بــــغــــداد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فلاح العيساوي
    أديب وكاتب
    • 11-04-2011
    • 196

    بــــغــــداد

    بـــغـــداد
    تقلبني أوجاع الشوارع فوق سرير التعب، أحاول الولوج في ممرات الذكرى، هناك عند اللاشعور اغفو في حضنها؛ قلبها المتلهف يضمني بين ذراعيه يحاول لملمة كياني المشظى، الإحساس بالدفء يزيد من عطشي إلى حنانها المتوهج، حتى يتصاعد الشخير المدوي من أنفاسي.
    الياسمين يعزف موسيقى الفجر الهادئ، فأصحو على نور شمسي في صباح يوم جديد يبعث عن أمل متجدد رغم قسوة الحياة.
    نهضت من فراشي حسب العادة، وأنا أنظر إلى وجهها المشرق.. ما تزال تغط بنومها العميق، قررت أن اتركها في أحضان الأحلام تنعم قليلا قبل أن ترى مفاجئتي، بعد دقائق رجعت إليها، بأصابعي دغدغت خديها الورديتين، فتحت عينيها مع إشراقة ابتسامتها، لم تتوان بعناق لطيف مع إمضاءه بطعم العسل وضعتها فوق شفاه القدر، عندما شاهدت المائدة جاهزة؛ أخذها الفرح على أجنحة الحب، تكرر كلمات العشق التي تنعش فؤادي، ما زال الطعام يستمد من حلاوته مذاقه الرائع.
    أيامنا الرتيبة لا تأتي بالجديد، دراجتي النارية (الستوتة) تطوي الزمن يوميا في رحلتها إلى السوق، أمست رفيقتي الثانية في حياتي العملية، سوق يوم الجمعة يختلف عن بقية أيام الأسبوع فهو يعج بالناس، أقف خلف بضاعتي المزجاة أتأمل الوجوه، أرى فيها أوجاع الزمن القاسي، أنفاس لاهثة تبحث عن راحة مفقودة في زمن المسخ المشوه.
    صوت أبي أحمد الجهوري وهو يصيح: (طماطه.. خيار.. أسود.. بألف دينار) أعادني إلى الصخب؛ أطلقت العنان لحنجرتي تصدح بما جاد به جاري، ضحكت في سري ومع صرختي الثانية دوى صوت الانفجار مسامعي وأصم أذني، خلال لحظات مجنونة لم أر فيها سوى الدخان الأسود وجسداً تكوم بين الخضروات والفواكه، وقفت بسرعة اتفقد جسدي.. حمدت الله وأسرعت إلى مكان التفجير محاولاً إنقاذ الجرحى، بين الحطام والأجساد المقطعة تعثرت بجسد وسقطت.. لكن تفاديت زيادة وجعه وجراحه برمي جسدي بالقرب منه، سمعته يئن، ما زال يتنفس..
    كان غلاماً بعمر الزهور، حملته وركضت به إلى سيارات تدخل مالكوها للمساعدة، وضعته في المقعد الخلفي وأسرعت عائداً للمكان مرة أخرى، في منتصف الطريق وأنا أركض شاهدت جسداً يتفجر بين جمهور المنقذين، أستحال المكان إلى كارثة ثانية.
    غصت في عالم اللاوعي، تشبثت بضوء للخروج من العتمة بين الركام، أسرعت للمساعدة من جديد، حاولت انتشال شخص يغوص في دمائه، لم أستطع، صرخت بصوت عال؛ ساعدوني.. لم يسمعني أحد.
    كانت الأصوات تنتشر متكسرة كالهشيم في أجواء مخيفة إلى حد الرعب، رابني هؤلاء الذين يطوفون كأنهم أشباح بيض تعلو وجوههم النظرة والبشرى، قذفتهم في سري ولعنت الشامتين، ذلك الجريح حمله ثلاثة رجال وأسرعوا به إلى سيارة الإسعاف، قررت مرافقته إلى المشفى، فركبت معه.
    عالم لا ينتهي بحدود، المشفى تعج بالصراخ والعويل، تلك المرأة تنوح فوق جسد ابنها المقطع، وهذا الشاب يبكي فوق رأس أبيه المحترق، على مسافة خطوات تجمع عدد من الأطباء حول شخص، أسرعت إليه لعلي أعرفه، أحدهم يمسك جهاز الصدمة الكهربائية للقلب علّه يسعفه، اقتربت منه اكثر؛ رأيت نفسي!!.. وسمعت الطبيب يصرخ؛ عاد نبضه.
    [read]
    تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
    [/read]
  • محمد الصحراء
    أديب وكاتب
    • 11-09-2012
    • 764

