اندسست في فراشي؛ وقد حل المساء، مشفوعا برودة مثيرة للأعصاب، سحبت الغطاء علي، فغطست؛ وهكذا اختفيت بالكامل كما لو تكفنت، كنت أريد أن أغرق في نومة لذيذة حرمت منها منذ مدة. طلبت بإلحاح مجيء أورفيوس، يحمل إلي صورا طيبة، عابقة بالمحبة، تسبح بي في مرابع الطفولة. أغلقت علي النافذة والباب، وأخرجت قبلها الهاتف والحاسوب، لا أريد أن أعكر مزاجي بأي شيء، لهذا صيرت الغرفة مصمتة، لا يخترقها أي صوت، كانت مغطاة بستارة من حديد. شعرت بالدفء، لم يستطع الضوء ولا الضجيج إقلاق هدوئي، مما جعل النوم يداهمني بسرعة، لا يهمني من سيتصل بي، انقطعت عن العالم برضاي، الراحة كنز ينبغي أن تناضل من أجل الحصول عليه. عليك أن تأخذ حقك من الراحة والإبتعاد عن الضوضاء، وإلا فقدت وعيك، واختل توازنك.
وأنا أغرق برغبتي، وجدتني أنهض باكرا، وأتوجه إلى عملي بعد طقوس الإعتناء بهندامي ومظهري الخارجي، وتناول فطور مغذ تام التغذية، وبدأت الاشتغال. كنت ، وأنا أرى الصف يطول ويتمطط، أتظاهر بالبحث عن خاتم، أتعلل بذلك لأتيح لنفسي فرصة تسخين مفاصلي بعد طول جلوس. أو قد أؤدي الصلاة بخشوع قد يطول زمانه، حين أعود أجد الصف قد استطال وكأن الأمر مقصود، لا سيما حين أرى بقية زملائي لا يشتغلون، و إلا لم يقبل علي الزبائن من دونهم؟ وكأنني عسل يستدعي النحل. أنكب بكل همة، أختم، أوقع، أسحب الأموال، أوزعها بحسب الطلب، أبيع الطوابع، أوجه الآخرين إلى المكاتب المطلوبة، وكأن هذا الصف اللعين لا يريد أن ينقضي، أحتج لأن زملائي لا يعملون، لهذا أظنهم هم من يحرصون على دفع الزبائن إلى مكتبي، يقنعونني بأنهم أدوا مهماتهم قبلي، أنا الذي لم ينتبه، وأريد عدم الانتباه قصدا لأقنع نفسي بأهميتي، ألا بئس الظن، ما علموا أني أتفانى في عملي لدرجة إهمال نفسي وواجباتي الأسرية. وأتابع الختم والتوقيع، إلى أن يحل وقت الانصراف...
لتنبيه الساعة وقع لذيذ على سمعي وعلى نفسي، تشعرني بالتحرر، بالانطلاق، بالتخفف من أعباء ثقيلة.
يقول عني زملائي وراء ظهري، يا لجبنهم! أني لا أؤدي عملي بهمة ونشاط، يعتريني الخمول، ويلبسني التكاسل، أعيش وهم العمل، وأتخيل نفسي أجد أفضل من الجميع، يقولون إنني أشعر بالحسد منهم، ومن مكانتهم وحظوتهم، كيف لي أن أحسدهم على شيء هم لا يمتلكونه أصلا؟ يا لتعاستهم، ويضيفون: إنني أقضي معظم وقتي سارحا، وحين أتنبه، أتعلل بالصلاة أو البحث عن غرض ما للهروب من أداء عملي، مما يسبب لهم إحراجا مع الزبائن فيسارعون لقضاء مآربهم بدلا عني، ألا ترون تفاهة دفوعاتهم، وهشاشة حججهم؟ إنهم يبحثون عن أعذار أفظع من الزلة.
أكاد أرى همزهم وغمزهم من وراء ظهري، وضحكهم المقيت، ما أخسهم! لا أستطيع الانتقام منهم إلا بالسخرية، والكد في العمل، حتى لا أترك لهم خرم إبرة ينفذون منه بسم وضغينة.
شعرت بخشونة يد توضع على كتفي، كانت لعون عملاق، قال لي ببوردة:
المدير يطلبك؟
تساءلت مع نفسي: لم يختارون أعوانا بهذا الشكل؟ هل يرغبون في إرعاب الموظفين أم الزبائن؟ ربما الاثنين معا.
هل تعرف لماذا؟
لم يحرني جوابا، ترك سؤالي معلقا وانصرف.
وأنا في الطريق إليه، تخيلت السيناريو التالي:
بلغني، أيها السيد، أنك تتأخر كثيرا، وتتكاسل في عملك...
كنت أعددت لمثل هذا السؤال جوابه، فقلت على التو، وبشكل سريع: أبدا، إن هي إلا أقوال كيدية..
أوقفني، لا يمكن أن يكذب عليك الجميع، وسجلك حافل بالتهاون، وهذا آخر تحذير لك.
لكن، سيدي..
قاطعني بجفاء، وقال لي:
لا أريد تعليلات، بدل لكن، اشتغل..
كان مكتبه فسيحا، مفروشا بسجاد نظيف، وفي الأقصى، يقبع مكتب من الآكاجو، يقبع المدير خلفه، يجلس على كرسي وثير؛ وقد انكب على ملفات يقرأها بإمعان، استنتجت ذلك من عدم النظر إلي؛ وخلفه، على الحائط، صورة زعيم البلد، وبالقرب منها، آية قرآنية، تحظ على العمل. وبجانبه مكتبة عامرة بكتب ثراتية ومعاصرة.
