رواية التاج المفقود/ الفصل الأول

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعد فهيد العجمي
    أديب وكاتب
    • 02-12-2015
    • 54

    رواية التاج المفقود/ الفصل الأول

    أسعد الله أوقاتكم أيها الإخوة.
    هذه روايتي الأولى (التاج المفقود) أنشرها بينكم عسى أن تنال إعجابكم، ويسعدني تلقي الآراء منكم.

    التعديل الأخير تم بواسطة سعد فهيد العجمي; الساعة 05-12-2015, 14:45.
  • سعد فهيد العجمي
    أديب وكاتب
    • 02-12-2015
    • 54

    #2
    التــــاج المفقــــود

    الفصل الأول
    2011
    تعلقت عيناي بلوحة الوصول الإلكترونية في صالة مطار الكويت الدولي، حين أُعلن عن تأخر الطائرة القادمة من نيويورك ما يقرب من ثلاث ساعات بسبب ظروف طارئة، تلاعبت بي مشاعر شتّى بين شوقٍ وعتاب، لهفةٍ وترقب!كنت بانتظار رؤية ابني طارق ذي الثمانية و عشرين عامًا، الآتي لزيارتي وزيارة الوطن لأول مرة منذ أكثر من ربع قرن.
    لم يزعجني الأمر كثيرًافلمتكن تربطني به لهفة اللقاء؛ إذ كانت أمّه الأمريكية تضنّ عليّ بأخباره، ولم تترك لي من إحساس بأبوّته إلا تلك الطلبات الملحّة في نفقات تربيته الباهظة جدًا.
    أيّا كان الأمر- في الحقيقة - كنت أتمنى أن يكون ولديأفضل منّي!
    وكعادتي في القضاء على ملل الانتظار قررت أن أقطع الوقت بالمطالعة، فوقع نظري على كتاب تناولته فورَ أن قرأت اسم الكاتب: مصطفى حسين وكان بعنوان: مهمّة سرّية في العراق.
    اسم له في الذاكرة رنين!
    نبشتُ في أعماق الذاكرة، عن أول معرفتي بمصطفى.
    ***
    كان ذلك مساءَ ليلة ممطرة من ليالي السرايات- موسم الأمطار العاصفة- في أبريل 2003، حيث كنتُ بانتظار مصطفى الذي هاتفني عصر ذلك اليوم طالبًا لقائي لأمرٍ هامّ وعاجل، وقد رفض الإفصاح عن الأمر قائلاً :
    " - سأكون عندك في الساعة السابعة مساءً".
    بقيتُ وحيدًا بعد هروب زوجي الأمريكية بولدي إلى بلادها، ولم أرزق من زوجي الحالية سارة - ذات الأصول القبلية- بأولاد، فقد عاشت لأجل نفسها بعد أن تنسّمَت عبير الحرية التي منحتُها لها، وتناست وجودي!
    تأملت حديقة منزلي المهملة بأزهارها الميتة، والنافورة المهجورة، وشجيرات السور غير المشذّبة، وقد انعكست خيوط من أشعة الشمس على المشهد، تحاكي شيئًا مفقودًا في نفسي يعيد إليها طعم الحياة.. ذلك هو حلمي الدائم الذي كان يتوارى من حين لآخر بحثًا عن فرصة ليعود.. كبرت وكبر معي، مرضت ولم يمرض!. هو مجدٌ أتوق إليه بالفوز بتاج يميّزني!
    وكأنَّ الفرصة قد اقتربت من جديد!
    ***
    عند المساء وقفت قرب النافذة أرتقب قدوم مصطفى.. يمكنك أن تميّز الرجل العسكري من دقّة مواعيده!
    كانت أضواء الشارع القوية تنعكس على أسطح السيارات المغسولة بالمطر وهي مسرعة؛ فترسم ألوانًا متداخلة في الأجواء أمام ناظري، حين لمحته أخيرًا يخرج من سيارته، ويجرى بسرعة ناحية منزلي في منطقة سلوى.
    -"المطر شديد في الخارج!"
    بادرني وهو يمدّ يده مصافحًا، وأنا أجيبه بما يليق به من عبارات الترحيب.
    كان ذا هيئة مرتبة، وسحنة بملامح مريحة، تجلّلها لحية خفيفة أطلقها ربّما لتناسب الصلع الذي اعتلى قمة رأسه، رحبت به وأنا أرى الخاتم في خنصره دليل مذهبه الشيعي.
    تقدمته إلى مكتبي وأشرت له بالجلوس، حيث جلس في المقعد المقابل مباشرة، ثمّ نثر أشياءه على مكتبي، ودون مقدمات قال حين لمح التساؤل في وجهي:
    "- جاسم الغريب! أنا مكلّف بإبلاغك بطلب الموافقة على مهمّة خاصة".
    تملكتني قشعريرة جعلت يدي ترتجف، وأنا أقدم له فنجان القهوة العربية الساخنة برائحة الهيل النفّاذة:
    - "تفضل، ولكن أيّة مهمّة؟"
    أجاب وهو يرتشف قهوتي باستمتاع؛ إذ كانت لزوجي سارة طريقة مميّزة في إعدادها.
    "- مطلوب منك المشاركة في مهمّة سرّية في العراق!"
    سألته غير مصدّق:
    - "العراق!"
    -" أجل. "
    " - أفهمني بهدوء ما طبيعة هذه المهمّة؟"
    - إنها مهمّة حساسة، والجهات الأمنية وجدتْ أنه من الأفضل أن تُسنَد لجهة غير رسمية."
    عجبًا! كنت قد اختفيت عن الأضواء منذ أحداث مركز ( التاج ) العام 1991، فما مبرّر اختياري أنا بالذات لمهمّة في العراق؟
    كأنّه قرأ أفكاري؛ فتابع وهو مستمرّ بالتحديق في وجهي:
    - "اللجنة المشكّلة تجدك أفضل من يقود الفريق؛ بما لك من علاقة طيبة مع أعضاء السفارة العراقية سابقًا."
    أجبته ببطء:
    - "أمهلني بعض الوقت لأستجمع أفكاري، وسيصلك ردّي قريبًا."
    نهض وكأنّه كان مستعدًا لسماع هذا الردّ. تفقّد نظارته ومفاتيحه، وجهازه المحمول نوع أوكسجين، ثمّ مدّ يده مصافحًا وهو يقول:
    "- أرجو ألا يكون بعيدًا؛ فتأخير الوقت ليس في صالحنا!"
    أغلقت الباب خلفه، وإحساس ما بالخوف يسري في جسدي من وزر ماضٍ أحمله على عاتقي! الآن، وبعد أن قاربت الثالثة والستين أما تعبتِ يا (أنا ) من عمرٍ حافلٍ بالمغامرات؟
    وميضٌ ما برق ليمزق الغيوم الملبّدة بالإحباط في أعماقي. هذه المرة -إن فاتني القطار- سأسابقه إلى المحطة القادمة!
    ***
    التعديل الأخير تم بواسطة سعد فهيد العجمي; الساعة 02-12-2015, 19:09.

    تعليق

    • سعد فهيد العجمي
      أديب وكاتب
      • 02-12-2015
      • 54

      #3
      توجهت نحو مقهى المطار؛ لأقطع وقت الانتظار بقراءة كتاب ( مهمّة سرّية في العراق( وسط الزحام والأجواء الصاخبة - هكذا اعتدت- اخترت طاولتي وفتحت كتابي، وتجولت عيناي بنهم بين السطور:
      جاسم الغريب -هذا أنا-
      )كان الأمر الصعب هو إقناع الصحفي جاسم الغريب بمرافقتنا، وقد توليتُ أنا هذه المهمّة فتوجهت إليه لمعرفة رأيه، والاتفاق معه على التفاصيل.
      عندما عدتُ إليه مرة أخرى، لفتت نظري حديقة منزله التي أصبحت أكثر تنظيمًا عن زيارتي الأولى، كذلك كانت مظاهر الأناقة واضحة عليه من جديد، أدركت أنّي قد عرفت رأيه مسبقًا!
      استقبلني بترحاب وتقدمني إلى مكتبه معلنًا موافقته، كان استقباله ودودًا ووجهه مريحًا. جلس في المقعد المقابل لي، وعلى الفور فتحت جهازي المحمول وبدأت أعرض عليه الخطوط العريضة للمهمّة.
      دقائق مرت، نهضت مباشرة بعدها، ومددت يدي مصافحًا:
      - "هناك تفاصيل لن تعرفها الآن، ستُشرح لك بعد غدٍ قبل انطلاقنا."
      خرجت مسرورًا لنجاحي في مهمتي؛ في الواقع موافقة جاسم كانت تعتبر نجاحًا شخصيًا لي)
      أغلقت دفّتَي الكتاب. كم أنت منصفٌ يا مصطفى!

      وتتالت الذكريات...
      لاحت منّي نظرة للوحة إعلانات ضخمة مقابلة لي، تأملتها بإمعان؛ فبدأت حالة التقمّص تسكنني من جديد. تهادت لسمعي المعزوفة الرائعة ( تاج محل) للموسيقار اليوناني ياني ،هادئة، عذبة، تتماوج باتّساقٍ مع صورٍ من الماضي. تسارع نبضي وأنفاسي.. أغمضت عيني، ورفعت رأسي عاليًا إلى السماء - كعادتي كلما سمعت نغمًا يتملكني- حين تداخلت في مسامي رعشة الأنغام بهدوء يسبق العاصفة ... فجأة توالت تفجيرات ضخمة في حوطة ياسر.. (تتسارع الأنغام وتتعالى محتجة، تشقّ عنان السماء بالأضواء، والأصوات الهائلة؛تجعلك تتناثر وتصرخ مع ارتفاع صوت المعزوفة عاليًا!)
      تتغيّر الصورة..
      وتنساب الألحان هادئة عذبة شجيّة...هي ذي أميرة ... كالأميرة، تبكي فرحًا وقد تألقت في فستانها الجميل، تدور مع اللحن الراقي كماءٍ عذب يترقرق في جدول سخي.. ترتفع أصوات الفرحة مع الموسيقى في إباءٍ وأناقة، الكلّ يعانقها مهنئًا.. يهديها مع هدوء النغم سلامًا وفرحًا لا يضاهى...
      حانت منّي لمحة خاطفة إلى ساعتي، وعدت إلى تأمّل لوحة الإعلانات...
      انقلبت الصورة مع الأنغام المتراكبة .. داخل المقهى المظلم يدقّ قلبي رعبًا، ويتسارع اللحن بإلحاح .. تتوقف أنفاسي، وتشتدّ أعصابي خوفًا وقلقًا؛ يزيدها هذا اللحن المتصاعد توترًا.. تدور شياطين الإنس حولي بوجوهٍ وأقنعة مثيرة للرعب ... تستلُّ الموسيقى المتصاعدة منّي كلّ طاقتي.. كانت ليلة مخيفة!
      في مشهد جديد..
      هدوءٌ مثير ونحن ننزل درجات قبو السجن في العتمة.. أتنسّم أنغام المعزوفة.. أمسك أنفاسي مع اللحن الهادئ، نتأمل جميعا المكان وتدور بنا الأنغام في الأرجاء حزينة تنوح.. على الجدران تناثرت الرسوم الكئيبة.. نقشتها أناملهم بدمائهم! تخافتت الموسيقى خجلًا من آلامهم؛ فانهارت مقاومتنا مع انسياب اللحن الباكي.
      خرجنا وقلوبنا تبكي.. وصرخت الموسيقى معنا احتجاجًا..
      محطات مثيرة.. حزينة مليئة بالشجن.. مرعبة، تلك هي حياتي.. لابد لي أن أسطرها يومًا ما وأضع عناوين لفصولها قبل أن تندثر!
      ***
      قطعتْ تخيلاتي أصوات المكبرات في صالة المطار، تعلن أخيرًا عن وصول الطائرة القادمة من نيويورك، توقفت أنفاسي لبرهة وأنا أتابع وجوه القادمين الداخلين، تبحث أعينهم بلهفة عن الأهل والأحبة بين المستقبلين، ومنهم من تجوب عيناه الأرجاء بحثًا عن لافتة تحمل اسمه، ولكن...
      هل رأيتم أحدًا يرفع لافتة كُتب عليها اسم ابنه؟!
      اقترب البعض منّي؛ فحاولت استقراء الملامح بلهفة عّلي أمل أن أميّزه بين القادمين، لم أرَ أحدًا منهم يشبه الصور التي كانت تصلني منه تباعًا، ولكن حين اقترب أحدهم منّي، كان شكله آخر ما يخطر في بالي أنّه هو! سأل بلكنته الأميركية:
      -"السيد جاسم سلطان الغريب؟"!
      -"أجل أنا هو.."
      هوَت صاعقة على رأسي حين عانقني بلحية تكاد تصل إلى صدره!
      كان هذا ولدي طارق.. الأميركي!
      قدت السيارة في طريق العودة، وبجانبي ولدي الذي أخذ يسترسل بالحديث بلغة عربية مفهومة- اكتسبها من دراسته للتاريخ الإسلامي- عن شوقه ولهفته للشرق العربي.
      تساءلت في سرّي: ما الذي وجد هذا الفتى في عالمنا العربي ما لم يجده أقرانه هنا في الشرق؟!
      تعبتُ من المقارنة بينه وبين شبابنا الذي خرجنا في طلب أثَرهم!
      ***
      2003
      عندما تضع هدفًا نصب عينيك فإنّ المشقّة في سبيله تغدو رحلة ممتعة!
      حاولت جاهدًا خلق توازن ما بين رغبتي في تحقيق هذه المهمّة، وحديث الضابط الكويتي عصام منسق الفريق عن خطته قبل انطلاقنا بساعة:
      - "كما علمتم فإن المهمّة في العراق خاصة وحساسة جدًا، وعليكم التقيد بالخطة المرسومة، وتنفيذها بدقة"
      أدار عينيه في الحاضرين، ثم استطرد:
      "الوضع متأزم هناك والخطر في كل شبر على أرض العراق، ولا أحد بمأمن، ومن ثمّ فإن السرعة لازمة وضرورية، على الجانب الآخر من الحدود سيستقبلكم المنسق منير مع فريق عراقي لديهم خبرة لا بأس بها، رَشّح لنا أفراده مقابل مبالغ مجزية وسيكونون عونًا لكم في مهمتكم ،بالإضافة للمكافأة الكبيرة التي رصدت لكل من يدلي بمعلومات هامّة تفيدكم بمهمتكم".
      انطلقنا في الطريق إلى الحدود الكويتية- العراقية بعد أن انتظم الركب، وراحت السيارة تطوي بنا الطريق بسرعة كبيرة، صحيح أنّ المهمّة شاقّة وصعبة، لكنها من أسمى المهام التي قمت بها في حياتي، وقد تعلقت بها آمال الكثيرين من أهلنا، وتعلقت قلوبنا بالله تعالى أن يسدّد خطانا.
      كانت السيارة تتمايل مع تعرجات الطريق، ونحن نتأرجح مع حركتها، أنا ومصطفى وعليّ شقيق زوجي سارة- بعد إلحاحها- لضمّه لفريقنا، شجعتنا أيضًا موهبته وقدرته الفذّة على التصوير بمهارة والتقاط أدق التفاصيل، ومتابعته الدؤوبة للشأن العراقي حتى غدا خبيرًا بتفاصيله.
      تأملته وهو غارق في صمته المريب- كعادته دائمًا - بينما عيناه تتابعان شريط الطريق الطويل بلا تركيز، خلف ذلك السكون اختبأت رغبة دفينة في خوض تلك المهمّة الخطيرة:
      - "أتفكر في راشد؟"
      تمتَم دون أن ينظر إلي:
      - "أتظنّه على قيد الحياة؟"
      لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال الصعب.. مضتْ سنوات على اختفاء شقيقه راشد -الابن الأكبر للعمّ ناصر- الذي أُسر أثناء الغزو العراقي دون خبر مؤكد عنه، سوى بعض أقاويل لا يوجد ما يثبتها أو ينفيها!
      التمعت في عينيه نظرة حماس وهو يقول مشيرًا لهاتفه الجوال:
      - "أتعلم؟ منذ سقوط نظام صدّام وأنا أجمع المعلومات وأحلل الأرقام، حتى غدوتُ أرشيفًا للأخبار العراقية!"
      أضحكني الأمر:
      - "هل تعلم يا عليّ أنّي قضيت وقتًا لا بأس به عندهم في صيد الحمام البرّي؟ ومع هذا فلا أملك كمَّ المعلومات الذى تملكه!"
      بدت على وجهه علامات الرضا.. شيء ما في عليّ يشبهني.. فأنا أيضًا عانيت من قسوة أبي، و لم أكن أجد حولي من يفهمني، صحيح أني لم أكن صامتًا مثله، بل كنت في قمّة الشقاوة في صباي صاخبًا، هادرًا، وكنت مؤذيًا إلى حدٍّ ما، لكني لم أصل إلى درجة عبقريته!
      أراد أن يكون شخصية مميزة كما كنت أفعل طوال حياتي، إلا أنه كثيرًا ما كان يثير فضولي؛ فهو ليس كمن عرفت سابقًا من الأصحاب، بل كان من طراز مختلف.. هل تعلمون ذلك الصمت الذي يحكي أكثر من الكلام؟
      هو ذاك .. علي!
      صحوتُ من أفكاري على صوت مصطفى، يسأل بضجر:
      - "كم بقي لنا من الوقت لنصل الحدود؟"
      لم تكن المسافة طويلة جدًا باتجاه الحدود الكويتية العراقية، وكانت تُقطع في الأيام الغابرة في ساعة ونصف فقط، لكن بسبب كثرة الكمائن والحواجز الأمنية فقد قطعناها في ثلاث ساعات، وسط درجة حرارة عالية والشمس تكاد تشوي أدمغتنا.. هل ترانا سننجح في مسعانا، أم نفشل ونعود أدراجنا بخفيّ حنين؟!
      ***
      التعديل الأخير تم بواسطة سعد فهيد العجمي; الساعة 11-12-2015, 14:34.

