رواية (شجرة الأربعين ) الجزء الأول

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمود الطهطاوي
    • 09-08-2008
    • 9

    رواية (شجرة الأربعين ) الجزء الأول

    رواية

    شجرة الأربعين
    محمود رمضان الطهطاوي

    إهداء
    إلى ترنيمة العشق الأبدي
    طهطا .. المكان ، الأهل ، الصحب
    محمود

    (1)
    لاتنظر إليَّ بإستغراب ، ولا تتعجب من ذلك الإنحناء العظيم الذي أصاب جذعي ، فأنا كنت شجرة باسقة ، معتدلة الجذع مثلي مثل كل الأشجار المنتشرة حولي ، لا أقل عنهن جمالا ولا فراعة ، ممشوقة القوام مثلهن تماماً ،على أغصاني تعشعش الطيور ، وتغرد على أغصاني سعيدة بالحياة ، أتحمل حرارة الشمس اللاذعة ، وأظلل المكان لمن يريد أن يستظل ، وفي الشتاء أسعد بالمطر وهو يهطل على أوراقي وفروعي يغسل الأوساخ والأتربة ، وفي الربيع تخضر أوراقي ويتجدد شبابي ، وأداعب الهواء ، وأغازله فرحة نشوانة ، مثلي مثل كل الأشجار الباسقة التي تملأ المكان ، وكم كان يضايقني طائر " أبي قردان " الذي يسكنني ويملأ الجو والمكان والأرض وأوراقي وفروعي برائحة فضلاته الكريهة ، ولكن ما ذنبي أنه مثل أي طائر يبحث عن رزقه ، وفي هذا المكان وسط المقابر يجد ضالته ، ينبش الأرض بحثا عن الديدان ، أنه ضيفا ثقيلا ، بل عدو غازي ، سكنني واحتلني بالقوة ، كم تمنيت من يحاول طرده ، والقضاء عليه ، ولكن لا أحد يتحرك .
    ولم أكن اتوقع يوما أن أكون أنا وزميلاتي من الأشجار الضحية ، فحتى يتخلصوا من هذا الغازي قاموا بالقضاء علينا ، وبترنا من فوق الأرض ،باعوا جذعي اليابس لتاجر الأشجار ، وعندما نظر إلى جذعي المتآكل قطعني أرباً وباعني قطعا صغيرة لأصحاب المقاهي ليشعلوا نيراهم ، ويغمسون بالمعسل وينفثون في الهواء دخاني ، الذي يتبخر مع شكاوى الموجعات ، لقد كان ظلي يلقي الطمأنينة على الموتى ، وأوراقي الخضراء تستغفر الذبوب الثقيلة المدفونة في أعماق الأرض ، في القبور المتناثرة حولنا ، وقد كنا مأوى لزوار القبور نقيهم حر الظهيرة القارس ، وهو يدفنون موتاهم ، أوعندما يزورونهم كل ظهر جمعة ، فعلوها واجتثونا من فوق الأرض بلا رحمة
    لا أدري لماذا أختاروني لأكون أنا الضحية الوحيدة في هذا المكان .
    من أول من فعل بي فعلته وروج كذبته التي انتشرت كالهشيم ، وحولتني إلى شجرة تضر وتنفع ، يأتون إليًّ من كل صوب وحدب ، يزرعون شكواهم مع مساميرهم التي تخترق قلبي وتدميه ، فيزداد وجعي مرتين ، مرة من هذا الهم المثقل الملقى على عاتقي ، فما أصعب أن تختزن بداخلك أوجاع البشر ، وهذه المسامير التي تخترق جزعي وتمزق قلبي .
    لماذا أطلقوا عليًّ هذا الأسم ( شجرة الأربعين ) ؟، تفنن أصحاب المصالح والقادرين على صنعت الحكايات ونسجها في تحويلي إلى تلك الشجرة المقدسة .
    قال بعضهم : بأن هناك أربعون ملكا يسكونني ، ويحرصونني ، ويستمعون إلى أوجاع الناس ، ويحققون لهم مأربهم ، ويقتصون من الظالم .
    وقال البعض بأن تحتي دفن أربعون ولياً من أولياء الله الصالحين ، وأولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون " ، وهم يستمعون إلى شكاوى الناس ومطالبهم ، وأروحهم الطاهرة ، الخالدة ،تحلق حول الشجرة ، ولديهم القدرة للوصول إلى الظالم ورده والقصاص منه .
    ويقال إن بنت درويشة إسمها ( القطة ) كانت تعمل خادمة عند بعض أثرياء البلدة ، وعندما ماتت بينت وانتقلت روحها عند هذه الشجرة بجوار أولياء الله الصالحين ، وربما لهذا السبب تجدمعظم الذين يأتون لبث شكواهم من النساء .
    حكايا كثيرة يصدقها الناس ، ويسعون إليَّ للخلاص ، ولو كنت أملك من أمري شيئاً ما اجتثوني من تحت الأرض مثلي مثل أقراني ، ومع ذلك وبعد أن سوى جذعي بالأرض ، قام التربي بإظها ر الجذع بفأسه العتيقة ، لأنه صاحب المنفعة الوحيد ، لأنه يأخذ مالآً من أصحاب الشكوى والمظالم ، مقابل أن يقوم بجر الفأس بشكل دائري حول جذع الشجرة ، وخلفه صاحب الطلب يدور ويلف وهو يبث شكواه ، وسرعان ما تحول بقايا جذعي إلى مخزن للمسامير من كل شكل ولون ، كل مسمار يحمل شكوى وييبث أوجاعا لا تقدر الأرض على حملها ، فكيف لجذعي المبتور أن يتحمل كل الأوجاع.
    كل مسمار مغروز في جسدي يحمل حكاية موجعة ، لو سردت لكم تاريخ تلك المسمامير المخترقة جسدي ، والتي سكنت جسدي السامق قبل البتر وبعده لن تكفيني أوراق الدنيا ، ولكن سوف أقص عليكم بعضعا منها .
    لا لن استطيع البوح ، فأنا كاتمة لأسرار هؤلاء النسوة الموجعات ، سأتركك أنت أيها الفضولي ، التي تراقبني منذ فترة ، أنا أعرفك جيدأً ، أعرف ما يدور بخلدك ، أشعر بك وأنت تراقب مايدور حولي ، أشعر بنظرة السخرية التي تكتسي ملامحك تارة ، ونظرة العطف التي تأسرك في بعض الأحيان من تلك الهموم التي تسمعها ، والصرخات الموجعة التي تخترق صمت المكان وتقلق الموتى أكثر من الأحياء ، فما أصعب أن ترى الوجع يتجسد أمامك ، دعهم يتذرعون بلحظة أمل ، حتى ولو كانت كاذبة ، وسأترك لك حرية التعبير عما يدور معي وحولي من أوجاع ، وما يطرح من هموم وشكوى .