وبعد حيرة، حسمت أمري، نزعت حذائي، غير مبال بجواربي التي منها تظهر أصابع رجلي، وبظهر منحن اقتربت. المظاهر مفيدة في إبعاد النحس.
لم يأذن لي بالجلوس، بل أرسل لأذني جملة قاطعة: متى تستيقظ ؟
لفني ظلام شديد الكآبة، ومن أعماقي خرج ردي، فقلت بشكل حاسم، ومن دون تردد: أبدا!
وأنا أغرق برغبتي، وجدتني أنهض باكرا، وأتوجه إلى عملي بعد طقوس الإعتناء بهندامي ومظهري الخارجي، وتناول فطور مغذ تام التغذية، وبدأت الاشتغال. كنت ، وأنا أرى الصف يطول ويتمطط، أتظاهر بالبحث عن خاتم، أتعلل بذلك لأتيح لنفسي فرصة تسخين مفاصلي بعد طول جلوس. أو قد أؤدي الصلاة بخشوع قد يطول زمانه، حين أعود أجد الصف قد استطال وكأن الأمر مقصود، لا سيما حين أرى بقية زملائي لا يشتغلون، و إلا لم يقبل علي الزبائن من دونهم؟ وكأنني عسل يستدعي النحل. أنكب بكل همة، أختم، أوقع، أسحب الأموال، أوزعها بحسب الطلب، أبيع الطوابع، أوجه الآخرين إلى المكاتب المطلوبة، وكأن هذا الصف اللعين لا يريد أن ينقضي، أحتج لأن زملائي لا يعملون، لهذا أظنهم هم من يحرصون على دفع الزبائن إلى مكتبي، يقنعونني بأنهم أدوا مهماتهم قبلي، أنا الذي لم ينتبه، وأريد عدم الانتباه قصدا لأقنع نفسي بأهميتي، ألا بئس الظن، ما علموا أني أتفانى في عملي لدرجة إهمال نفسي وواجباتي الأسرية. وأتابع الختم والتوقيع، إلى أن يحل وقت الانصراف...
لتنبيه الساعة وقع لذيذ على سمعي وعلى نفسي، تشعرني بالتحرر، بالانطلاق، بالتخفف من أعباء ثقيلة.
يقول عني زملائي وراء ظهري، يا لجبنهم! أني لا أؤدي عملي بهمة ونشاط، يعتريني الخمول، ويلبسني التكاسل، أعيش وهم العمل، وأتخيل نفسي أجد أفضل من الجميع، يقولون إنني أشعر بالحسد منهم، ومن مكانتهم وحظوتهم، كيف لي أن أحسدهم على شيء هم لا يمتلكونه أصلا؟ يا لتعاستهم، ويضيفون: إنني أقضي معظم وقتي سارحا، وحين أتنبه، أتعلل بالصلاة أو البحث عن غرض ما للهروب من أداء عملي، مما يسبب لهم إحراجا مع الزبائن فيسارعون لقضاء مآربهم بدلا عني، ألا ترون تفاهة دفوعاتهم، وهشاشة حججهم؟ إنهم يبحثون عن أعذار أفظع من الزلة.
أكاد أرى همزهم وغمزهم من وراء ظهري، وضحكهم المقيت، ما أخسهم! لا أستطيع الانتقام منهم إلا بالسخرية، والكد في العمل، حتى لا أترك لهم خرم إبرة ينفذون منه بسم وضغينة.
شعرت بخشونة يد توضع على كتفي، كانت لعون عملاق، قال لي ببوردة:
المدير يطلبك؟
تساءلت مع نفسي: لم يختارون أعوانا بهذا الشكل؟ هل يرغبون في إرعاب الموظفين أم الزبائن؟ ربما الاثنين معا.
هل تعرف لماذا؟
لم يحرني جوابا، ترك سؤالي معلقا وانصرف.
وأنا في الطريق إليه، تخيلت السيناريو التالي:
بلغني، أيها السيد، أنك تتأخر كثيرا، وتتكاسل في عملك...
كنت أعددت لمثل هذا السؤال جوابه، فقلت على التو، وبشكل سريع: أبدا، إن هي إلا أقوال كيدية..
أوقفني، لا يمكن أن يكذب عليك الجميع، وسجلك حافل بالتهاون، وهذا آخر تحذير لك.
لكن، سيدي..
قاطعني بجفاء، وقال لي:
لا أريد تعليلات، بدل لكن، اشتغل..
كان مكتبه فسيحا، مفروشا بسجاد نظيف، وفي الأقصى، يقبع مكتب من الآكاجو، يقبع المدير خلفه، يجلس على كرسي وثير؛ وقد انكب على ملفات يقرأها بإمعان، استنتجت ذلك من عدم النظر إلي؛ وخلفه، على الحائط، صورة زعيم البلد، وبالقرب منها، آية قرآنية، تحظ على العمل. وبجانبه مكتبة عامرة بكتب ثراتية ومعاصرة.
وبعد حيرة، حسمت أمري، نزعت حذائي، غير مبال بجواربي التي منها تظهر أصابع رجلي، وبظهر منحن اقتربت. المظاهر مفيدة في إبعاد النحس.
لم يأذن لي بالجلوس، بل أرسل لأذني جملة قاطعة: متى تستيقظ ؟
لفني ظلام شديد الكآبة، ومن أعماقي خرج ردي، فقلت بشكل حاسم، ومن دون تردد: أبدا!
تعليق