      تعليق

      • سعد فهيد العجمي
        أديب وكاتب
        • 02-12-2015
        • 54

        #4
        وكم من مرة عدت في مطلع شبابي بخفيّ حنين!

        فيلكا 1967
        في تلك الحقبة التي تعالت فيها نغمة المدّ الثوري القومي، وكثرت حكايات الأبطال، كنت أريد أن أكون بطل الجزيرة القومي! وكنتُ مشاكسًا عنيدًا شعلة من النشاط والجموح.. كنت كارثةً تمشي على قدمين؛ أينما ذهبت أعود بمصيبة لوالديّ!
        كنتُ فتى في السابعة عشر من عمري نحيلًا، أسمر الوجه، وكنت مغرمًا بشيء جديد في منزل جيراننا العامر، حيث توجد تلك المعجزة التي تُدعى التلفاز؛ شاشة صغيرة باللونين الأبيض والأسود تعرض صورًا متحركة تقفز بنشاط، وتفعل كل ما من شأنه أن يجعل فتى مثلي يقف فاغرًا فاه! وكانت تأسرني بالذات قصص الأبطال الذين يقومون بالأعاجيب، ويخوضون مغامرات مثيرة في حياتهم؛ ما يجعل قلبي لا يكفّ عن الدقّ كلما تعلقت عيناي بالبطل وهو يواجه الأشرار؛ فأنا أريده أن ينتصر في النهاية، وهكذا كنت أتقمّص شخصية البطل الذي يعجبني لمدة طويلة، وإلى أن يأتي بطلٌ جديد غيره!
        كنت أريد التميّز عن أقراني وأن يشار إلي بالبنان، لكني في جزيرة نائية هادئة مثل فيلكا؛ أهلها البسطاء لا تراودهم تلك الأفكار الغريبة، وفي نفس الوقت كان والدي يتعامل معي بطريقة شديدة القسوة تصيبني بالإحباط، وتخلق في نفسي أنانية تجعلني لا أقيم اعتبارًا لأحد، حتى ولا لعادات أو تقاليد!
        في الحقيقة كنت أختلق المشاكل أينما كنت، وقد قاسى والدي بسببي الكثير، كان يعاني والجيران يشكونني إليه؛ فيحاول جاهدًا إصلاحي بالشدّة تارة، وباللين تارة أخرى.. دون جدوى!
        كان يومي يتراوح ما بين التسكع منفردًا، أو مع صديقيِّ راشد وفيصل على طول الساحل الممتد من بكشة محمد جاسم حتى آبار الممزر، حيث تكثر السفن القادمة من البصرة (أبلام البصارة) حاملة الفواكه والسعف والملح- وسط اكتظاظه بأهل الجزيرة منهم من يدمج الحبال، ومنهم من يصلح السفن والأشرعة، بينما الأولاد يطلقون ريشهم في الهواء في تحدٍّ بينهم بلعبة ( جليب الدلو )، و ما كنّا نقضيه من وقت نتجول في البرّ العود في الصباحية؛ بحثا عن السحالي التي أعشقها وأفهمها!
        كنّا نجوب الجزيرة معًا، ونحن نعتمر نفس غطاء الرأس الشعبي ( الجرينبة )، وكثيرًا ما كانت تستهوينا بعض الأماكن المقفرة، كنتُ أكثرهم جنونًا وجموحًا، لدرجة جعلتهما يتوجسان منّي خيفة، خاصة حين أقدم على أية لعبة خطرة، كلعبة (نطلع رمل) التي تجعلني أغوص في أعماق البحر لإخراج كبشة من الرمل، أو تحدي ( الغربالة ) السمكة السامة، كانا يبتعدان بحذر وهما ينذراني بوضوح: بأنّي سأتسبب بمغامراتي في هلاكهما ذات يوم!
        وكانت هناك مستورة!
        تلك المرأة غريبة الأطوار؛ التي كانت تتخذ من مقام السيد الخضر مستقرًا لها على أطراف الجزيرة، و يزورها الناس من أجل معالجة مشاكلهم المستعصية، وأحلامهم المؤجلة و حلّ عقدهم الغامضة! حتى أنا- حين اخترت طريق البطولة- كان علي أن أذهب إليها، وكنتُ أعرف أنّ أولى الخطوات تبدأ من عندها.
        ***
        تسللتُ من المنزل دون أن أخبر أحدًا متجهًا لمقرها، الذي هو بيت قديم يتكون من غرفة وعريش. هناك على طول الوكر بجانب مزار الخضر والشيخ مراد ،انتظرت وسط النسوة القادمات من أجل جبْر ما كُسِرَ فيهنّ، رغم برودة الجو.. بدا وجودي منفردًا شاذًّا وسطهن. فجلست على جنبٍ مدققًا فيمن حولي، بينما أنا أتظاهر باللامبالاة والتجاهل، أستحثُّ الساعات أن تسرع أريد دفعها بيدي؛ ليمضي الوقت دون تلكؤ.
        في النهاية برز مسعود أمامي كعفريت تمّ استحضاره من مصباح قديم! كان يتناول بغباءٍ ورد (خليو بو غنام ) الأصفر المخلوط بالتمر، وبعد جدال وإلحاح دخل لخالته ليخبرها، ثم عاد:
        - "خالتي مستورة تنتظرك"
        قالها بغلظة وهو يشير إلي فنهضت دون إبطاء، ويبدو أنّ صمتي المريب قد استفزّه؛ فقال محاولًا جرِّي لحديث يملك هو ناصيته:
        - "ماذا تريد؟"
        قلت متهكمًا:
        - "سأترك لخالتك مهمة اكتشاف ذلك!"
        كأنّما ألقمته حجرًا!
        عبرنا الممر الكالح نحو حجرتها، فطرقّ الباب بأدب ووقفنا برهة، ثم سمعنا صوتها ينادي بعمق:
        - "ادخل يا جاسم!"
        سرت في جسدي رجفة!
        كانت جالسة في آخر الحجرة الواسعة، على بساط مخطط بالألوان، بدا متناسقًا مع ثيابها المبهرجة الصاخبة، عيناها الواسعتان ككشافين عملاقين مسحاني فور أن دخلت من الباب!
        وقعت عيناي على امرأة تبدو في الأربعينات من عمرها، ما زالت تحتفظ بمسحة من جمال الشباب، تضع عصابة زرقاء حول جبينها، ويتدلى من رقبتها عقد ضخم من الخرز.. مع تلك الملابس ذات الألوان الفاقعة، لا ينساها أبدًا من رآها ولو لمرة واحدة.
        ابتسمتْ بمكرٍ وهى تضع بعض البخور في قدر أمامها امتلأ بالفحم المشتعل؛ فتصاعدتْ أبخرة أفعمت المكان برائحة عطرية مميّزة، كانت الحجرة مليئة بأشياء قديمة معلّقة أو متناثرة هنا وهناك؛ بشكل يضفي على المكان طابع الفوضى.
        - "اتركنا يا مسعود!"
        قالتها بصوت مهيب فهَمهَم الفتى معترضًا، لكنّ نظرة صارمة من عينيها جعلته يزمّ شفتيه بتوتّر وهو يغلق الباب خلفه، خطر لي أنّه سيضع أذنه على الباب، بل.. لابدّ أنّه سيفعل!
        - "اجلس يا جاسم!"
        أطعتُ من فوري وكتمت دهشتي من معرفتها إياي! لابد أنّ بعض مغامراتي الطائشة- التي تملأ حكاياتها الجزيرة- قد تناهت إلى سمعها.
        تعلّقت عيناي بقرطين كبيرين من الفضة يتدليان بثقل من أذنيها، وتتأرجح منهما خرزات من كل الألوان، راحت تهتزّ وتلوح مع كلّ حركة من رأسها..
        - "ماذا تريد يا فتى؟"
        سألت وهى تضع المزيد من البخور.
        تزاحمت الأفكار في خاطري: حقًا ماذا أريد؟! هل تراني أبحث عن البطولة التي أراها على شاشة التلفاز، أم عن تغيير يعصف بحياتي الراكدة المملّة؟
        قلتُ وأنا أحاول بيدي دفع سحب الدخان التي تكاد تخنقني:
        - "خمّني"
        رمقتني بنظرة صارمة؛ فتداركتُ بسرعة:
        - "اعذريني، لكني ظننتك تعرفين ما أريد"
        ألقت نظرة على النار المتأججة أمامها، وكأنها ترى من خلف ستار الدخان الضبابي، ثمّ قالت وهى تحدّق فيها:
        - "أنت تريد أن تكون بطلًا!"
        توتّرت أعصابي بقوة و هي تقوم بنثر البخور على النار، وتحريك الجمر والتحديق إليه، قلت بغلظة غير مقصودة وأنا أبتلع ريقي:
        - "هو ذاك!"
        قالت بتؤدة وهي تتأمل أظافرها المصبوغة بالحناء :
        -"لما رأيتك منذ زمن مع أمّك توقعت لك بمستقبل باهر. إنّ أهل السماء يقولون أنّ المولود الذي يتأخر أشقاؤه عنه في العمر يكون له مجد، وقد توقعت لك ذلك منذ أن كنتَ صغيراً لا تخشى ما يخشاه الصغار! لكن للبطولة ثمن فهل أنت قادر على دفعه؟"
        أخرجتُ من جيبي مبلغًا ماليًا بسيطًا، فخرجت معه السحلية (الزاحف الوزغ ) التي أحملها دائما في ملابسي، التقطتها مستورة دون اكتراث، فقلت بحرج:
        - "هذا كل ما أملك في الوقت الحالي"
        لم تنظر ليدي الممدودة .. كانت عيناها البراقتان تمسحان وجهي بعمق نفّاذ، أربكني أكثر.
        - "لا أريد مالًا"
        ارتعش قلبي:
        - "ماذا تريدين إذن؟"
        - "شاب مثلك متوقّد حيوية ونشاطًا قد يفيدني في مهمّة أخرى، أريد أن أكلفك بها"
        (ترفض المال! ألا تفعل كلّ هذا لأجل المال؟)
        قالت بحسم:
        - "ومن أجل أن يحدث ذلك لابد من تحقيقك لشرط واحد"
        - "شرط؟"
        قلتها بتوجس أكثر هناك ما يخيفني في حديثها..
        - " أريدك أن تقضى ليلة في (كَبر طاهر ) المهجور، على الجانب الآخر من الجزيرة!"
        قالتها ببرود، وهي تضغط على رأس الزاحف المسكين، وكأنّها لبوة اصطادت فريستها بعد سعارٍ لتقطعه بعنفٍ، لم يعكسه مُحيّاها !
        كلّ ما كنت أعرفه عن مستورة أنّها كانت عبدة مملوكة لأحد الشيوخ وزوجه، تؤنسهما بألعابها السحرية، وكأنّها لامست شيئًا ما في قلبيهما، وبعد موتهما أصبحت الشعوذة مصدر رزق لها.
        كانت منطقة الكبارة المهجورة ( أكواخ من الطين تستعمل كملجأ للصيادين، هجرت وأصبحت أطلالًا ) من أفظع ما يمكن تخيله؛ مكان ناءٍ مظلم، يُقال أنّ الشياطين تجوبه ليلًا حيث يعلو الصراخ ويزدحم الهواء بصراخ المعذّبين!
        وجديرٌ بالذكر أنّ تلك المنطقة كانت من الأماكن المحرمة علينا أنا وفيصل وراشد، ورغم شدّة جموحنا، إلا أننا كنّا لا نجرؤ على الاقتراب منها على الإطلاق، ولو حصل ذلك فمن بعيد، ثمّ نسرع الخُطى كأنّ هناك من يطاردنا!
        الخوف! هو ما تريد مستورة أن أواجه حتى أغدو مؤهلًا للبطولة!
        - "ماذا قلت؟"
        سألتني وهى تركز بصرها علي، قلت بصوت متحشرج رعبًا:
        - "فليكن"
        أشاحت بوجهها دون أن تعيرني أيّ اهتمام، وتابعت:
        - " إذا قضيت الليلة كاملة حتى الصباح هناك فأنت تصلح لأن تكون ما تريد."
        ثمّ زعَقَت:
        - "مسعود!"
        في أقل من لحظة انزلق مسعود للداخل وهو يقول مسرعًا:
        - "أوامرك يا خالتي"
        - "اصحب الفتى إلى الخارج"