    (2)
    الصدفة وحدها التي صنعت تلك الأحداث ، لم أقصد أن تكون هذه المرأة إحدى بطلات تلك الشجرة العتيقة ، وأنا أدلف من باب المقابر ، وقبل أن ألقي السلام على الموتى كعادتي ، وجدتها تدلف بملابسها السوداء وعلى رأسها ( ماجور ) فخار صغير ، توقفت أمام باب المقابر ، ورفعت الماجور من فوق رأسها قليلا ، ونزعت الشال الأسود من على رأسها ، والطرحة التي تلملم شعرها الذي يغزوه البياض ويسيطر ، ثم أراحت الماجور مرة أخرى وتمتمت بصوت مسموع : يا جبانة يا أم قلوب دبلانة ، جيت لك وأنا تعبانه ، ياجبانه ياأم قلوب دبلانه ، من غيرك يسمع شكوانا .
    رنت كلماتها المتموسقة في أذني ، على الفور عرفت إلى أين تتجه ، فقد أصبحت خبيرا في هذه الأمور من زيارتي المتكررة التي تعودت عليها كل يوم جمعة قبل الصلاة ، و سرت خلفها وهي تكرر العبارات وتضيف بعض الكلمات التي تتمسوق مع الجملة ، وسرعان ما وقفت أمام جذع الشجرة وبركت على الأرض ووضعت الماجور ومازالت تمتم بكلماتها ، فوقف التربي الجالس بجوار أحد الحوائط محتضنا فأسه العتيق ، واقترب منها ، نظرت حولها ، سرعان ما اقترب منها طفل صغير بملابسه الرثة ، وهو يقول : أولع الماجور ياستي ، وأخرج علبة الكبريت من جيبه ، فأومأت برأسها ، وهي تبكي بحرقة : ولع ياولدي ، ولع إن شاء الله يولعوا فيها ، أشعل الولد الصغير في أقراص الجلة القابعة في الماجور فاشتعلت النار وتصاعد الدخان ، أخرجت من صدرها صرة وفتحتها ، وألقت بعض منها في النار ، فأحدث أصواتا وعندما دنوت عرفت أنه بعض الملح المخلوط بالعدس الأصفر ، وعلى صوت طقطقات الملح تلف المرأة وتدور في شكل دائري حول الماجور ، وهي تبكي بحرقة واضعة يديها على رأسها المشتعل بياضاً ، وهي تقول بصوت مسموع : تنحرقي ياسعاد يامرات ولدي ، وتنحرمي من الضنا زي ما حرميتيني من وليدي ، ياشحرة ياقوية ، شوفي لي يوم فيها يا عفيه ، ظلمتني المستقوية .
    وأطلقت صرخة قوية أهتز لها قلبي ، فأقترب التربي أكثر والفأس في يده ، وهو يهمس : أرمي ياستي خلي النار تزيد وتحرق الظالم ، والمرأة ترمي بالعدس المخلوط بالملح فتزداد الطقطقات ويزداد معها نحيبها وهي مازلت تدور بشكل دائري حول الماجور ، يخرج التربي مسمار متآكل صدأ ويناوله لها ، ويقول لها دقي المسمار في الشجرة ، خدى من عبد الله وأتكلي على الله ، تمسك المرأة بالمسمار ، فيهرع الولد الذي أشعل النيران ويناولها قطعة زلط كبيرة لتدق المسمار في الجذع ، تضرب المرأة على المسمار في الجذع وهي تقول : في عينك ياسعاد يامرات وليدي ، لا تشوفي الضنا ولا تتهني ، زي ما حرميتني من نور عيني ووليدي ، بأدقك يامسمار في عين الظالمة المفترية ، ما تشوف يوم هناء ، ولا تفرح ، زي ما حرمتني من أبني وليدي .
    وتعاود لتصرخ صرخة أخرى ، وتبرك على الأرض وهي تبكي بحرقة .
    يهمس لها التربي : عملتي ياست اللي عليك ،وربنا يخلص الحقوق ، ويرد المظالم .
    تنظر له المرأة والدموع في عينيها : منها لله حرمتني من ولدي الظالمة ، مع إني لم أعمل لها أي حاجة ، كنت عملاها زي بنتي ، منها لله .
    تنظر إلى الفأس في يد التربي تذكرت شيئا ، فتضع يدها في صدرها وتخرج صرة أخرى ، تخرج بعض العملات الورقية ، وتضعها في يد التربي ، الذي يضعها بسرعة في جيبه ، وهي تقول له : جر لي الطورية ( الفأس ) ياخويا ، وأكنس لي الجبانة علشان تحلل في الظالمة بنت الـ (.....) .
    يضع التربي الفأس على الأرض ،ويقوم بجرها ، والمرأة من خلفه تسير في طرقات المقابر وهي تصرخ وتستغيث وتدعو على زوجة ابنها :
    والله ما عملت لها حاجة ، هي اللي مستوقية ، أنت وحدك اللي شايف وعارف ، أنا مش عاوزة إلا سعادة ابني ، لكن أوح فين ، أترك لها البيت وأروح عند مين ؟ ليه بيعاملني ولدي كده ، عمري مازعلته ولا زعلتها ، مش عارفة عاوزة أيه ، أروح فين ، أروح فين ياناس ؟.
    تصرخ صرخة عالية ، وتنهمر الدموع من عينيها غزيرة ، وهي مازالت تمشي وراء التربي الذي يجر الفأس خلفه ويدور في طرقات المقابر .
    صوت المؤذن يأتي من بعيد ( الله أكبر .. الله أكبر ) ..
    أنظر إلى الساعة ، أهرول إلى قبر أمي ، أقرأ الفاتحة ، وأخرج متوجها إلى المسجد القريب من المقابر ، ولا أنسى أن القي نظرة على جذع الشجرة الذي يأن من دقات المسامير .
    اشعر بإبتسامة الجذع من نظرتي الحائرة ، المحشونة بالمتناقضات .
  • محمود الطهطاوي
    • 09-08-2008
    • 9

