رواية "شموع ودموع" الجزء الأول-الكاتب حاتم سعيد أبو هادي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حاتم سعيد
    رئيس ملتقى فرعي
    • 02-10-2013
    • 1180

    رواية "شموع ودموع" الجزء الأول-الكاتب حاتم سعيد أبو هادي

    شموع ودموع
    للكاتب حاتم سعيد (أبو هادي)
    كانت الشاحنة الزرقاء تقطع المسافة الفاصلة بين تطاوين والذّهيبة بأقصى سرعة ممكنة غير عابئة بالحرّ ولهيب الشمس، مخلّفة وراءها دخانا أسود قاتما ورائحة كريهة للمازوت كأنما ترشّ ذلك المبيد الحشري الذي تستعمله عادة بلديات تونس الكبرى للقضاء على جحافل الناموس، ممّا يزيد من وحشة ذلك الطريق الذي لا يقصده إلاّ المسافرون إلى القطر اللّيبي أو تجّار البضائع المعدّة للاستيراد والتصدير، أمّا السائق فكان رغم ما يشعر به من آلام في رأسه يقاوم بعناد حالة النعاس التي تنتابه بين الفينة والأخرى، وقد نزع ما ثقل من ثيابه التي بللها العرق تحت تأثير أشعة الشمس الحارقة، أمّا لون جسده الأبيض النحيل فأخذ يتحوّل شيئا فشيئا إلى السّمرة، هذا المسكين لا يزال مستيقظا منذ أكثر من أربع وعشرين ساعة، يدخّن سجائر المالبورو الجزائري الأحمر ويرتشف من تلك الزّجاجة التي عبّأها بقهوة "الناسكفيه" ليجدّد نشاطه طوال تلك الساعات.
    عرض سخيّ من السيّد عمّار صاحب الحمولة وذي الأفضال الكبيرة عليه، جعله يوافق على هذه المهمّة ودون تردّد لإيصال طن كامل من الشمعات من الشمال إلى الجنوب بأقصى سرعة ممكنة ودون توقّف، خوفا من تلفها بذوبانها في طريق صحراوي ترتفع درجات الحرارة فيه إلى أكثر من أربعين درجة مئوية، كان يودّ أن يردّ للسيّد عمّار بعضا من المعروف الذي أكرمه به عندما طرده والده من منزل العائلة واعتبر تصرّفاته مريبة بمخالطة أصحاب السوابق من المنحرفين فلم يجد غير ذلك الصديق يلتجئ إليه، أراد أن يسدي له خدمة العرفان بالجميل ولكن ما أقسى تلك المغامرة.