        ***

        تعليق

        • سعد فهيد العجمي
          أديب وكاتب
          • 02-12-2015
          • 54

          #5
          هناك قرب الصخرة الكبيرة حيث اعتدت وراشد وفيصل أن نجتمع في المساءات الباردة، ونشعل نارًا تدفئ أيدينا المتجمدة من البرد جلست في المواجهة، ثمّ شددت جسمي ونثرت ذرّات رملٍ كأنّها بخور مستورة، ألقيت نظرة على النار، وتأملت أظافري ببطء ثمّ قلت بصوت أجشّ:
          - "أنت يا راشد تريد أن تتخلص من رقابة أمك، وأنت يا فيصل لا تستطيع أن تقلع عن الكذب!"
          وزعقت في وجهيهما مقلدًا صوت مستورة.. غلبتني قهقهة عالية، وانقلبتُ على ظهري مواصلًا ضحكي وأنا أرقب علامات الذهول والبلاهة على وجهيهما!
          سألني راشد برَيبة:
          - " ماذا وضعتَ في النار؟!
          قلت ساخرًا:
          - "سِحر، مثل مستورة !"
          اتسعت عيونهما دهشة، وقال فيصل:
          - "وما الذي سيحصل؟"
          سارعتُ بالقول:
          - "سأذهب للمبيت الليلة في منطقة الخرائب، و سترافقاني"
          انتصب الاثنان فجأة واقفَين، وصرخ فيصل محتجًا:
          - "هل جُننت يا جاسم؟"
          كدت أخبرهما بما جرى بالتفصيل مع مستورة، لكني أمسكتُ لساني وقلت بعصبية خشنة:
          - "هذا شأني، فقط كونا معي حتى نصل إلى هناك، ثم اتركاني!"
          تبادلا نظرة خاصة فيما بينهما، ثم هزّا رأسيهما بلامبالاة، نهضنا معًا ونفضنا ما علق بثيابنا من الرمل، وسارا بجواري، ثمّ في محاولة لقتل الخوف أخذا ينشدان:
          - " حسن البرشوم يغنّي .... هيّض النوم عيني "
          جاريتهما في الغناء إلى أن ظهرت الخرائب من بعيد، كانت الأمطار قد حولت الأراضي إلى مستنقعات، وغمرت البيوت وحولت الأحواش لبحيرات، وعند (سدرة المطينة ) توقفا فجأة صامتين، شعرت أنّهما قد تجمدَّا رعبًا، وقبل أن أنطق بكلمة كانا قد وليَّا الفرار!
          صرخت بغيظ:
          -" أيّها الجبَانان!"
          لوحا بيديهما وهما يسابقان الريح، فحدثتني نفسي:
          (لا مفرّ يا بطل ستقضي ليلتك وحدك! يبدو أنّ هاجس الخوف أقوى من نداء الصداقة!)
          تابعت النشيد بصوت خافت لأؤنس وحدتي، و حين اقتربت من هدفي كانت الشمس قد بدأت تميل للمغيب، وقرصها الأحمر الضخم يبدو هائلًا في الأفق البعيد، هبّتْ ريح باردة ثقيلة انقبض لها قلبي ما زاد من مخاوفي، وجعلني أسبُّ غبائي الذى جعلني أقدم على هذه الخطوة المجنونة.
          ***
          وصلت البيت المهجور الموجود بمنطقة الخرائب، وهو طَلَلٌ يوجد بمنتصف المكان بالضبط، تنتشر فيه رائحة منتنة! دخلتُ بقلب مرتجف وانتقيتُ مكانًا مناسبًا للمبيت، وأخرجتُ فراشي المحمول من حقيبتي وأنا أرتعد- لا أعرف السبب- أهو البرد أم الخوف أم الاثنان معًا، ألقيت به على الأرض وتمددتُ عليه متعبًا.
          راح الظلام يُسقط غلالته السميكة على الوجود، وبدأ قلبي في الخفقان سريعًا، الحق أنني كدتُ ألملم ذاتي المبعثرة من الرعب، وأهرع موليًا ظهري فكرة البطولة مؤقتًا، لعلّ لها سبيلًا آخر غير المبيت في ذلك المكان، لكن الخجل منعني وخشية سخرية فيصل وراشد، إذ أنّها فرصة ذهبية لن يدعاها تمرّ مرور الكرام، وكذلك اتفاقي مع مستورة، العوائق كلها برزت أمام عيني متزاحمة..
          (بضع ساعات فحسب.. تحمّل أيها الجبان!)
          (أصابني الخوف يا أمّي! أهذا ماكنت تهدفين إليه؟ ها هو الرعب يكاد يقتلني!)
          تسارع نبضي وأنفاسي وغامت الرؤية أمام عيني، حين ضجّت في أعماقي حكايات أمّي المرعبة، التي كانت تحاول بها كبت جنوني، وأسطورة ذلك التلّ الشهير، بعد أن صورتها أمّي بخيالها الواسع، وأضافت إليها موسيقى الرعب التي تقرع في رأسي!
          قام سعيد بقتل أخته سعيدة بعد خلاف بينهما، وعندما حاول دفنها لم يجد الرأس في الجثة، وأخذ سعيد بعد دفن الجثة يبحث عن كنز سعيدة، ولكنه كلما أمعن في الحفر يخرج له رأسها بعينين مشدودتين إلى السماء؛ تجعله يتوقف مرعوبًا!
          أظنّ أنّ أمّي كانت تحاول -بابتكارها هذه القصة- أن تخيفني من البحث عن السحالي تحت الأنقاض، لكني بتّ أراهن أنّها روائية متميزة بالفطرة!
          (اصبر يا جاسم، اصبر.. ها قد اقتربت من تحقيق حلمك، وستتحرر من سكون الجزيرة الذي لا يناسبك!)
          رحت أردّدها وأواسي نفسي هربًا من المخاوف وأوهام الرعب، وأنا أنكمش أكثر بداخل الغطاء مستجيرًا ببعض الذكريات الدافئة من الماضي في تلك الليلة المدلهمّة.
          (ما بك يا جاسم؟! يامن كنت تشغل القرية بشقاوتك ونشاطك مثيرًا الفوضى في المزارع! هل كان ذلك الرعب الجاثم على صدري- كالكابوس- عقابًا لي؟!)
          انتبهت من أفكاري وقد بدأ الخوف يغدو حقيقة؛ عندما شعرتُ بذلك الشيء يقترب مني وينتفض له جسدي، لكني كتمت أنفاسي وتذكرت فوراً كلام العجوز:
          -"لا تذكر اسم الله هذه الليلة!"
          كان يرتدى ثوبًا أبيض ملطخًا بالدم، يقترب مني بتؤدة وهو يزوم بوجهٍ كالح، غابت ملامحه خلف طبقة سوداء داكنة جعلته أكثر إرهابًا؛ ما جعل الدم يتجمد في عروقي وأنا أدفع الغطاء على جسدي، وكأنّ هذا كافٍ ليدرَأ الخطر القادم عني!
          برز رأس سعيدة خلفه وهنا قررت الهروب.. لكن مشهدًا صغيرًا اقتحم عقلي وسط موجة الهلع التي تملكتني، وجعلني أهدأ قليلًا وأفكر بوضوح:
          (الحذاء! الحذاء!)
          رحتُ أهمس بها بصوت سمعته بالكاد، العفريت المحتال يرتدى حذاءً جلديًا أحمر اللون، رأيته في حجرة مستورة.. هو.. أجل هو مسعود ذاته!
          ضحكت في سرّي، ثم رحت أضحك بصوتٍ أعلى .. وأعلى!
          تجمّد الأحمق في وقفته، وبدا أن ردّ ة فعلي هذه لم يتوقعها أبدًا؛ فانسلّ في العتمة كما جاء، واختفى رأس سعيدة وعمّ الهدوء.
          أسندت رأسي إلى الجدار، ونمت بعمق.

          تعليق

          • سعد فهيد العجمي
            أديب وكاتب
            • 02-12-2015
            • 54

            #6

            ما أن أشرقت الشمس حتى لامست أشعتها وجهي من ثنايا النوافذ المهدمة، فجمعتُ حاجياتي ولذة الانتصار تجعلني أكاد أطير!
            في طريق عودتي قابلتُ فيصل وراشد، كان الفضول ينهشهما لمعرفة ما حدث في ليلتي.. عدلت غطاء رأسي، ورفعت هامتي بغرور:
            - "قدِّما التحية تعظيمًا لسيد فيلكا!"
            هزّا رأسيهما بشفقة، ولسان حالهما يقول:
            - "لقد جُنّ جاسم كما توقعنا!"
            عندما عدت للمنزل وجدتُ أمّي تشتري بعض مستلزمات البيت من بائع الخضراوات، في السكة الضيقة المؤدية لمنزلنا، كانت تنتهز هذه الفرصة لتبادل الأخبار والشائعات مع نساء الحي، وما أن رأتني حتى ضربت صدرها بفزع، كما تفعل النساء عادة.
            لقد تغيبتُ عن البيت وهو أمر فعلته من قبل، إذ أنني كنتُ أبيتُ عند فيصل أحيانًا، وعند راشد أحيانًا أخرى، أو ربما أنام في الخلاء تحت صخرة ما، وكانوا يعرفون عني هذا المزاج الغريب، كأنّي طير طليق لا يتحمل القيود! لكن يبدو أنّ ما رأيته في تلك الليلة جعل هيئتي مختلفة عما تعودت عليه، وهو ما جعلها تتوجس خيفة؛ أنّي قد جننت في نهاية المطاف!
            دلفت إلى البيت الذي كان مبنيًا من اللبن ومسقوفًا بالبواري، وهي حصيرة من القصب والجندل، وكان فيه حوش كبير توزعت أشجار النخل والسدر فيه بشكل غير متناسق، لحقت بي أمّي، و وضعت يديها على كتفيّ- اللتين تتجاوزان ارتفاع رأسها- وهى تأخذني تحت العريش؛ لتبعدني عن نظر ومسمع أمينة زوج عمّي سند، التي نشأ بينها وبين أمّي صراع كبير على توافه الأمور؛ بسبب سكنها وعمّي معنا في نفس المنزل، وكانت أمّي تنتقد كل ما تفعله تلك الشابة الجميلة:
            -"أين كنت يا جاسم؟"
            قلت بهدوء وأنا أبتسم:
            - "لا تقلقي يا أمّي.. لقد قضيتُ ليلتي في منطقة الخرائب المهجورة!"
            شهقت برعب ويدها على فمها:
            - "مع العفاريت؟"
            - "إنه مكان مسلٍّ، وربما أبيت فيه مرة أخرى إن أردتُ ذلك!"
            كانت نظراتها تؤكد بأنّها قد تيقنت من جنوني!
            لا أدري لمَ كانت ردّة فعل الآخرين على أفعالي الغريبة تسعدني حقًا!
            ***
            شيء ما حدث بينما كنت أغطّ في النوم:
            كان أبى مزارعًا قويّ البنية ضعيف السمع، حليق اللحية لكن أثارها بقت كالوشم على وجهه، وكان من عادته أن يربط خاصرته ورأسه بنفس نوع الغترة، حين يقوم بزراعة الخضار، وخاصة الطروح ( الخيار الكبير ) والجزر ذي اللون الوردي الجذاب حلو الطعم، في مزرعته المعفاة من الضرائب مقابل عُشر الإنتاج وكان مغرمًا بالعمل فيها، وفي غير موسم الزراعة كان يعزل نفسه داخل أسوارها المبنية من القصب والخوص، ويقضي الوقت بإصلاح جداولها المتشعبة التي هدّها المطر .
            لم يكن يوما يطمع بمساعدة أيّ من أولاده؛ فأنا -عدا عن حنقه الدائم منّي-لا فائدة تُرجى منّي، وإخوتي الثلاثة أكبرهم يصغرني بستّ سنوات، وفي ذلك اليوم بالذات أتى جارنا العزيز أبو عدنان يشكوني إليه، ويخبره بأنني أركبت ولده حمارًا بالمقلوب منذ أيام، وجعلته مثار سخرية الصبيان! غضب والدي كالعادة، وتناول عصاه وعاد للمنزل وهو ينوى بي شرًّا!
            في تلك اللحظة كنتُ أغادر البيت متجهًا لمستورة، لم أحمل معي أيًّا من زواحفي هذه المرة شفقة عليها، لكنّ معاملة مستورة تلك المرة كانت مختلفة، فلم تجعلني أنتظر دوري، وما أن رآني مسعود حتى أشار إلي بغلظة أن أتبعه. قهقهتُ في أعماقي بزهوٍ لاح على وجهي، و لابد أنّ ردّة فعلي غير المتوقعة أصابته بالخوف، لربما ظنّ هو الآخر أنَّ بي مسّ من الجنون!
            ابتسمتْ مستورة بمكرٍ فور أن رأتني قائلة:
            - "قلّة من استطاعوا قضاء ليلة كاملة في الخرائب، لكنّك فعلتها!"
            هززتُ رأسي في غرور ما جعل ابتسامتها تتّسع أكثر، والحبل اللعين يلتفّ حول رقبتي أكثر، فأكثر:
            - "إذن فأنت تصلح للمهمّة"
            قلت بفضول:
            - "أيّة مهمّة؟"
            نهضتْ، واتجهت نحو النافذة، وأشارت لتلّ سعيد وسعيدة المجاور:
            - "منذ سنوات أتى الكفار إلى ذلك التلّ ونقبوا عن الأثار فيه، ثم نهبوا كل ما يمكن نهبه!"
            كانت تتحدث عن البعثة الدانماركية التي أتت منذ سنوات بغرض البحث عن الأثار في فيلكا، وحصلت على الكثير منها.
            كنتُ أظنّ أنها تتحدث من باب الثرثرة ليس إلّا، لكنّها التفتتْ فجأة إليّ وقالت:
            - "أعرف أنّك تريد أن تغدو بطلًا.. أليس كذلك؟"
            هززتُ رأسي وأنا أحملق في وجهها.
            - "من أجل أن تكون بطلًا؛ عليك أن تعيد للجزيرة مجدها؛ أن تعيد للجزيرة ما نُهب منها؛ عليك أن تعيد العقيق!"
            أريد أن أكون بطلاً لاشك في هذا، ليس إرضاءً لمستورة، بل إرضاء لنفسي الجامحة التي كانت تبحث عن التفوق، بشيء يرفع هامتي أمام والدي قبل أي شخص آخر! ربما لأريه أنّي أفضل مما يظنّ، وأنّي سأبرز في مجال غير اتباع عمّي الشيخ سند في غدوّه ورواحه إلى المسجد. لكن لم تكن لوالدي من وسيلة للتفاهم معي سوى الضرب.. كان يتعامل معي على أنني مجرد ولد فاشل لا خير يُرجى منه!
            ***
            كنتُ شاردًا في خواطري وأنا أتجه للمنزل سارحًا فيما قالته مستورة، دون أن أنتبه لذلك الوجه الذى يطلّ من النافذة، وهو ينتظرني بفارغ الصبر!
            بدا واضحًا أنّ المشعوذة تريد استغلالي في مآربها الخاصة! لابأس، فهذا يتوافق بلا شكّ مع رغبتي في أن أكون بطلًا يُشار إليه بالبنان!"
            -"بطل فيلكا! بطل فيلكا!"
            أخذتُ أهزّ رأسي مستمتعًا بهتاف الجماهير العريضة في خيالي، ودموع الفرحة تسيل من عيني والدي تأثرًا وفخرًا بي، وهو يقول لأهل الجزيرة المنبهرين:
            - "إنّه ابني!"
            فجأة هوت عصا غليظة على جسدي، فيما كنت غارقًا في أحلام يقظتي؛ جعلتني أفيق من أوهام مجدي بأشد الطرق قسوة!
            نظرتُ وأنا أتحسس مكان الضربة بألم، لأجد أبي- بوجهه المحمرّ - يكاد ينفجر من الغضب وهو ينقضّ عليّ مجددًا! راحت الشتائم تنهال من فِيهِ، متجهة نحوي كقذائف الرصاص، ما استدعى تدخل عمّي الشيخ سند المسالم لطيف المعشر، بينما أبي يصرخ:
            - " أتعبتني وسببت لي المشاكل مع الأهل والجيران! قل لي ماذا أفعل بك؟"
            اعتدت ثورات أبي الغاضبة، ودربت نفسي على التعامل معها ببرود، بصراحة أكبر كنت في ذلك الوقت غارقًا في الأثَرة والأنانية و حبّ الذات، دون أن أعي ذلك؛ ما أثار غضبه أكثر فصاح بي وهو يشير للخارج مربتًا على وجهه بـ(وزاره ) يمسح عرقه الذي تصبب منه رغم البرد:
            - "غادر البيت الآن.. اخرج.. لا أريد أن أراك، اغرب عن وجهي! لستَ إلا مثل خالك السكّير حسن لا نفع ولا فائدة تُرجى منك!"
            أخذني عمّي الشيخ سند للخارج بالفعل، كان صبورًا بخلاف أبي الغضوب نافذ الصبر، ومع ذلك كان يصرّ على أسنانه وهو يقول:
            "أبوك رجل كبير، وعليك ألا تستمر بإغضابه وإثارته هكذا!"
            كان عمّي مسؤولًا في المكتب الصحي الجديد، في الجزيرة، وكان لا يتوقف عن ممارسة هوايته في صيد الزبيدي- في الموسم الشتوي- على( الوجيرية ) القارب الصغير ،المصنوع من الكرب، والجريد المشدود بالحبال. وجدت نفسي أسير معه ،وكأنّه أراد أن ينفرد بي ليؤدبني! ركبنا القارب الصغير وسط البرد القارس، الذي لم تنفع معه ملابسنا الصوفية الثقيلة. تابع نصائحه المعتادة:
            - "عليك أن تشعر قليلاً بالمسؤولية الاجتماعية، والحس الوطني..."
            وراح يتحدث بدون توقف، يذكرني بزيارة المناضلة الجزائرية الشابة جميلة بو حيرد للكويت قبل أربع سنوات، وكيف كانت في مثل عمرنا وهي تصرخ في وجه الاستعمار الفرنسي ( الجزائر أمّنا!)
            تملكتني الرغبة بالتمرد على عمّي سند.. كنت أرى كيف يسيطر على والدي بالتزامه الديني، وعلى الكثير من البسطاء، وكأنّه يكبرهم سنّا ومقامًا! ذات مرة حاولت أن أستغل الدين مطية لتحقيق أحلامي، لكنني لا أحفظ القرآن مثل عمّي ،ولا مسند الحديث، وكل تجربتي الدينية كانت : أن حملت المبخر في مسجد شعيب، خلال الاحتفال بالمولد النبوي، وكان ذلك لا يكفي!
            في الواقع كنت سارحًا في أمر آخر، لا يخطر على بال الشيخ سند فيما هو يتابع حديثه؛ فقد قدَّم لي أبي الحجة المرجوّة لمغادرة البيت، ومتابعة مغامراتي في مكان آخر!
            سأحقق أمنيته فورًا!
            ***
            التعديل الأخير تم بواسطة سعد فهيد العجمي; الساعة 03-12-2015, 09:04.