    #2
    رواية شجرة الأربعين ( الجزء الثاني )
    محمود رمضان الطهطاوي
    (3)
    كانت تجلس على باب التربة المقابلة للشجرة ، وهي تلبس فستانا قصيرا يكشف عن ساقيها ، وشعرها المفرود على جانبي كتفيها بلونه الأصفر المصبوغ والذي تتخلله خصلات سوداء ، وتطل بعينيها الخضراوين على ما يدور ،جالسة بجوارها امرأة مسنة مؤكد من ملامحها أنها أمها ، وهي تراقب تلك المرأة التي تدق المسمار في الشجرة ، وتدعو على من ظلمها و أن يفرج الله كربتها ، والبنت تنظر إلى ما يدور حولها من النسوة المتشحات بالسواد ،وهي جالسة بينهن كالبدر ، جميلة ، صغيرة ، أنيقة ، مدهوشة مما يدور حولها ، وكأنها غير مصدقة ما يحدث حولها ، مؤكد أن أمها أجبرتها على الحضور معها لتبث شكواها للشجرة ، وتريح بالها ، الولد المراهق الجالس قبالتها بعيدا على الجدار المقابل يفترش أرض المقابر بملابسه الرثه ، غير عابئ بمن تحته من موتى ، يبحلق في ساقي البنت ويحاول أكتشاف ما أسفل الفستان القصير الذي انحسر دون أن تدري.. وهي منهمكة في النظر فيما يدور حولها ، يفتح الولد الجالس قبالتها فمه كالأبلة وهو يشاهد اللحم الأبيض الذي يطل من بين ساقيها بعد أن أنحسر الثوب كثيرا ، واصبح الجسد مباحا وهو مطأطأ الرأس ، إلا أن غمزتها الجالسة بجوارها وقالت لها : لمي نفسك يابنت ، الولد بيطل عليكٍ .
    تنبهت فلملمت ساقيها ، وعدلت فستانها ،والولد مازال يحاول أن يجد مدخلا لهذا اللحم الأبيض الطري ، بعد أن انتهت المراة من ممارسة طقوسها ، أشار حفار القبور إلى المرأة المسنة لـتأخذ دورها ، على الفور غمزت لبنتها الجالسة ، فقامت على إستحياء ، ودنت من النار المشتعلة ، اخرجت أمها كيس الملح ورشت على النار ، فأحدث الملح صوتا ، وأمرت البنت ان تدور حول النار ، نظرت البنت لأمها وفعلت وأخذت تمتم بصوت خفيض ، ساعدتها الأم وهي تمتم بصوت مسموع : فكي ياشجرة ياباتعة السر ، وشيلي العمل والعين من على البنت ، ريحيني قبل ما أموت ، واشوفها في بيت العدل ، وحياة المسيح الحي جيتك وأنا عشمانة ، ما تردي بنتي خيبانة ، وترفعي عنها العين ، وتشيلي المستخبي ، وأشوفك ياسميرة فرحانة وسعيدة في بيت عدلك .
    والبنت تنظر لأمها وقد كست وجهها حمرة الخجل وهي تسترق النظر للنساء المتشحات بالسواد واللائي ينظرن إليها، ويتسترقن السمع ، وهي تدور حول الشجرة ، وتغمز إحداهن الجالسة جوارها : سبحانه جمال وحلاوة .. ربنا يفك أسرك يابنتي ، ويشيل عنك ، ويستر على كل الولاية .
    تخرج الأم بعض الوريقات النقدية وتناولها لحفار القبور ، وهي تهمس : دعواتك معانا ياشايل الهموم ، أدعي لبنتي .
    يدس النقود في جيبه : ربنا يتولى أمرها ، ويفك أسرها ، ويبعت ليها عدلها قولي آمين :
    تتنهد الأم الموجوعة ,هي تقول : آمين .
    يناولها حفار القبور كوب به ماء ، تلقيه على غفلة على وجه بنتها ، فتشهق البنت شهقة قوية ، وهي تنظر إلى أمها مدهوشة .
    تقول الأم بارتياح : خلاص .. إن شاء الله فيها الشفاء ، راح العمل مع الرجفة ، مش كدة ياراجل يابركة .
    يؤمى حفار القبور برأسه وهو يهمس : كل بأمره ياستي ، كل بأمره ومكتوب ، وإن شاء الله كله يروح ،والهم يزول بإذنه .
    وتغادر الأم المكان وخلفها بنتها : وهي تمتم بصوت مسموع : الستر .. الستر من عندك يا قادر على كل شئ .