    السيد عمّار ذلك الشاب الذي اشتهر بلقب "الكابو"، هو شاب لم يتجاوز سن الأربعين، تمكّن أن يصنع نفسه بنفسه رغم أن عائلته كانت ميسورة الحال، بدأت شهرته بهذا اللقب عندما بعث مشروعا صغيرا متمثلا في وكالة لكراء السيارات، وصفه رجال الأعمال من الأشقاء الليبيين بحلاّل المشاكل لأنّه يجد الحلول لكلّ شيء، ولكن لأنّه صاحب وعد ومواعيد دقيقة لا تردّ عرف "بالكابو" وهي كلمة إيطالية تعني الكبير، كان ينصحهم ويسهّل لهم مشاريعهم ويقضي لهم مصالحهم مع الإدارات التونسية ويرشدهم إلى أصحاب المعامل ليعقدوا صفقاتهم في فترة قصيرة بحكم بعض العلاقات التي كانوا يعتقدون أنها مع أسرة الرئيس زين العابدين بن علي رغم نفيه لذلك في عديد المرات.
    من بين أولئك الرّجال جمعته علاقة متميّزة بكريم الليبي، تطوّرت تلك العلاقة بينهما لتصبح صداقة وأخوة على مدى السنوات الماضية فقد تعوّد كريم على زيارة تونس في كلّ صيف للتمتّع بشواطئ البلاد في سوسة والحمامات وبنزرت، كما كان يقصد "مصحّات المنار الخاصّة" بالعاصمة للعلاج.
    كان كريم كلّما عزم على زيارة تونس يستشير "الكابو" فيرتّب له برنامجا خاصّا لحلّه ورحاله، يكتري له أحسن المنازل في الأحياء الراقية من "المنازه" أو في حي النصر وأريانة ويوفّر له كل أسباب الرّاحة من سيّارات فخمة وسائقين وأدلّة سياحيين... وكثيرا ما كان يترك مشاغله وشؤون عائلته ليرافقه أو يسهر معه في تلك النّزل الفخمة أو العلب الليليّة في المرسى وقامرت وحلق الوادي حيث يقضيان أروع السّهرات إلى مطلع الفجر، وبقدر ما كان "الكابو" شهما وصاحب معروف، كان كريم كريما، ينفق بدون حساب، ومع اندلاع "ثورة البرويطة" كما كان يسمّيها الأشقاء في ليبيا وخاصّة الموالون للنظام وهروب بن علي للسعوديّة يوم 14 جانفي 2011، لم يفتر صديق عمّار عن مهاتفته والاطمئنان على حاله بعد أن تعرّضت الكثير من سياراته المعدّة للكراء للتهشيم والسّرقة ونهب إطاراتها المطاطيّة.
    عندما انطلق الصراع في ليبيا، كان عمّار أكثر حرصا على معرفة أخبار صديقه يتتبع مجريات الأمور في كل النشرات الإخبارية حتّى أنّه تكفّل بعلاج والدة كريم وأسكنها في بيته عندما كسرت ساقها ورفض أن يأخذ ملّيما واحدا منه.