            تعليق

            • سعد فهيد العجمي
              أديب وكاتب
              • 02-12-2015
              • 54

              #7
              قضيت نصف النهار مع فيصل وراشد كتمضية وقت لا أكثر، ولم أخبرهما طبعًا أنّه كان وداعًا، وعندما صارت الشمس في كبد السماء عدتُ، ورحتُ ألملم ثيابي القليلة، ووضعت بينها إحدى زواحف الوزغ ذات الذيل الطويل التي لا تفارقني.
              كانت أمّي منهمكة في أعمال تنظيف المنزل- كعادتها- وربط الطليان بحبال طويلة، لتمكنها من الرعي بدائرة محددة- كانت ووالدي يريدان لي مثل هذا المصير- .
              وقفت بقامتها القصيرة، وغطاء رأسها الأخضر المربوط إلى الخلف لمّا رأتني حاملًا حقيبتي المهترئة تسألني بدهشة:
              - "ماذا تفعل يا جاسم؟"
              تصنعتُ الغضب:
              - "سأنفّذ ما أراد أبي وسأترك البيت!"
              - "هل جننت؟ أنت تعلم طباع والدك وأنّه سريع الغضب، ولكنه أيضًا سريع الرضا!"
              صحت بأعلى صوتي:
              - "لقد سئمت كل هذا.. مللت الجزيرة وأهلها! لو بقيت هنا سأدفن فيها بصمت ، ولن يذكرني أحد... لن أكون مثل طليانك!"

              عندما تكون الأم في مثل طيبة أمي، دائمًا يكون نصيبها أن تتحمل عناء الإصلاح بين أولادها وأبٍ قاسٍ صلبٍ مثل أبي!
              أدركتْ من لهجتي الحادّة أنني سأنفذ ما أقول ولن أتراجع؛ فقالت باستسلام:
              - "وأين ستذهب؟ إلى خالك حسن؟"
              - "بل إلى خالتي مريم في الدّيرة"
              شهقتْ باستغراب:
              - "هل فقدت عقلك؟ إنها لا تحبنا وتقاطعنا من زمن بعيد، ولو رأتك ستلقي بك للخارج!"
              لا أعلم لمَ لمْ أفكر فعلاً بالإقامة عند خالي حسن، ربّما لسمعته السيئة بسبب نمط معيشته- كما كنت أسمع من أبي- بأنّه إنسان استعبدته شهواته، يتسلى معظم وقته بشرب الخمر المصنوع محليا المعروف بالعرق ويلاحق النساء، وكان أبي يحتقره ويمنع ذكر اسمه في بيتنا، خاصة أنّه لم يهتم بوالده أثناء مرضه، بل تركه تحت قسوة خالتي وزوجها.
              لحقت بي إلى غرفتي وهي تتابع احتجاجها، لم ألتفت إليها وأنا أقول:
              -"هي لن تختلف كثيرًا عن أبي إذن، فهو أيضًا يريد إلقائي للخارج!"
              باءت كل محاولاتها لإقناعي بالفشل، كانت دموعها تغطي وجهها وهي تضع ملابسي الثقيلة في حقيبتي، وتخبرني بأنّي سأحتاجها في الجو البارد، لم أكن أهتم لدموعها.. شيء ما في أعماقي مات في تلك الفترة.. تأملتُ جدران غرفتي التي لا توجد فيها نافذة عدا فتحات أسفل الجدران مغطاة بالطين منعًا للمطر، وتأكدت بأنّي لن آسف على شيءٍ هنا!
              استدرت خارجًا، وصوت دعائها لي بالهداية يملأ سمعي.
              ***
              كان طموحي جارفًا هادرًا يفوق قدراتي، وكان لابد من التوازن.. اهدأ يا جاسم: فأيّة كفّة ترجح على الأخرى ستأخذك إمّا للحيرة والتعب، أو الإحباط واليأس!
              وصلت منطقة (اللّنشات) وأنا أتفقد أيّها يرفع العلم الأسود- علامة على استعدادها- للانطلاق للديرة. من حسن حظي أنّ المركب عنتر- الذي أحبّ- سينطلق هذه المرة، في رحلة تمتد إلى قرابة ساعتين. هتف بي صوت من الأعماق:
              -" لا تغادر!"
              لكني كنت قد حسمت أمري وبدأت رحلتي!
              كانت الأمواج ترتفع وترتفع، ثمّ تتكسر على جدران المركب... تمسكت بصعوبة بحاجزه وهو يصعد ويهبط.. تسمّرَت حدقتا عيني على أطراف الجزيرة وهي تبتعد عني شيئًا فشيئًا.. و حين بدأ المركب يتهادى، تداخلت في مسامي رعشة أنغام موسيقية غريبة تنساب من جهاز سحري صغير بيد أحد سياح الجزيرة، تسابقت أنفاسي مع تسارع نبضي فأغمضت عيني، ورفعت رأسي إلى السماء بكل جوارحي، بدأت تتصاعد الأصوات الرقيقة لمعزوفة -علمت فيما بعد اسمها (إلى إليزا ) لبيتهوفن- راحت أنغامها تتساكن مع طبقات الموج برقة، و ينساب المركب صعودًا وهبوطًا مع رقصات الموج.. كتقلّب أيامي ومزاجي الحائر.
              تناثرت قطرات ماء البحر على وجهي كدموع أمّي! لكني لم أكن أفكر بشيء سوى لذّة الانتصار.
              ها هي بركات مستورة تحقق أمنياتي!
              ***

              تعليق

              • سعد فهيد العجمي
                أديب وكاتب
                • 02-12-2015
                • 54

                #8


                قضيت نصف النهار مع فيصل وراشد كتمضية وقت لا أكثر، ولم أخبرهما طبعًا أنّه كان وداعًا، وعندما صارت الشمس في كبد السماء عدتُ، ورحتُ ألملم ثيابي القليلة، ووضعت بينها إحدى زواحف الوزغ ذات الذيل الطويل التي لا تفارقني.
                كانت أمّي منهمكة في أعمال تنظيف المنزل- كعادتها- وربط الطليان بحبال طويلة، لتمكنها من الرعي بدائرة محددة- كانت ووالدي يريدان لي مثل هذا المصير- .
                وقفت بقامتها القصيرة، وغطاء رأسها الأخضر المربوط إلى الخلف لمّا رأتني حاملًا حقيبتي المهترئة تسألني بدهشة:
                - "ماذا تفعل يا جاسم؟"
                تصنعتُ الغضب:
                - "سأنفّذ ما أراد أبي وسأترك البيت!"
                - "هل جننت؟ أنت تعلم طباع والدك وأنّه سريع الغضب، ولكنه أيضًا سريع الرضا!"
                صحت بأعلى صوتي:
                - "لقد سئمت كل هذا.. مللت الجزيرة وأهلها! لو بقيت هنا سأدفن فيها بصمت ، ولن يذكرني أحد... لن أكون مثل طليانك!"