    تعليق

    • محمود الطهطاوي
      • 09-08-2008
      • 9

      #3
      رواية شجرة الأربعين (الجزء الثالث )
      محمود رمضان الطهطاوي
      (5)
      ناهز السبعين من عمره ، ولكن عندما يحضر ميت ، يمسك فأسه العتيقة ، وينزع جلبابه ، ويبقى بسرواله الطويل ، والصديري أسفلة فانلة صوف رمادية لا ينزعهاعن جسده صيفا أو شتاءا ، يضرب الأرض ، حافراً القبر ، لقد دخل هذه المقابر شاباً فتياً مع والده ، تلك المهنة تتوارث أباًُ عن جد ، لا أحد غريب يعمل معهم ، وقد أفنى عمره كله بعد وفاة أبيه في دفن الموتى ، لم يبارح هذا المكان إلا لأداء واجب أو قضاء مصلحة هامة ، ينام في تلك الحجرة الواسعة الملاصقة للمقبرة الوسيعة الذي ترك له أصحابها- وهم معرفون في هذه البلدة- المفتاح ، لتكون له مأوى ومبيت ، ويضع فيها حاجاته القليلة .
      وحوله تدور حكاوي كثيرة في البلدة التي لا يخفى فيها سرا مهما كان حجمه ، يقال :أن النساء المتأخرات في الحمل ، يذهبن إليه ليخرج لهن طفلاً متوفيا ، تقوم العقيم والتي لم يرزقها الله بالخلفة بتخطي الطفل الميت سبع مرات ، وبعدها بإذن الله تحبل ، يقال إنه يفعلها كثيراً ، حتى شاع الخبر في كل البلاد المجاورة.
      - يقوم بفعلته الشنيعة دون خوف من الله ، فالموتى لهم حرمتهم ، ولا يجوز إخراج الميت .
      قال عبد المولى النجار .
      فقاطعه سلمان الحداد
      - ياسيدي الحي أبقى من الميت ، تصدق إن وردة بنت هريدي العربجي جارنا في الحارة ، قعدت عشرة سنين متزوجه ولم تحمل وتشيل إلا لما راحت عند عم محمد التربي ، وقامت بتخطي الطفل الميت سبع مرات ، بعدها شالت على طول ، وعندها دلوقت ثلاثة أولاد وأربع بنات ماشاء الله .
      - دي صدف ، كله مكتوب ومدبر من عند الله .
      - لكن اسعى ياعبد وأنا أسعى معاك .
      - ياراجل حرام عليك اتقي الله ، حرمات المقابر ، ده راجل مش حيورد على جنة أبدا ، أنا عارف مش متعظ أبداً من الموت ، وهو اللي بيدفن الموتى ، وعايش وسطيهم ، ومعاهم ، وبيشوف المستور والمتخبي تحت .
      - ربنا العالم بأحوال الناس ، والجنة والنار في علمه .
      - لكن برضه المقابر لها حرمتها ، فاكر فوزي الكهربائي واللي حصله في المقابر .. كان شاب زي البدر ، لكن ديله نجس ، كان يجري وراء النسوان ، ومع أنه إتجوز بنت زي القمر .
      - أيوه والله بنت شيخ بلد ، وانجبت له ولد بنت زي فلقة القمر
      - ومع ذلك ظل ديله نجس ، وجلب واحدة للمقابر وفعل بها ، ولم يتركه الجن الصالح ، فخرج له ونثر التراب في وجهه فأصابه بالعمى ، وأتسل وبقي زي البوصة ، وشكله بسم الله الرحمن الرحيم .







