رواية
شجرة الأربعين
محمود رمضان الطهطاوي
إهداء
إلى ترنيمة العشق الأبدي
طهطا .. المكان ، الأهل ، الصحب
محمود
(1)
لاتنظر إليَّ بإستغراب ، ولا تتعجب من ذلك الإنحناء العظيم الذي أصاب جذعي ، فأنا كنت شجرة باسقة ، معتدلة الجذع مثلي مثل كل الأشجار المنتشرة حولي ، لا أقل عنهن جمالا ولا فراعة ، ممشوقة القوام مثلهن تماماً ،على أغصاني تعشعش الطيور ، وتغرد على أغصاني سعيدة بالحياة ، أتحمل حرارة الشمس اللاذعة ، وأظلل المكان لمن يريد أن يستظل ، وفي الشتاء أسعد بالمطر وهو يهطل على أوراقي وفروعي يغسل الأوساخ والأتربة ، وفي الربيع تخضر أوراقي ويتجدد شبابي ، وأداعب الهواء ، وأغازله فرحة نشوانة ، مثلي مثل كل الأشجار الباسقة التي تملأ المكان ، وكم كان يضايقني طائر " أبي قردان " الذي يسكنني ويملأ الجو والمكان والأرض وأوراقي وفروعي برائحة فضلاته الكريهة ، ولكن ما ذنبي أنه مثل أي طائر يبحث عن رزقه ، وفي هذا المكان وسط المقابر يجد ضالته ، ينبش الأرض بحثا عن الديدان ، أنه ضيفا ثقيلا ، بل عدو غازي ، سكنني واحتلني بالقوة ، كم تمنيت من يحاول طرده ، والقضاء عليه ، ولكن لا أحد يتحرك .
ولم أكن اتوقع يوما أن أكون أنا وزميلاتي من الأشجار الضحية ، فحتى يتخلصوا من هذا الغازي قاموا بالقضاء علينا ، وبترنا من فوق الأرض ،باعوا جذعي اليابس لتاجر الأشجار ، وعندما نظر إلى جذعي المتآكل قطعني أرباً وباعني قطعا صغيرة لأصحاب المقاهي ليشعلوا نيراهم ، ويغمسون بالمعسل وينفثون في الهواء دخاني ، الذي يتبخر مع شكاوى الموجعات ، لقد كان ظلي يلقي الطمأنينة على الموتى ، وأوراقي الخضراء تستغفر الذبوب الثقيلة المدفونة في أعماق الأرض ، في القبور المتناثرة حولنا ، وقد كنا مأوى لزوار القبور نقيهم حر الظهيرة القارس ، وهو يدفنون موتاهم ، أوعندما يزورونهم كل ظهر جمعة ، فعلوها واجتثونا من فوق الأرض بلا رحمة
لا أدري لماذا أختاروني لأكون أنا الضحية الوحيدة في هذا المكان .
من أول من فعل بي فعلته وروج كذبته التي انتشرت كالهشيم ، وحولتني إلى شجرة تضر وتنفع ، يأتون إليًّ من كل صوب وحدب ، يزرعون شكواهم مع مساميرهم التي تخترق قلبي وتدميه ، فيزداد وجعي مرتين ، مرة من هذا الهم المثقل الملقى على عاتقي ، فما أصعب أن تختزن بداخلك أوجاع البشر ، وهذه المسامير التي تخترق جزعي وتمزق قلبي .
لماذا أطلقوا عليًّ هذا الأسم ( شجرة الأربعين ) ؟، تفنن أصحاب المصالح والقادرين على صنعت الحكايات ونسجها في تحويلي إلى تلك الشجرة المقدسة .
قال بعضهم : بأن هناك أربعون ملكا يسكونني ، ويحرصونني ، ويستمعون إلى أوجاع الناس ، ويحققون لهم مأربهم ، ويقتصون من الظالم .
وقال البعض بأن تحتي دفن أربعون ولياً من أولياء الله الصالحين ، وأولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون " ، وهم يستمعون إلى شكاوى الناس ومطالبهم ، وأروحهم الطاهرة ، الخالدة ،تحلق حول الشجرة ، ولديهم القدرة للوصول إلى الظالم ورده والقصاص منه .