                عندما تكون الأم في مثل طيبة أمي، دائمًا يكون نصيبها أن تتحمل عناء الإصلاح بين أولادها وأبٍ قاسٍ صلبٍ مثل أبي!
                أدركتْ من لهجتي الحادّة أنني سأنفذ ما أقول ولن أتراجع؛ فقالت باستسلام:
                - "وأين ستذهب؟ إلى خالك حسن؟"
                - "بل إلى خالتي مريم في الدّيرة"
                شهقتْ باستغراب:
                - "هل فقدت عقلك؟ إنها لا تحبنا وتقاطعنا من زمن بعيد، ولو رأتك ستلقي بك للخارج!"
                لا أعلم لمَ لمْ أفكر فعلاً بالإقامة عند خالي حسن، ربّما لسمعته السيئة بسبب نمط معيشته- كما كنت أسمع من أبي- بأنّه إنسان استعبدته شهواته، يتسلى معظم وقته بشرب الخمر المصنوع محليا المعروف بالعرق ويلاحق النساء، وكان أبي يحتقره ويمنع ذكر اسمه في بيتنا، خاصة أنّه لم يهتم بوالده أثناء مرضه، بل تركه تحت قسوة خالتي وزوجها.
                لحقت بي إلى غرفتي وهي تتابع احتجاجها، لم ألتفت إليها وأنا أقول:
                -"هي لن تختلف كثيرًا عن أبي إذن، فهو أيضًا يريد إلقائي للخارج!"
                باءت كل محاولاتها لإقناعي بالفشل، كانت دموعها تغطي وجهها وهي تضع ملابسي الثقيلة في حقيبتي، وتخبرني بأنّي سأحتاجها في الجو البارد، لم أكن أهتم لدموعها.. شيء ما في أعماقي مات في تلك الفترة.. تأملتُ جدران غرفتي التي لا توجد فيها نافذة عدا فتحات أسفل الجدران مغطاة بالطين منعًا للمطر، وتأكدت بأنّي لن آسف على شيءٍ هنا!
                استدرت خارجًا، وصوت دعائها لي بالهداية يملأ سمعي.
                ***
                كان طموحي جارفًا هادرًا يفوق قدراتي، وكان لابد من التوازن.. اهدأ يا جاسم: فأيّة كفّة ترجح على الأخرى ستأخذك إمّا للحيرة والتعب، أو الإحباط واليأس!
                وصلت منطقة (اللّنشات) وأنا أتفقد أيّها يرفع العلم الأسود- علامة على استعدادها- للانطلاق للديرة. من حسن حظي أنّ المركب عنتر- الذي أحبّ- سينطلق هذه المرة، في رحلة تمتد إلى قرابة ساعتين. هتف بي صوت من الأعماق:
                -" لا تغادر!"
                لكني كنت قد حسمت أمري وبدأت رحلتي!
                كانت الأمواج ترتفع وترتفع، ثمّ تتكسر على جدران المركب... تمسكت بصعوبة بحاجزه وهو يصعد ويهبط.. تسمّرَت حدقتا عيني على أطراف الجزيرة وهي تبتعد عني شيئًا فشيئًا.. و حين بدأ المركب يتهادى، تداخلت في مسامي رعشة أنغام موسيقية غريبة تنساب من جهاز سحري صغير بيد أحد سياح الجزيرة، تسابقت أنفاسي مع تسارع نبضي فأغمضت عيني، ورفعت رأسي إلى السماء بكل جوارحي، بدأت تتصاعد الأصوات الرقيقة لمعزوفة -علمت فيما بعد اسمها (إلى إليزا ) لبيتهوفن- راحت أنغامها تتساكن مع طبقات الموج برقة، و ينساب المركب صعودًا وهبوطًا مع رقصات الموج.. كتقلّب أيامي ومزاجي الحائر.
                تناثرت قطرات ماء البحر على وجهي كدموع أمّي! لكني لم أكن أفكر بشيء سوى لذّة الانتصار.
                ها هي بركات مستورة تحقق أمنياتي!
                ***
                وأخيرًا، وصلت الديرة!
                كانت الضاحية الجديدة كيفان مكانًا آخر وحياة أخرى.. صخبٌ ومبانٍ حديثة من طابقين، جلست فرحًا بنفسي أمام منزل خالتي مريم مترقبًا وصولها.
                تختلف خالتي كثيرًا عن أمّي الطيبة، الوادعة- وثمّة خلاف يحدث من اختلاف الطبائع- كانت امرأة فارعة الطول ذات نظرة قاسية، سليطة اللسان، تختلق المشاكل أينما تذهب، في الواقع هي لا تختلف عني كثيرًا في تلك النقطة، ورغم أخلاقها السيئة فقد فضل جدّي أن يعيش معها وزوجها ياسر في الديرة التي يحب على حسن رعاية أمّي وحنانها عليه في فيلكا، حدث ذلك منذ سنوات قليلة قبل أن يُتوفّى.
                بعد حوالي ساعة من جلوسي أمام المنزل، أقبلت امرأة أنيقة ترتدي عباءة سوداء، وتضع نظارة شمسية على عينيها، بدت مختلفة تمامًا عن صورتها الباهتة في ذهني.
                - "خالتي مريم!"
                هتفتُ بها.. فتوقفت فجأة وقد بدت الدهشة والحيرة على وجهها، تابعتُ بفرحة:
                - "أنا جاسم الغريب ابن أختك فوزية.. ألا تذكريني؟"
                صدمها حماسي؛ فلاحَ على وجهها الفهم والفتور في ذات الوقت:
                - "آه! جاسم.. ظننتك المهري!"
                وتعني بها البائع المتجول! واصلتُ مداهنًا باندفاع حتى لا تفكر بالرفض:
                - " ما زلت تحتفظين بشبابكِ يا خالتي! أصابع الزمن لا تقترب منكِ كما أرى!"
                تجاهلتني وسألت:
                - "وما الذي أتى بك إلى الديرة يا جاسم؟"
                - " تشاجرتُ مع والدي وطردني من البيت؛ فقلت لا يوجد أمامي غير منزل خالتي الحبيبة مريم!"
                رفعت حاجبيها فاستدركتُ قائلاً:
                - "وهذا لفترة قليلة جدًا.. أنتِ تعلمين بأنّ أمي لا تقوى على فراقي، ولابدّ أن أعود."
                قالت بدون تأثر:
                - "لابأس! ادخل ، يمكنك البقاء عندي.. لفترة!"
                تبعتها ببطء، لاحظتُ فور دخولي فخامة المنزل من الداخل، كان زوج خالتي رجل من طبقة ثرية يدل على هذا الأثاثالحديث، وأيضًاجهازالتلفازبشاشته الكبيرة، كان أحدث من جهاز جيراننا في الجزيرة، أخذتني أحلامي بعيدًا وأنا أتخيل بيتي الخاص، فيه كل هذه الأشياء الجميلة الحديثة.. حتى أنا أحب أن أعيش هذه الرفاهية!
                كانتخالتيمستمرةبالحديث وهيتبرّرماحدثلوالدهافيأيامهالأخيرة، حين اتّهمتها أمي خلالها بإهماله، التفتّ إليهاوأناأحاولأنأخفيالسحلية عنها، وأهزُّ رأسي موافقًا على كلامها مزهوًا بفوزي!
                ( لقد اجتزت الخطوة الأولى في درب أحلامي بنجاح!)
                ***

                تعليق

                • سعد فهيد العجمي
                  أديب وكاتب
                  • 02-12-2015
                  • 54

                  #9
                  لم تكن خالتي من النساء اللاتي يمتلكن الرقة والأنوثة بسبب قوة شخصيتها؛ فنظراتها النفّاذة حين تحدثك تكاد تخترق أعماقك لتعرف خفاياك، لم أرَ لطفها إلا حين تتحدث إلى ابنتها دلال التي تصغر أحمد، حينها كانت خالتي تنقلب إلى حمل وديع يلبّي طلبات الفتاة المدللة!
                  ورغم تظاهر خالتي بالسيطرة على ياسر، إلا أن الحقيقة أنه هو من يملك الخيوط والحلول، فليس لها هنا سوى الانصياع له وتحوير الأمور لصالحها!
                  بهرني شخص زوج خالتي ياسر؛ كان طويل القامة متناسق البنية، يعمل كرئيس لواحدة من كبريات الصحف التي تُغذي المدّ الثوري القومي، و تمتلئ بالمقالات الرنّانة، القوية، المتناغمة مع ذلك الزمن الصاخب، كان لا يكفّ عن إشعال سجائره العجيبة ذاتية الاشتعال، لكم أعجبني هذا الرجل بالساعة الذهبية في معصمه، وتلك النظارة السوداء التي تكاد لا تفارق عينيه.. كانت تلك المظاهر تخلب لُبّي !
                  تعودت منذ أول أيام تواجدي بينهم، أن أقف أمام المرآة الصغيرة في الحمّام لأقلّد ياسر وطريقته في الكلام، وكيف كان يلوي رأسه على جنب، وكأنّه ينظر لمحدّثه من فوق بوجه جامد الملامح يعطيه سمة الجدّية ورهبة الموقف، مهما كان نوع الحديث!
                  كانت تسحرني تلك اللحظات التي يجلس فيها وحيدًا، يستمع إلى معزوفات موسيقية غربية، في الحقيقة لم أكن أستسيغها، ولا أفهم ما الذي يعجبه فيها وبأصواتها الصارخة العالية، لكنّي مع هذا واظبت على سماعها، وتدريب نفسي على تقبلها فقط ..لأكون مثله!
                  لم أكن أعلم عنه -بسبب بعدنا عنهم وفارق السنّ بيننا- إلا النزر اليسير الذي كنت أسمعه من أخيه الأصغر عبد الرحمن، حينما كان يزورهم ليتفق معي ومع أحمد كي نخرج في جولات في المدينة.
                  عبدالرحمن هذا كان قد تخرج من كلية الضبّاط في مصر منذ سنتين، و كان مقربًا من أمّه لدرجة أنّي سمعت أنّها مرضت لسفره بعيدًا عنها، ولم تتحسن حالتها حتى عاد وتزوج وأنجب طفلة، وكثيرًا ما سمعته يردد: بأنّ القومية الحقّة مكانها الكفاح العسكري للدفاع عن الأمّة.
                  توطّدت العلاقة بيني وبين ابن خالتي أحمد، الذي أصبح صديقي في الآونة التالية، كان فتى طيبًا حقًا لا يعرف المراوغة التي عند والده، ولا التكبّر الذي يسيطر على خالتي العزيزة!
                  كان قصير القامة ضعيف البنية كخالنا حسن كثير الجدال، ومدافعًا شرسًا عن آرائه القومية، يرى في القلم سلاحه الذي يعوض ضعف بنيته! كان يعشق الزعيم المصري جمال عبدالناصر- مثلنا في تلك الحقبة- لكنّه يتفوق علينا بجمع صور نادرة له، ويزيّن غرفته وكتبه بها، وفي نفس الوقت يرى الرجعية في التمسك باللباس التقليدي، وعدم ارتداء الملابس الغربية!
                  باختصار: الكل كان يبدو مرحبًا بوجودي بينهم إلا ابنة خالتي دلال، فثمّة أشياء خلقت نفورًا بيننا، خاصة أنّي لأول مرة كنت أرى فتاة غريبة بلباسٍ منزلي يكشف عن ملامح جسدها- ورغمًا عني - لم أستطع مقاومة سرقة النظر لمفاتنها ما جعلها تنتبه لرغباتي المجنونة، وتكره بصمت وجودي بينهم!
                  ***
                  يعد يومين قال لي أحمد بحماس:
                  - "لابد أن ترى حوطتنا"
                  كان يعني استراحة فيها مكان للسكن وآخر للزراعة في الفنيطيس، فأومأت برأسي مختالًا بنفسي أنّي قد رسختُ قدمي في بنيان عائلة خالتي، وصرتُ ضيفًا مقبولاً.
                  توقفت سيارة أحمد أمام المزرعة وهو يشرح لي محتوياتها:
                  - "إنّها مليئة بأنواع مختلفة من الطيور وخاصة الحمام.. ستعجبك كثيرًا"
                  اقتربنا من الحارس بلباسه الأهوازي المميز والمقارب للباسنا:
                  - "إلى أين يا أستاذ أحمد؟"
                  - "إلى الداخل.. جاسم ابن خالتي، وأحبّ أن أعرّفه المزرعة"
                  قال بغلظة ليست غريبة على بنيانه الضخم وشاربه المفتول:
                  - "ممنوع!"
                  صرخ أحمد بغضب:
                  - "هل جُننت يا صادق؟ منذ متى أُمنع من دخول مزرعتنا؟"
                  قال الحارس معتذرًا، وإن حمل صوته ذات النبرة الغليظة:
                  - "إنّها أوامر والدك السيد ياسر!"
                  حاول أحمد الحوار معه لكنّ الحارس أصرّ على عدم إدخالنا، الحقيقة أنّ الموقف تسبب في حرج بالغ للفتى أمامي، ورغم أنّي حاولت أن أهوِّن عليه الأمر إلا أنّ جذوة الغضب بداخله لم تنطفئ.
                  على مائدة العشاء انفجر غيظه من الحارس وهو يروي ما حدث لوالده الذي قال موضحًا:
                  - "إنّها أوامري يا أحمد.. لو رضخ صادق لك كنت سأفصله دون تردّد!"
                  قال أحمد مذهولاً:
                  - "لكن لماذا؟"
                  صمت ياسر وكأنّه لم يسمع شيئًا وابتعد عن مائدة الطعام قليلًا، ثمّ ما لبث أن التفت نحونا وكأنّه تذكر شيئا أو خطرت بباله فكرة -وهو يبتسم بغموض- بعد أن تأكّد أنّ خالتي ليست بالجوار:
                  - "هناك كمية من العقيق بداخلها، أُحضرتْ لي من ظفار واليمن نظير بعض خدماتي القومية العظيمة، هذه الأحجار ستباع قريبًا وتستخدم لدعم المجلة."
                  انبهرت بأفكار الرجل أكثر وددت كثيرًا لو أكون مثله.. كنت أرمقه بإعجاب وهو يتحدّث بحماس.. كان متألقًا في كل جلسة يكون فيها! وكم صادف ذلك هوىً في نفسي!
                  ألم أقل لكم أنّي لا أختلف عنه كثيرًا؟
                  قررت عندما أكبر أنّي سأكون صحفيًا ناجحًا ومتحدثًا لبقًا.. مثل ياسر!
                  ***
                  وبدأت أولى خطواتي الصحفية فعليًا فكانت زيارتي للمتحف، الذي من أجله جئت للديرة بحثًا عن كنوز جزيرتي!
                  ذلك القصر القديم العائد للشيخ خزعل أمير المحمرة، والملاصق لقصر دسمان، كان القصر مبنيًا من الصخر البحري، والطابوق الطيني، ورفع سقفه من الجندل والباسجيل، وفي كل ركن من أركانه الأربعة أقيم برج دائري، كما كان يحتوي في الحوش الجانبي على بيت من الشعر.
                  وقفت مبهوتًا أمام الأثار التي يعجّ بها المتحف الوطني بالديرة، وخاصة أمام حجر إيكاروس، أدهشني أنّه كان اسم جزيرتي في السابق- قبل أن يتم تغييره- وفيما بعد عرفت الكثير عن إيكاروس، ذلك الشاب الذي اقترب من الشمس وهو يطير بواسطة جناحين من الشمع، لكن يبدو أنه اقترب كثيرًا؛ إذ أنّ الشمع قد ذاب وهوى من أعلى!
                  "سيد إيكاروس! سيد إيكاروس!"
                  أحببتُ تذوّق وقع الاسم في سمعي، أجل أريد أن أكون سيد إيكاروس لكن ليس بجناحين من شمع! راحتْ عيناي تمسحان الأثار المتراصّة بانتظام على الأرفف وفوق الطاولات اللامعة.
                  - "من المؤلم أن يكون تراثنا في بلد آخر!"
                  قلتها وأنا أتصنّع الوطنية، وأرسم علامات الأسى بدهاءٍ على وجهي أمام أحمد الذي سألني باهتمام :
                  - "ماذا تعني؟"
                  أشرتُ لمحتويات المتحف:
                  - "هذه بعض الأثار التي أحضرت من جزيرة فيلكا! تخيّل أنّ هذا هو ما ظهر، فما بالك بما خفي وتمّ تهريبه للدانمارك؟"
                  - "أنت على حقّ!."
                  قلت بحماس:
                  - "الأمر يستحق تحقيقًا جريئًا يرصد هذه الظاهرة وينشرها، لكن من ينجزه؟"
                  قال أحمد وقد انتقل إليه حماسي:
                  - "وهل هذا سؤال؟ صحيفة أبي طبعًا!"
                  - "حقًا! هل تظنّ أنّه سيوافق؟"
                  - "دع هذه لي هذه المهمة".
                  ابتسمت ولكن لسبب مغاير تمامًا لما ظنه أحمد؛ فبهذه الخطوة سأحقق طموحي بالصحافة، وسأعود بطلًا متوّجًا بعد تحقيق هدف مستورة!
                  ***