    قبل أن يشتدّ القتال بين الثوّار والنظام في القطر الليبي، وتأخذ الحرب منعرجا مأساويا أكثر من مجرّد احتجاجات أو مطالبة، كان العقيد يعقد اجتماعات دورية مع القبائل الليبية متوجّسا من المؤامرات الدوليّة التي تحاك ضدّه طالبا منها صراحة التعهّد بحماية نظامه ومنع أبنائها من القيام بأي عمل مضاد، لقد كان يتوجّس من عدوّ قادم أسماه "الجياع" من المصريين والتونسيين الذين أعلنوا الثورة على قادتهم وحذّرهم أنهم سيستغلون الفوضى لدخول ليبيا واجتياحها أما المحتجون فوصفهم بالجرذان ومتعاطي حبوب الهلوسة.
    لكنّ الاحتجاجات سرعان ما أصبحت ثورة مسلحة، وباتت ليبيا وجهة للمقاتلين من كلّ أنحاء العالم يتدفق السلاح نحوها برّا وبحرا لإنهاء حكم العقيد معمّر القذافي بأقصر مدّة ممكنة ولو كلّفهم ذلك تدميره كليا.
    كانت النتيجة عكسيّة أعداد هائلة من الليبيين تغادر مناطق الصّراع، لتتوجّه نحو أقرب نقطة حدوديّة تاركة وراءها ممتلكاتها وأرزاقها في أيدي العصابات التي استغلت الفرصة للنّهب والسّلب، أما من اختار البقاء فكان عليه أن يكابد مشقّة انقطاع الماء الصالح للشراب والنّور الكهربائي وقلّة الغذاء والدواء، أماّ أولئك العمال الأجانب الذين قضوا زهرة حياتهم في ليبيا فقد كان عليهم الخروج بأقصى سرعة إنقاذا لأرواحهم وهروبا من جحيم لا ناقة لهم فيه ولا جمل، بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها والعودة إلى أوطانهم بدون أوراق هويّة.
    أجمعت القوى الكبرى في العالم كلمتها على إسقاط العقيد معمّر ألقذافي وعائلته الحاكمة، فباتت أشهر القنوات الإخباريّة تخصّص الفقرات الطويلة لتحليل الأوضاع في ليبيا، مع التأكيد دائما وأبدا أن الشّعب الليّبي بمقدوره أن ينتصر في ثورته ويحذو حذو جيرانه في تونس ومصر، وباسم الديمقراطية ودعم الشعوب في تقرير مصيرها، دعّمت الثوار بالسلاح والذخيرة وساندتهم بإضعاف النظام وقواته بالطائرات والسفن الحربية.
    كانت الأخبار تتواتر أن ذلك النظام بات على مرمى حجر من السّقوط وأنّ المعارضة تتقدّم بثبات وتحاصر أبواب قصر "العزيزيّة"، مذكّرة في كلّ حين بإنجازات القذّافي الإرهابية طيلة حكمه وقتله للمعارضين ونهبه لأموال الشعب وصفقاته المشبوهة، ولكنّ تلك التحاليل لم تكن تعلن بأي ثمن سيكون ذلك الدعم وما ستكون عليه ليبيا بعد سقوط ذلك النظام.
    ارتفعت أسعار المواد الحياتية الضرورية بشكل لافت في ليبيا وباتت نفس السلع في تونس عرضة للاحتكار والنفاذ من الأسواق بسبب لهفة المواطنين وخوفهم من المجهول واتساع دائرة الحرب، جميع العائلات تخزّن تلك المواد وبأي ثمن كان.
    استغل المهربون أيضا تلك الحرب لتهريب السلع نحو القطر الليبي الذي عرف عنه امتلاكه للمال من عائداته البترولية وإهماله للتصنيع، حيث يعتبر عنصر القبيلة المكوّن الأساسي المجتمعيّ فيه.
    قتل معمّر القذافي في مسقط رأسه بمدينة سرت يوم 20 أكتوبر 2011 بعد حكم امتدّ لأكثر من أربعين سنة ودفن جثمانه في صحراء ليبيا سرّا مثلما أكّدته الأخبار المتواترة ولكن الحرب لم تنته، اشتد القتال بين فلول نظامه والمجموعات التي تحاربه وتطوّرت الأوضاع إلى صراع دموي بين الفائزين لاقتسام الغنائم، ومع تكدّس السلاح وامتلاكه من الجميع باتت ليبيا على صفيح ساخن من الفوضى والخراب والجوع وكثرت الحركات الانفصالية.
    أصبح المدفع الرشاش يباع مقابل وجبة غذائية، والشمعة تحوّلت إلى سلعة مطلوبة وضروريّة ونشطت السوق السوداء لتتضاعف فيها أثمان البضائع بدون حسيب ولا رقيب.
    ذات ليلة، بينما كان عمّار يتابع برنامجا لأحد القنوات الفرنسيّة المختصّة في جديد السيارات، رنّ هاتفه الجوال معلنا عن وصول إرسالية جديدة، كان نصا قصيرا ("س م س") من صديقه كريم يترجاه أن يسدي له خدمة لا تتطلب التأخير يقول فيه:"( هلبا فلوس يا كابو، الشمع في ليبيا يباع بالدولار، اجمع لي حمولة كبيرة وأرسلها على جناح السرعة لقد باتت طرابلس في ظلام دامس.. تصرّف. كريم).
    في الصباح، تكلّم الصديقان بواسطة الفايس بوك، أخذ كريم يشرح بدقّة حقيقة الأوضاع في ليبيا وخاصّة مدينة طرابلس التي قطع عنها النور الكهربائي بعد أن تعرّضت عدّة أحياء فيها للقصف وكيف أن الكثير من المواطنين لم يجدوا وسيلة للإنارة غير الشمع فاشتروا كل ما توفّر منه بأثمان خيالية وباتت الدكاكين خاوية من هذه المادّة التي أصبحت مطلوبة بشدّة، أصرّ كريم على أنّه بإمكانه أن يسوّق هذه الحمولة بسهولة وفي لحظات معدودة بعد أن تشاور مع عدد من التجّار وطلبوا منه بكلّ إلحاح أن يجلب لهم كل ما يستطيع.
    كان عمّار يصغي إلى صديقه وعقله مشتّت بين هذه الصفقة المربحة التي لا تكلّف رأس مال كبير وبين وضعيته الماديّة السّيئة التي تأثرت بأحداث الثورة ويصفها بالمشؤومة جرّاء ما لحق شركته من خسائر من قبل من يدّعون أنهم أسهموا في نجاح الثورة ولم يكون غير لصوص ومجرمين، فهو حقيقة في ضائقة مالية، كان متردّدا بين أن يغامر بالقبول لتعويض خسائره وبين أن يسدّد نفقات صيانة سياراته ودفع فواتير قطع الغيار وأجرة العملة، لكنّ كريما عرف كيف يزيّن له الصّفقة وما ستعود عليه من أموال مضاعفة مؤكدا له أنه سيتحمّل كامل المسؤولية في حال فشلها، وختم حديثه قائلا:" ستكون مشاركا في الربح ولن تدخل في حالة الخسارة".
    كان عمّار معتادا على التحدّي والمغامرة عندما كان أعزب ولكنه اليوم متزوّج ومسؤول عن عائلة، مرّت الفكرة في رأسه عديد المرات ولكنّه في النهاية طبّق قاعدته الأولى في عالم المال والأعمال "لكلّ مشكلة حلّ" ثمّ توكّل على الله.
    تذكر أن لديه أحد معارفه على علاقة بمدير مصنع الشمع وبتدخل منه يمكنه أن يعقد صفقة يتم خلاصها بشيك مؤجل الدفع كضمان للسلعة، فأسرع بمكالمته.ضبط له القريب موعدا مع المدير في مساء نفس ذلك اليوم.
    وافق المدير دون تردد مشترطا ربع المبلغ كتسبقة نقديّة للصّفقة والباقي على مراحل، ولكن الكمّية المتوفّرة لم تكن لتلبّي حاجة كريم الليبي الذي طالب بشاحنة كبيرة الحجم، فتوجّب على عمّار أن يزور المغازات الكبرى ودكاكين العطارة ليستنزف ما كان لديه من مال ويحقق طلب صديقه الذي أكّد له أنه سيغنم ضعف المبلغ الذي سيشتري به بعد أن يبيعها، كما أكّد له أنه ليس عليه إلا إيصالها لمنطقة الذّهيبة الحدودية وأنّه سيتكفّل بالنقل إلى ليبيا.
    بمجرّد وصول الشاحنة إلى مدينة الذّهيبة رنّ جوّال السائق الذي لم ينقطع طول الطريق...
    - سي عماّر أهلا بك..أجاب السائق.
    - منصور، لاباس؟..في أي مكان أنت الآن ؟...سأل عمّار.
    - الحمد لله وصلت للذهيبة، كل شيء على ما يرام، لم أواجه أيّة مشكلة..
    - الحمد لله، يعطيك الصحّة يا منصور، الآن عليك أن تنتظر وصول شاحنة كريم الليبي لتسلّمها السلعة.
    - لكن كيف سأعرفها سي عماّر؟
    - هو سيعرفك...ما عليك إلا أن تنتظره قرب صيدلية الطرابلسي بجانب مقهى الجنوب.
    - الله يبارك سي عماّر، سأذهب الآن.
    - ربّي معك...أكلمك بعد قليل..
    - متفقين..سلام..
    وضع منصور السائق مفتاح التشغيل في موضعه لكن المحرّك رفض أن يدور، وبسرعة عمل فكر السائق الذي كان اشتغل صانع ميكانيكي وفهم أن الأمر يتعلق ببطاريّة الشاحنة فنزل إلى الشارع مناديا بعض الشباب الذين كانوا يمرّون بقربه.
    • يا شباب، نفذت بطاريّة الشاحنة الملعونة، هل لكم أن تعينونني بدفعة خفيفة؟..