ويقال إن بنت درويشة إسمها ( القطة ) كانت تعمل خادمة عند بعض أثرياء البلدة ، وعندما ماتت بينت وانتقلت روحها عند هذه الشجرة بجوار أولياء الله الصالحين ، وربما لهذا السبب تجدمعظم الذين يأتون لبث شكواهم من النساء .
حكايا كثيرة يصدقها الناس ، ويسعون إليَّ للخلاص ، ولو كنت أملك من أمري شيئاً ما اجتثوني من تحت الأرض مثلي مثل أقراني ، ومع ذلك وبعد أن سوى جذعي بالأرض ، قام التربي بإظها ر الجذع بفأسه العتيقة ، لأنه صاحب المنفعة الوحيد ، لأنه يأخذ مالآً من أصحاب الشكوى والمظالم ، مقابل أن يقوم بجر الفأس بشكل دائري حول جذع الشجرة ، وخلفه صاحب الطلب يدور ويلف وهو يبث شكواه ، وسرعان ما تحول بقايا جذعي إلى مخزن للمسامير من كل شكل ولون ، كل مسمار يحمل شكوى وييبث أوجاعا لا تقدر الأرض على حملها ، فكيف لجذعي المبتور أن يتحمل كل الأوجاع.
كل مسمار مغروز في جسدي يحمل حكاية موجعة ، لو سردت لكم تاريخ تلك المسمامير المخترقة جسدي ، والتي سكنت جسدي السامق قبل البتر وبعده لن تكفيني أوراق الدنيا ، ولكن سوف أقص عليكم بعضعا منها .
لا لن استطيع البوح ، فأنا كاتمة لأسرار هؤلاء النسوة الموجعات ، سأتركك أنت أيها الفضولي ، التي تراقبني منذ فترة ، أنا أعرفك جيدأً ، أعرف ما يدور بخلدك ، أشعر بك وأنت تراقب مايدور حولي ، أشعر بنظرة السخرية التي تكتسي ملامحك تارة ، ونظرة العطف التي تأسرك في بعض الأحيان من تلك الهموم التي تسمعها ، والصرخات الموجعة التي تخترق صمت المكان وتقلق الموتى أكثر من الأحياء ، فما أصعب أن ترى الوجع يتجسد أمامك ، دعهم يتذرعون بلحظة أمل ، حتى ولو كانت كاذبة ، وسأترك لك حرية التعبير عما يدور معي وحولي من أوجاع ، وما يطرح من هموم وشكوى .
(2)
الصدفة وحدها التي صنعت تلك الأحداث ، لم أقصد أن تكون هذه المرأة إحدى بطلات تلك الشجرة العتيقة ، وأنا أدلف من باب المقابر ، وقبل أن ألقي السلام على الموتى كعادتي ، وجدتها تدلف بملابسها السوداء وعلى رأسها ( ماجور ) فخار صغير ، توقفت أمام باب المقابر ، ورفعت الماجور من فوق رأسها قليلا ، ونزعت الشال الأسود من على رأسها ، والطرحة التي تلملم شعرها الذي يغزوه البياض ويسيطر ، ثم أراحت الماجور مرة أخرى وتمتمت بصوت مسموع : يا جبانة يا أم قلوب دبلانة ، جيت لك وأنا تعبانه ، ياجبانه ياأم قلوب دبلانه ، من غيرك يسمع شكوانا .
رنت كلماتها المتموسقة في أذني ، على الفور عرفت إلى أين تتجه ، فقد أصبحت خبيرا في هذه الأمور من زيارتي المتكررة التي تعودت عليها كل يوم جمعة قبل الصلاة ، و سرت خلفها وهي تكرر العبارات وتضيف بعض الكلمات التي تتمسوق مع الجملة ، وسرعان ما وقفت أمام جذع الشجرة وبركت على الأرض ووضعت الماجور ومازالت تمتم بكلماتها ، فوقف التربي الجالس بجوار أحد الحوائط محتضنا فأسه العتيق ، واقترب منها ، نظرت حولها ، سرعان ما اقترب منها طفل صغير بملابسه الرثة ، وهو يقول : أولع الماجور ياستي ، وأخرج علبة الكبريت من جيبه ، فأومأت برأسها ، وهي تبكي بحرقة : ولع ياولدي ، ولع إن شاء الله يولعوا فيها ، أشعل الولد الصغير في أقراص الجلة القابعة في الماجور فاشتعلت النار وتصاعد الدخان ، أخرجت من صدرها صرة وفتحتها ، وألقت بعض منها في النار ، فأحدث أصواتا وعندما دنوت عرفت أنه بعض الملح المخلوط بالعدس الأصفر ، وعلى صوت طقطقات الملح تلف المرأة وتدور في شكل دائري حول الماجور ، وهي تبكي بحرقة واضعة يديها على رأسها المشتعل بياضاً ، وهي تقول بصوت مسموع : تنحرقي ياسعاد يامرات ولدي ، وتنحرمي من الضنا زي ما حرميتيني من وليدي ، ياشحرة ياقوية ، شوفي لي يوم فيها يا عفيه ، ظلمتني المستقوية .