                  تعليق

                  • سعد فهيد العجمي
                    أديب وكاتب
                    • 02-12-2015
                    • 54

                    #10
                    رحبتْ إدارة المتحف الوطني بعمل التحقيق بعد أن وافق ياسر على الفكرة وتحمّس لها، بل ورشحني لعمل التحقيق بنفسي لما رأى من اهتمامي الزائد بالأمر.
                    في أول مرة نتقابل فيها قام رئيس الحراس بخلع الحزام الذى يحتوى على سلاح وسلسلة المفاتيح، وعلقها على المشجب بجواره، ثم غاب في الحجرة الأخرى لفترة، وعاد حاملًا قدحين من الشاي الساخن، وابتسامته المضيئة على شفتيه.
                    جلست أراقب الحارس وهو ينزع غترته، وكأنّه الوحيد الذي يحقّ له ذلك من الحراس أثناء عمله، ولكنّه وضع العقال المزيّن بشعار الدولة بعناية توحي بصرامته، ومع أقداح الشاي الساخنة كنتُ أستمع لتاريخ الآثار والتماثيل والتحف الثمينة المتراصّة بشكل مبهج للعين، تحكي تاريخًا غابرًا وأحلامًا طمرها تراب السنين، ثم أظهرها الإنسان بعد بحث وتنقيب.
                    وأنا من سيعيدها لمستورة.. فقد قررت أن أسرق المتحف الوطني!
                    كانت المتاحف- حينئذ- تتسم بنظام حراسة بسيط، بعيدًا عن التعقيد الذى نراه في متاحف اليوم، وخلال حواري مع الحراس على فترات خلال الأسبوع، أتيحت لي الفرصة كي أدرس موقفي جيدًا، لم أشعر بأيّ تأنيب ضمير؛ فقد تملكني هاجس البحث عن البطولة بأيّ سبيل!
                    في يوم الجمعة- يوم العطلة الأسبوعية- قررتُ أن أنفّذ المهمّة، شيء ما كان يهتف بي لأثوب إلى رشدي، وإرضاءً لضميري المتعب أقنعت نفسي أنّها ليست سرقة؛ بل هي إعادة الحقّ لأصحابه!
                    كانت نزعة الشرّ تتغلب على هواجسي! لم أكن أعرف شيئًا عن مكيافيللي في ذلك الوقت، لكني كنت أنفّذ أفكاره للوصول إلى غايتي!
                    تحركتُ من مكاني وعبرت السور المحيط بالمتحف، دخلت بخفّة اكتسبتها طوال تسلّلي من المنزل في فيلكا، ودلفت لأول حجرة وهناك نجحت بأن أشغل الحراس بالزواحف التي وضعتها لهم في الغرفة، ثمّ انتهزتُ فرصةخروجهم منها لأستبدل المفاتيح وأستعيد الزواحف،وأختفي في الجوار.
                    تسارع نبضي وأنفاسي حين ظهرت فجأة تحت أرجلي رأس سعيدة.. حاولت ضربها بقدمي دون أن أثير الشكوك حولي، لكن بلا فائدة!
                    (آه يا أمّي! ماذا زرعتِ في قلبي لمثل هذا اليوم؟!)
                    الحقّ أنّ قلبي كان يخفق بعنف، ودماء الإثارة تتدفق في عروقي، وكأنّني بطل أحد الأفلام الأجنبية التي كنت أهوى مشاهدتها دومًا عند جيراننا، في تلك اللحظة بدت فيلكا وعائلتي بعيدة جدًا، وأنا في ذلك الموقف العصيب.. تخيّلت نفسي وأنا أدخل القاعة الواسعة وعيناي تتلصصان في الضوء الخافت، فأخرج الآثار الخاصّة بجزيرة فيلكا وأضعها في الحقيبة بكل حرص...أتوقف أمام حجرة إيكاروس وابتسم باعتزاز، والهتافات الوهمية تعود صاخبة في ذهني مرة أخرى، والجماهير ترفعني وأبي يواصل حديثه بفخرٍ عني؛ أجل.. هذا ما أتمناه!
                    سيعفو أبي ويغفر، وينسى شغبي وملاحقتي المستمرة للقطط والكلاب الضالّة، وإحراقها بالنار وهي تجري، وإيذائي المستمر لعدنان المغلوب على أمره بسبب ملابسه الغربية، ودراسته في الديرة ، كنت أحمل حقدًا على نجاحه أصبّه عليه سخرية قاسية.
                    إحدى تلك اللقطات بقيت نقطة سوداء في قلبي تضغط عليه بألم، وذلك حين أقيمت صلاةالمغرب يومًا وأبي واقفٌ كالعادة في الصفّ الأول،لمحته بطرف عيني ينظر للخلف وأدركت أنّه رآني، لابدّ أنّهأحس بسعادة غامرة حرص ألّاتنعكس على محياه.
                    في منتصف الصلاة فوجئ المصلّون الساجدون بصوت جهوري غريب يصيح مهددًا من يقوم من السجود بالرمي بالصخر، تردّدالجميع في الوقوف، لكن والدي ضعيف السمع وقف وحده ليتلقى ضربة بالصخر على ظهره، ندت منه صرخة انخلع لها قلبي، وقطع المصلّون إثرها صلاتهم محاولين الإمساك بالمتمردين .
                    كنت وصديقيّ قد وضعنا(الغترة)لباس الرأس على أفواهنا،ورحنانصرخ بخشونة ونحن نحمل الصخر بأيدينا، ولكنّي لم أتوقع أن يكون والدي هوالضحية، فتعثرت في هروبي وأسقطت ( غواري الملبّس) المحفوظة بالمسجد، وكادت أن توقعني بأيدي المصلّين الثائرين!
                    أوجعتني إصابة والدي وغمرني إحساس كبير بالقهر، فماأن فررنا خارج القرية حتى انهلت على فيصل-صاحبالفكرة- بالضرب بكلّ قوتي، خاصة أنّه هوالذي أصاب والدي!
                    انتبهت من ذكرياتي حين سمعتُ خطوات تقترب مني فكتمت أنفاسي حتى راحت الخطوات تبتعد شيئًا فشيئًا.. أخذتُ نفسًا عميقًا، ثم انتصبتُ واقفًا من جلستي على الأرض.
                    قرب الفجر تسلّلت لفتح باب المتحف ولكنه لم يفتح!حاولت مرةأخرى بلافائدة، وعلمت فيمابعد أنّ المفاتيح التي معي مقلّدة،أماالأصلية فعادة تبقى مع الأمين في منزله، رحتُ أبحث مرة أخرى كالمجنون عن أيّ مخرج من المتحف، ثم أعود للباب محاولًا تجربة بقية المفاتيح بلا جدوى.. طار صوابي وفقدت سيطرتي على أعصابي؛ فشرعتُ في الطرق كالمخبول على الباب؛ فمن السخرية أن يكون سجني هنا!
                    تنبّه الحراس وأثارت الضجة شكوكهم؛فهرعواجميعًا نحوي و لم أفلح بالهرب؛ فقبض علي.. أدهشهم وجودي! وبين أيدي الحراس انهارت قواي.. كنت محبطًا للغاية وتذكرت فشلي المستمرفي كلّ شيء،حتى في تحقيق مهمّة مستورة!
                    ***
                    حُلِقت رأسي وضُربتُ بالخيزران، وأودِعت الحجز( النظارة)، حيث أُدخِلت إلى غرفة ملحقة بمنزل وسط البيوت السكنية، كانت قوى الأمن الداخلي قد استأجرته؛ ليتم حجز المشتبه فيهم قبل التحقيق معهم.
                    كنتُ في أسوأ حالاتي النفسية.. هل تعلمون معنى أن يُضرب الإنسان لكل خطأ يرتكبه منذ صغره وحتى بعد أن يصبح شابًا؟!
                    للوهلة الأولى لم أستطع تبين أبعاد المكان، إلى أن اعتادت عيناي العتمة التي يفرضها خلوّ الغرفة من منافذ الضوء، إلا من نافذة صغيرة مغطاة بشبكة قضبان حديدية تعلمك أنّك في سجن!
                    في آخر الغرفة كان بخيت مستلقٍ، وقد التمعت عيناه بمكر وسط صفحة وجهه سوداء البشرة، وهو يسأل:
                    -"قادم جديد؟ عرِّف عن نفسك!"
                    لم أجِبه.. إذ لم تعجبني طريقته في الترحيب بي، فتجاهلته وانتقلت عيناي إلى الآخرين، كانوا ثلاثة شبّان في مثل عمري تقريبًا، اثنان منهما يلهوان بلعبة الأيدي والثالث متفرج.. نظروا إلي بغير اهتمام وتابعوا اللعب، بدا من الواضح أنّ أسود البشرة هو الزعيم المتصرف إذ لم يهتمّ بقدومي سواه، كرّر سؤاله:
                    - "سألتك ما اسمك، وما تهمتك؟!"
                    يبدو أنّ هذا البخيت لا يعرف من هو جاسم! اخترت لي مكانًا في زاوية بعيدة عنه وجلست، فاستفزّه صمتي وتجاهلي وقال بنبرة جادّة:
                    - " يبدو أنّك من ذلك النوع الذي لا يتكلم إلّا بعد الضرب!"
                    أينما حللتُ أجد التهديد بالضرب ينتظرني! وكأنّي ممسوس يضربونه لإخراج الجنّ منه؛ كما كان يفعل أحدهم ذلك اليوم في الجزيرة.. حينها كنت صغيرًا لا أعي ما أراه، ولكني في هذه المرة سأخرج لهم ما في جعبتي، وسأنتزع الجنّ من داخلي!
                    نظرت إليه بثبات، وحدّقت في عينيه بقوة وأنا أقول:
                    - "قبل أن أعرّفك بنفسي، سأعرّفك من أنت يا بخيت!"
                    اعتدل في جلسته مصعوقًا، وقال :
                    - "ماذا؟ كيف لك أن تعرف اسمي !؟"
                    - "وأعرف كيف ولماذا قبض عليك، أنت وأصحابك الثلاثة هؤلاء، وإذا شئت أخبرتك أكثر ."
                    من آخر الغرفة تحدّث أحدهم:
                    - "أنت لا تعرفنا ولا تعرف شيئًا، لربما سمعت اسمه صدفة."
                    التفتّ إليه وأنا أقول:
                    -"لم أكن معكم في الطريق إيّاه؛ وأنتم تعاكسون النساء، وتهربون بسرعة في كل مرة، لكن هذه المرة .. وقعتم في كمين الشرطة، أتريد أن أكمل؟ "
                    طبعًا لم يجب، لكنّ بخيت الذي كان صامتًا فاغرًا فاهُ بدهشة نهض واقفًا لأول مرة، واقترب مني وفي ملامحه شيءٌ من الدهشة:
                    - " كأنّك كنت معنا فعلاً لم يعلم أحدٌ بهذا بعد! لكن قل لي، هل حقًا أنت تعلم الأمور المخفية؟"
                    (علمتني مستورة.. فقد كانت تتصرّف بنفس الغموض؛ لتخيفني وتزرع الرهبة في أعماقي!)
                    لم يعلم أحدٌ -سواي طبعًا- شيئًا عن الحديث الذي دار خارجًا بين الشرطيين، وكان أحدهما يتباهى بالكمين الذي خطط له، ويصف كيف تمّت عملية القبض على عصابة بخيت الأسود!
                    تجاهلت سؤاله مزهوًا بما حققت من نصرٍ عوضني بعض إحساسي بالفشل، وسرعان ما التفّ الجميع حولي؛ عندما رأوا اهتمام زعيمهم بأمري وفوزي عليه.
                    أنساني وجود الشباب ما عانيت حين سألوني عن سبب حبسي، وشرعتُ في الحديث بإسهاب، ووجدت فرصتي - عندما رأيت عيونهم تبرق بإعجاب- لسرد بطولات صورتها لنفسي، وألبستها ثوبًا نضاليًا يناسب الحماس الذي بدا عليهم، وشعرت أنّي كنت مقنعًا في فرض نفسي كبطل قومي.
                    ***
                    التعديل الأخير تم بواسطة سعد فهيد العجمي; الساعة 05-12-2015, 12:29.

                    تعليق

                    • سعد فهيد العجمي
                      أديب وكاتب
                      • 02-12-2015
                      • 54