    اندفع ثلاثة شبان يدفعون الشاحنة من الخلف بينما ركب منصور ليحاول تشغيلها وهي تتحرّك ونجحت الخطّة فانطلق ذلك السحاب الأسود من مدخنتها ليجعل الشبان يندمون على تقديم المساعدة.
    شكر منصور الشباب وتأسف لهم وهو يلعن الميكانيك والبطاريّة، فحياه الشبان بامتعاض وانطلقوا في حال سبيلهم.
    تابع السائق طريقه نحو المكان المتفق عليه وعند وصوله أمام مقهى الجنوب ركن شاحنته تحت ضل حائط وانطلق نحو الصيدلية ليشتري دواء يخفف به آلام رأسه.
    عند وصوله إلى الصيدلية وفتحه لبابها فوجئ بصف طويل من الليبيين ينتظرون دورهم لشراء الدواء وكان جميعهم في حالة من الحنق يتحدثون بصوت عال عن غلق الحكومة التونسية لمعبر وازن الذهيبة إلى أجل غير محدد وأنه لن يسمح إلا لسيارات الإسعاف بالدخول أو الخروج.
    انتبه صاحبنا إلى الصيدلاني وهو يعلن عن نفاد كميات دواء وجع الرأس بجميع أنواعها فغادر المكان على الفور.
    دخل منصور إلى المقهى فاعترضه النادل مرحبا.
    أهلا ...الأخ ليبي أو تونسي؟.

