معاناة في طي الكتمان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    معاناة في طي الكتمان


    معاناة في طي الكتمان

    رشيد ( فوزي )مصباح
    ettalab@yahoo.fr
    rachidmosbah779@gmail.com
    ***
    (1) "مكسورة الجناحِ "
    ***
    "مكسورة الجناحِ " هكذا كانت دائمًا تقول عن نفسِها ، وبعدما كبُرت وصارت تعلمُ أنَّ الاسم الذي تحمِلُه هو لطائرٍ أسيرٍ ورِثت منه كل شيء تقريبًا : الأناقة ، و الرشاقة ، والجمال .و.و... حتى الحزن والكآبة ! و كلَّما تفقَّد مُحيَّاها يرى في عينيها الشَّاحِبتين ملامِحَ التوسُّلِ والرَّجاءِ ، فيتيقّن عندها أن حجم الدَّمار الذي بداخِلها ، وكان هائلاً ، سببُهُ صروف الدَّهرِ وظُلمِ الأنامِ ، ولم يواسيها أحدٌ ممّن كانوا يظهرون لها في حياتها ودًّا مصطنعًا بينما يضمرون لها الحقد والكراهية بسبب جمالها الذي أودعه الله فيها ، ومكانتها المرموقة التي لم يحظ بها غيرها وسط أفراد عائلتها الجديدة ، ولم يكن لها يد في اختيار زوجها الوسيم الذي كان وراء عنوسة بعض فتيات القبيلة الكبيرة واللاتي عزفن عن الارتباط بغير ابن العائلة المحترمة ، وزواجها منه كان محض صدفة ، بل وليد ظروف اعتباطية ...ولكن المسكينة دفعت ثمن تواضعها فغدت محسودة من طرف الجميع ، وكان ذلك سببًا في نشوب الخلافات بينها وبين الزوج الذي تخلّى عنها ليلتفت الى غيرها ، فأشعل بذلك نار الغيرة في فؤادها الجريح ، الذي تسلّل اليأس اليه ، ووضعت طفلاً ورث منها بدوره كل شيء تقريبًا ؛ الأناقة .. والجمال .. وحتى الكآبة ! صار ينظر ببراءة الى الارهاصات وكثرة الخصام الذي أكدى الأم المغبونة ، وعاد على الأثر ليضيف للجرح القديم آلامًا جديدة .. فقرر أن يكتب شيئًا ما لينقل صورة عن حدّة المعاناة ..
    هكذا اقتتح المشوار ببعض الكلمات :
    - " وجيز الكلام لا يستوفي روح المعاناة الحقيقية !"
    ( يعلق على المزرار ( لوحة المفاتيح /الكيبورد ) الذي بين يده)
    لكن المزرار يتَعَطَّلَ فجأة !
    توقّف وراح يحملق فيه ليشرد بذهنه ؛ صار يرغب في عجنه ورمسه ثم دفنه ليتخلّص من تعنّته وعناده ويخلّص نفسه منه ويشفي غليله فترتاح أعصابه ... ثم يتمالك نفسه في الأخير لكن بقي يتهته ويثغثغ بعبارات مبهمة ولم يُفهم منه سوى :
    - " ما هذه الناصية !؟ "
    ( وتُعبّر عن الحسرة والأسى )
    يعد الأعشار والثواني ... ولايزال المشكل قائمًا ؟! :
    - "واشْ بابْ الرّايْ ؟ "
    ( يكاد يجن .. ! )
    ( يعتقد ستريحه الكتابة من الشعور بالذنب والتقصير !؟ )
    تعتريه الهواجس .. فيقوم بتشغيل جهاز الراديو الذي إزاه ليستغني عن الكتابة .. يهفو بسمعه فيشده صوتٌ حزين يسلب الفؤاد :
    - " أنا كلِّ ما جُول التوبة يا بُويا ترميني المجادير ! "

    - " يا للصدفة ! "
    ( هو الآخر تعتريه نفس العوارض !؟ )
    -" كم كانت المرحومة - طيّب الله ثراها - تهوى هذه النبرة الحزينة ! "
    ( وكم عانى هو الآخر من الفرقة والجفاء ! )
    ثم فجأة تتكرّر المصائب : ينقطع التيار !؟
    ( ذاك ما كان ينقصه ! )

    تغيّر لونّه وصار شاحبًا كالنص الذي ينوي الإفراج عنه ؛
    - " يا للخيبة ! "
    ( كأن الظروفِ كلها ضدّه !؟ )
    ربما
    تحاول منعَهُ من كتابة الذكريات الحزينة ؟!
    ( ما جدوى مقاومته لها ؟ )
    لكن ! تعود فتؤكّد له ذلك ؛
    فيُقرعُ البابُ هذه المرّة :
    - " من ؟ ماذا ؟ ماذا بعدُ ؟ ماذا تريدين ؟ "
    ( تباغته زوجته لتُحوِّل اليها الانتباه ) :
    - " قلت لك مكانه ليس هنا "
    فيرد عليها باشمئزاز :
    - " أيّ مكان ؟
    ما آخرتها معكِ أنتِ أيصًا ؟ "
    ( صارت مؤامرة تحاك ضدّه )
    تنسج خيوطها في خفاء لايعلمها سوى الله ، أو الأقدار التي تديرها ؛
    يا لحظه السّيِّء !
    حتى زوجته صارت تتحسّسه على غير عادتها !؟ :
    تعطّل الجهاز ( الكمبيوتر ) ... وانقطع التيار ...أظلمت في وجهه فانتَصب غاضِبًا وخطرَ بِبَالِهِ تغيير المكانِ :
    - " نعم ! ولم لا ؟ "
    لينزوي الى مكان آخر .. بعيدًا عن التشويش .. يقوم بالبحث عنه فيجده بأحدى الغرف : إنها غرفةُالنوم ! لايجرؤ أحدٌ بمجرّد الاقتراب منها ! فالسيّدة زوجته ؛ ربّة البيت صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة لاتتساهل ولاتتسامح معهم ,, فيلوذ بها مثلما يفعل سائر الأوقات ؛ عندما يتظاهر بالمرض ليستعطف الآخرين من حوله فتنبري لتخفت أصواتهم :
    - " أبوكم مريض "
    فيهدأ ويستريح !
    قرَّرَ الرحيل اليها ، وقام ينهشُ جميع الأغراض كأنّما ينهبها :
    - " رويدك "
    ( ترد عليه )
    أخذ جهازِ ( الكومبيوتر ) وكل ما يتبعه ، ولم ينتَبِه إلى الأسْلاَكِ المتَنَاثَرة حولَه ، فيتعَثَّرَ وكادَ يَسقُط ! تتعالى قهقهات الغمز الضحك تلاحقه ! وعلامات التشفّي بارزة على الوجوه تستشيطه .. فيرد عليها باللعن والسب ! ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منه !
    ليجد في السباب وسيلةً سهلة تريحه من الجواب ! الجميع يرافق خطواته المشوبة بحذر وهو يتخبّط فتلمزه بنت الأذن : - " إنه مثيرُ للشَّفَقَة " فيهثهث :

    - " ألا يعلم هؤلاء ( .../...) سر كل هذا الاصرار ؟ "
    ( يأبى لسانه لفظ أسمائهم )
    يهرع إلى المكانٍ المناسبٍ ؛ غرفة النوم :
    - " يا محلاها ! "
    ( ستكون بدون شك هي الأنسب له ولخروجِه من وَرْطَته )
    تصدُح رأسه علل الأفكار فيترنّح خلف لحن تلك الأغنية الحزينة ويردّدها لسانه :
    - " نعم ! هذا هو المكان الذي ضاع مني وكان يجدر بي أن أقبع فيه ! "
    ( نعم ! ) : ليس أحبّ إليه من تلك الغنية ولا من غرفة النوم المريحة التي لم يتغيّر شكلها كثيرًا :
    - " كل شيء على حاله ! "
    (نعم ! بقي كل شيء على حاله ؛ كما تركه ) :
    الفِراشُ ؛ لم يوضّب .. المدوّنة ؛ مفتوحة كما تركها يتوسّطها القلم الجاف رفيق الدرب ؛ هو الأخر يعاني من الخرف ومن سوء الاستعمال يكاد ينضب من الاستخدام المتعسّف .. فنجان القهوة ؛ ولايزال يحتفظ برشفات تعبّر عن نكهته ومزاجه الخاص : لابد أن تكون ثقيلة ومعطّرة بماء ورد خالص يحمل علامة تركية قام باقتنائه وبسعر باهض من دكان ذاك (.../...)الأخ السلفي ( حتى لايقول عنه أنتهازي ومشعوذ ) والذي لم يضمن له مدى صلاحياته وقال عنه مهدّئ للأعصاب ؟! قد يكون كذلك لكن لم يعد يهمه ذلك وفي هذا الوقت بالذات .. فات الأوان وليس بالامكان تدارك مثل هذه الأمور .. والمهم الآن هو هذا المكان المهيأٌ لارتمائه بين أحضان الحشايا المبعثرة : قام بتمرير يده اليسرى على المنضدة ليتخلّص من بقية الشوائب ؛ قشور برتقال .. مناشف .. ثوبٌ شفقٌ ... وضع أوزاره مثل الحكيم لكن الأسى يبدّده فيتلاشى الهدوء وتغيب الطمأنينة من فؤاده :
    - " لمّ تركتها وحيدة تنازع وتتألم بين تلك الجدران الصمّاء ؟ "
    ( يعود الى التأنيب من جديد إنه الضمير الذي لايرحم )
    تعود به الذّاكِرة إلى الوراء .. إلى زمنٍ ولَّى واندثر.. يحاول مقاومة النسيان فلا يقدر .. لكنه لم ييأس وراح يشغل نفسه بالأسلاك التي أحضرها وقام بجمعها : ليشغل الجهاز ( الكمبيوتنر ) .. وقام بفتح صفحة جديدة ؛ وأخيرًا :
    - " لوح المفاتيح ( الكيبورد ) يعمل بصفة جيدة هذه المرة ! "
    ( يفرح لكن أفكاره تعطّلت لتخونه المشاعر ) :
    - " كيف سأبرّر غيابي وكنت أعرف خطورة المرض الذي أصابها !؟
    ( ويعود مرّة أخرى ) :
    -" كانت تعلم بالظروف القاهرة ؟! "
    ( ثم الى التبرير من جديد )
    يحاول طمأنة خاطره الجريح ؛ هو أيضًا عانى من الجروح ومن جفاء الآخرين له ، ومن المتقوّلين عليه ( يقصد الانتهازيين سواء من الأقرباء أو الأعداء الذين وجّهوا له طعنة في الظهر بغية إسقاطه من عين الأم المغبونة ولم يرحموها وهي ترقد في فراش الموت ليحملوها على البغض والكراهية ؛ الشياطين المسلّطة على أعراض الناس في اسواق الكلام ... يستوجب عليه التنديد بأفعالهم ومقت سلوكاتهم إن أراد التخلَّص من شعوره بالذنبِ .. ومن النَّدَمِ على ما فرّط وضيَّع :
    - " لكن لن يجديني ذلك فالأمر قد فات ! "
    ( يعدل عن رأيه فحجّته ضعيفة وواهية ومثلما يقول البعض ؛ لا ينفع الندم بعد العدم ) عليه بالبحث عن شيءٍ آخر لينتقم لها من القهر .. من الاستبداد .. من العادات البغية و التقاليده الجائرة التي تسبّب له الغثيان !
    تلوح الأفكار وتتجلّى المعاني فينكشف ما في أعماقه .. فيضيف :
    - " نصف قرن من المعاناة والجفاء هل هذا ما كانت تسحقّه !؟ "
    يكاد هذه المرّة يكون على صواب ؛ فالمرض العضال الذي استفحل فيها واستحلّ روحها وجسدها ولم يشفع لها لدى الآخرين قد دمّرها :
    - " كيف سأنتقم لمن غيّبها الموت ؟ "
    ( يصرّ على الانتقام لها ) :
    في حين لم يَبقَ من عمره سوى هنيهة .. ومن الوقت إلاّ القيل ... ثم يسترسل : كانت مجرّد بداية لتجربة حقيقية عاشتها إنسانة رَهَنَت حَيَاتَها بين نقِيضِيْ مُجْتَمَعٍ جاهِلٍ ، لا يحترم الشعورولا يُراعي أسباب الحياة ، وتقاليدٍ عَمْياءٍ ، تُكرِّسُ النَظْرَة العِدائَيَّة، ولا تَرَى في الأُنْثَى سِوى النُّقْص والعيوب ، وأنَّ مَصِيرَها ليس في رقّتها وعُذوبتِها ، بل مَرْهُونٌ بمدى صمود جنسها الناعم لتلك الممارساتِ الشنيعة التي تُروِّج لتفضَح نفسَهابنفسها غداة كل ليلة دهماء ، تلك النَظْرَةُ المنكَرةُ وتدلُّ على مرَضٍ اعتَرَى المجتمع " الذُكُوري " ، الذي تآمر مع هذه التقاليد البغية ليدخل ِ الخَوْف والرَّيْبِ في نَفْسِ الأُنْثَى ، والتي انْتَظَرَت كثيرًا ولم تجد من ينصفها فتحجَّجت بالمحظورِ والمباحِ فتمرّدت ، وكثر اللّوم عليها ، فأشهرت سلاحَها في وجه القيمالبريئة ... انقاد وراء مشاعره وراح يطلق العنان للتعبير عمّا يخالجه ... ثمّ فجأة يرن الهاتف :
    - " ماذا أنت أيضًا ….!؟ "
    ( يشير المنبّه الى دخول وقت الصلاة فيتوقّف ويرفع يديه )