                      #11
                      بعد ساعات حضر ياسر لرؤيتي بأناقته المعهودة ونظارته السوداء، ومعه مرافق له يدعى أبو أثير فلسطيني الجنسية، ببشرته البيضاء المشرّبة بحمرة وذقنه الحليقة تمامًا، كانايحرصان دائمًا على سلامةموقف الصحيفةالقانوني.
                      - "هل جُننت؟"
                      سألني ياسر وهو يصرّ على أسنانه غاضبًا.
                      أجبته بعناد:
                      - "إنّها أثار فيلكا المسروقة، ورغبتُ في استعادتها"
                      بدت الدهشة عليه:
                      - "تستعيدها؟"
                      أشحت برأسي متصنعًا اللا مبالاة وأنا أرتجف من داخلي.
                      (عندما تسقط فاحرص على ألا يظهر أثر ذلك على وجهك)
                      وذلك ما فعلته في تلك اللحظة، التفت ياسرنحو أبي أثير وكأنّه يستنجد به؛ مسَّد أبو أثير شعره الأشعث بيده وأجابه بعد تفكير:
                      - "هناك السجلات اليومية للموظفين المرافقين للبعثةالدنماركية آنذاك، لنقل أنّه كان يحاول الاطلاع عليها كصحفي بعدأن مُنع منها، خاصةأنّه لم يقبض عليه إلاخارج أسوارالمتحف."
                      سأله ياسر:
                      -"وماهذه السجلات؟"
                      - "لقد بحثت بالأمس عن الموضوع عندماأخبرتني، ووجدت أنّ هذه السجلات التي دوّنهاأفرادالبعثة بأنفسهم، تشيربالفعل إلى فقد بعض الآثار حتى يومنا هذا" .
                      وتابع كلامه موضحًا:
                      -" إنّ هذاالتحول يغيرمجرى القضية؛وبالتالي سيطلق سراحه بكفالة."
                      غمرني الفرح والسرور، أمّاياسرفكان له تفكيرآخر كعادته في تحويل أيّ موقف لصالحه وهو يقول:
                      - "بذلك نكون قد نجحنا بتسليط الضوء على قضية هامّة،وحققنا كسبًا مهمًا للصحيفة"!
                      قاطعهم العسكري الفظّ وهويسحبني من بينهم، طالبًا منهم المغادرة حيث حان وقت تغييرالمناوبة،فأدخلني النظارة وأحكم إغلاقهاوهو ينبّه زملاءه:
                      - "تنبّهوامن هذا المجرم فإنّه يبدو شخصًاهامًا"
                      وكم أبهجني هذا الوصف!
                      لم أعرف ما الذى سيفعله ياسر، لكن رجلًا لامعًا مثله لن يعدم وسيلة لإخراجي وقد كان؛ فقد أوعز لابنه أحمد بأن يقوم بمظاهرة ثورية تتحدث عن نضالي، ورغبتي في إرجاع ما سُرق من آثار فيلكا!
                      فوجئوا بالفكرة! تجمع الشباب أمام الحجز(النظارة) ومنهم بخيت وأصدقاؤه الذين أُطلق سراحهم، ورفعوا شعارات أعدها ياسر بلوحات خشبية وبخطّ اليد:
                      ( أطلقوا سراح البطل)
                      (الحريّة للبطل لجاسم)
                      (أعيدوا لنا آثارنا)
                      بذلت الشرطة جهدها من أجل تنظيم الوضع المشتعل، وفي غمرة الهتافات الحماسية ازداد حماس أحمد؛ فرمى زجاجة مولوتوف مصنوعة يدويًا على الشرطة؛ التي ردّت بالهجوم عليهم واعتقال معظم المتظاهرين ومعهم أحمد، وألقت بهم في غرفة الحجز!
                      لم يهدأ الشباب بل ازداد هتافهم وهم يرفعوني فوق أكتافهم، وقلبوا النظارة إلى ساحة مظاهرة وتأزّم الوضع أكثر؛ ما استدعى تدخل رئيس قسم الشرطة شخصيًا، وبالتفاهم مع ياسر على لملمة الوضع، واختصار الأزمة تم إطلاق سراح الجميع، وأولهم أنا بالطبع.
                      تصدّر التحقيق الذى قمت به الصفحة الأولى؛ فزاد من مبيعات الصحيفة وراحت الناس تتناقل ما فعلته بمزيد من الإعجاب، وهكذا تحقّق حلمي وتحولتُ- بين يوم وليلة- إلى بطلٍ قومي!
                      ***
                      قرّر ياسر أن يجدّد ترشيح نفسه لانتخابات مجلس الأمة، عن الدائرة الخامسة التي تضمّ -بالإضافة لكيفان- منطقة خيطان، والتي تقطنها عائلات مهاجرة من فيلكا-مسقط رأسي- لذا كان أول همّ له هو استثمار وجودي معه في تلك الحملة وأن أكون المساعد في الدعاية له، خاصة و أنّي صرتُ ذا ثقل شعبي ملحوظ، كما أنّه بات يخشى الفشل كما حدث في تجربة سابقة، حين رشّح نفسه في عام 1963وباءت محاولته بفشل ذريع!
                      لم أكن بسيطًا ساذجًا فقد تعلمت أنّ لكلِّ شيءٍ ثمن؛ فقلت له ضاحكًا:
                      - "سأفعل ما تريد فقط أعطني علبة من هذه السجائر!"
                      ابتسم وعلى الفور وجدت في يدي علبتين.
                      - " سأحقق لك كل ما تريد يا جاسم لو نجحت في الانتخابات"
                      قلت بثقة:
                      - "إذن ستنجح"
                      اتسعت ابتسامته وهو يهز رأسه موافقًا؛ وعادت معنوياتي ترتفع من جديد.
                      في الأيام التالية حجبت عينيّ بنظارة سوداء كبيرة كياسر، بل إنّي طلبت أن ألبس مثل بدلته الافرنجية، التي كان يلبسها وهو ذاهب للعمل في الصحيفة واجتماعات اللجنة القومية؛ فأهداني واحدة من بدلاته التي تناسب مقاسي، كم تمنيت لو أنّي لم أكن حليق الرأس لأتمكن من تسريح شعري مثله على جنب، وهكذا.. ركبت الموجة!
                      انطلقتُ في حملة الدعاية لياسر بكل قوتي ليس حبًا فيه، إنّما كي يعلو نجمي وأضع قدمي على أول درجة في سلم النجاح، الذي تعلمت منه أولى خطواته، فقد لاحظت أنّه يعرف ما يريد ولا يهتمّ لرأي أحد، بل لا يعطي رأيه بصراحة تامة، لكنه يرى مصالحه دائمًا مع الأقوى شأناً، والأكثر ثراءً وغنىً؛ فتراه يساير ويبتسم للجميع كي يصل إلى هدفه!
                      لم أدَع وسيلة من أجل الدعاية لياسر إلا انتهجتها، كنتُ أوزع صوره بنظارته السوداء وسيجاره، على المحال التجارية وعلى أعمدة الإنارة، بل وصل الأمر أن ألصقتها على ظهور بخيت وأصدقائه، الذين تنادوا لمساعدتي بطريقتهم واستجابوا لأفكاري المجنونة !
                      كانت طريقتي الغريبة في الدعاية تجعل ياسر يطمئن أكثر لفوزه؛ فكان يبدو دائمًا مبتسمًا خاصة حين يراني، وكم كانت الضربة بسقوطه مفاجئة وقاصمة!
                      تلك الليلة كانت عاصفة بكلّ المقاييس، و لم نكن نتخيل قوة الزوبعة القادمة نحو الخيمة الانتخابية المنصوبة قرب مقر اللجنة الرئيسية، فقد هبّت ريح قوية غير متوقعة كادت تطيح بالخيمة.. تمامًا كالنتائج التي بدأت تعلن من داخلها، وفيما كانت الرياح ترفع أطراف الخيمة بإصرار، كانت تتصاعد في الداخل أصوات الاستنكار، تتخلّلها صيحات فرح.. كان الكلّ يتحدث عن كلّ شيء، والأجواء مفعمة بالأحداث.
                      وقف ياسر كالمذهول حتى استوعب عقله ما سمعت أذناه، وازداد صوت العاصفة صفيرًا في أذنيه، كأنّ الزوبعة ضجّت فجأة في أعماقه؛ فجنّ جنونه وراح يرغي ويزبد، ويضرب كفًا بكفٍّ:
                      - "مستحيل! مستحيل!"
                      ***
                      التعديل الأخير تم بواسطة سعد فهيد العجمي; الساعة 03-12-2015, 16:08.

                      تعليق

                      • سعد فهيد العجمي
                        أديب وكاتب
                        • 02-12-2015
                        • 54

                        #12
                        وقفتُ أرقبهما مبهوتًا.. ياسر يدور كالمجنون، بينما خالتي مريم تهذي بغيظ:
                        - "مستحيل أن يفوز زوج وضحة ويسقط زوجي أنا! مستحيل!"
                        وهنا التفت إلي ياسر كاشفًا عن وجهه القبيح أخيرًا:
                        - "أنت السبب يا وجه الشؤم!"
                        - أنا؟!
                        وراح يسبّ ويشتم، بل قام بتحطيم بعض الأشياء في صالة المنزل!
                        كنت أتخيلها نوبة غضب عابرة، لكنه كرّر سُبابه وشتائمه كلما رآني، ثمّ أمسك سماعة الهاتف لساعات طويلة وراح يجري اتصالات متعددة، ويتحدث مع كل من يعرف ويبرّر ما حصل بأنه تآمر عليه!
                        سقط الرجل العظيم من نظري حين سقطت نظارته السوداء، وكشفت عورًا في عينه اليسرى، كما انكشف قبح فكرٍ كان يخفيه خلف هذه النظارة، واكتشفت أنّه ليس بذي مبادئ، ولا تعني القيم الثورية له شيئًا مقابل المنصب الذي كان يطمح إليه، كانت نقطة ضعف هذا الرجل حبّ الظهور، وإضفاء مسحة من المثالية على طموحه!
                        فهمت اللعبة وقررت أن ألعبها بمهارة .. مثله!
                        حاولت أن أحول شغبي في الجزيرة بطولات، ولهوي بالمساجد نضالاً ضد الرجعية، وملاحقتي للقطط والكلاب المشردة عملًا تطوعيًا، ومحاولتي سرقة المتحف الوطني موقفًا ضد التبعية!
                        لقد صرت إيكاروس بالفعل ومثله أيضًا.. سقطت من أعلى!
                        فيما بعد علمتُ أنّ ياسر قد عاد للصحيفة وقد ارتدى نظارته السوداء من جديد؛ كأنّه يغطي خيبة أمله، وفي الساحةالخارجية للمبنى تجمع مجموعةمن العاملين في الصحيفة، وحين رآه أبوأثير ركض نحوه ليهمس في أذنه،ويخبره أنّهم في اعتصام لعدم استلامهم رواتبهم منذ شهرين، كان هذاالحدث أكثر مماكان ياسر يطيق فصاحبهم :
                        - "أموالكم محفوظة..إنّهامجرد أيام وستوزع عليكم..أول مرة يحدث مثل هذاالتأخير."
                        ووسط ضجيج الحديث المتداخل للمعتصمين صاح أحدهم ليسكتهم ويوضح هو :
                        - "لديناالكثيرمن الالتزامات وقد سمعنا"...
                        نسي ياسر كل مبادئه حين قاطعه قائلاً:
                        -" سأدخل الآن وأغلق الباب خلفي،ولن أسمح لمن يتخلف عن الدخول بالعودةأبدًا.. تعلمون مدى جديتي!"
                        استغرب الجميع ردّة فعل ياسرالعنيفة:
                        - " لطالماشجع المظاهرات في شرق وغرب الأمةالعربية كيف لايقبل بهاهنا؟"
                        همس المعتصمون بعضهم لبعض وهم يتدافعون للدخول قبل إغلاقهالباب.
                        بعدأن دخل ياسرمكتبه بدقائق تعالى الصراخ من الداخل؛ إذكان رئيس الجمعيةالقومية ونائبه قد وصلا قبله؛ وجلسا بانتظاره للتحقق من تلك المشكلة،وعرفتُ فيما بعد أنه يجري في الصحيفة تحقيق داخلي؛ حيث تبين أنّ ياسر الرجل الثوري القومي قد قام باستخدام أموالها الخاصة في حملته الانتخابية!
                        رفض ياسر تدخلهم، وأصروا من جهتهم على التحقيق؛ فأمسك ياسر بذراع الرئيس مهددًا:
                        - " الآن عرفت أبعادالمؤامرةالتي تحاك ضدي."
                        نزع الرئيس يد ياسربهدوءٍ وعزم:
                        - " لطالماحذرتك من سوءالظنّ برفاقك!"
                        - "ليس سوء ظنٍّ حينما تُسرق صناديق الاقتراع؛ وتكون النتيجة لصالح الحكومة!"
                        - '"يبدوأنّك ماتزال تصرّعلى أنّك القومي الوحيد بيننا.. أتتهم الحكومة بالتزوير؟!"
                        جمع ياسرحاجياته وهويقول:
                        - "لم تشارك في الكفاح الفلسطيني،ومنعتنامن المشاركة بتحريرظفار!"
                        تابع اتهامه وهو يخرج من المكتب:
                        - "وأنت من ساعد الحكومة وتواطأ معها.. هذه ليست مواقف قومية!"
                        غادر مسرعًا وسط دهشة الجميع، ومن الداخل لاحقه صياح الرئيس :
                        -" بلقلالاشتراكيةوالماركسية،لاالقومية!"
                        ***
                        أفصح ياسر وخالتي أخيرًا عن عدم ترحيبهما بي في منزلهما؛ إذ أني كنتُ نذير شؤم؛ فحسب زعمهما تمت بسببي إقالة ياسر من رئاسة الصحيفة، وما زال التحقيق يقوم بالنبش في ماضيه!
                        نمت مرهقًا تلك الليلة!) هل تراني خسرت كل شيءحتى ديني؟!)
                        (كنت أسير في الظلمة الموحشة وسط البراري والسكون المخيف يملأ الكون، يقطعه مواء قطة سوداء تجري من أمامي كل بضع خطوات.. كم أكره القطط وخاصة السوداء منها.. وصلت إلى مزار الخضر حيث مستورة تمكث هناك؛ فبرز مسعود فجأة ومعه سوط، وحين طرقت بابها فُتح ببطء، وهبّت في وجهي مستورة بوجه القطة السوداء بين كتفيها؛ فصرخت بأعلى صوتي رعبًا: بسم الله!)
                        قمتُ من نومي مفزوعًا والعرق يتصبب مني وأنا ألهث صارخًا (بسم الله، بسم الله)
                        كانت سلسبيلاًلقلبي؛ فكررتها مرارًا وتكرارًا... بعد كلّ مرة ذكرت فيها اسم الله؛ بدا لي وجه أمي باسمًا.. فضاحكًا.. فمشرقًا!
                        يا إلهي! ماذا فعلت بنفسي؟!
                        لقد ازددت ضياعًا ببعدي عن الله طوال الشهرين الماضيين، وكان ذلك سلاح مستورة فذكر اسم الله يقهر سحرها وشعوذتها، وما كان اتخاذها مقرها عند مقام الخضر إلا تضليلًا للعقول الضعيفة، وتلبيسًا عليها بأن الأمر قربى لله، وكم أخطأنا حين لم نطع عمّي الشيخ سند، وهو يحذّرنا وينهانا عن زيارة مقام الخضر والتقرب إليه، تلك الخبيثة مستورة كانت تسخرني لخدمتها، وجُلّ مرادها الحصول على العقيق!
                        (العقيق.. الكل يريده وهو في متناول يدي، أعرف مكانه وكيفية الحصول عليه، ألست أولى به بعد كل هذا الخداع من هؤلاء الذين يستغلونني؟ بعض العقيق سيعوضني عمّا حدث لي)
                        أقنعت نفسي بهذا وارتحت للفكرة و لم أعد بعدها للنوم؛فقد ربط التخطيط لنيل العقيق على جفنيِّ.. لا أعرف أي جنون كان يُسيرني، لكنها بدت لي فكرة منطقية جيدًا حينذاك فالرجل قد أهانني وأذلني، وكذلك جرّدني من احترامي لذاتي وحمّلني أخطاء لم أرتكبها مطلقًا!
                        جمعت حاجياتي ووضعت(السحلية)في جيبي، وتهيأت للخروج ومغادرة بيت خالتي.
                        التعديل الأخير تم بواسطة سعد فهيد العجمي; الساعة 03-12-2015, 16:23.