    - ما الفرق يا صاحبي؟..أجاب منصور.
    - لا فرق...أريد خدمتك فقط..علّق النادل.

    أمسك منصور بيديه رأسه المتصدع وقال:
    - رأسي سينفجر "كابوسان" وقارورة ماء.. يعيشك.
    قال النادل:
    - وحبّتين "افيرالقون" أو "دوليبران"..
    قال منصور:
    • وهل عندكم الدواء أيضا.؟

    أجاب النادل:
    - ادلّل يا صاحبي، حمّة في الخدمة..إذا رغبت في حليب "الغولة" يكون عندك..أنت من العاصمة، أليس كذلك ؟
    تساءل منصور:

    • صحيح...كيف عرفت؟

    ردّ حمّة النادل:
    - الخبرة يا صاحبي. إجلس هنا لمراقبة شاحنتك ريثما أعود.

    دهش منصور من بداهة هذا النادل وتساءل في قرارة نفسه:
    • (كيف عرف بشاحنتي..هل كان يراقبني؟، ثم ضحك وهو يتذكر أن القهواجي في تونس قد تعوّد منذ زمن أن يكون مخبرا لبوليس بن علي، ولكن من سيخبر اليوم؟).

    ومرّت الساعات طويلة وهو في ذلك المقهى وحمّة النادل يزوره بين الفينة والفينة مذكّرا إياه أنّه في خدمته إذا ما احتاج إلى أي شيء حتّى كأنهما أصبحا صديقين قديمين، أما "الكابو" فكان قد كلّمه وطلب منه أن ينتظر مجيء كريم الليبي ولو تطلّب الأمر أن يبيت ليلته في الشاحنة وأعلمه أنّه قد سمع بخبر غلق بوابة وازن الحدوديّة وطلب منه أن لا يقلق وأن يصبر وسيكافئه بسخاء إذا تمت العمليّة بسلام.
    كان منصور يشعر بالجوع مع ازدياد أوجاع رأسه فاستدعى حمّة ليتصرّف له في طعام بمعرفته. وما أن عبّر له عن رغبته حتّى انطلق إلى باب خلفي بالمقهى ليغيب بضع دقائق ويعود له "بساندويتشين من المطبقة المحرحرة " وكأنه كان ينتظر منه هذا الطلب وقدّم له قارورة ماء معدني باردة وهو يقول بابتسامة عريضة:
    • بالشفاء، كل يا صاحبي وسترى كيف تزول الأوجاع.
    • شكرا يا حمّة يا غالي، بصراحة "معلّم".
    • يا رجل، ما بيناتناش نحن إخوة.