    #2
    الاستاذ فلاح العيساوي
    و سرد متقن الحبك الجميل
    ابتدأت بأماليد ندية منقية من كدر
    ثم أنحت المنحى النغص به مع نشرات الاخبار
    لك الله يا بغداد
    فلقد طال العهد بدعائنا أن تعود حدائق بابل للتعلق مجدد في ثريات الحضارات

    تقديري استاذي الكريم
    إذا لم توجه الناس سبل السلامة ... فلا توضح لهم سبل المهالك

    تعليق

    • عبير هلال
      أميرة الرومانسية
      • 23-06-2007
      • 6758

      #3
      قتل ودمار.. ولكن ما يبعث للسرور هو المحبة التي تجمع القلوب والتعاون الدال على أن الدنيا لا زالت بخير - تقارب القلوب والأرواح.آمل باذن الله أن يحل السلام العادل وتنتهي كل هذه المجازرنص مدهش للغاية .. تفوقت على نفسك بهذا النص الفخم..كل التقدير للمبدع
      sigpic

      تعليق

      • شاكرين السامرائي
        أديبة وكاتبة
        • 15-06-2012
        • 574

        #4
        هل هذه بلادي؟!!!!
        رحمتك اللهم
        رسمت ما يجري بحروف راقية,, سلم القلم

        تعليق

        • عبد الحميد عبد البصير أحمد
          أديب وكاتب
          • 09-04-2011
          • 768

          #5
          لوحة أدبية جميلة ..

          دام لنا قلمك السامق

          شكراً لك
          الحمد لله كما ينبغي








          تعليق

          • فلاح العيساوي
            أديب وكاتب
            • 11-04-2011
            • 196

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة محمد الصحراء مشاهدة المشاركة
            الاستاذ فلاح العيساوي
            و سرد متقن الحبك الجميل
            ابتدأت بأماليد ندية منقية من كدر
            ثم أنحت المنحى النغص به مع نشرات الاخبار
            لك الله يا بغداد
            فلقد طال العهد بدعائنا أن تعود حدائق بابل للتعلق مجدد في ثريات الحضارات

            تقديري استاذي الكريم
            أسف طال غيابي عنكم..
            لك الشكر والتقدير على مرورك العطر
            أخي الغالي..
            مع خالص حبي.
            [read]
            تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
            [/read]

            تعليق

            • فلاح العيساوي
              أديب وكاتب
              • 11-04-2011
              • 196

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة
              قتل ودمار.. ولكن ما يبعث للسرور هو المحبة التي تجمع القلوب والتعاون الدال على أن الدنيا لا زالت بخير - تقارب القلوب والأرواح.آمل باذن الله أن يحل السلام العادل وتنتهي كل هذه المجازرنص مدهش للغاية .. تفوقت على نفسك بهذا النص الفخم..كل التقدير للمبدع
              صديقتي القديرة الأديبة الكبيرة عبير هلال
              لك خالص الشكر والتقدير
              كلماتك شهادة اعتز بها..
              مع خالص ودي.
              [read]
              تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
              [/read]

              تعليق

              • فلاح العيساوي
                أديب وكاتب
                • 11-04-2011
                • 196

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة شاكرين السامرائي مشاهدة المشاركة
                هل هذه بلادي؟!!!!
                رحمتك اللهم
                رسمت ما يجري بحروف راقية,, سلم القلم
                أسف جدا استاذة شاكرين السامرائي...
                بغداد تجري في قلوبنا فلا نستطيع التغافل عما يحدث فيها..
                الف شكر لك على الحضور الراقي.
                [read]
                تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
                [/read]

                تعليق

                • فلاح العيساوي
                  أديب وكاتب
                  • 11-04-2011
                  • 196

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة احمد فريد مشاهدة المشاركة
                  لوحة أدبية جميلة ..