    ***
    (2) مستشفى ( الأهراس )
    ***

    و على عجلة من أمره عاد .. لايدري كم صلّى من الركعات .. كأنّه مسافر أو به مرض .. لتنفرد به وساوسه القديمة .. وتناول لوح ( الكيبورد ) ليراجع السطور التي تجافى عنها وغادر المكان فتوقّف عند نهايتها حيث قال (عن الأنثى) إنها ضحية ممارسات شنيعة جعلت منها بضاعة سائغة تباع وتشترى في أسواق النخاسة .. ويرمى بها في الملاهي لتستهلك ثم تطرح من الذاكرة بعد ان تكون قد استنفذت صلاحياتها ... تحضره صورة الأم البائسة ترقد بمستشفى قديم تعاني من ويلات المرض .. ومن الجفاء القاتل .. والذي يقع في حيِّ قديم بمدينة الأُسود ( الأهراس ) وهكذا كانت تسمى .. والتي تشكّل همزة وصل بين جهات ومناطق عديدة .. وتذكِّرُهُ بأشياء جميلة ؛ كالتهور و الاندفاع وحب المغامرة ... السلوك الذي تبنّاه و تماهى فيه فصار نمطًا يميّز حياته سيّما عندما تكون وجهته الى بلدة حمام الـمـسـ " المِسْكِ والطِّين "خوطين ذات التضاريس البركانية والتي ضربت أطنابها بعمق في عهد الأساطيرالقديمة ونسجت قصصًا رائعة على منوالها تَجمَعُ بين جمال الأسطورة ومناظرِ الخُضرةِ الخَلاَّبَةِ والتُّرَاث الكبير الذي تتبجّح به مدينة " مالاكا " الأثرية المتاخمة .. هي الأخرى جميلة ترقد بين الجبال .. وتُنسب الى ملكة كانت تحكمها آنذاك .. إبّان العهد الروماني القديم ... أقام بها سنة كاملة فكانت سببًا في بلوغه النشوة وإقامته لعلاقات حميمية ( لكنها مشبوهة ) ولحسن حظّه فقد كانت عابرة و لم تدم كثيرًا ولم يَكتُب لها الاستِمرَارُ .. بسبب النّزق وغرور الشباب .. عندما كان مراهقًا يستخف بالأحاسيس ويتلاعب بمشاعر الآخرين .. لايعرف استقرارًا ولايهدأ له بال .. كذاك القِطار ذو العربات المتوتِّرة الذي ينتظر قدومه كل مساء خميس ليتجنّب الإحراج فهو " مفلس " وجيوبه مثقوبة ( وليس كما يدّعي وأن لديه أزمة فكّة ) فليس باستطاعته اقتناء تذكرته الزهيدة التي لاتساوي ثمن وجبة " سندويتش " .. ومعروف عن هذا القطار أن الشباب يستغلّونه في المعاكسات ولأنّه بطيءٌ يتوقّف باستمرار بين العديد من المحطّات .. وبالمحطَّةِ الرَّئيسيَّةِ ياخذ وقتًا طويلاً .. ويكثر الكلام حول الرومانسية .. ويخضعُ الرُكَّاب للتَّفتيشِ .. ونقطة وصلٍ تربط الاتِّجاهاتِ الأربعة ببعضها .. وفرصة استرفاق تثير الفضول والشغف أو لحظة وداع تستجدي الألم والتحسّر.. وبجانب المحطّة ترقُدُ الأُمُّ التعيسة مُتعَبَة بسبب المرضِ ومن تداعياتِهِ .. تنتظِرُ قرارا صائبًا لمُغَادَرةِ المستشفى بأيّ طريقة ؛ على الأكتاف أم راكبة و راجلة .. وقد ضاق الصبرواستنفد معه كل الجهد فصارت عاجزة لاتقوى على الحركة ولاعلى الكلام .. ولم تبلغ عِقدها السَّادِس بعد .. ولم يَنفَع الدَّوَاءُ ..ولا الرَّجَاءُ .. ولاكثرة الدُّعَاءِ معها .. فأعياها المرض وأقعدها لتلزم الفراش ,, ثم السرير بعدما يئست من التعافي ودخلت في غيبوبة بمستشفى الهواء الطلق المسمّى بالـ ( ساناتوريوم ) ..لا يبعُدُ كثيرًا عن مدينةِ (الأهراسِ ) التي تروّج عنها الأساطير ؛ كالأسودِ التي كانت تَحرِسُها .. والشَّجرَةِ المُبَارَكةِ التي تنسب للقديس(أُوغَسْطِينُوس) … وتَوَلَّدَت من رَحِمِ هذه الأساطيرِ نَرْجَسَه زائِدَةٌ عُرِفَ بها أهلُ هذه البَلدَةِ التي شاءت الأقدار أن تكون آخر محطّة للعديد من أقربائه الذين ودّعوا الحياة في صالة المستشفى ثم انتقلوا الى جوار ربّهم مثواهم الأخير .. دخل يَتَفَقَّدُ المكانَ تِلوَ المكانِ .. يُصعِّدُ تارة ثُمَّ يَعودُ إلى جادّةِ الصَّوابِ .. يَسْأَلُ جميع من يَعْتَرِضُهُ :
    - " من فضلك ؛ هل تعرف أين ترقد ( فلانة ) ؟ "
    ( فيسمّيها باسمها لكن لايجد من يرشده عبر ثنايا المكان وفي غضون وقت الزيارة القصير )
    فتأخذ بيده أحدى الممرضات :
    - " تفضّل من هُنَا سَيِّدِي " يردُّ عليها باشراقة من وجد ضالّته :
    - " جزآكِ اللهُ عَنِّي سيّدتي "

    دَخَلَ صَالَةَ النِّساءِ رُفقَةَ ابنَتِهِ التي لم تَبلغُ عِندَها سَنَّ المُراهَقَةِ .. وبعد أن صال وجال وتَاهَ بين الأجنِحَةِ والأروِقَةِ والجدران .. يَجُوبُها طُولاً وعَرْضًا ولم يعد يُفَرِّقُ بين الأمكِنَةِ من كثرة التجوال... فيَتَجمَّدُ بَصَرُهُ تفاجئه صُورَةِ الأم تنام في سبات عميق نوم الطفل في مهده تعانقه الطيوف وتُراوِدُهُ الأحلامُ .. فانْهَالَ علي جبينِها يقبِّلُ ويَبْكِي ويردد على مسمعها كلمات المطرب المغربي المعروف بعد أن تَأَكَّدَ له من خلال ابتِسَامَةِ الشَّوْقِ التي تعوَّدَ عَلَيها وتُبَادِره بها بعد كلِّ غَيَّابٍ أنها لاتزال على قيد الحياة :
    - " حجبوك لعدا ياولفي "