      (6)
      صباح كل جمعة يرتدي عم محمد التربي ، جلبابه الصوف صيفا وشتاءا ، ويضع على رأسه عمامته البيضاء المزهرة ، التي تغسلها له زوجته وتحضرها كل ليلة خميس ، ويربط فأسه بقطعة قماش بيضاء من أكفان الموتى ، ويتقرفص تحت أحد الجبانات قريبا من شجرة الأربعين ، في انتظار الزبائن التي تأتي كل يوم جمعة قبل صلاة الظهر لتشكي همومها للشجرة ، وترفع ظلمها إليها بعد أن تدق المسمامير في قلب الشجرة ، وكأنها تدقها في قلب الظالم ، ويقوم عم محمد التربي بعد ذلك بجر الفأس ، أو كما تقول إحداهن : إكنس لي الجبانة على الظالم .
      فيقوم بجر الفأس وخلفه صاحبة الشكوى ، تمتم وتبكي بحرقة وهي تبث شكواها للجبانة ، وكثيرأً ما تخرج عن شعورها فيعلو صوتها بالصراخ والعويل .
      وبعد جولة كنس الجبانة بالفأس يعود التربي إلى مكان الشجرة ، فتقف صاحبة الشكوى وهي تترجى وتطلب العون والمدد من الشجرة القوية ، وأحيانا من الجبانة أم قلوب دبلانة ، وتغادر المكان وقد سحت من الدموع ما أراح قلبها ، وهي واثقة أن الله بعد ذلك سيفرج كربتها .
      ثم تدلف غيرها وتقف أمام الشجرة وتمارس نفس الطقوس ، وهي تشعل النيران ، وتلقي بالملح والعدس على النار ، ومع طقطقات الملح تبث شكواها ، وهي تضرب بعنف على المسمار ليخترق أعماق الشجرة ، وتشكو همها وتدعو على من ظلمها وتطلب القصاص .

      تعليق

      • محمود الطهطاوي
        • 09-08-2008
        • 9

        #4
        رواية شجرة الأربعين ( الجزء الرابع )
        محمود رمضان الطهطاوي
        (7)
        مجلس المدينة قرر تعلية سور المقابر ، وتغيير الأبواب الخشبية بأبواب حديدية ، وقامت بعمل حراسة للمقابر ، ولا تفتح إلا عند دفن إحد الموتى ، ويوم الجمعة للزيارة وفي المواسم والأعياد ، بعد أن بلغ علم الحكومة إن تجار المخدرات يدفنون المخدرات في المقابر ، وتحولت إلى مأوى للبلطجية ، وكل من هب ودب .
        كان صدمة لعم محمد التربي ، فأمبرطوريته التي كان يرأسها ويتحكم فيها ، مع هؤلاء الذين يقرأون القرآن عند دفن الموتى ، ويسهرون معه الليل في انتظار الموتى ليمارسوا قراءتهم النشاز والخاطئة ، ولكنها مهنتهم ولا يعرفون غيرها ، يقرأون على المقابر ، ويذهبون إلى منازل أهل الموتى ، ليأخذوا نفحتهم ، ويأكلون من طعام اليوم الثالث ، الذي يُعد خصيصاً رحمة على روح الميت ، ولا ينسوا أن يدسوا في جيوبهم الأرغفة المحشوة بالأرز واللحم لأسرهم بعد أن يملئوا البطون النهمة .
        وعم محمد الذي كان يخرج ويدخل على هواه ، ويحلو له وقت العصاري بالجلوس أمام الباب الرئيسي متفرصاً وحوله القراء يتسامرون في انتظار ميت جديد ، أو صاحبة مصلحة كتلك التي تريد أن تخطي ولد ميت لتحبل ، أو تدق مسمارا في شجرة الأربعين .
        كل هذا ضاع عليهم ولا تفتح المقابر إلا بإذن موظف الوحدة المحلية عندما يبلغ بحالة وفاة جديدة ، وأكتفى عم محمد بيوم الجمعة والأعياد لمزاولة مايقوم به من أعمال .
        ولاينسى عم محمد قبل أن يذهب لصلاة الجمعة ، أن يقوم بجمع ما تخلف من رماد حول الشجرة ، بعد إطفاء النار والتخلص منه ، حتى لايرى أحد ما تم قبل ظهر الجمعة ، وإن كانت بقايا الرماد تترك سوادها في الأرض ، وبقايا الملح والعدس منثورة على جذع الشجرة المبتور وسط المسمار المغروسة ، مع بقايا حجر مهشم من أثر الذق به .
        حجب السور المقابر عن المتسلقين ، والذين يريدون إختراق حرمات الموتى ، بعد قامت الوحدة المحلية بتعليته ، فرغم أنه يظهر واطئاً نوع ما من الخارج ، إلا إنه من الداخل يظهر عاليا حتى يصعب تسلقه والنزول من الداخل .
        الغريب أن النساء تعودن على الحضور يو م الجمعة صباحا ، ويقمن بدق المسامير ، وبث شكواهم ، ويقوم عم محمد بجر الفأس لهم ، ولا تنتهي هذه المراسم إلا قبل أذان الجمعة بوقت قليل ، ولقد شاهدت أكثر من مرة موظف الوحدة المحلية المسئول يرى النساء يقمن بأفعالهن حول الشجرة ومعهم التربي ، ولم يحرك له ذلك ساكناً ، الأمر الذي زرع في قلبي الشك والريبة , طرح العديد من الأسئلة الحائرة بداخلي : هل يسكت على تلك الأفعال لوجه الله ؟ أم أنه ينوله من عطايا التربي شيئ ؟ .أم إن هناك تعليمات له بعدم التعرض لهن ولعم محمد ، وخصوصا بعد أن قمنا بنشر تحقيق صحفي فضحنا فيه أفعال التربي ،ومايدور حول شجرة الأربعين ، ودعمناه بالصور ، ونشرناه في أحد الصحف المحلية ، والتي قرأها جميع المسئولين ، ولدهشتنا لم يتحرك أحد لفعل أي شيئ ، بل وجدت عم محمد يمارس أفعاله بهدوء والنساء المتشحات بالسواد بجواره كل واحدة تنتظر دورها لتقوم لممارسة طقوسها حول الشجرة .


