيَبْنِيَ الحَضَارَةَ، وَيُنْقِذَ البَشَرِيَّة مِنَ الذِّلة وَ الخَسَارَة، وَكَانَ قِوَامُ الأَمْرِ كُلّه الحِكْمَة فِي التَّدْبِيرِ، وَ العِفَّةَ فِي التَّسْيِير، وَ العَدْلَ بَيْنَ الخَلَائِقِ لَا فَضْل بَيْنَ غَنِيّ وَفَقِير، وَلَا رَعِيَّة أَوْ وَزِير، فَالكُلُّ سَوَاء فِي الفَانِيَة، وَتَبْقَى رَحْمَة رَبِّكَ ذُخْراً فِي البَاقِية، وَلِكَيْ يَعِيشَ النَّاسُ فِي أَمْنٍ وَرَخَاءِ قَيَّدَ لَهُمْ مَنْ يَسُوسُ أُمُورَ دُنْيَاهُم، وَيَحُضُّهُم عَلَى مَا يُسْعِدُ أُخْرَاهُم، وَابْتَلَى الْإِنْسَانَ فِي الأَهْلِ وَ الوَلَدِ، وَ المَالِ وَمَا كَسَبَ، لِيُمَحص الله الطَّيبَ مِنْ خَبِيثِ العَمَلِ وَ النَّسَبِ، وَكَانَ أَعْظَمُ البَلِيَّة، وَشَرُّ المِحْنَةِ وَ الرَّزِيَّة، أَنْ يُوَلِيَّ سَفِيهًا أَمْرَ الرَّعِية، حَاكِماً فِي غَيْر إِسْتِقَامَة، عَنِيفًا لَاتُرْجَى مِنْهُ السَّلَامَة، زَادُهُ عَذْبُ الكَلَامِ، وَمَشَارِيعُهُ أَضْغَاثُ أَحْلَام، يَبِيعُ القِرْدَ وَيَضْحَكُ عَمَّن اشْتَرَاه، زَاهِدًا فِي الوَلِيِّ قَبْلَ مَنْ عَادَاهُ.
قلت :نِعمَ وَكَرَامَةً ، تَكَلَّمْتَ فَعَمَّمْتَ، وَلَوْ أَرَدْتَ بَيَانَ المَسْأَلَةِ لَخَصَّصْتَ، فَالفَهْمُ لَا يَتِّمُ إِلَّا بِالمِثَالِ، وَ ذَاكَ مَا يَفْرِضُهُ المَقَامُ قَبْلَ المَقَال، فَبَيِّنْ لِي تَأْوِيلَ الكَلَامِ، يَرْتَاحُ البَالُ وَيَعُمُّ قَلْبِيَ السَّلاَمُ.
قَالَ: ذَاكَ رَئِيسُ حُكُومَتِنَا، وَزِعِيمُ مِلَّتِنَا، ابْنُ كِيرَان، مَثَلُهُ كَمَثَلِ صَيَّادِ النَّعَام.
زَعَمُوا أَنَّ صَيَّاداً سَلَكَ صَحْرَاءَ خَالِيَةً، شَمْسُهَا مِنْ الرُّؤُوسِ دَانِيَةٌ، فَلَمَا سَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ تَارِكاً زَادَهُ، قَوْسَهُ وَرِكَابَهُ، رَأَى قَطِيعًا مِنْ نَعَام كَثِير، فَطَرَبَ وَ أَنْشَدَ، وَتَرَاقَصَ وَغَرَدَّ، وَقَالَ هَذَا صَيْدٌ سَمِين، وَرِبْحٌ ثَمِين، الزَّاهِدُ فِيهِ خَاسِرٌ، وَ المُقْبِلُ عَلَيْهِ رَابِحٌ بِقُدْرَةِ قَادِر، رِيشُهُ كِسَاء، وَلَحْمُهُ شِوَاء، وَالدُّنْيَا بَعْدَهُ رَخَاء، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ وَعَادَ إِلَى رَحْلِهِ مُهَرْوِلا، فَقَالَ هِيَ الغَنِيمَةُ، وَ العَاقِلُ مَنْ تَرَكَ الرُّمْحَ وَ اسْتَعْمَلَ الِفنْطَةَ وَ الشَّكِيمَةَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَبِسَ رِيشًا، وَأْوْحَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَحَرَنْجِمَ مَعَ القَطِيعِ، فَإِنْ أَمِنَ جِوَارَهُ، انْقَضَّ عَلَى نَعَامَة، وَ مَا زَالَ وَسَطَهُمْ فِي حَرَكَةٍ وَنَشَاط، نَافِخًا صَدْرَهُ، نَاِفشاً رِيشَه، غَيْرَ عَابِئٍ بِالقَدَرِ، وَ القَلَمِ وَمَاسَطَّر، إِذْ بِصَيَّادٍ آخَرَ وَرَاءَهُ، حَامِلًا زِنَادَه، مَا رَأَى بَيْنَ القَطِيعِ إِلَّاه، فَقُتِلَ صَاحِبَنَا كَيْفَ قَدَّرَ. وَهَلَك بِمَا خَطَّطَ وَدَبَّرَ.
وَ إِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا المِثَالَ، أُيُّهَا الشَّارِح الْمِقْوَال، لِتَقِفَ عَلَى نِهَايَةِ سُوءِ التَّدْبِيرِ، وَعَاقِبَةِ مَنْ أَرَادَ بِإِهْلَاكِ غَيْرِهِ النَّجَاحَ وَالتَّغْيِير، فَمَا كَانَ الله لِيُغَيِّرَ مَا بِقَوْمٍ حَتَى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَا سَبِيلَ لِلْإِصْلَاحِ، إِلَّا بِاتِّبَاعِ طَرِيقِ الفَلَاحِ، وَاللهَ اللهَ فِي الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّهُ مَصْدَرُ الْقُوَّةِ وَالمَزِيَّة.
فَلَمَّا سَمِعْتُ عِظَتَهُ، نَهَضْتُ إِلَى عَمَامَتِهِ مُقَبِّلًا، وَمِنْ بَرَكَتِهِ نَاهِلاً، وَقُلْتُ: زِدْنِي مِنْ حِكْمَتِكَ يَا إِمَام، وَفَيْضِ عِلْمَكَ يَا سَلِيلَ الْكِرَامِ، فَقَالَ أَنْتَ مَا زِلْتَ مُتْعَبًا مِنَ السَّفَر، فَخُذْ قِسْطاً مِنْ رَاحَة، وَلَكَ فِي خِدْرِ الرَّبَابِ قُرَّةَ عَيْنٍ وَ اسْتِرَاحَة، وَغَدًا نُتِمُّ الحِكَايَةَ، قِصَةَ حُكُومَةٍ لَا بِدَايَةَ لَهَا وَلَا نِهَايَة، إِلاَّ لُطْفاً مِنْ قَدِيرٍ، وَ وَعْيِ الرَّعِيَّةِ بَتَغْيِيرِ الوَاقِعِ و الْمِصِيرِ.