    أرْسَلَتْ نَظْرةً جَامِدةً ،كَأنَّها تَسْتَشْعِرُ الرَّمَقَ الأَخِيرَ ، تُودِّعَ مَنْ لاَ يَمْلِكُ إِجَابَةً حَاضِرةً ، عَنْ مُسْتَقبلٍ غَيْرَ مَعْلُومٍ ، وقدْ غَيَّبَ الوَعْيَ الْواقِعُ ، وضَاعَت جَمِيع الفُرَصِ التي كانت تَتَحيَّنُهُ ولمْ يُعِرْها اهتِمَامًا ؛ كلُّ شيءٍ صَامِتٍ ،كَبَيَاضِ المَلاَءَةِ التي تَلُفُّها ، والفِرَاشِ الذي يُغطِّّي السَّريرَ ، والجُدْرَانَ التي تَروِِي ، بمَرِّ السِّنِينَ ، معاناة المَرضَى المُقَيمين بأقدمِ مستشفى ، بالمدينةٍِ التي غَرَسَ فيها " أُوغَسْطِينُوس " شَجرتَهُ المقدَّسَةَ ، فصارت مَحَطَّةً ، تَجْذِبُ الزَوَّارَ ، ومَرْكَزًا ، تَطُُوفُ حَولَهُ جَمِيعُ أصْنَافِ المركباتِ ؛ المُريحة ، والمليحة ، وأخرى مَرِيضَة ، كَأَنَّ بِهَا زُكُامٌ ، أو جُنَّتْ ، يُوحِي ضَجيجُ مُحَرِّكَاتها بِمُعاناة قَدِيمَةِ ، تسْتَفِزُّ كُلَّ من يُسَابِقُها ، أو يُحَاوِلُ أن يَعْبُرَ أمامها ، تَحْتَكِرُ الوَقْتَ ، وتَنْتَزِعُ المَسَافَاتَ من نَظِيرَاتِها المَارَّة ، والمُترجّلينََ العَابِرِين للطَّرِيقِ ، وكَانَ يجدر بِأَصْحَابِها إِحَالَتَها على مَرفأِ السَيَّارَاتِِ المُتقاعدَةِ لتُريح الْبَلْدَةَ الارستقراطية الهادئة ، من كَثْرةِ الصَخَبِِ ، وتُيَسِّرَ على أهلِها المندفعين ، كافّة السُّبُلِ. كذلك كَرِهَتْ أُمُّهُ التَّعِيسَةُ ، قليلةُ الابْتِسامِ ، والتي صارَعَت الأَزْلَ والنَّكدَ ، منذُ الأَزَلِ الأَوَّلِ ، ولم يَرَهَا قَطُّ مُبْتَهِجةً ، إلاّ في قليلِ المناسباتِ ، وعندما يعودُ من المدرسةِ وتَضُمُّهُ إِليْها بِشِدَّةٍ ، كأنَّها عَثَرَتْ على شيءٍ ضاعَ مِنْها ، وكانت تَبحثُ عَنهُ بشغفٍ ؛ تلقّى خَبَرَ وَفَاتِها بَيومٍ واحدٍ من أوَّلِ وآخِرِِ زيارةٍ جَمَعتْهُ بأفرادِ العائلةِ المغبونةِ :
    جَدَّتُهُ الكَتُومَةُ بجانبها ، تراقبها في صمت ، ُلا تَنْبِسُ بِبِنْتِ شَفَةٍ ، ولا تَتَفوَّه إِلاَّ عِنْد الضَّرُورَةِ ، فَالغُبْنَ الذي غَلَبَ على حَيَاتِها في البَادِيَة لا يَتْرُُكُها تَتَكَلّمْ .
    و
    خَالُهُ ؛ الابنُ الْبَارُّ الذي قَسَّمَ حَيَاتَهُ إلى نِصْفَيْن ، شَطْرٌ مِنْها لِلْرَّعْيِ وتَربَيةِ المَوَاشِي ، وسخَّر البَاقِي للْجَدَّةِ التِي تُعَانِي من أمَرَاضِ الشيخوخة ، القلب ، والسكّري ، و"الرّوماتزم " المفاصل ، يتنقّل بها بين العِيَادَاتِ ، ولم يفعلْ ذلك مع الزَوْجَِة و الأولادِ .
    و
    أمَّا صَهْرُهُ فمُتَوَاضِعٌ ، رُغْمَ انْتِمَائِهِ لِعَائِلَةٍ مُرَفَّهةٍ ، وتَمْلِكُ من الثَّرْوَةِ مَا جَعَلَها مَحَلّ تَبْجِيلٍ .
    الْمَرَّة الأُولَى والأَخِيرة ، التِي نادتْ فيها أُمُّهُ على ابنَتِهِ الكُبْرَى ، تَطْلُبُ مِنها أَنْ تَتَقَدَّمَ إِليْها لِتُقَبِّلَ يَدَها ، كأنَّما أَرَادَتْ أن تَفْشِيَ لها بِبعض الأسْرار ؟
    كانت تلك ،آخِرَ صورةٍ يَحْمِلُها مَعَهُ .
    - " بَابَا " " بَابَا " ؛
    عبَثًا يُحَاوِلُ أبناؤُهُ تخْلِيصُهُ من الأضْغَاثِ
    - "رشيد انهض " " ما بك " ؟
    وتَلِحُّ عليه زَوْجَتُهُ ، الحَسْنَاءُ التي تتهيأ لتودِّعَ العزَّ والجمالَ ، ولم تبلغ عقدها الرابَع ، من جرّاءِ ما عانت ، ولا تزال تقاسي معَهُ ، البِنت البشوشة الطيِّبة ، والتي اختَارتها له أمُّهُ عروسٌ قِمَّةٌ في البهاءِ والتواضُعِ ، وتَوسَّلَت له بها ، وقَرَنَت رِضَاهَا بِقُبُولِهِ الزواجِ منها .
    يَعُودُ إليِها ، ليَتَخَلَّصَ من كَابُوسِ الرُّعْبِ ، لكنّه يَبقَى في هَذَيانِهِ يُتَعْتِعُ :
    - " لَقٌّرِينَة " ! " لَقٌّرِينَة " !
    كَوابيسُ أضغاثٍ ، بالكاد يَنسَاها ، تعود إليه لتُرْهِقهُ مُجَدَّدًا ، فيسْتَشيطَ منْها ويَستَفِيقُ ، و العَرَقُ يَنُشُّهُ ، في دوَّامة أوْهامٍِ ، لطالما راوَدَتْهُ ويَتَشاءَمُ منها ، وراح يُرِدِّدُ أبْيَاتًا يَحْفَظُها عنْ ظَهْرِ قَلْبٍ ، يُراجِعُها عِنْد الشَّدائِدِ :
    وزائـرتي كأنَّ بها حياءً…فليس تزورُ إلّا في الظّلام
    فرشتُ لها المَطارِف والحشايا…فعافتْها وباتَتْ في عِظامِ
    ويختِمُ قصيدتَهُ المفضَّلة بِآخرِ بيتٍ مُمَيَّزٍ :
    وَإنْ أسْلَمْ فَمَا أبْقَى وَلَكِنْ ***سَلِمْتُ مِنَ الحِمامِ إلى الحِمام
    في أيِّ يوم نحن من أيّامِ الله ؟ يسْتَفْسِرُ بعد أن فَتَحَ عَيْنَيْه :
    - " إنَّها الجمعة " .
    ( يُجِيبُه أَحد الأبناء )
    يومٌ كبيرٌ هذا الذي يَنْتَظِرُهُ ، قَرَأَ عُنْوَانَهُ مِن صَبِيحَتِهِ ؛ يُلَمِّحُ إلى القَرِينَةِ التي خَنَقَتْهُ البَارِحَةَ وكادَتْ تَقْتلُُهُ ، فتَوجَّسَ خِيفَةً خاصّة وأنَّهُ تَرَكَها في حالةٍ لا تَبْعثُ على الطُمَأْنِينَةِ ، دخلت في الإنعَْاشِ :
    - " هل كانت تَحْتَضِرْ ؟ "
    كيْفَ يَعْرِفُ وهو لم يَتَعَرَّض في حَيَاتِهِ لحاَلاتٍ مُشَابِهَةٍ ، تَعْتَرِيهِ الهَواجِسَ لِتُنْهِكَ ما تَبَقَّى من قُوَّةٍ ، لم يكن باسْتِطاعَتِهِ فِعْلَ أيِّ شيءٍ ، وغادر المستشفى ، مُسْرِعًا ، كأنَّما يبْحَثُ عن شخصٍ ما يُخلِّصهُ من الشُّعُورِ الْمُضْنِي ، يتَمنَّى لو يَتَحَوَّلُ إلى حَجَرٍ أَصَمٍّ ، كالذي يُتَشَكَِّلُ منهُ مَبْنى المستشفى ، وجُدْرانِهِ الصَّامِتَةِ ، التي لا تَكْتَرِثُ بالمشَاعِرِ ، ولا لانْشِغالِ الزَّوّارِ بمُعَاناةِ أقَارِبِهِم الْمَرْضَى ، وطاقِمِهِ الْمُجَرَّدِ من كافَّةِ العَواطِفِ ، بزَيِّهِ الجَامِدِ ، وألْوانِهِ المُوَحَّدَةِ ، وبكُثْرَةِ اِنضِبَاطِ أفرادِهِ ، الذين لا يَتَنَازَلُون على دقيقةٍ واحدةٍ من أوقاتهِم ، لفائِدَةِ المَرْضَى المحْرُومِين ، ولا يلتفِتُون إليهم بعد خَلْعِ المِئْزَرِ ، عادَ إليْها ، وفي يَدِهِ قارُورَة عَسَلِ صَغِيرَةٍ ، تَحْمِلُ مَاركَةٍ سَعُودِيَّةٍ ، استَدَانَها من أَحَدِ المَحَلَّاتِ البَعِيدَةِ ، والتي تُوجَدُ على بُعدِ أميالٍ من المدينَةِ ;تَمْتَمَ فيها بِشيء من القرآن ، وبعض الآياتِ من السُورِ التي يَحفَظُها ، ثمَّ ساعَدَها على رشْفِها ، كما كان يفعلُ ذلك عندما كان يُرقِي المَسَاجِين ، لا يزالُ يَحمِلُ ذاتَ الاعتِقادِ ، وأنَّهُ عبْدٌ صَالِحٌ ومُسْتَجَاب الدَّعْوَةِ ، وبينما كان يجِدُ فيه البعض راحةً لهم ، يُقابِلُه آخرون ، كالحارِسِ ومن جاوَرَهُ من المقَرَّبين ، بتَهكُّمٍ وسُخرِيةٍ ، تلك هي السَّذَاجَةِ التي جعلتهُ يَدخُلُ السِّجنَ ، بلا دليلٍ مُقنِعٍ ، وبدونِ مُقَاوَمَةٍ ، حتى أن الجَمِيع ، بمن فيهم أفرادُ عائلَتِهِ ، لم يَستَأنِسوا كثيرًا للمُِبرِّرات التي كان يتَحَجَّجُ بها أثناء التَّحقِيقِ ، يخالِف آراء الجميع ، كما خالف هذه المرَّةِ رأيَ الطبيبِ ، والمُمرِّضةِ التي منَعَتهُ في البِدايةِ ، لتَغُضَّ عنهُ الطَّرَفَ ، بعدما يَئِسَت من إِقنَاعِهِ بِضرورةِ احتِرامِ النِّظامِ الدَّاخِلِيِّ ، واستَسلَمَت لَهُ ، كما استسلمت أمُّهُ ويئس جميع من في الصّالةِ من تَمَاثُلِها للشِّفاءِ ، في غياب دواءٍ فعَّالٍ ومناسبٍ ، يعيد لها الأملَ .
    استبدَّ بها المرضُ ، وتدهورَ حالُها ، وزادَ الألمُ ، فاعْتَقَدَ كلُّ من كان حاضِرًا ، أنها تَحْتَضِرُ ؛عندها ؛ صَدَرَت الأوامِرُ ، وصاحتْ فيهم المُمَرِّضَةُ تُطْلُبُ النَّجْدَةَ ،وتَأمُرُهُم بِإخْلاءِ القاعةِ ، الشَّمسُ تدْنُو للْمَغِيبِ وتَنْسَحِبُ من الْمَشْهَدِ ، فَيَنْحَنِيَ ويُقَبِّلُ الجَبِينَ الذي يَصْنَعُ الشَّفَقَ ، يودّعَ صاحِبة الوجهِ الشَّاحبِ والعَينْينِ الْمُتَستِّرَتَيْن خَلفَهُ ، المُشَيَّعتيْنِ بالخُضْرَةِ والصُّفْرةِ ، مُسَمِّرة تَرْقُبُ السَّماءَ ، تسْتعجِلُ الرَّحيلَ ، تنتظِرُ الأجَلَ ؟
    التُبِسَ به الحالُ ، تعقّدتْ أمورُهُ وتشابكتْ ، لم يعد يفرّق بين الأوقاتِ والمواعيدِ : متى سيعود إلى أطفالهِ الأبرياءِ ، وقد تركهم بدونِ مأْوى ولا غِذاءٍ ؟
    قُرِعَ البابُ ، يُرافِقُه صَوتُ امْرأةٍ ؟
    تَدْخُلُ عليهم الممرِّضةُ متوسّطة القامّة ، ترتدي مِئْزرًا أبْيضًا، تَتَّقِدُ ، لم ترُقْها رؤية بعضُ الوجوهِ الغريبةِ ، والتي لم تتعوًّد على رُؤْيَتِها بين المَرْضَى ، وكان واقِفًا بِجانِبِ السَّرِيرِ ، يَتَحَاشَاها ، ويَتَفَادَاها ، يُمْنةً ويُسْرَى حتىَّ لا تُطْرُدُهُ ، تجُرُّ عربةً محمّلةً بالدواءِ ، ومن ورَائِها عامِلةٌ ، ثخينة ، هي أيضًا ترتدي مئزرًا ، لكنَّهُ طويلٌ ، يصِلُ إلى الكَعْبين ، أخضرُ اللَّونِ ، مُرْغِدَ بالزَّيْتِ وألوانِ المَرَقِ ، تفوحُ منها رائحةُ المطبخِ ، تلوِّحُ بمِغْرَفَةٍ كبيرةِ الحَجْمِ ، تملأُ بابَ الصَّالةِ ، في إشارةٍ إلى موْعدِ وجْبة العَشاءِ ، ما كان البابُ لِيَسَعَها ، لو لم يكن عريضًا بما فيه الكفايةِ .
    أقْبلَ اللَّيْلُ بوسائِلِهِ الجديدةِ ، وألْقى الظلامُ بثِقَلِهِ على نَضْرةِ النَّهارِ، فَأمْسَى كظيمًا ، ثَقِيلَ الظِّلِ ، غَيْرَ مَرْغُوبٍ فيه ، تبدو الحياة ، في هذا الزَّخَم الطائش ، كأنّها مَزْحَةً و مَسْخَرَة ، أو مسْرحيّةً قَصِيرة وفاشِلَة ، أُسْدِلَ عليها السَّتارُ !؟
    فقَدَ الأملَ من كلِّ شيءٍ تقريبًا ، ولم يَبْقى له سوى البحْثُ عن مكانٍ يؤدِّي فيه الصَّلاة ، حمداً للهِ ! وجد أخيرًا منْ يُرْشِدُهُ إلى مُصَلٍّ على خطواتٍ من الصَّالةِ ، لا يَتذكَّرُ مِنْهُ سِوَى ركْعَتَيْ خوفٍ أدَّاهُما فيه ، وتَضرَّعَ إلى اللهِ لعلَّهُ يُخفِّفُ عنْها ببركةِ ما يوجدُ فيه من أشياءٍ مقدّسةٍ ، ثمَُّ انْصَرَفَ عائدًا إلى البيتِ .
    خرج من دائرةِ " الزَّمْكَنَةِ " المكانِ والزَّمانِ ، والمشاهِدِ التي عاشَها خلال تلك الزيارة ، ليجد نفْسَهُ ، بين أفلاذِ الأكبادِ ، مُحاطًا بجُدْران البيْتِ ، حاضِرَ الذِّهْنِ .
    تَلَمْلَمَ ، يجمِعُ نفسَهُ ،قَرَّرَ الذَّهاب :
    - " عليه أن يراها قَبل ...لا قدّر الله " ؟
    - " لعلَّ اللهَ يحدِثُ أمرًا ، غير الذي يتوجَّس " ؟
    يعودُ إلى تفَاؤُلِهِ ؛ لأنَّ المِسْكِينَ ليس لديه خيارًا آخرًا ، ولا من أسبابِ الحياةِ سِوَى الأَمَلَ ، أو بِِنْت بارَّة ملبّية ، قد تكونُ هي الأخرى من أسبابِ فَشَلِهِ ؟ولكثرة اعتِمادِهِ عليها ،فهي تُنَفِّذُ جميعَ أوامرِهِ ، دون تردُّدٍ: "أنظُرْ إليهِ كيف يَتَجَرَّدُ من مَسْؤُوليَّاتِه وواجِباتِهِ الأخلاقَيَّةِ ؟ يُحاوِلُ التَّمَلُّصَ من ضَميرِهِ الغائِبِ ؟ "
    ينْدَه عليها :
    - " أميرة بُنَيَّتِي ؛ اذهَبِي إلى بيتِ جَدَّكِ واطلُبِي المُستَشْفَى لست مطمئنًّا لحالِ جَدَّتِكِ " .
    لم يَشْعُرْ إلاّ وقد غادرت ،
    يعدُّ من ورائِها الدّقائق ، والثواني ، يتحسّس ويتَرقَّبُ ، على أحرِّ من الجمرِ ، لم يقْدِر على مقاومةِ الظنُّونِ فيسْتَسْلمَ لهَواجِسِهِ ، وفي النِّهايةِ :
    - " يَا هَيَاه ! "
    تعودُ البِنتُ ، ومظاهر الحزن بادية عليها ، تجرُّ ثَوْبَها البَالي كالخْبَرِ الذي تحْمِلُهُ ، و الأيَّامِ التَّعيسةِ التي تقْسُو على العائلةِ المُعَذَّبةِ ، لتَضِيعَ الأُسْرَةُ الْبَرِيئَةُ في مَتَاهَاتِ الْعَبَثِ فـ :
    - " كَيْفَ سَيَكُونُ جَزَاؤُهُ عند اللهِ يا تُرَى " ؟ "
    ( يتساءلُ ثُمَّ يَتهرَّبُ من الإجابةِ )
    صار مُدِركًا لمقدارِ الجُرْمِ الذي تسبَّب فيه :
    - " بابا "
    ( تتردَّدُ البِنتُ قبل أن تتجرَّأَ على تقديمِ العَزاءِ له )
    - " أعظم الله أجرك "
    يتريَّثُ قليلاً ، ثمّ يُطَأْطِئُ ، ويُمسِكُ بِرأْسِهِ ، تذْرِفُ عَيْنَاه ، فيَمْسَحُ دُمُوعَهُ خِلْسَةً ، و يتَشجَّعُ ، يحاول النُّهًوضَ ولا يَقْدِرُ ، فقَدَ رُكْبَتَيْهِ ، لكنّه لم يَفْقِدْ الرَّغْبةَ الملحَّةَ في الخروج للبَحْثِ عن وسيلةٍ في يومٍ كهذا وجُمُعةٍ ؛ مُبَارَكَةٍ على المؤمنين جميعًا، تستَثَْنِيهِ اليَومَ ، ويوْمٍ مَزْهُودٍ ، يَعْزُفُ الآخرون فيه عن الدُّنْيا ، وعُطْلَةٌ مَدْفُوعَةُ الأَجْرِ، لكن أمْثَالُهُ من البطّالين ، لا يمْلِكُون وظيفةً ولا مُرَتَّبًا، ولا حتَّى قوت يَوْمِهِم : فمن سيُسدِّدُ عنه أُجْرَةَ السيارةِ ، والتي يزمعُ أخذها لتُوصِلَهُ إلى المُسْتَشفَى ؟
    يَتَسَاءَلُ في حِيرةٍ من أمْرِهِ ،شاردَ الذِّهنِ ، تائِهًا ، مُتَلَخْبِطًا :لا يدري من أيْنَ يَبْدُأُ ، ولا إلى أين سيَنْتَهِي به المشوار؟
    - يا : " سي " رشيد إلى أين "
    صوتُ أحدٍ يُناديه ؟