        (8)
        قفز من نومه مذعوراً ، تشهد وهو يسمح جبنيه الذي يتصفد عرقاً ، تلفت حوله في الظلام الدامس ،وجد الشيخ عثمان متكوما بجواره على الأرض ، يعلو صوت شخيره مخترقا صمت المكان ، إعتدل وأستند بظهره على حائط الحجرة ، أخرج من جيب السديري علبة السجائر وأشعل سيجارة ، وأطلق الدخان في سماء الغرفة ، بحلق في الدخان المتموج بدهشة ، الدخان يتشكل على هيئة شجرة سامقة ، تتشكل ملامح أيدي ورؤس مثل رؤوس الشياطين كل واحد يحمل شاكوشا وفي يده مسمار صدئ ، يقومون بدق المسامير في جذع الشجرة ، الشجرة تئن ، يعلو صراخها ، تهتز بعنف ، ينحنى الجذع ويميل يكاد يسقط عليه وهو جالس مكانه لا يستطيع الحراك ، تتحول أفرع الشجرة إلى مخالب تقترب منه ، يصرخ
        - عثمان .. ياشيخ عثمان
        يهزه بعنف :
        - فيه إيه ياعم محمد ؟
        وهو مازال راقداً مكانه
        - قوم بسرعة
        يصحو ويعتدل وهو يفرك عينيه
        - فيه إيه ياعم محمد .. زبون وصل
        - زبون إيه .. إصحى
        مستغرباً :جرى إيه ؟
        يتبخر الدخان ، ويعود متموجا في سماء الغرفة
        - لاحول ولاقوة إلا بالله العظيم .
        - فيه إيه ياعم عثمان
        - ولا حاجة كابوس وراح
        - خير إن شاء الله
        - خير .. خير .. نام ياعثمان
        - أنام إيه قلقتني .. هات سيجارة
        يناوله سيجارة .. يشعل عثمان السيجارة ، ويقف
        - أقوم أفتح الباب الدخان حيخنقنا .
        أومأ عم محمد التربي برأسه موافقاً .. وهو يفكر فيما رأى في اليقظة ، هو بعينه الذي شاهده في نومه ، نفس الحلم .. الكابوس .
        الشيخ عبد العال ، صديقه ، إمام المسجد الكبير الملاصق للمقابر بعدأن قص عليه ما شاهد ، وبعد أن تكرر الكابوس في نومه مرات عديدة ، لايفرق بين ليل أو نهار ، فقد أتاه أكثر من مرة في ساعات القيلولة ....
        قال له :
        - إنه إنذار ياعم محمد ، فما تفعله حرام ، وما يفعله النسوة شرك ، فالإستعانة لا تكون إلا بالله وحده ، وهذه شجرة لا تضر ولا تنفع ، وهؤلاء موتى ، لا يجوز لنا إلا الدعاء الله ، المقابر للعظة ياعم محمد وأنت سيد العارفين ، وشاهد وشايف لما يدور داخل القبور .
        - لكن يامولانا أنا وجدت أبي يفعل ذلك من قبلي ، ولم استطع أن أرد مظلومة جاءت لتستنجد وتشتكي وتفرغ ما بداخلها حتى تستريح .
        - ولكن ما يفعله النسوة شرك بالله ، ومخالفة لشرعه ، إنهم كما سمعت يطوفون حول الشجرة كما يطوفون باليت العتيق ، حرام .. هذا حرام ، وما تفعله أنت بالموتى جرم ، كيف تخرج لهن الأطفال من المقابر ليحبلن ، إنه خروج عن شرع الله ، أتقي الله ياعم محمد وعد إلى صوابك .. إن ماتراه في حلمك إنذار من السماء لتعود لرشدك .
        (9)
        أصاب الذعر أهل المدينة وقراها بعد أن ذاع الخبر وانتشر على كل لسان ، لايوجد بيت إلا ويحاول تأمين المكان من هذا الزائر المقتحم ، خصوصا البيوت الواطئة المتطرفة بالقربية من المقابر والغير محكمة الأبواب ، الذي يسهل للزائر تسلقها ، أو ولوجها بسهولة ، الأمهات حذرت الأبناء من الخروج من باب المنزل .. هذا المقتحم الذي يقال أنه تسلل من الجبل الكائن في "نزلة علي " واختبئ في المقابر ، ويخرج في الليل يطرق الأبواب مثل الإنسان تماماً ، وعندما يفتح له الباب يقتحم المكان ويفترس من يجده أمامه .
        "السلعوة " اسم غريب لم يسمع أحد به من قبل ، قال الذين شاهدوه أنه حيوان يشبه الكلب ، ويقترب من الذئب ، وقال بعضهم : أن أمه كلبة ووالده ذئب .
        من أسبوع فقط حدثتنا وسائل الإعلام المرئية عن هذا الكائن الغريب الذي تسلل من الجبال القريبة في إحدى المحافظات الجنوبية ، وكيف أقلق راحة بال مدينة بقراها ، ومازالت صورة البنت الشابة الذي هجم على دارهم هذا الكائن الغريب واستطاعت قتله ، مازالت صورتها وحكايتها تتراءى أمام الناس في البلدة ، وتزيدهم رعباً وهلعاً .
        أكد أحدهم إنه شاهد هذا الكائن الغريب يتسلل من المقابر ، وقدمر من أمام الكلاب النائمة حول المقابر دون أن تكشر عن أنيابها ، وهام على وجهه غرب المدينة .
        ويحكى أن الحكومة أعدت قوات خاصة واقتحمت المقابر بعد أن حاصرتها وبحثت عن هذا الكائن الغريب ولم تعثر له على أثر .
        وإن كان عم محمد التربي أكد لهم أنه شاهده يخترق المقابر ، ولم يملك أن يغلق عليه باب حجرته ويتركه وحال سبيله .
        ولكنه من ثقب الباب شاهده وهو يقترب من شجرة الأربعين ، وقف بجوارها رفع رجله ليتبول ،ولكن لم يفعلها بل أنتفض وفر بسرعة البرق بأن عوى بصوت عالٍ وكأنه يتألم من شيء ما .
        وعندما طلب منه الضابط وصفه ، قال :
        - ديب يشبه الكلب ، أو كلب يشبه الديب ، حاجة زي كده يابيه ، لكنه وجهه مخيف ياباشا ، وجهه مموط وأنيانه أجارك الله ، سلم يارب ، عمرنا ما شفنا كده ، آخر الزمان ياباشا ، ربنايحفظنا ويعديها على خير .