                  دام لنا قلمك السامق

                  شكراً لك
                  الف شكر لك اخي استاذ احمد
                  لك خالص التقدير..
                  [read]
                  تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
                  [/read]

                  تعليق

                  • عائده محمد نادر
                    عضو الملتقى
                    • 18-10-2008
                    • 12843

                    #10
                    الموت زائر دائمي لنا
                    يأكل ويشرب وينام على وسائدنا حتى بتنا نستسيغ طعم مرارته وقسوته
                    وليت الحروف تستطيع أن تقول أو تفي حق مايجري تحت أعين العالم كله
                    الجحيم أرحم مما نراه ونعيشه
                    حسبنا الله ونعم الوكيل
                    نص موجع لكنه حقيقي
                    أحسنت السرد
                    تحياتي لك
                    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                    تعليق

                    • أحمد الغانم
                      عضو الملتقى
                      • 21-10-2016
                      • 185

                      #11

                      الاستاذ القاص القدير فلاح العيساوي
                      تحياتي لك وانا أقرأ نصك الجميل عن بغدادنا
                      الجميلة التي غدت اسواقها وشوارعها اهدافا
                      لاوباش القرن الواحدو العشرين الحالمين بقتل
                      الحياة ونثر طواحين الموت على رؤؤس الابرياء
                      نص ممتع رغم انه تناغم مع مشاهد الموت التي
                      نعيشها اصافحك بحرارة صديقي المبدع
                      التعديل الأخير تم بواسطة أحمد الغانم; الساعة 26-12-2016, 15:35.

                      تعليق

                      • الفقير
                        محظور
                        • 22-02-2013
                        • 109

                        #12
                        الله يفرجها على العراق

                        تعليق

                        • سالم وريوش الحميد
                          مستشار أدبي
                          • 01-07-2011
                          • 1173

                          #13
                          الأستاذ الأديب فلاح العيساوي
                          أراك كما عهدتك متميزا ..
                          متمكن من سبر عوالم جنس القصة القصيرة بقدرات عالية من الابهار ،
                          وبسلاسة وانسيابية ، وانتقالات متقنة ..
                          بدأ النص برسم صورة التعب الجسدي اليومي الذي يكتنف عمل البطل والمعاناة النفسية التي يعاني منها
                          وبطريقة سرد موحية يتبدد كل هذا الشقاء وهو بين احضان الحبيبة جيث الحب الصادق ..
                          يصف لنا السارد على لسان بطله اشراقة يوم جديد حيث الجمال والملاحة
                          بدأ النص وكأنه يعوم في عالم رومانسي ساحر ، وكأن الكاتب لايريد أن يخرج من هذا الأطار
                          البطل الحالم والعاشق الذي يختزل كل اماله في لحظة تأمل إذ يرى وجه حبيبته( زوجته ) الوضاء وهي نائمة ، فهي السعادة بعينها ..
                          لم يفاجئنا الكاتب بالنهاية المأسوية ..
                          حيث مر ت الحكاية عبر عدة انتقالات سريعة كل انتقاله توحي لنا بحكاية أو جانب من القصة دون اقحام النص بتفاصيل مملة ، .
                          1. مكابدة اتعاب يوم عمل شاق
                          2. السعادة التي يودعها في البيت ،
                          هو يرى أن هذا العناء يهون مادام هناك من يزيح الهم عنه .. تلك المرأة التي استهل بها نصه
                          3. معاناته وهو يسوق الدراجة النارية ( الستوتة )وبضاعته المزجاة
                          والبضاعة المزجاة هي تلك البضاعة الكاسدة بخسة الثمن
                          4. معاناة غيره من الكادحين الكسبة الذين يعلنون عن بضاعتهم
                          5. المفاجأة التي في انتظاره