    الحَمْدُ للهِ ؛ لازالَ من يُسَوِّدُهُ في هذه الأيام .
    إنّه سائقُ سيارة الأجرةِ الوحيدة ، المتوفّرة بحظيرةِ خالِيةِ ؟
    الحياة متوقِّفة ، كأنّها الآخرة ، والجَوُّ مُتَوهِّجٌ وخَانِقٌ في هذا اليوم العظيم من يُولُيو" جويلية " الأغرّ...
    -" لعلَّ الجَمِيع مُتَضَاِمنٌ معه ؟ "
    أنظر كيف يَسْخِرُ من نَفْسِهِ .
    يأخذ نفسًا طويلاً ثمّ يُطْلِقُ زَفرَات ، تَحْضُرُهُ كلماتُ أُغْنيَّةٍ ، كانت تَحِبُ سماَعَها منهُ ، فيَجهَشُ ، ثُمَّ يَجمعُ أنفاسه ليَعْزِفَ ألحانها ، وراح يُنْشِدُ :
    " سَمْرَاءُ
    يا حُلْمُ الطُّفُولَةِ
    ويا مُنْيَةُ النَّفْسِ العَلِيلَةِ
    كيف الوصول إلى حماك
    وليس لي في الأَمرِ حِيلةٌ "
    بأيِّ وسيلةٍ سَيَصِلُ المَغْبُونُ إليها ، وهو لا يملِكُ دينارًا ولا ملِّيمًا واحدًا ؟ يَتَحَسَّرُ ،لمن سَيَبْكِي ويشكي ويَرْثِي حالَهُ ؟
    للمُتَشَفِّين فيه ، أم لأقْربَاءٍ غَير مُبَالِين ؟
    المسكين ، هناك أشخاصٌ لا يكبرون ويحتاجون لعناية دائِمة، ومراقبة لأفعالهم ، لرعاية الغير ، مهما بلغ بهم السن ، أنظر إليه كيف كبُر ليشرف على أعتاب الأربعين ، لكنه لا يزال يحتفِظُ بنفسِ المشاعرِ والأحاسيس ، ويحمِل صورة الطِّفلِ البائس ، لا يعلم بذلك غيرُها ، وقد وَرِثَ منها : الجَفَاءَ و القَطِيعَة ...كما كانت أفضت له بذلك ، عندما كان في السِّجْنِ ومنَعُوها من رُؤْيَتِهِ ، عندما أرادوا يَحْرِقُوا كَبِدَها ،فبَكَتْ وأبْكَتْهُ ، وحاولت التخفيف عنه ... تلك الأيام ؛ تَمالَكَ وهمّ بالركوب وقد ضيّع الكثير من الأشياء ، لم يعد يعنيه سوى السفرِ .
    لا يَذكُرُ إن كان قد ألْقَى السَّلامَ والتَّحَيَّةَ على المتواجدين ، وكلّ ما فعلَهُ أنّه رَمَى بِجَسَدِهِ المُنْهَكِ خلْفَ السَّائِقِ ، فِرارًا من همِّ الماضي والأحزان ومصائبِ تُلاحِقُهُ ، لم يَعُد قادِرًا على حَمْلِها ، واستَسلِم لها .
    يُرْفَعُ الأذانُ ، يُنادِي المُؤَذِّنُ حيَّ على الصَّلاةِ ، حيَّ على الفلاحِ ، إلى أن ختم بقولة " لا إلهَ إلَّا الله " خيَّم الصَّمتُ بعدها ، فاشرَأبَّت الأعناقُ لصوت المُقْرِئِ يُرتِّلُ بصوتٍ جميلٍ يَرُدُّ الرُّوح وقِرَاءَة عَطِرة تَشَدُّ إليها القُلوب .
    انطلقت السَّيارةُ كأنَّها فزَعَت ، تسْتَعْجِلُ الطريقَ من طوال التوقُّفِ ، خَيَّم السكون على الأجواء التي لم تعد تتحمَّلُ الكلام ؛ كأنّ الحُزْن البادِي عليْهِ، قد شَتَّتَ الأفكارَ من حوْلِهِ ؟
    اخْتَار الخمسة رفقاءِ الدربِ إراحةَ أنفسهم بمتابعةِ المشاهدِ المتناقِضةِ ؛ تستعيد الطبيعية جمالها كُلَّما تَوجَّهْتَ شَمَالاً ، لتَتَخَلََّى تدريجيا عنْ مَظَاهِرِ التَصَحُّرِ .
    - " سُبْحَانَ من أوْدَعَ هذا الجمال المتناقض والذي لم يَعْتَرِه خَلَلٌ أو نسيانٌ "
    اسْتَنْزَفَ رفقاءُ الدَّرْب كل ما لديهم من لياقة ولباقة وتساؤل واستفسار ، وتحفَّظَ من جِهَتِهِ ، ولم يُشَارِكهُم في حِواراتٍ قد تُعجِّلُ المشوارِ ،كون المشاركة في الكلام والحوار ، تعني بالنسبة له ، تبديد المشاعِرِ وتشتيت الأفكارِ ، ما جعلَهُ يُحْجِمُ ويُطْلِقُ العَنَان لعَواطِفِهِ الجيَّاشةٍ لتَصُول ويُجول بِخاطِرهِ في أرْوِقَةِ الزمان ، فيَسْتَوقِفُه الماضِي على صورة صَاحِبَة الوجْه الشَّاحِبِ الذي غابَت منه مَلامِح الحياةِ :
    تَقَلَّصَ حَجْمُهُ الحَقِيقي ، وفقد نَضَارَتَهُ رغم الجَمَال الذي عُرِفَ عنه وحداثة سن صاحبته، ولم تبلغ الثلاثين !
    عندما كانت تَقِفُ النَّهارَ كُلًّهُ ، مُصْلُوبَةً وراءَ النَّافِذَةِ ، تُتابِعُ .. تُراقِبُ .. يَتَسَارعُ نَبْضُها وقلبُها الضعيف يكاد يسقُط لم يتحمّل أكثر ممَّا يستطيع ، حتّى أنّه كان يُسمَعُ خفقانه ؟
    سألها ذات يومٍ عن سبب ذلك فلم تُجِبهُ وتكتَّمت ، لأنّ الأمر يتعلَّقُ بأبيهِ ولا تريد إفشاء السرِّ الذي بينهما ، ولأنّ أمثالها تربَّين على الإخلاصِ والوفاءِ ، والتضحية رأسمالِهِنَّ ، ومهما كان فإنَّها كانت تخاف وتخجل أن تُطلِعه على ما يعكّر صفوه فيَشمت الأ قرانُ به ، أو اللاّئي يَغِرْن منها ولا يحبِبن الخير لها ولا لعائلتها ، بعد أن رحلت عنهن لتعيش " في لعلي " بمعني فسيح وشاهق لتسكن بالمنزل العائلي " الرهيب " كبير ومعزول عن الحياة والحارة والمجتمع ، يفتقر إلى حوش ولا تدخله الشمس لأنّ واجهته إلى الشمال وليست إلى القبلة وبه أكثر من ستّة غرف والتي لا تقدر على الاعتناء ولا الاستئناس بها لكثرتها ووحشتها ، فصارت تعاني من الخوف والإرهاق ، تتأوّه وتتحسّر ، تتطلّع باستمرار إلى الخارج ، سجينة تشْتاقُ إلى الحرَّيَةِ ، تتوقُ إلى رُؤْيَةِ الأهل والأحباب !!!

    تَأكَّدَ له ، بعد أن كَبُرَ ، أنَّها تَفْتَقِدُ أباه الحاضر الغائب :
    - " هوّن عليك سي رشيد "
    يرفعُ بصَرَهُ :
    فِإذا بالسَّائِقِ قد رَكَنَ السيَّارةَ بِبَابِ المسْتشْفى ؛ يَدْعُوهُ إلى التشجُّعِ وكان يراقب التعابير التي ترسم ملامح الكآبة لصاحب الوجه الحزين الذي اختار الصمت منذ بداية الرحلة رغم محاولات إنقاذه بإخراجه من سجن الصمت الذي ربِت عليه فلم ينبِس ببنت شفةٍ ولم يرقه الأمر لأن من عادة سائق الأجرة أن يحرّض المسافر على الكلام لكسر جدار الصمت بين النفوس المتردّدة فيتمكّن من مقاومة آفة النُّعاس هذا الخطر المحدق به في كل آونة وحين والذي لايتسامح معه ولايرحم أحدًا من بعده ومن الارهاق وما ينجم عن الافراط في العمل المتواصل دون مناوبة حتى أن البعض صار يطلق على هذه الشريحة من طالبي الرزق بـ " شركة الملهوفين " :
    - " لله ما أخذ وله ما أعطى وكلّ شيء لديه بحسبان "
    - " أصبر واحتسب يا أخي ، تنال الأجر العظيم "
    فردّ عليه :
    - " أحسن الله عزاءكم ."
    ***
    (3)بيت العزاء
    ***
    - " من هنا ، تفضّل سيدي "
    اختلط عليه الأمر ،وفقد تركيزه أمام الحضور الذين أحاطوا به وجاءوا من كل حدب وصوب ، من بينهم بعض الأقرباء ممّن سبقوه إلى المكان ، وأصحاب المآزر من أعوان المستشفى ، ولم يعد يفرِّقُ بينه وبين من يأمُرُهُ بالجلوس لاستكمالِ الإجراءِ بالدَّفنِ ، ومن يحاوِلُ مساعدتَه ليُرِيه الطريقَ إلى مستودعِ الجثامين ،
    - "تكون عاودته الأوهام من جديد ؟ "
    لا يهمُّ !
    قاموا بإخراج الصندوق : صفيح " الانوكس" الجامد ، هو الآخر صامت ؛ كالملاءة التي كانت تلفّها ، والفراش الذي كان يغطّي السرير ، كجدران المستودع الجاحِد تنظر إليها فى صمت وقد فقد الجسد الضعيف كل الأحاسيس ولم يعد يشعر بمن حوله ، جثا على ركبتيه يقبِّل الجبين الطاهر ويبكي :
    -" رحمة الله عليك يا أمّي الحبيبة ، أيتها الأم الرائعة "
    أما آن لصاحبة الجسد الحزين أن تتخلص من تكاليف الحياة ؟!
    لقد تحرّر الطَّيف الجميلُ ، بكلِّ هدوءٍ ووفاءٍ ، ليركُن إلى السّكينة لتنال صاحِبَتُهُ السَّلامَ الذي ناضلت لأجلِهِ وحُرمِت منه :
    لن تجد أفضل من السُّباتِ العميقِ ثمَّ تبدأ مشوارَها الجديد وتعيش الحياة السرمدية التي كانت تحلم بها ...
    - " رجاءً سيِّدي ؟" :
    تقدّمت إليه السكرتيرة تدعوه إلى الإدارة لاستكمال الإجراءات الخاصَّة بتسجيل الوفاةِ وتحرير رخصة الدّفن لإخطار الجهات المعنية وتحرير الجثمان ، فيتحرّر بدورهِ من القُيود الروتينية ، ولكي تعود المرحومة نعشًا على أكتافِ الرجالِ كما تقول أخته الوحيدة وهي تبكي وتـ " عدّد" ــردّد :
    - " جابوك الرجال يا يُمَّة .. جابوك الرجال يا الحنّانة " !
    فزادت من ألمِهِ ، وحزَّ في نفوسِ المقبلين على دارِ الجدّةِ ، والأخوالِ اليتامى :
    - " هو أيضا مثلهم يتيم الأب ، والجد ، والعم ، والخال ، والرفيق "
    ( يتحسر من كثرة ما عانى من جفاء الآخرين له )