        تعليق

        • محمود الطهطاوي
          • 09-08-2008
          • 9

          #5
          رواية شجرة الأربعين ( الجزء الخامس )
          محمود رمضان الطهطاوي
          (10)
          دخل رجال الشرطة غرفة عم محمد التربي وهو راقدا في فراشه المتآكل ، على الأرض الترابية ، نهض وهو يتكأ على فأسه العتيقة ، وقبل أن يتفوه بكلمه بادره المخبر عبد الستار الذي يعرفه تمام المعرفة :
          - قوم ياراجل يابركة ، وألبس هدومك ، البيه ضابط المباحث عاوزك شوية
          - خير ياعبد الستار
          - خير إن شاء الله .
          وفي السيارة جلس عم محمد التربي على المقعد الخشبي يحيطه رجال الشرطة من كل ناحية ، وهو ذاهل مما حدث ، فهذه هي المرة الأولى الذي يركب فيها عربة الشرطة ، ولم يحتك في حياته بالمباحث ولا بالقسم ،فهو لا يدفن أحد بدون تصريح دفن ، ماذا حدث ؟ وماذا يريدون منه ، هل بلغت عنه تلك المرأة الريفية التي حضرت للمقابر أكثر من مرة ، وأخرج لها في كل مرة طفلاً لتخطيه سبع مرات ، ولكنها لم تحمل حتى الآن ، لا لن تفعلها فهي قروية طيبة ، ولن تفكر في ذلك أبداً ، فهي معلقة أملها على قشاية ، وستعاود الكرة ، وتعود ثانية لتفعلها على أمل الحبل حتى لا يتزوج عليها زوجها .
          ربما يكون شوقي العفش تاجر المخدرات الذي حذره آخر مرة من القفز من السور ودفن المخدرات في الترب ، قدم فيه وشاية ما ، يعرفه قادر على الكيد والغدر وصنع الوشايات لمن يقفون في طريقه .
          أو ربما عائلة المتولي قدمت بلاغا فيه بعد باع نصف مقابرهم الخلفي لعائلة مرجان دون علمهم .
          في آخر أيامك تتبدهل يامحمد وأنت عشت حياتيك كلها معزز مكرم ، صاحب امبرطورية في المقابر ، الكبير والصغير يسمع كلامك ، والكل يعمل لك حساب ، منها لله البلدية الي فتحت عيون الحكومة علينا .
          أفاق من تفكيره ورجال الشرطة يطلبون منه النزول من العربة ، وأمام غرفة ضابط المباحث ، وبعد انتظار لا يطول ظنه دهراً ، وهو جالس على الأرض القرفصاء ، واضعا يده على خده في انتظار ما يخبئ له الدهر من مصائب وبلاوي ، فالذي يدخل من باب القسم مفقود ، والخارج منه مولود ، ربنا يستر ويعديها على خير .
          عندما دخل على ضابط المباحث وهو يجر قدميه ، ألقى بالسلام ، فرد عليه وهو يقلب في الأوراق دون أن يلتفت إليه ، ثم أمره بالجلوس على المقعد ، فشكره ، وبعد صمت رهيب استمر لدقائق قصيرة ، جف فيها ريقه ، وتصفد جسده عرقاً ، وهو يتأمل ضابط المباحث الذي فجأة نظر إليه يتأمله ، ثم همس :
          - إيه ياعم محمد .
          - خير ياباشا .. تحت أمرك .
          - مش كفاياك ياراجل .. وتعدي أيامك على خير .
          - إيه اللي حصل ياباشا ؟
          - إيه لسة برضه شغال في الشعوذة والكلام الفاضي .
          - شعوذتك إيه ياباشا .
          - الشجرة .. شجرة الأربعين
          تنهد عم محمد ، وأخذ نفساً عميقاً :
          - شجرة الأربعين ،وكل الشجر أزالته البلدية ياباشا ولم تبق على شيئ .
          - لكن لسه النسوان بتروح عندها يوم الجمعة ، وبتساعدهم على أفعالهم
          - لكن ..
          مقاطعاً وهو يمسك بصحيفة ، ويقدمها له :
          - مش دي صورتك وأنت واقف جنب واحدة وهي بتدق المسمار في الشجرة ، والتانية وأنت بتجر الفاس وهي بتمشي وراك .
          ارتبك وهو يشاهد صوره تطل من الصحيفة .
          وأومأ برأسه يفكر في رد
          - على كل ياعم محمد أنت راجل كبير ، ومش كد البهدلة ، دي آخر مرة تعمل كدة ، المرة التانية القانون حياخد مجراه بلا رحمة ، يلا روح
          - شكرا ياباشا .. شكرا .