                        تعليق

                        • سعد فهيد العجمي
                          أديب وكاتب
                          • 02-12-2015
                          • 54

                          #13
                          حين هممت بوداعهم بدا التأثر على وجه أحمد لكنه أشاح بوجهه بعيدًا، بينما كانت دلال فرحة مسرورة بخروجي أخيرًا من منزلهم.. تلك الصبية فارغة الرأس التي لاهمّ لها سوى شراء الملابس الجديدة، وسماع أغاني عبد الحليم حافظ طوال الوقت وهي تغنّي معه وتتمايل، متجاهلة وجودي تمامًا وكأني نَكِرة!
                          خرجت أجرُّ أذيال الخيبة؛ فقد تذوقت طعم المجد لفترة ثم تلاشى كل شيء.. كنتُ أشعر بالوحدة وأنا أسير في الطرقات حزينًا مكسور الخاطر..نزل المطر مدرارًا كتلك الدموع التي انسابت في داخلي:
                          (دعه يقوم بغسل أحزانك).. لكنّه لم يفعل!
                          تابعت السير ولم أحتمِ منه بشيء، تحجّرت أحزاني كما تحجّرت الدموع في عينيّ، توقفت فجأة وأشرت لسيارة أجرة .. ركبت ودون أدنى تفكير أعطيته العنوان:
                          - " إلى الفنيطيس!"
                          في الطريق كان السائق ينظر إلي ويتكلم بلهجة غريبة لم أسمعها من قبل.. يبدو أنّه بدوي، جاهدت لفهم بعض مفرداته وحاولت مجاملته فلم أفلح، فهمت منه سؤاله عن اسمي ومن أين جئت، تكلم كثيرًا وكنت أهزّ برأسي وأبتسم له، فيما عقلي يعمل بسرعة ليصل إلى الحوطة، ويدبر لي كيفية الوصول للعقيق!
                          وقفت سيارة الأجرة أمام المزرعة، كانت لهاواجهة واحدة وبابان أحدهماصغير والآخركبير، وحارسان متواجدان عند البوابة الخارجية، بينما المزرعةالمجاورة بلا حراسة تذكر؛ فتسللتُ إليهاكالسحلية زحفًا، ثم تسلقت السورالفاصل وأشرفتُ على مزرعة ياسر، لأُفاجأبكلب والكثيرمن الحرس في داخلها.. لكن البرد الشديد أجبرهم على التواري، وكان ذلك مساعدًا في اختفائي عن العيون!
                          في مرآب المزرعة المصنوع من الخشب لمحتُ بعض الحركة المريبة، فاقتربت بحذر وأنا أحاول ألا أرتكب أخطاء أخرى كما حدث في المتحف، كان بعض الرجال هناك يقومون بنقل صناديق من المزرعة إلى سيارة نصف نقل تقبع في المرآب ، وهنا خطر لي أنّهم ينقلون العقيق نفسه!
                          أخذالكلب بالنباح فأثار انتباه حراس مزرعة ياسروالحارس المجاور؛ فأصبحت كالمحاصر! واشتعلت الأضواء في المزرعتين وبدا أنها حالة استنفار،لكني بمرونتي تسللت زحفًا تحت أحدالأقفاص حتى هدأالحراس، وفي محاولة لاستفزاز الكلب ربطت خيطًا رفيعًا لا يكاد يُرى بالسحلية وأطلقتها؛ ما أثار الكلب فراح ينبح بجنون، ضحك الحراس على الكلب الذي أزعجهم بسبب ذلك الزاحف الصغير فلم يعطوانباحه أيّ اهتمام!
                          أسرعت زاحفًانحوالمرآب لأجد مجموعة من السيارات،عرفت منهاسيارة ياسرالتي تكلمواعنها، كانت الفرصة سانحة لي بعد أن انصرفوا لإحضار بقية بضاعتهم، فتسللتُ تحت جنح الظلام نحو السيارة، وكشفتُ الغطاء عما فيها.. لم يكن عقيقًا أبدًا! كانت أكوامًا من المتفجرات، عبارة عن زجاجات المولوتوف المصنوعة محليًا، ترقد في صناديق صفّت فيها بعناية منعًا لتكسرها!
                          فجأة وصل ياسر بسيارته (الإمبالا موديل 64)وركض الحراس ليستقبلوه وقد ترجّل منها،ومعه ملازمه أبوأثيرالذي سارع للاطمئنان على قنابل المولوتوف،طالبًامنهم تحميلهابالسيارة، ونقلهاعندالفجرإلى رفقاءينتظرونهم في الديرة.
                          قضيت الليلةلأول مرة مصدومًا ممّارأيت من ياسرورفاقه، والحيرة تكاد تفتك بي:
                          -" هل هذا هوالعمل القومي؟"
                          ماذاعساي أن أفعل؟ تبادر إلى ذهني كلام عمّي الشيخ سند عن جميلة بوحيرد، فقررت أن أكون بطلًا وأقدم شيئًا لبلادي!
                          راقبت
                          الحراس وهم يجمعون السلاح،والمتفجرات في شاحنة صغيرة مغطاة بطربال،ثمّ غُطيت بطبقة من علف الحيوانات النباتي.. فجأة طلب ياسرمنهم التوقف وإطلاق الكلب؛ حيث لم يقتنع بتبريرهم لحالة الهيجان لديه؛ أحسست بالورطة وهم يقتربون لإطلاق الكلب الذي سيهاجمني دون شك،هناأسرعت إلى المطبخ بلا مواربة للاختباء؛ فرآني الجميع!
                          تصدّيت بمرونتي المعهودة للمسلحين،حين انقضّ علي الكلب والحراس، لكنّ الحارس صادق أمسك بي في غفلة مني، حاولتُ التملص منه لكن بلا جدوى؛ فقد كان ضخم الجثة متين البنيان، قوي العضلات يستحيل الإفلات منه!
                          - "دعني! اتركني!"
                          كنتُ أصرخ فيهم بعصبية.
                          الآن تكشفت لي الأمور، وتبيّن سبب رفض ياسر لدخولي المزرعة مع ابنه؛ ليس بسبب العقيق كما ادّعى إنّما بسبب المتفجرات، ذلك أقبح مما كنتُ أتخيله في ياسر.. قد أتخيله أحمق شرهًا، غاضبًا بدون تعقل، لكن أن يكون خائنًا يبيع ذمته بالمال؟!
                          اقترب ياسرمني وصفعني بشدّةعلى وجهي،قائلًاباستهزاء:
                          -" تريدأن تصبح بطلًا؟حتى هذه فشلت فيها!"
                          أمرهم بتقييدي حتى يتدبرأمري فيما بعد،موجهًاالصفعةالأخرى لرئيس الحراس:
                          - "ألم أقل لكم أنّ الكلب أذكى منكم؟لكن لافائدة ؛ حسابكم سيكون عسيرًا"
                          قمت بنفخ عضلاتي- حيلة تعلمتها جيدًا منذ طفولتي- فيما كان أحدهم كان يقوم بشدّ قيودي إلى المقعد.
                          " -هل نؤجل عمليةالتسليم أونلغيها؟"
                          تساءل أبوالأثير.
                          " - هل أنت غبيّ؟ألاتعلم تكلفةعدم تسليم المتفجرات اليوم؟"
                          أسرع الجميع لتجهيزالحمولة، كنت أراقب بحسرة ما يحدث أمامي،عاجزًاعن التصرف،وأناأجهل مصيري.. حلّت العتمة وشيء ما هنالك ينظر إلي، بل يقترب منّي.. تسارعت أنفاسي، وتسمرت عيناي على رأس سعيدة الذي يلاحقني في كل مكان، راح يقترب أكثر فأكثر، وضربات قلبي تعلو وتعلو؛ حتى كاد يتفجر رعبًا.. رغم علمي أنّها حكاية.. لكنّ كثيرًا من الحكايات كانت تعود!
                          ما إن انصرفوا حتى أخرجتُ نفسًا عميقًا من رئتي تراختْ على إثره القيود، وفككتها بكل سهولة لأهرب قبل أن يصل إلي رأس سعيدة، ثمّ انسللتُ وسط العتمة دون أن يشعر بي أحد، لكن سرعان ما عاد أحد رجال ياسر ليجد المقعد خاليًا فأبلغ ياسر؛ وانتشرتْ موجة من الذعر!
                          - "ابحثوا عنه! لا تدعوه يفلت منكم!"
                          قالها ياسر صارخًا، وهو يصفع من أبلغه بالخبر، كأيّ زعيم عصابةٍ عتيد!
                          هجم الجميع نحوي فسارعت بتسلق الجدارالمعدني للكراج،وهناتذكرت السيجارالذي يشتعل ذاتيًا، فتمسكت بالحبال وانطلقت قافزًا فوقالسيارة، ومن خلف العتمة صرختُ بصوت عالٍ:
                          - "ياسر!"
                          التفت إليّ بسرعة، فصحت بسخرية وأنا أرفع واحدة من سجائره العجيبة:
                          - "أشكرك على هذه الهدية الرائعة!"
                          وقبل أن يفهم مغزى كلامي ألقيتُ بالسيجارة المشتعلة، وسط طبقة النبات الجافّ فوق المتفجرات فصرخ ياسر:
                          - "تبًّا! ابعدوا السيجارة عن المتفجرات أيها....."
                          لكن الجملة لم تكتمل لأن انفجارًا دوَّى عاليًا، وارتفعت موجة من اللهب إلى السماء؛ فسقطتُ على الأرض متدحرجًا وقدبدأت المتفجرات بالتطاير، بينما الجميع ينبطح أرضًا، والكراج يتحول لأنقاض وأطلال محترقة بسرعة البرق، لكني تمكنت من الفرارمع الجميع خارج المزرعة!
                          في طريق الخروج مررت بالكلب المقيّد، فسارعت بفكّ قيده؛ وإنقاذ حياة.. ٍلأول مرة!
                          من بعيد وقفت أراقب تصاعد أصوات لانفجارات من المزرعة،وأضواءالنيران وهي تنعكس عل ىسيارات الشرطة والمطافئ التي حضرت مسرعة، تمَّ إلقاءالقبض على ياسر ومعظم مجموعته، بينما هرب بعضهم، وبعد أن خمدت النيران لاحظتُ أنَّ بعض( الجراخيات) كانت متناثرة هنا وهناك لم تنفجر بعد!
                          فرحت كثيرابعملي هذا- وإن لم يعلم به أحد-لكني تذوقت بعض الاحترام لنفسي أخيرًا، بعد أن كدت أفقدها للأبد!
                          ***
                          عدت إلى فيلكا في صباح اليوم التالي.. استقبلتني لهفة أمي وشوق إخوتي؛ وكأنَّ فرحتهم بعودتي أضاءت قلبي من جديد، كان عناق أمي خيردليل على رضاهاعني،وفي غمرة سعادة اللقيا ألحّيت عليهم بمرافقتي إلى المزرعة.. حيث أبي.
                          لمحته من بعيد فتقدمت الجميع تسابقني خطواتي إليه، كان منحنيًا بجذعه على معوله حين أقبلتُ على يديه المغضّنتين بالتعب، المعفّرتين بالتراب أقبلهما.. رفعني وابتسامة الرضا تعلو محيّاه..
                          غمرني شعور لم أعرفه في حياتي من قبل.. رائحة الأبوّة التي عطرت قلبي، ولأول مرة في حياتي شعرت في أعماقي بصدق .. بطعم الدموع.
                          حملت المعول بكل همّة وهو يريني أين أوجّه ضرباتي؛ كنت أشعر باعتزاز وأنا أرى نفسي يد أبي الضاربة في عمق الأرض، وأمواج من مشاعر شتّى تختلج في أعماقي، ليس منها ذلك الخوف الذي سيطر علي عندما برز رأس سعيدة من جديد، فهزمته بضربة المعول ألحقتها بأخرى، ورحت أضرب بشدّة أكثر فأكثر، حتى أنّ أبي قال مشفقًا:
                          - "رويدك يا ولدي! سينتهي العمل دون أن ترهق نفسك."
                          آليت على نفسي أن أكمل العمل عنه؛ لأجعله يستريح.. أخيرًا!
                          (حقًا لا يوجد عن الأهل بديل!)
                          ***
                          أخذتُ طريقي إلى مستورة التي استقبلتني بحرارة وهى تسألني عما فعلتُ في الديرة، قلتُ لها باعتزاز:
                          - "لقد صرتُ بطلًا والفضل لا يعود إليكِ، وأحذركِ إن كنت تريدين استغلال أحدٍ ما لصالح أطماعكِ وجشعكِ فلست أنا ذلك الأحمق!"
                          تجمّدت ملامحها، فقلت وأنا أصرّ على مخارج حروفي:
                          - "من الأفضل أن تجدى لكِ مكانًا آخر غير هنا؛ فلن أتستر بعد اليوم على كذبك و خداعك للبسطاء يا مستورة!"
                          غادرتُ المكان دون أن ألتفت، أو أنتظر منها كلمة أخرى،صاحت هازئة بصوت غاضب:
                          -جاسم صاربطل إيكاروس !
                          ثم أتبعَتها بضحكة مجلجلة ملأتني رعبًا (كيف علمت بأمر إيكاروس؟) .
                          ***
                          قررت- بعد تردّد- أن أروي مغامرتي في المدينة لأصدقائي هنا،وأحرضهم على العمل الوطني القومي، وأن أكون البطل القدوة أمامهم فجمعتهم،وألقيت عليهم خطابًا حماسيًاكماكان يفعل أصدقائي في الديرة.
                          كان مقدّم الحفل عدنان الشاب المثقف الذي طالماآذيناه لثقافته ذات الطابع الغربي، تكلمت عن مغامرتي هناك بأسلوب حماسي وسط ضحك واستهزاءالأصدقاء، ما أشعرني بأني لم أكن مقنعًا بشكل كافٍ.
                          بقيت صامتًا أمام تصرفاتهم،حتى سكت الجميع مندهشين من سكوني وعدم تأثري بردّة فعلهم، وقدأحسوابأنهم أمام جاسم جديد، وتدريجيا عمّ الهدوءالمكان.
                          انسحبت وتركتهم في حيرتهم يتساءلون،وفجأة ضجّ المكان بأصوات المفرقعات التي راحت تتطاير في الفضاء فوق طاولةعدنان وقدأصابه والأصدقاءالهلع، وراحوا يتراكضون هنا وهناك!
                          قبل أن أغادر مزرعة ياسر في الحوطة، كنت قد جمعت ما تناثر من بعض الألعاب النارية (الجراخيات) بعيدًا عن النيران، وأخفيتها لمثل ذلك الموقف!
                          وقفت من بعيد أنظرضاحكًا مستمتعًا بفزعهم، كعادتي!


                          نهاية الفصل الأول
                          التعديل الأخير تم بواسطة سعد فهيد العجمي; الساعة 03-12-2015, 17:09.

                          تعليق

                          يعمل...
                          X