    تقدّم الجمع في سكون و صمت رهيب ، يخيّم الحزن على الأجواء ، ووضعوا التابوت أمام الحرائرِ ثمَّ انصرفوا يتمتمون بلهجتهم المحلّية :
    - " مَرْحبَا بَرَبِّي "
    ، للهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ ،
    عادت الحُرّة إلى موطِنِها الأوّل الذي كبرت وترعرعت فيه طفلة تجري وتمرح ، وتسبح بخيالها في رحاب فضائِه الواسع وراء القطيع الذي ترعاه ... إلى أن جاء اليوم الذي تخشاه ، ليحرم أمثالها من المراهقات من اللّهوِ والمرحِ ، وتبدأَ حياةً جديدةً ، فتجاوبت العائلة المحافظة على الأصول مع الظروف الجديدة ، وقرّرت أن تزفّها عروسة عذراء ، لتتخلّص من كابوس الأخطار المحدقة ، وتنقذ ابنتها من جرائم الاحتلال التي باتت تؤرّق العائلة الجزائرية يومها ، والظروف التي تحالف فيها الطاعون مع الجهل ، والقهر مع الفقر فتولّد استبداد راح ضحيّته " الزواولة " الفقراء من سكّان البلاد، المنبوذين الذين غزت أجسادهم وأفنيتهم جحافل الحشرات اليافعة ، أوما يسمَّى عندهم بـ "الزّاغدة " كالقمّل و القراد ، واستعمرت أكواخهم الهشّة ، و التي تكاد تسقط على رؤوسهم من ثقل القش والأتربة في غياب القدرة على شراء الاسمنت وتشييد الخرسانة ، فشكّلت بيئة خصبة لنمو البراغيث يتقاسمونها مع المواشي والحيوانات الأليفة الأخرى كالكلاب ، والدجاج ، والأرانب ، والقطط ... ظروفٌ ، روّجت لبروز معتقداتِ الشِّركِ ؛ كالتمسّح بالقبور وتقديس أصحابها ، وتقديم أنواع القرابين للأولياء الصالحين ، وما يسمّى بالـ " الوعدة " ، وإشعال الشموع الغزيرة لإنارة الأضرحة ؟
    نشأت العائلة الجزائرية وسط هذه الآفات، وزاد عنها انتشار السرقة والاعتداءات ، ممَّا ساعد الاحتلال على إثارة الفزع وزرع الخوف في النفوس ، و تأجيج الصراعات بين القبائل والأفراد ، فغدا المجتمع مشتّتا ومتناحرا تنخُرهُ عصابات الخونة الذين باعوا ضمائرهم مقابل بعض الأطماع والامتيازات ، وأضحى أفراده ( المجتمع الجزائري ) غير مؤتمنين على أنفسهم ، ما حدا بالعديد من الآباء إلى تزويج بناتهم في سن جدّ مبكرة , هروبا من الفقر وخشية من العار . لكن جرت سنّة الله الكريم وسرت قوانينه ، ليستجيب للذين فقدوا الأمل لكثرة الاستياء ومن جرّاءِ الممارسات القمعية وأسلوب التهميش ، ومنَّ اللهُ نِعمَتَه على المعذّبين الضِّعافِ ، المغتصبة أرضُهُم وعِرضُهُم باسم الحضارةِ ، فكانت مِنحَةً ربّانيةً ، ومكافأةً للأُسَرِ المغبُونةِ على صُمودِها وحِفاظِها على شَرفِها ، وكانت سلاحًا لم يقدر عليه الاحتلالُ الغاصِبُ ؛ وتشجَّعت البنت الوحيدة لمساعدة أفراد العائلة الصغار ، وراحت تعينهم على تربية القليل من رؤوس الماشية التي تملكها ، " الدوبان " ، ترعاها جهارًا ، ولم تكترث الصبيّة للزيّارات الليلية المفاجِئة التي يقوم بها المتلثّمين رفقة بنادق ورشاشات ، ولم تلتفت إلى نظراتهم المريبة المرعبة ، زيارات سرّية تميّزت بالحيطة والحذر ترافقها، نهارًا ، عمليات تمشيط وتفتيش يقوم العسكر بعدها بقتل كل مواطنٍ يشتبه فيه ، وحرق أكواخ البعض منهم ، انتقامًا من أصحابها الذين يرفضون التَّعامُل مع فرنسا.
    جاءت الأوامر في هذه الظروف لتَمكُث الصبيّة بالبيت وتنقطع عن الرعي إلى حين رحيلِها لتتزوّج ؟ لكنَّها لا تعلم شيئًا عن فتى الأحلام ؟ من الذي سيأخذ بيدها إلى العالِمٍ الغريب ، والذي تسمعُ عنه و لا تعرِفُ عنه الكثير ؟ حبّذا لو تحظى برجُلٍ مميَّزٍ يكون مثل أبيها ؟
    تكتَّمت ، رغم أن الأمر لا يحتمِل الكتمان ولا يعني أحدًا سواها ، لكن قوانين " الطوطم " أضحت كقصص الغول المرعبة " والتي كبرت عليها وصارت تخاف من مجرّدِ التفكير فيها ، ويحظر الخوض فيها بعيدًا عن رقابة العائلة ، خارج دائرة الأنظار !؟
    ولأنَّها ليست بالفضولية التي تجادِلُ وتبحث في خبايا الأمور عن الأسرار ، ولم تربطها علاقة حميمة مع المراهقين من بني جنسها ، عدا العجم من الحيوان البريء الذي تسأله أحيانًا فلا يجيب ، والذي لا يفقه عنها و لا يعقَّب عليها، كأنَّما يؤيِّدُها بصورةٍ مطلقة على ما تفعلُه .
    جاء اليوم الذي أجبر العائلة على مباشرتها في الموضوع ، وتخبِرُها من حضرت خِصِّيصًا ، ليس بغرض الحصولِ على رأيِها أو طمأنتِها ، وإنَّما لإجراء الترتيبات الأخيرة قبل الزَّفاف ، وانفردت بها عن الأنظار لتدغدغ أنوثتها وتُغريها بشابٍّ قالت عنه إنَّه وسيمٌ وينتمي إلى عائلة ميسورة الحال ، وأبوهُ شيخٌ محترمٌ ومناضِلٌ في صفوف جيش التحرير ، " يحمِلُ القرآن ويحفِّظُه لأولاد الدوَّار " .
    كان هذا كلُّ ما سمعته منها، ورخّصت به العائلة ، وكأَنَّ الأمرَ لا يعنيها بل هو جزءٌ من مبادئ ثورة التحرير !!؟
    أمّا عائِلتها الصَّغيرة ، فقيرة الحال ، فلا تملِك من المكانة والعلوم سوى إرادة صلبة تقاوِمُ بها ظروف الحياةِ المتقلِّبة :
    - ورثت الشجاعة من أبيها ؛ وهو الذي تخطّى حدود الفقرِ والاستبدادِ ، وشارك في صفوف الاحتلالِ ضد النازيين . ومن أمِّها الحسناءِ ، الصبر والاحتساب لله .
    لا يعدو الزواج أن يكون صدفةً من الصُّدفِ ، لا تخطيط ولا خيار لها فيه ، وحين التقى الأبوان بإحدى المقاهي التي تجمع الوجهاء والأعيان ، يتداولون أخبار الثورة بمنأى عن القوّاد من أعوان فِرنسا ، وأَعجَبَ الواحِدُ الآخَرَ ، فقرَّرا التقرُّب من بعضِهِما ... ما كان القرار الذي اتُّخِذ دون إشراكها ولا استشارتها بالذي سيُزيح عنها الكثير من الغبن ، رغم الأُلفة التي تربطها بالعالم الذي عانقته بشغف ، ونشأت لتحبُّه وتستلهِم المشاعِر منه :
    كيف ستقوى المسكينة على الفراق ، أو تعيش بعيدًا عن أحضان العائلة التي ترعرعت في كنفِها ؟
    كيف بها ستصبحُ أمّا ، أو ربّة بيتٍ ، وتتحمّل مشقَّة نظامٍ جديدٍ لم تألِفهُ قط ، وواجباتٍ لم تَعهُدها من قبل !؟
    كانت كلُّها مجرّد تساؤلات باتت تشغل البنت التي استغنت عن اللعب والرَّكض والمرح ، وتمَّت إقالتها فجأةً من جميع المهام :
    وهل تتحمّل المغبونة عواقب كلّ ذلك وهل هي مسئولة عمَّا يترتَّب عن هذا التهميش ؟
    زفَّت العروسُ ، لتصِل إلى الأهلِ الجُدد ، مُتعبةً ، ومن السَّيرِ مرهقة ، ومن صعوبة الفراقِ ، وقد أودى الحمارُ بمراسِمِ الاحتفاءِ في غياب وسيلة أخرى ، و تأجَّل الموكِبُ بمن فيه للوصول بها في لياقتها المعهودة ؛ كيف بحالِها في ظروفِ هذه الرِّحلة الغريبة ، وفي هذه المرحلة بالذّات من مراحل العمر المضني ، وهل ستكون بدايةً لمعاناةٍ أخرى قبل بزوغ موسم حياة جديدة ؟
    لم تتوقف المعاناة ، بل استمرّت لتُفسد أجواء العُرسِ ، حيث شهِدت ليلة " الدُّخلة " على غرار ما يقع وتعوّد عليه الشعب الجزائري من انتهاكات ؛ فقد عاشت الأم - العروس ليلةً حالكةً سوداء ، خضعت فيها لقوانين الحظر " الكوفر- فو " ودنّسها العسكر بهمجيته المعروفة

    لم تنسى المرحومة تلك اللَّيلة , وكانت تحاول دائما سردها لتبرز له حجم المأساة التي عاشها الشعب الجزائري :
    انبطح جميعُ النَّسوةِ على العروسِ بعد أن قاموا بإطفاءِ القنديل الوحيد المعلقّ بالكوخ ، لم يكن حينها من يملك وسيلة غيرها، كالكهرباء الآن ، وكدن يختنقن في ظلام اللّيل الدامس خيّم الرعب والخوف لفترات طويلة عليهن ، ولا يُسمَعُ فيها إلاّ لاغيه أو قعقعة أحذية البوط " الرانجارس " فكانت نكسة ، واعتبرتها المرحومة نذير شُؤمٍ ونحسه , فاقت تلك الليلة كل التوقّعات !
    وفي أجواءٍ من الخوف والرُّعب ، حملت به ولم تكن مهيّأة لذلك لكنَّ حماتُها " هبيلة " ، صعبة المراس ، تغيَّرت وتنازلت قليلاً عن رُعونتها ، عندما أطلعتها " عيشة " ، إحدى عرائسها ، على كل صغيرة وكبيرة ، كما فازت بحبّ أبيه ، وكان سببًا في اندماجها وسط الأفراد فصارت واحدة منهم .

    أبوه المحترم الذي كان في ريعان شبابه ، لا يزال أصحابه يكنُّون له نفس المودّة والاحترام ولأسباب عديدة ، منها الانتماء لعائلة " سي حمُّو " خاصَّةً ، ومزاولته لبعض الحرف المتواضعة ، ومواظبته للطَّاعات ،...،... لكن ذلك لم يدم كثيرًا لأنَّ أباه مُقبِلٌ على وظيفةٍ تجبِرُهُ على خلعِ رداء التواضُعِ ، وما كانت السعادة لتستمر بعد الحمل العسير الذي أنهك الزوجة البائسة، والإنجاب المبكّر للأمُّ المراهِقة لتعود الهموم فتذكّرها بحظّّها السيِّئ ، وغدت وحيدة محرومة ، تترقّّب عودة أبيه ، الزوج الشاب ، الذي هجر البيت وكلّ من فيه ، والمسجد الذي ما فتئ يؤدّي التحيَّة فيه لله فصار يؤدّيها لخِرقة قماش بالية أصبحت مقدَّسة لديه، فرضها النِّظام والتمدُّن عليه ، فتخلّص الأب تدريجيا من الثوب القديم وتقمّص بذلةً جديدة أشعلت نيران الشكّ في قلب الشابَّة البدويَّة ، والتي لم تجد سندًا من بين الأفراد ، ومن فيهم الجدد ، أم الأقارب الأوائل الذين تغيّبوا وقلّت زيَّاراتهم ، فخارت عزائمها ، وغاب الصبر وكل ما ورثته من عائلتها القديمة ، فأرخت سدولها للأيَّامِ تعبث بمصيرها ، وسلَّمت أمرها لله . وزادها مِحنةً تسابُقِ العرائِسِ اللاّتي حاولن انتزاع مكانتها لاسترجاع ثقة الحماة الوعرة بهن ، وتأجيج الخلاف الدائر بين أبويه ، ليجد نفسَهُ تترادفُ عليه النسوة بعد فقدانه لأمِّهِ التي هجرت البيت من كثرة الخصام ، رضيعًا ضائعًا ، لولا عناية جدِّهِ العجوزِ ، وكان خير مؤنسٍ ، يرعاه حين تغضب أمُّه .
    تبوح له ببعض الأسرارِ رغم إرادتِها فهي تخشى عليه ولا تريد أن تُكدِّر صَفاءَهُ ، ولا يزال يتذكّر عندما أستيقظ على صراخ أبيه متضجِّرًا ، يسخط ، يبعثر الأثاث المرتّب في الخزانة وأحدث ضجّة في ساعة متأخّرة من الليل :
    لم يتحمَّل رؤيتَه للعجوز الأرملة " تحتضِنُه ، والتي تركت كوخها وجاءت كي تواسي ابنه في غياب الأم التي رحلت تارِكة إياه ، ليواجه مصيره بنفسهِ ؟
    ترك ضجيج الصُّراخِ الحادِّ أثرًا بليغًا في نفسية الطفل ، ظلَّ يحمِلُه حتى كرِه الحياة ، وكان ذلك سببًا في ميولاتٍ بغيضة ، كالعزلةِ والتشرُّدِ والبحث عن المسكِرات ، وعن كلِّ ما يُتيحُ له الهُروب من الواقِعِ . صار يستحسِنُ غياب أبيهِ الطويل ، بسبب الوظيفة وكثرة التنقّل والظروف الأمنية ، وكان حاملاً للسِّلاح ، فكان أقرانهُ من أبناء العمومة الذين يتقاسمون معه نفس الحوش ، يلاحِظون عليه الخوف ، ويقولون له إنّ " عُزير " قد جاء وسنناديه ، فيفر من البيت ، ولا يجرؤ بعدها على الكلام ، يسخرون منه لكن تبين فيما بعد أنهم يحسدونه بسبب جمالِهِ ودلاله ، بل لا يزال يتذكّر عندما يُغرِى صبايا الحي بالحسن الذي أودعُه الله فيه ، واللاّتي لم تستطعن إخفاء إعجابهن

    - " سي رشيد هل سترافقنا إلى المقبرة " ؟ :
    يشير إليه أحد الذين يحملون النّعش ، قام بتنبيهِهِ ليستفيق من الحزن والحنين الباديان عليه بالرجوع إلى أثر الطفولة المعذَّبة ، ببريق أملٍ لم يعد يُجدِي .
    استفاق على بكاء وصراخ النسوة يودِّعن الفقيدة وراء الرِّجال ، اغرَورَقَت عيناهُ وصاح باكيًا :