    أرسل عمّار "الكابو" رسالة قصيرة لكريم يقول له فيها (الأمانة وصلت وهي بانتظارك) وجاءه الرّد من كريم (سأتأخّر في الوصول، إنّني قادم).
    أرخى الليل سدوله على قرية الذهيبة الحدوديّة ، ذهب منصور إلى مقصورة القيادة، تذكّر البطاريّة فأسرع عائدا إلى حمّة القهواجي طالبا النجدة.
    -حمّة الغالي، نسيت..لعنة الله على إبليس... بطاريّة الشاحنة فارغة، هل يمكنك أن تساعدني لأجد واحدة أخرى.
    -ههههه، لا تتحيّر يا ابن العمّ، عندي واحدة أستعملها عند انقطاع النور الكهربائي لتشغيل التلفاز بالمقهى، هي لك.
    ضحك منصور أيضا وقال:
    • وحدك يا حمّة، في كلّ مرّة أزداد يقينا أنّك حلاّل المشاكل...والله إنّك لتستحق أكثر من هذا...

    ودفع إليه ببعض الأوراق النقديّة من فئة عشرة دنانير، فرح حمّة القهواجي وضحك ملأ فمه حتى ظهرت نواجذه البيضاء في ظلمة المكان.
    تجاوزت الساعة منتصف الليل ومنصور السائق مسلم جسده المتعب لمقاعد مقصورة القيادة وقد غط في سبات عميق.
    صاحت الديكة معلنة انبلاج فجر جديد على قرية الذهيبة، داعبت أشعة الشمس الذهبية وجه منصور ليفتح عينيه على تلك المعلقة في بلور الشاحنة الأمامي وقد كتب عليها "أسترها يا ربّ"، ما كاد يفعل حتّى تناهى إلى مسمعه صوت سيارات إسعاف قادمة باتجاهه، لتتوقف على مقربة منه وينزل رجل يلبس ميدعة بيضاء.
    قال الرجل:
    • السلام عليكم يا منصور، تراك بخير، أنا صديق كريم وهو يبلغك السلام ويقول لك سلمني الأمانة.

    حدّق منصور طويلا في الرّجل وقال:
    • وعليك السلام ولكن لحظة لأكلم "الكابو".

    أجاب الرّجل:
    • هيا بسرعة فليس لدينا وقت لتحميل السلعة.

    فتح منصور الهاتف وإذ به يجد عمّار "الكابو" قد طلبه خمس مرات ولكنّه لم ينتبه لذلك، ثم وجد رسالة تقول له (سلم البضاعة لعبّاس فهو رجلنا).
    لكنّه أراد أن يتأكد أكثر فطلب عمّار الذي عبّر له عن شكره وتفهّم تعبه وأمره أن يساعد ذلك القادم على تحميل البضاعة في سيارات الإسعاف.
    تكلّم الرجل وقد أدرك ما يجول في فكر منصور وقال:
    • أنا عباس، هل تساعدنا في تحميل الأمانة.

    تأكد السائق المتعب من مخاطبه فارتاح قلبه، وحمد الله على انتهاء "الغصرة"، فتح الباب الخلفي للشاحنة وأنزل الكرتونات واحدة بعد أخرى بعد أن ألقى نظرة أخيرة ليتأكد من سلامة ما فيها من بضاعة، بينما قام عبّاس ومن معه من المسعفين بتحميلها في سيارات الإسعاف الثلاث، واتجهوا مباشرة نحو المعبر الحدودي.

    الكاتب حاتم سعيد

    من أقوال الامام علي عليه السلام

    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
    حملت طيباً)

    محمد نجيب بلحاج حسين
    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

  • سلمى الجابر
    عضو الملتقى
    • 28-09-2013
    • 859

    #2
    قصة طويلة مشوقة بموضوعها وبشخصياتها الطريفة وأحداثها المتوالية التي تدور على هامش الثورة الليبية وآثارها الاجتماعية والاقتصادية بطلها سائق شاحنة يغامر في جو حار بإيصال شحنة من الشمع من تونس إلى ليبيا...