                          يعني الانتقال من الحلم والسعادة إلى معترك الحياة المضنى والمعاناة التي يجد فيها ديمومة لكسب رزق يومه ..
                          وكأن كل هذه الانتقالات البسيطة والسريعة هي ممهدات لحدث جلل ..
                          يأتي الانفجار المزدوج في لحظة الكل يتطلع فيها إلى رزق موعود .
                          فتسرق الآمال في لحظة مأساوية قد تكون هاجسا لأحد ما ، أو قد تضيع عن البال في لجة الحياة اليومية المضطربة والقاسية ..
                          وهكذا يقتل العشرات .. من الفقراء .. في المدن الفقيرة .. في الأسواق وقرب التجمعات البشرية دون تمييز ،
                          فالشظايا لا تفرق بين كبير السن او طفل أو امرأة أو عرق أو دين أو طائفة ..
                          تكاد أن تتكرر المأساة ، والوصف يكاد أن يكون منقولا لحدث مستقبلي أو حدث جرت وقائعه في الماضي ..
                          ما طرحته بالأمس كنص قصصي جاء بنفس السيناريو في تفجير السنك الذي حدث في 31/ 12 /
                          2016 .
                          وامام هذا النص وكونه من صميم الواقع ، سيناريو متكرر ..
                          فهناك الكثير من تلك الاسئلة التي تعج بها مخيلتنا كرغام مستثار ليس له قرار
                          ، وسط دوامة هذا التخريب وهذه الفوضى اللا منطقية تلح علينا أسئلة كثيرة
                          وهي اسئلة قد لا نمتلك لها أي جواب حاضر في أذهاننا
                          .لأنها غرائبية وأي جواب سيكون خارج سياق المألوف المعروف ،
                          و تظل تدور في فلك مغلق ، لا يتعدى كوة رؤوسنا ،
                          لم كل هذا يحدث.. ؟
                          وماهي الأهداف المرجوة التي يسعى أولئك المجرمين لتحقيقها من تفجير لا يطال إلا الأبرياء من الناس ..؟
                          ولم يختارون الفقراء والمساكين من عمال وكسبة وأجراء ليكونوا ضحايا تفجير إرهابي . أو اغتيال جبان .
                          أكثر من ثلاثة عشر عاما ونحن نستقبل اخبار الموت المجاني
                          ولا نملك إلا الأسى والاكتئاب والترحم على أرواح بريئة تذهب لبارئها لتشكوه ( بأي ذنب قتلنا )..
                          قتل جماعي لا يخسر فيها القاتل إلا كبسة على جهاز التفجير ..
                          ثلاثة عشر عاما ولم يحققوا شيئا من مآربهم رغم مئات الأطنان من المتفجرات ورغم الآلاف من الأجساد العفنة التي فجرت نفسها ..
                          السلطات باقية ، وأولوا الحل والعقد في بروج عاجية ،
                          سيارات مدرعة تقلهم ومواكب رسمية محاطة بالحمايات تجوب بهم الشوارع بعد تأمينها ..
                          بسطاء الناس فقط هم المستهدفون ، فهم الحلقة الأضعف ..
                          الأستاذ فلاح قوة النص تكمن في لغته ودلالته وايحاءاته الجميلة والنهابة الغرائبية التي جاءت لتخرج النص من تقريرية الوصف للمأساة
                          إلى منزع تجريبي بدا غرائبيا .لكنك وفقت في رسمه .
                          تقديري لك أيها المبدع ..
                          على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
                          جون كنيدي

                          الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

                          تعليق

                          يعمل...
                          X