    - " هل حان الموعِدُ أُمَّاه ؟ "
    - " هل كان قدرُكِ أن تعيشي ؛ تعيسةً شقيةً و محرومة ، و يحظى غيركِ بوافرِ السَّعادة ؟ "
    - " أ لعنةٌ هذه التي باتت تُطارِدُنا يا نبع الحنان أمي !؟ "
    - " يا من خرَجَتْ إلى دنيا جائرة وراحتْ تبحثُ لها عن حياةِ كريمة , فلم تجد سوى موتٍ مترصَّدٍ خلّصها من معاناة طويلة ! "
    أدرك عندها أنَّ الأيامَ القاتِمَة لا تزال قائِمة ، وأنَّ العُمْرَ سحابة صيفٍ ، وركام أيَّامِهِ غيْمٌ حقيقيةٌ ، وأنَّ أمَّه المغبونة قد استعجلت ومشوار الرّحيلِ قد حان ويقضي الأوان أجله وجسدها النَّحيفِ ذبُل كأوراق الخريفِ وبرُد كليالي الشتاءِ الجهيد .
    وتوقّف عندها ، بجانب التابوت الأشول ليؤازره :
    - "هو أيضًا يستعمل يسراه وبكثرة !"
    ( عدا اللّقمة أو الكتابة لكنه يخجل من ذلك )
    وتوقّف يستعيد الذاكرة : هو الذي كان ، فيما مضى يمسك يراعَه قيد الأنملة الحزينة يشقّ بيمينه لغة الضّاد الجميلة قبل أن يتورّط في إدارة موليير البغيضة قرّر عندها إشهار كلمات تروي عن التهميش تواسي كلّ تعيسٍ حُرِم من لذّة العيشِ قد لا تروق للمحظوظين غيرهم ورغم ذلك سيكتب وسيظلّ يكتب ...إلى أن يجفّ الصَّبر و تتورّم الكلمات ... وإن تراجع العمر أو تأخَّر لينقل للأجيال صورة الأم البريئة ... وصرخ في نفسهِ :
    - " أكتب يا قلم "
    فليمسك القلم وليروِ كل شيءِ عنها عن المعاناة ، عن الصبر والألم ضجيجُ المُحرِّكاتِ يعلَُو الصُّراخ صوت النحيب والنواحِ يُحرِّكُ الموكِبَ ؛ جاء الرٍِّجالُ يشارِكُون في تشييع الجنازة ، فاختار البعض جَرَّار العائلة المُتواضِع ، ولا يزال يحتفظُ بلياقته رغم كونه يعتبر وسيلةٌ يتدرّبُ عليها الجميع ، بينما اختار هو المكان الذي سيمنحه النظرة الأخيرة ، فتمتم :
    - " هيهات ! "
    - " هيهات ! "
    - " لن تعود ! "
    يرمق التابوت الذي تجاهله !
    فراح هو الآخر يتجاهل نظرات ; بعض أصحابها صاروا يحترفون الموائد والولائم تحرّكهم الأمعاء يستبشرون بهكذا مناسبات :
    -" أغ ! "
    - " كم بات يمقُتُ تلك السلوكيات ؟ "
    يفضّل الانشغال بالبحث ولعلّ يفيده فيعثر عن كلمات تجسّد معاني الرِّثاء ؛
    -" رحلت بعيدًا تجمّدت صورتها "
    " صارت قطعة خشبية داخل تابوتٍ أصمٍّ !"
    يتحسّر على فقيدته فيهتِفُ :
    - " نصف قرنٍ من المعاناة كان عمرها الحقيقي "
    " لا تزال صامدة لم تستسلم "
    " يا لذاك العناد ؟ "