          تعليق

          • محمود الطهطاوي
            • 09-08-2008
            • 9

            #6
            (11)
            كان صوته زاعقاً ،عالياً ، رغم وهن جسده ، اخترق صمت القليولة ، في صيف أغسطس القارس ، فُتحت البلكونات ، وأطل الناس على هذا الصوت الذي يزهق ، وخرج الناس من بيوتهم القريبة من المقابر لتعرف سبب هذا النداء ، وفوجئ الجميع ، بعم محمد التربي ، يركب السور العالي ، كيف ركب هذا السور رغم وهن جسمه وعظامه ، لايهم ، ووقف سامقاً معتدل القامة ، وهو يصرخ :
            - يا أهل البلد ، ياخلق هو .. السلعوة جوة الجبانة ، لقيتها مقتولة بجوار شجرة الأربعين ، شفت بعيني اللي حياكلها الدود أربعون من الرجال الأقوياء الأشداء لابسين أبيض في أبيض، ووجوهم بيطل منها النور ، شافوا السلعوة وهي تقترب ناحية الشجرة ، ألتفوا حولها على شكل دائرة ، وهي واقفة مذعورة ، لم تتحرك ، كل واحد كان في يده عصا من ذهب ضربوا السلعوة في توقيت واحد على أم رأسها طبت ساكتة من دون صوت ولا حركة ، قطعوا رقبتها وأخذوها واختفت ، وهي الآن ملقاه بجوار شجرة الأربعين ، بركاتك ياباتعة ، بركاتك يأم أربعة أربعين ياقوية ، اللي عاوز يشوف السلعوة قبل ما نرميها بعيد عن المكان الطاهر يدخل ويتفرج ، بركاتك ياقوية ، ومستعفية ، بركاتك بأهل الحظوة والخطوة سكانك .. رجالك ..
            تدافع الناس داخل المقابر ، ليشاهدوا السلعوة ، كان هناك جسد لحيوان ملقى على الأرض مقطوع الرأس ، ولا مكان لوجود دم غزيز ، ألتف الناس حول جذع الشجرة ، وهم يشاهدون الجثة الملقاة بجوار الجذع .
            كان عم محمد التربي على غير عادته يضع على رأسه شال أخضر ، جالساً بجوار الجذع يتمتم بكلمات مبهمة ، يحرك رأسه يميناً ويساراً وكأنه في حضرة ، وحوله المريدين .
            وكل ما سأله أحد عن شيئ ، همس وهو مازال يحرك رأسه طائفا ، هائماً :
            - لقد قلت ماعندي .. بركاتك يامبتورة ، ياقوية ، بركاتكم ياأهل الحظوة .. والخطوة .
            ولا يزيد .
            والناس تزيد وتكثر ، بعد أن ذاع الخبر بين كل أهل البلدة بسرعة البرق .

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              صديقى الروائى .. محمود
              حملتها الآن فقط على جهازى .. و بعد الطبع سوف أقرأ .. و أكون هنا
              انتظرنى .. بارك الله فى قلمك
              تحيتى و تقديرى
              ربيع
              sigpic

              تعليق

              • محمود الطهطاوي
                • 09-08-2008
                • 9

                #8
                المبدع المتـالق دائما الأستاذ ربيع عقب الباب

                شكرا للإهتمام وتحميلك مقطع من الرواية .. وفي انتظار رؤيتك النقدية التي اعتز بها كما اعتز بكتابتك دائما
                محمود الطهطاوي

                تعليق

                يعمل...
                X