    وجدتها رائعة بمضمونها وبسردها من بدايتها، مرورا بعقدتها، إلى نهايتها.


    تقديري لهذا القصة المتميزة وهذا القلم الممتاز، أديبا الكبير الأستاذ حاتم سعيد ( أبو هادي)

    تعليق

    • حاتم سعيد
      رئيس ملتقى فرعي
      • 02-10-2013
      • 1180

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة سلمى الجابر مشاهدة المشاركة
      قصة طويلة مشوقة بموضوعها وبشخصياتها الطريفة وأحداثها المتوالية التي تدور على هامش الثورة الليبية وآثارها الاجتماعية والاقتصادية بطلها سائق شاحنة يغامر في جو حار بإيصال شحنة من الشمع من تونس إلى ليبيا...

      وجدتها رائعة بمضمونها وبسردها من بدايتها، مرورا بعقدتها، إلى نهايتها.


      تقديري لهذا القصة المتميزة وهذا القلم الممتاز، أديبا الكبير الأستاذ حاتم سعيد ( أبو هادي)
      الأستاذة الرائعة سلمى الجابر
      باقة ورد لحضورك البهي ، أسعدني تقييمك لهذه التجربة القصصية، للأسف لم أتمكّن من الانتهاء منها بعد لأنها قصة واقعيّة، نسأل الله أن أجد لها الوقت الكافي مع الأوضاع الصعبة الحالية.
      تقبلي تحياتي مع الشكر

      من أقوال الامام علي عليه السلام

      (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
      حملت طيباً)

      محمد نجيب بلحاج حسين
      أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
      نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

      تعليق

      • منيره الفهري
        مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
        • 21-12-2010
        • 9870

        #4
        أهلا و سهلا بالمورخ و الباحث التونسي الأستاذ حاتم سعيد أبو هادي
        قصة جميلة مشوقة . أتابعك دائما بإذن الله

        تحياتي

        تعليق

        • حاتم سعيد
          رئيس ملتقى فرعي
          • 02-10-2013
          • 1180

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
          أهلا و سهلا بالمورخ و الباحث التونسي الأستاذ حاتم سعيد أبو هادي
          قصة جميلة مشوقة . أتابعك دائما بإذن الله

          تحياتي
          صباحكم أجمل
          بمناسبة المولد النبوي الشريف، يسعدني أن أتمنى لك شخصيا وللجميع مولدا نبويا مباركا سعيدا، وأن أدعو الله أن يشملكم بالصحة والعافية.
          أمّا شموع ودموع عنوان روايتي فأسأل العلي القدير أن يضيء شموع أوطاننا ويبعد عنا الخبائث والجوائح والأوبئة ويجعل دموعنا شوقا وخشية من جلاله وطمعا في مغفرته.
          دمت أختا مشجعة أبية

          من أقوال الامام علي عليه السلام

          (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
          حملت طيباً)

          محمد نجيب بلحاج حسين
          أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
          نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

          تعليق

          • منيره الفهري
            مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
            • 21-12-2010
            • 9870

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة حاتم سعيد ( أبو هادي) مشاهدة المشاركة
            صباحكم أجمل
            بمناسبة المولد النبوي الشريف، يسعدني أن أتمنى لك شخصيا وللجميع مولدا نبويا مباركا سعيدا، وأن أدعو الله أن يشملكم بالصحة والعافية.
            أمّا شموع ودموع عنوان روايتي فأسأل العلي القدير أن يضيء شموع أوطاننا ويبعد عنا الخبائث والجوائح والأوبئة ويجعل دموعنا شوقا وخشية من جلاله وطمعا في مغفرته.
            دمت أختا مشجعة أبية
            و بدوري اتمنى لك مولدا نبويا مباركا لك و للعائلة الكريمة و لكل إخوتي هنا.
            شكرااا

            تعليق

            يعمل...
            X