    ( يستشعر صمودها ، فيرى روحها كأنّها تُرفرف لتشيِّع الموكب الجنائزي إلى مثواها الأخير ، لا يراها سواه !؟ )
    كأنّما تحرّرت من جميع القيود فتذكّره بما ، فعلته جماهير المدينة الساحلية " عروس الشرق " ، هكذا كانت تسمّى ، والتي وجدت بها سعادة كبيرة ، رغم ما عاشته من أحداث مؤلمة ، كذاك الانقلاب الدَّموي ، مطلع الستينيات ، والذي أودى ببعض المواطنين الأحرار ، ليحلّ بدارهم الموت ، كما حلّ سوء الطالع لتنفرد بها الأقدار مرةً أخرى ، تطارِحها أينما حلّت و ذهبت ، وتفعل بها مثلما فعلت بالذين سقطوا برصاصات الغدر ونالت من دمائهم الزكية ، ليعيدوا لساحة مدينتهم المغبونة رمزها الثوري بينما كان يلهو باللّعب المميّزة التي اقتناها له أبوه ، يستمتع بطفولته ، و عندما تأخذه حين تخرج ليشاهد معها الأفلام الهندية بسينما " الماجيستيك " ، وكان في الرابعة من العمر:
    - " كم كانت جميلة تلك الأيام ! "
    تروي عنه المرحومة أشياءً كثيرة : كضياعِه عندما فرَّ من البيت و لم يعثر عليه إلاّ بشقّ الأنفس !
    لم يكن يعلم ولا يتوقّع منه أحدٌ مثل هذا السلوك ؟ ولا عن الظروف والأسباب التي دفعته إلى مثل هذا التصرّف ؟
    -" كم كان رهيبا ؟ "
    -" ومضحكا في ذات الوقت ! "
    عندما عثر عليه بإحدى المقاهي ، يحتسي مشروب " قازوزة " رفقة أبيه وعددا من رجال الدرك !؟!
    لم تدم كثيرا تلك السعادة ، و لم يستقر الحال على ما كان عليه ، وذاك الابتهاج والمرح ، لاسيّما عندما صدر الأمر بمغادرة المدينة ، وإخلاء السكن الوظيفي ، بعد ما تمّ نقل أبيه من مكان عمله القديم وتحويله إلى مكان ببلدة أخرى ، ولمَّا كان مستبدّا كعادته فلم يطلع أحدًا على قرار الرجوع إلى البيت والبلدة الصغيرة التي غادرتها العائلة آخر مرّةٍ قبل التوجّهِ إلى رحاب المدينة الواسع ، وتعود المرحومة رفقة ابنها الوحيد إلى المنزل الأوّل ، لتعيش المعاناة من جديد ، و تتقاسم حياة البؤس والشقاء مع حماة ( صعبة المراس ) ، وقد أصابها الخرف ، و سِلْفَتُها المنافِقة ، في غياب الأب الذي وجد سببًا منطقيا ليسترجع حريةً غائبةً افتقدها خلال إقامته بالمدينة ولفترة من الزمن ، ليتخلّى فورًا عن مسؤوليته تجاه من كان يتفقّدهم ويرعاهم : زوجته المسكينة وابنه الوحيد ، وهما في أمسّ الحاجة إليه .
    وجد نفسه في ظلِّ هذه الظروف محررًا من جميع الضوابط والقيود ، وانجرّ من بداية المشوار وراء رغباته فكانت منعرجًا خطيرًا ميّز بقيّة حياتِه ، وانخرط في صفوف المنحرفين افتتح مشواره بالمشاجرة ، وكثرة التغيّب من البيت والمدرسة القرآنية التي كان يزاول بها التعليم ، وامتهن التدخين ، يستشفُّ أنواع السجائر الملقاة على الأرض ، و يتلمَّظ زجاجات الخمر المرمية على الطريق ، يستنزف أغلب أوقاتِه في اللَّهو والعبث ، يتسكّع بين جموع الشباب المنحرف ، منزويًا تحت أجنحة الظلام ، إلى أن يحين وقت الصباح الباكر ، فيعود ليتسلّق السور ويتسلّل إلى غرفة النوم ، و تكرّر المشهد ، فغدا الإهمال يعبث بفطرته السّليمة ، وبات ينهم من كلّ المفاسد إلى أن انتبهت إليه ، فاستنجدت بعمّه الذي قام برعايته وضربه ضَرْبًا مُبرِّحًا ، كانت تلك ، بدايةً لتقويم سلوكٍ ضائِعٍ ، لم يكن يجدي معه الصمت ، ولا التسامح الذي شجّعه على التمادي في الخطأ ، ليجد الولد ضالّته وفي وقت مبكّر .
    - " رَحِمَ اللهُ ذاكَ العمَّ الصّاِلحَ الذي لقَّنه تِلْكَ الفَلَقَة "
    لم يكن ليتخلّص بسهولة من الانحراف كما كانت تعتقد ، ولأنّ البيت كان يشكو من غياب صاحبه ، كما أن للعم أسرة تترقّب عودته و أشغال كثيرة تنتظره ، مما استحال عليه مواصلة العمل النبيل ، ليعود الولد إلى غيّه القديم منتقمًا ، بلا وعي ، يحلف اليمين الكبرى لأقعدن الصراط المستقيم ، و لأنّه كان يلاحظ ملامح الحزن البادية على الأم التعيسة ، وأكبر شيءٍ كان يتمنَّاه ، أن يَرَاها مُبْتَسِمَةً ليشعر حينها بالسّعادةِ الغائبة تغمرُه ، وتعتبر تلك معجزة لم يتعوّد عليها ، رغم تقلّب الأيام والحياة التي تحمل معها الفرح كما تحمل القرح ، لكنّ الألم يزداد يومًا بعد يومٍ رغم تنوّع الأدوية ، والمهدِّئات التي تأخذها عن الطبيب ولم تنتفع بها ، ما جعلها عرضة لأنواع الظنون ، وراحت تشكّ في كلِّ شيءٍ من حولها ، كمثل أن أحدًا ما وضع لها السحر ، واستسلمت لخزعبلات المشايخ( الطُّلبَة ) أصحابُ البِدَعِ وبعض العجائز " القزّانات " ، والذين استطاعوا إقناعها بذلك ، فصارت تتوسّل إليهم ببعض الأسماء ، تترجّى من أصحابها أن يشفوها ، وتعاويذ ، تحفظها عن ظهر قلب ، تعتقد أنّها لأولياء الله الصَّالحين ، و تمرّ الفصول والأعوام ، فتفقد الأمل ، و من الحياة بريقها ، ولم يعد مايفرِّق بين الأيام سوى الأسماء ، ف السبت كالجمعة ، والعمر كلّه صار كالخريف !
    وفي احد الأيام ،وكانت تقف كعادتها أمام الشرفة المطلّة على الطريق العمومي ، لمّا طال صبرها حتى ضاق صدرها فتأوّهت ، و نادت بصوت شجي :
    - "يا سي عمّار أين العهد الذي بيننا ؟ "
    (سي عمّار ) هذا ، والذي يزعم أهل ( الدوار ) البادية الذين شيّدوا له ضريحًا بالمقبرة التي توجد على بعد ساعة أو أكثر مشيًا على الأقدام ، ويُعتقد أنّه من أولياء الله الصّالحين ؟ يروون عنه الأساطير ويقولون أن العسكر كان يتحاشى لعنته ؟
    كانت تزوره قبل أن تُرزق بطفلةٍ ، من بعد حرمانٍٍ دام سِتُّ سنوات ، فلمّا ضاق عليها الأمر واشتدّ بها الحال صارت تناجيه لتذكّره بالوعد الذي قطعته على نفسهِا : أن تنير قبره بعدد من الشموع عند أول زيارة تقودها إليه ، ولم تعد تفرِّقُ المغبونة بين الأموات والأحياء من كثرة ما تجده من الحزن والأسى !
    هو أيضًا لم ينجو من الألم و كبرت جراحُه : لم ينسى مستشفى "الأهراس " الذي أقام به صغيرًا ، ولم يتجاوز حينها الستّ سنوات ، بسبب معاناته من المرضٍ الجلدي الذي أصاب رجله اليسرى ثم انتقل إلى بقية الأعضاء الحسّاسة .
    وربّ ضارّة نافعة : ففي هذه الفترة بالذّات ، تقرّب أبوه منه و ليشعره بأنه لا يكرهه كما يضنّ وأن له مكانة حقيقية في قلبه ، فلم يعد يتغيّب كثيرًا ، ولا يخاصِم أمّه أمامه ، كما كان يفعل ذلك من قبل ، وصار رفيقه المفضّل ، يحمله معه كلّما أراد السفر ، ويعرّفه بوجوه كثيرة ، بأصدقاءٍ مميّزين وزملاء عمل يرحّبون به !
    لم تمحَ من ذاكرته صورته القديمة باللون الأبيض والأسود ، وهو يرتدي " كوستيم " بذلة سوداء ، تشبه الزّي الرسمي الذي يرتديه أبوه عندما يكون في الخدمة ، ورابطة عنق مخطّطة باللّونين الأحمر والأبيض ، عندما طلب منه أن يُباعد بين خطواته قبل أن يقوم بتصويره بآلة جاء بها خصّيصًا . وفيها ، يقلّد الولد مشية أبيه متخلّلا الزرع الذي يعلوه إلى حد الخصر ، في ذات يومٍ من أيّام الصيف البهيج ، والشمس قد مالت لتعكس نورها رؤوس السنابل الشامخات ، فتأخذ لونًا ذهبيًا لا يقدِّر بثمن !
    ورث الصبي الجمال من أمّه ، والأناقة من أبيه ، فكان آية في البهاء والحسن ، ولم تمر الأمور بسلامة دون أن تجلب إليه الفضول والنظر ، بل الغيرة والحسد ، وكل ذي نعمة محسود ، ليتعرّض ( كالموءودة بدون ذنب قتلت ) لمضايقات الغير ، لدرجة أنّه أصبح خجولاً منطويًا على نفسه ، ومعقّدًا ينفر من الجنس الآخر .
    كبر الطفل على هذا الحال حتى صار يعاني من رُهاب اجتماعيٍّ ونفسيٍّ ، فكان هذا سببًا كافيًا لتحطيمه و انكساره وفشلاً ذريعًا ميّز بقية حياته ؛ المعاناة التي تعهّدها طيلة حياته وأحاطها بالكتمان حتى ضاق بها ذرعًا !
    المرض ، وليس بالمرضٍ ، إنّما هي حالةٌ نفسيةٌ ، بل هو توهّمٌ حقيقي ، كما وصّفه المتخصّصون ، وبعض الفلاسفة المتفيهقين ، هذا المرضُ الذي يقتله في صمت ، و الذي أبى أن يخرج منه ، رغم تناوله للأقراص ، والمهدئات التي تغيّبه عن الوعي و يتناولها خُفيةً وخيفة ، و دون استشارة أحد ، مخافةً أن يتّهمه الآخرون بالإدمان ؟ الجانب الخفي الذي لا يعرفه الناس ، الوسواس ، الآفة التي عانى منها أكثر مما يتحمّل ، لا يعلم مصدره ولا كيف أصابه ، قد تكون دعوة " الأهراس " تطارده فقد رقد بالمستشفي صغيرًا وبعد البلوغ ؟ لعلّها لعنة القديس " أوغسطينوس " باتت تلاحقه من ذاك المكان ، مكان الشجرة المقدّسة التي لم يزرها إلاّ عابرًا ولم يتوقّف عندها كثيرًا ؟ قد تكون أصابته العين ؟ فسرُّهُ كان جميلاً ! أو السحر ؟ فقد سرى هذا الاعتقاد إلى الأم المسكينة وصارت تؤمن به ! و ربّما عضوي ؟ كالذي انتقل إلى أخطر مكان في جسمه ، لكنّه استطاع بالعلاج الذاتي أن يتجاوز محنته ، ويبرأ منه ! حتى القرينة التي كانت تخنقه كل ليلة وتباغته ، تريد أن تزهق روحه ، لعنها فصارت تخشاه !
    لكنه لم يجد حلاًّ لهذا القرين الباطني الذي يجيئه ليتملّكه يقظةً ، و الذي نغّص حياته ، وتسبب له في دمار حقيقي فطموحِه كان كبيرًا : مافتئ يعتقد أن في إمكانه نيل أكبر الشهادات ، حيازة أعلى المراتب ، يقدّم الكثير من الخدمات ... لولا الموانع النفسية بسبب المرض !
    ***
    (4) الجبّانة المحظورة
    ***
    وتعالت الأصوات :
    " ! الله أكبر "
    " ! الله أكبر "
    وكانت كافية ، لتؤذن بالولوج إلى واقعٍ جديد ، بعدما تجلّت أسوار المقبرة ، ليعود إلى حاضره من زمن ولّى ، قطع منه المشوار الأهم : حيث كان طفلاً يحدو به الطموحُ ، إلى اللّحظة التي أفاق فيها على التكبيرات التي تعوّد عليها من خلال الزيارات التي تقوده إلى المكان الذي هو فيه ، والذي انتهى به ليضمحل الأمل ، وفيه تبلى السرائر ، ويتولّد منه الإحساس بدنو الأجل ، و لتبدأ المعاناة من جديد ! لكن المسكين كمثلها ؛ غائبة عن الوعي ، تودّع الدنيا ، تودّعها للمرّة الأولى والأخيرة ، وبعد مختصر العمر وموجز من السنوات القليلة لتقوم بدورها مثلما فعل : عندما أعلن توبته مطلع الألفية التعيسة ، عند أعتاب التسعينيات ، وحتى لا يعود إلى معاصي كان يقترفها ، وفضّل الابتعاد عن الدوائر الرسمية المشبوهة ، فكان مصيره الهلاك ؟
    - " غريب أمر هذه الدنيا ؟ "
    كان ذلك بسبب تعنّته ووقوفه في وجه الأوامر التي تصدر من فوقه ، ليطغى أصحابها ، أولئك الذين عرفوا كيف يحطّمون مصيره بمجرّد قرار !؟ ؛ لم يكن بمنأى عن الظروف التي عرفها العالم خلال هذه الفترة من الزمن ، كتلك التي هزّت كيان بلد المليون شهيد ، وفجّرت الأوضاع ، كم كانت تلك الفترة المشؤومة صعبة عليه :عندما تهاوي المشرق ليدنو من الغرب إجلالاً وتعظيمًا ، وتناحرت الإيديولوجيات ، وركب كل من هب ودب !؟ عندها تغاضى الفكر الحر عن الإبادات الجماعية بسبب العقيدة والانتماء ، وصار الرأي مسيّس !؟ عندما انتشرت الآفات بصورة فظيعة لتغمر الأرض وتنتهك العرض ، وتفشّى الفقر وانتشر الوباء ، من جرّاء التعسّف والتطرّف والاحتكار ، لتنزل كلعنة السماء فتقع على رؤوس الأبرياء!؟ فخرج العامّة عن جادّة الصواب !
    الشعوب التي لا تؤمن بالاستقلال ولم تجده مجسّدًا من على أرض الواقع ، ترى بأنّها لم تتحرّر من التبعية أبدًا ، وأنه ضُحِك عليها ، ونُهِبت ، وأضحت لا تمتلك إرادة ولا خيارًا يبقي حظوظها في العيش الكريم ، فصرخ من صرخ من أمّة المليار : " الله أكبر " !
    وحدث ما حدث , وبينما راح البعض يساند الأنظمة الفاشلة ، ويروّج لها ، فضّل البعض الآخر الانتحار على شموخ الجبال ، فتغير وجه الدنيا من كثرة الاغتيالات وسقوط الكثير من الأبرياء ، وبعض الأسماء لشخصيات سياسية ودينية ، وقامات كبيرة في الفن والفكر والأدب ، وأخرى غير معروفة دفعت ثمن تجاهلها ؟؟؟
    اختلط الحابل بالنابل ، وبرزت وجوه جديدة غيّرت من ملامح الحياة ، وأضيفت مصطلحات ( ما أنزل الله بها من سلطان ) إلى قواميس السياسة والاقتصاد ، لم يعهدها الشعب قط ، وخطّط لها النظام ، واستغلّها في المراوغة و التنكيل بالأفراد ، وتسلّل الانتهازيون إلى المشهد ، واستباحوا القوانين والنصوص ، واستحوذوا على جميع السلطات ؟!
    - " كم كانت تلك الظروف مؤرّقة ! "
    و التي تخلّت فيها الدولة عن دورها الأخلاقي ، وراح أرباب السلطة يعبثون بالشعب وبمقدراته ، فكثر القتل والنهب ، وانتهكت الحرمات ، وعمّت الفوضى واستشرى الفساد ، وذاك ما كان ينشده أصحاب المناصب من أمثاله ، ممّن رسموا حدودًا تفقد الآخرين كرامتهم ، وجعلوا من الوطن صنمًا كبيرًا يُعبد ويركّع له الأحرار ، وقبرًا منسيًّا تغبر وتغبن فيه جميع الحقائق ؟
    لم يكن بمنأى عن هذه الظروف والتي أثّرت فيه وعانى منها الكثير ، إلى أن تقرّر مصيره :
    - عندما تمّ تعيينه على رأس هيئة رسمية ، و بدون مشاورته ؟
    - عندما رفض بدايةً ، لينصاع بعدها كالخروف لأوامر غيره ؟
    - عندما تقمّص مهمّة قذرة ، وكان يجهل الكثير من الأمور ، والتي لم تكن حينها على حالها ، وأن المصيبة ستضاف إلى سجّله الحافل بالهزائم ، كونه يسدّد ضريبة عن وقوفه إلي جانب الحق ، مع الأشقياء أمثاله ، من الذين تمّ توقيفهم عن العمل بسبب انتماءاتهم ، مفضّلاً التضحية ، بل الانتحار ، عن الرضوخ والإذعان ، ففقد ثقة من بيدهم السلطة والقرار ، وقرّر أولئك ا لمرتشون إدخاله السجن ليتخلّصوا من عناده ؟
    لكنه لم يندم ولم يتراجع عن الموقف الذي اتخذه وتبنّاه ، بوقوفه ضد المحقرة ، وضد الظلم ، رغم العداء الذي ألفاه ، والجفاء الذي لمسه في البعض و ترك أثره في حياته ؛ كالعزلة التي ضربت عليه بنسجها ، وقد غدا منزويًا لا يرغب في أحدٍ ، حتى المقرّبين ، فانعكس ذلك على أفراد أسرته المغبونة ، ولم يبق سواهم رفيقًا ، أو الله مؤنسًا !
    لم يشعر إلاّ والركب قد توقف فقفز من قفز ، وتسلّل البعض فرادى وجماعات ، تنساب جموعهم عبر المسالك تتحاشى الأنقاض ، فيبحث هذا عن قريب يرقد هناك ، و آخر عن حبيب تلاشت معالم قبره المنسي الذي أضحى يشكو من قلّة الاهتمام والاعتناء والصيانة ، و من والجفاء أيضًا ، فلا مؤنس ولا رفيق ولا من يزور ليخفّف من حدّة الشوق ، ويهوّن من هول الغربة الموحشة ، حيث لا يلتفت أحدٌ إلى أحدٍ كما لو أنّ : ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) يرفع هذا أكف الدعاء لرب السماء يتوسّل ويتضرّع
    وآخر منزويًّا تذرف عيناه عبرات اليأس والأسى من كثرة الاشتياق ! وحاول بدوره أن يقفز فتدحرج كأنما خرّ من السموات العلى فمسكه احد المشيّعين :
    - " رُويدك ! "
    وساعده برفق !
    فقاوم وصمد وتظاهر بالثبات رغم كل شيء ، والجموع تتوافد و تتزاحم ؛ الكل يبحث عن الذؤابة ليكون في المقدّمة ويحمل التابوت إلى مثواه الأخير لكي ينال الحظ الأوفر من الأجر والثواب !
    - " أنت الأوّل يا سي رشيد "
    يشير عليه عمّه " قدور " ابن خالة المرحومة !؟والذي رافقه منذ الانطلاقة فكان جالسًا جنبه بالعربة والذي كان يراقب الانفعالات البادية عليه من خلال بعض حركاته وملامح الوجه الحزين فكان يهوّن عليه ذلك بل ويزجره في كل مرّة آمرًا إيّاه بالثبات .
    " قدور " ؛ خالٌ بمرتبة العم ، ووجه آخر لمعاناة استمرت نصف قرن ، عاش صاحبها يتيمًا ، محرومًا من الأب ، ووجد نفسه تحت وصاية زوج أمّه ، ليتربّى وسط عائلة كبيرة تصارع الفاقة تعيش السنة كاملةً على عدد من أكياس الشعير ، فالقمح من نصيب الأثرياء وكان أغلبهم من " الكولون " المعمّرين الذين انتزعوا أجود أنواع الأراضي من أصحابها السكان الأصليين ، ويجود ما تبقى لهم منها ، على قلّته ، وكانت جنبًا إلى جنبٍ معهم ، في مواساة مستديمة ، ولم تبخل رغم جفاء الطبيعة أحيانًا ، كالجفاف والكوارث ، وقلّة الوسائل والإمكانيات ، وقد عرفت الجزائر سنوات قحطٍ تزامنت مع سياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها فرنسا إبّان الانتفاضة التي قام بها الجماهير ، والتي خرجت تطالب بالاستقلال بعد أن وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها فقابلها العسكر بوابلٍ من الرّصاص ، وقتلٍ وتشريدٍ للآلاف . استشهد أبوه وتركه بين أحضان أمِّه " شويخة " ؛ أكبر خالات المرحومة ، الاسم الذي يحمل أكثر من معنى ولم يعد قادرًا على الصمود وصار مغيّبًا بغياب صاحبته :
    - "يا للجفاء ! "
    - " ستدخل الجنّة تلك المرأة الصالحة وبدون شك ! "
    كان يزورها عندما كان طفلاً رفقة الخال " مجيد " الذي يتقرّب اليها كثيرًا ، أكثر من أي أحدٍ من أخوته ، يجد في جلوسه والحوار معها عذوبة الاطمئنان وراحة البال ، فتهون مشاكل الدنيا أمامه ، وكم كانت بليغة تؤثّر في طبعه الحسّاس ، خالة المرحومة عَروب ، مضيافة ، تفتح لكل من يزورها من الأهل ، ولا تشترط شيئًا مقابل كرمها ولا تطلب مساعدة من أحد ، تستقبلهم ببشاشة عريضة ودائمة تنسي المآسي و ترسم الأمل ، تجود بما يسعد الخاطر وتكرم ضيفها من خلال ما تستطيع " صينيتها " المتواضعة التي تشبه الفسيفساء ، تحفظ ماء الوجه ، تحمّلها أكثر من اللزوم رغم كفاف العيش وضيق ذات اليد ، وتزيّنها بفناجين الرّخام " الفرفوري " المزركشة تحفّ بها إبريق الحليب أو القهوة ، حسبما تقتضي الظروف ، تتخلّلها ، وكالعادة ، أطباق تفتح الشهية كـ" الزريرة " أو " الطمّينة " المحلاّة بالعسل ، شعارها في ذلك : " الجيّد من الموجود" و " خذ راحتك " و " البيت بيتك " حتى تشعر بالسعادة ؛ والنفس تنفر بطبعها من التشدّق و التكلّف
    ما فتئت تنخر المعاناة مما تبقى من الجسد الضعيف لتزيده نحافة حتى حنت الأيام ظهرها فشاخت قبل الأوان ، وقد يكون ذاك سبب تسميتها ، ولكثرة ما أنهكها حب الآخرين والتفاني في تقديم الواجب ، تستحق هي الأخرى لقب الشهيدة بعد أن حرمت من السعادة في بيتها الأول وطال صبرها ، بيد أنّها لم تتخلّى عن نضالها يومًا ولم تلتفت إلى أحدٍ .
    -" رحمة الله عليك أيتها الخالة العفيفة الطاهرة وعلى الصابرات أمثالك ! "
    تجسّد الخالة " شويخة " النضال بأسمى معانيه ، لما عانت وقاست وصبرت على مر القضاء وحلوه ، واحتسبت على الله زوجًا مخلِصًا أحبته كثيرًا ، تخلّى عنها ليؤدِّي الواجب ويطهّر الدين والعقيدة من التنجيس ويحرّر الوطن من التدنيس ، راح ملبّيًا واستجاب للنِّداء وفضل الموت على العيش تحت أحذية البوط "الرنجاس " وأقدام العسكر ! فحملت منه الزوجة المخلصة والأم الوفية مبادئ الوفاء والتضحية وغدت تقاوم ظروف الحياة الصعبة رغم زواجها الثاني ، ومن ابن عمّها الذي لا يقل عنها طيبة وتواضعًا ، لتصون نفسها وتعيش عفيفة معزّزة ، وتحت سقف كوخ هش بحي قديم ومهمّش اسمه : " لاصاص " لم تبخل الخالة على ابن عمّها بأولاد طيّبين مثلها صارعوا الحياة بدورهم حتى كبروا ، وصاروا رجالاً بعدها يُحسب لهم ألف حساب .
    دوّت صيحة بـ " الجبّانة " فاهتزّت النفوس انجذب نحوها وراح يفرك أذنيه ليستبين :
    - "من أين جاءت ؟ "
    -" أ. إمام أم خطيب ؟؟ "
    لم يدعُ أحدًا من المشايخ رغم أنّه يوم جمعة لكن السويعات التي استغرقتها مراسم التشييع والدفن ؛ بدءًا من المستشفى مرورًا ببيت العزاء إلى المقبرة ، كانت قصيرة بما لايتيح نشر الخبر على نطاق واسع ؟ لعلّه أحد المتطفِّلين من الذين تجمعهم " الزردة " وتفرّق الموائد بينهم ويدفع بهم الغرور إلى تقمّص عباءة المشْيخة ، ويتطاولون على المساجد والمنابر من دور العبادة بدعاويهم الباطلة ، والأصل إكرام الميت بالإسراع في دفنه وتخليص الأحياء من المعاناة ! حتى الجبابن ، وضيوف المستطيل صاروا لا يستريحون من عنائهم !
    المستطيل ؟
    ماذا يقصد ؟

    -" أ يريد به شكل القبر ؟ "
    انْسَ
    فالأمر لايحتمل كثرة التأويل ؛

    وكلّها أشكال معاناة في هذه المرحلة من الزمكان والمكان ؛ من قبور تتخذ شكلاً من أصحابها ، إلى الجبّانة الخطيرة التي تملي للحيِّ حتى إذا ما أخدته لم تفلته ، ومهما كانت مرتبته ومكانته ، لايخلّصه القرب من القبيلة أو البعد عن الموطن ، اللهم إلاّ إذا كان الميّت ينتمي الى قبيلة أخرى فهنا تكون المعضلة ؛ فالجبّانة موطن قديم يتجدّد باستمرار وهي مقدسية وشبه محرمة على كل من لا يحمل اسم القبيلة ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشاطرها في الحرمة أحدٌ غير أبناء الدوار !
    بيد أن القاعدة تستثنى ، في بعض الأحيان ، لتضمّ إليها آخرين ممن يميّزهم النسب أم الصداقة أو الجوار ، فيرخّص بالدفن لغير القربى ، وقد روي عن أحد المتعصّبين و كان يدّعي حماية جبانتهم ، بحكم القرب و الانتماء ،أنه قام بإخراج ميّت من قبره ووضعه بجانب الطريق لأن أهله تخلّفوا عن موعد الدفع !؟ وكانوا من البدو الرحل ، حين صادفت المنية فردًا منهم ؛ أنظر إلى العنصرية !
    لكن أهل المرحومة المتوفاة طيّبين ، وجبّانتهم مفتوحة ، رغم ( محدوديتها ) صغر مساحتها ( بحكم عدم ملائمة الأرضية الشديدة الانكسار ) إلا أنها تستقطب الوافدين من كل الأنحاء ، القريبة والبعيدة ، لتنال الشرف ، وتستضيف الموتى بدون تمييز . وغير بعيد ، بذاك المكان ؛ قبرٌ آخر يضاف إلى العشرات التي اندثرت وغابت معالمها، تهيّأ بعد أن غادرته المعاول ليُفشي سرّ صاحبته بعد معاناة طويلة ظلّت في طي الكتمان ، ويستقبل رقمًا منسيًّا يضاف إلي لائحة الأرقام الجديدة ، ويُحفر فيغدو وسامًا ، وتُمسي صاحبته بجوار خالتها " شويخة " ، لتحاكيها في الجود والكرم ، حيث لا يعدو القبرُ الموحش أن يكون كإحدى صينياتها التي تشبه الفسيفساء بألوانها الزاهية ، فتحفّ ضيفتها بأحرِّ الأشواق ، مثلما تفعل عندما كانت تزورها فتتودّد إليها بفناجين مزركشة تحفّ الإبريق ، وتزيد ها إشراقا ببسمةٍ ترسم بها السعادة ، رغم الحرمان وقسوة الحياة ، والظروف التي لا تتناسب مع طبيعتها المضيافة و.،..و..،
    تتعالى الصيحة من جديد :
    -" هلمُّوا !"
    -" هلمُّوا !"
    يصدرها رجل في الخمسينيات ؟
    لا يعرفه ؟
    ولم تتم دعوته ؟
    ملامحه تدلّ على صفات الشيخ الواعظ ، يتكلم بصوتٍ جَهْوَرِيٍّ ، يحاول من خلاله جلب الأنظار ، لتشرئبّ له الأعناق ، ويتظاهر البعض بالخشوع ، لكنهم لا يخفون عدم رغبتهم في الاستماع إليه ، عبثًا يحاولون إحراجه ببعض الأسئلة المبهمة ، فلا يكترث لها ، لأنّه لا يستحي ، ويواصل تُرّهاته بشغف ، وبنبرة إعجاب ، فيذكّر الحائرين أمامه بالدار الآخرة ، و فقد تماسكهفجأةً وحار واحتار وداخ في أمره ، فتدحرج وسقط من مشواره وكاد يُوارى التراب بدل الجثمان الذي يقبع خلفه ، فانبرى احد الحاضرين يهزأ به ويضحك !
    بينما راح يراقب الوضع من بعيد ولم يقترب ، غيّب وعيه الحزن والأسى ، فغدا وحيدًا ينتظر لحظة الوداع ليرى جسدًا ممدَّدًا يفترش الأرض و تغطِّيه السماء الباردة ، هامدًا ، تكدّر من الهمِّ والغبن وخمدت أحاسيسه ، تنتظر صاحبته لحظة الغروب لتفارق الدنيا !
    عندها تقدم يشقّ الصفوف لينقض الموقف ، ولترقد مطمئنة بسلام ! وهرع إلى الشيخ المتهور ، والذي تطوّع بخطبة مطوّلة ، عاقب بها الجميع ، فساعده على النهوض ليستدركً ما فاته من عتاب،وليواصل حديثه عن الدنيا والآخرة ، وبآية ، وعلى مراد الله عزّ وجلّ ، ختم قوله :
    ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)

    خالي " لهواوي "
    - " أمسك "
    يطلب منه الخال " مجيد " أخذ القرطاس ؟
    لكنه لا يعرف ما بداخله و لا يجرؤ حتّى على لمسه ، ولا ينوي توريط نفسه في شيءٍ ما قد يجعله محل سخريةٍ ونبذٍ فيندم ؟
    فالخال " هواوي " متقلّب يميل إلى المداعبة والمزح
    ليس بمعنى غريب الأطوار ،
    لكنه فكاهي وصاحب حس
    ويستطيع الخروج من المآزق دون تكلّف وعناء أو أي مساعدة من أحد ،
    بجَلَدِه وبصبره
    بأفكاره الغريبة والتي تنمّ عن تجاربه المريرة في الحياة
    بهواياته المتنوعة والمتعدّدة التي تكشفت عن مواهبه :
    حيث كان يصنع له من وسائل جد بسيطة لعبًا ليتلهى ويتسلّى ،
    أسلاك قديمة مندثرة يخرجها من تحت التراب
    أو متناثرة ، هنا وهناك كأوراق المقوّى المرمية فوق الأرض ،
    جرارًّا ، أو آلة درس ، أو حصاد ،
    وأشياءً عزيزة لا تقدّر بثمن ،
    وهو قناصٌ ماهر ، من الدرجة الأولى ، بشهادة من أدّى الواجب الوطني معه ، تجلّت قدرته على التصويب ودقّته في الرماية من خلال معركة " أمغالا " الشهيرة التي خاضها ، والتي وقعت أحداثها مطلع السبعينيات ، ودارت رحاها في أبشع الظروف ، بـ " جبل عصفور " المُوحش ، ومركز " زوز بغال " المتقدم ، هناك في أخطر مكان على الحدود المغربية حين تأذّى و حيث جاع وتشرّد ، كما كان يروي ذلك للأهل الذين يئسوا منه قبل أن يعود لينكأ الجراح القديمة ، لطيبته وتواضعه ، فغدا نكرة ، لا يُذكر ولا يُدَّكَر ولا يُشقّ له أثرٌ ! لولا حاجة الناس إليه ، سيّما في المواسم والأعياد ؛ يستغلّونه في الذبح ؛ والسّلخ ؛ والنبش .... لا يخلّون سبيله حتى في الدفن فراح يستأنس بالجبابن ويتحبّب إلى الأموات ! ماانفكّ يذكر تلك الصورة التي تعبّر عن سجية بريئة ومعذّبة ؛ والتي أخذها معه حين تمّت دعوته لتأدية الخدمة الوطنية ويحمل بيده قيثارة وفي فمه سيجارة مبدّدًا المبلغ الذي منحه إيّاه الجد " بلقاسم " عليه رحمة الله ، والذي كاد يخنق روحه ، من شدّة الغيظ ،عندما علم بتخلّفه عن الالتحاق بالصفوف وتبديده للمال الذي أعطاه :
    - " كم كانا صبيانيين رغم نضجهما ! "
    يا للجياحة :
    - " لمَ أهدرا كل ذاك المصروف !؟ "
    - " آهٍ على تلك الأيام لو تباع لاشتراها بماء العين ! "
    يعود الخال فينده من جديد
    تبدو عليه ملامح الحرج وهو يصر عليه :
    - " قلت لك أمسك "
    فيأبى ويرفض و يتملّس منه ،لكنه يراوح مكانه ، فالمهمّة ليست شاقّة بل صعبة عليه :
    - " من أين لأمثاله أن يتطلّعوا إلى مثل هذه الأمور الجادّة ؟ "
    الزيارات التي تقوده إلى هذا المكان لا تعدو تكون مجاملة لتبرير حضوره لا أقل ولا أكثر !
    تتسابق الجموع اليه فتحرمه من الأجر ومن رؤية المشهد عن كثب ، ثم تغادر على عجلة من أمرها كأنّما تفر من قسورة !
    راح يتابع ، ليس ببعيدٍ عنه :
    ينزل شخصان لمساعدة الخال مجيد ، قاما بسحب الجثمان إلى الأسفل ، إلى مثواه الأخير ، بكيفية استراح لها وتفاعل ؛
    تنهّد ثم راح يتمتم : - " سليم ، جيّد ، رائع ! "
    ليضيف : - " نعم هكذا يجب أن تكون الأمور دائمًا على هذا النحو ! "
    كأنّه يؤيّد كل ما يجري أمامه :
    "حتى وإن لم تكن صحيحة أولا تطابق ما جاءت به الشرائع ! "
    بينما ترقد الأخت ، والأم ، صاحبة الجثمان الطاهر ، مطمئنّة في نعومة ونومٍ عميقٍ ؛
    يتمنّى لو كان بجنبها ليشعر بما تحس
    يترنّح اليها !
    لكن المسكين لا يقدر ولن يجد سبيلاً إليها فيتأوّه :
    - " و ا أسفاه ! "
    أنظر إلى المغبون - لا أضحى ظلّه - ؛ كيف أمسى جاهلاً تغيب عنه الكثير من الأشياء
    تلهّف الى دنيا فانية فضلّ الطريق
    صار يخلط بين المستحب والواجب
    لا يفرّق بينهما
    فانقطع حبل وجوده عن حياة الحقيقية ؟
    راح يتحسّر
    ينعي اللحظة والمكان الذي هو فيه موجود
    يبكي حيث لا يجدي النحيب ولا ينفع الندم
    بينما قام غيره بسحب الوشاح وتغطية الخال الذي توارى عن الأنظار ،
    يتقلّب يمينًا وشمالاً ،
    ينثر ما بداخل القرطاس فيحدث خشخشة
    - " تكون تلك التي بيده أعشاب يابسة ؟ "
    - "فهي تحمل نفس الخصائص ؟ "
    - " ولها رائحة تميِّزها "
    - " كأنّها الحنّة أو ما يشبهها !؟ "
    لكن المسكين لا يعرف ؟؟؟
    بساطة من لا يعلم ولا يدري ! ؟!
    انسحب الخال بعد أن انتهى من ذر المادّة ، ووُضعت اللحود ، الواحد تلو الآخر ، لتخفي ما بداخلها ...
    التحد إليها وقلبه يشكو لوعة الفراق متضرِّعًا ؛
    يرجو من الله أن يُسكِن روحها !
    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 29-04-2016, 06:04.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
يعمل...
X