وأطلقت صرخة قوية أهتز لها قلبي ، فأقترب التربي أكثر والفأس في يده ، وهو يهمس : أرمي ياستي خلي النار تزيد وتحرق الظالم ، والمرأة ترمي بالعدس المخلوط بالملح فتزداد الطقطقات ويزداد معها نحيبها وهي مازلت تدور بشكل دائري حول الماجور ، يخرج التربي مسمار متآكل صدأ ويناوله لها ، ويقول لها دقي المسمار في الشجرة ، خدى من عبد الله وأتكلي على الله ، تمسك المرأة بالمسمار ، فيهرع الولد الذي أشعل النيران ويناولها قطعة زلط كبيرة لتدق المسمار في الجذع ، تضرب المرأة على المسمار في الجذع وهي تقول : في عينك ياسعاد يامرات وليدي ، لا تشوفي الضنا ولا تتهني ، زي ما حرميتني من نور عيني ووليدي ، بأدقك يامسمار في عين الظالمة المفترية ، ما تشوف يوم هناء ، ولا تفرح ، زي ما حرمتني من أبني وليدي .
وتعاود لتصرخ صرخة أخرى ، وتبرك على الأرض وهي تبكي بحرقة .
يهمس لها التربي : عملتي ياست اللي عليك ،وربنا يخلص الحقوق ، ويرد المظالم .
تنظر له المرأة والدموع في عينيها : منها لله حرمتني من ولدي الظالمة ، مع إني لم أعمل لها أي حاجة ، كنت عملاها زي بنتي ، منها لله .
تنظر إلى الفأس في يد التربي تذكرت شيئا ، فتضع يدها في صدرها وتخرج صرة أخرى ، تخرج بعض العملات الورقية ، وتضعها في يد التربي ، الذي يضعها بسرعة في جيبه ، وهي تقول له : جر لي الطورية ( الفأس ) ياخويا ، وأكنس لي الجبانة علشان تحلل في الظالمة بنت الـ (.....) .
يضع التربي الفأس على الأرض ،ويقوم بجرها ، والمرأة من خلفه تسير في طرقات المقابر وهي تصرخ وتستغيث وتدعو على زوجة ابنها :
والله ما عملت لها حاجة ، هي اللي مستوقية ، أنت وحدك اللي شايف وعارف ، أنا مش عاوزة إلا سعادة ابني ، لكن أوح فين ، أترك لها البيت وأروح عند مين ؟ ليه بيعاملني ولدي كده ، عمري مازعلته ولا زعلتها ، مش عارفة عاوزة أيه ، أروح فين ، أروح فين ياناس ؟.
تصرخ صرخة عالية ، وتنهمر الدموع من عينيها غزيرة ، وهي مازالت تمشي وراء التربي الذي يجر الفأس خلفه ويدور في طرقات المقابر .
صوت المؤذن يأتي من بعيد ( الله أكبر .. الله أكبر ) ..
أنظر إلى الساعة ، أهرول إلى قبر أمي ، أقرأ الفاتحة ، وأخرج متوجها إلى المسجد القريب من المقابر ، ولا أنسى أن القي نظرة على جذع الشجرة الذي يأن من دقات المسامير .
اشعر بإبتسامة الجذع من نظرتي الحائرة ، المحشونة بالمتناقضات .
شجرة الأربعين
محمود رمضان الطهطاوي
إهداء
إلى ترنيمة العشق الأبدي
طهطا .. المكان ، الأهل ، الصحب
محمود
(1)
لاتنظر إليَّ بإستغراب ، ولا تتعجب من ذلك الإنحناء العظيم الذي أصاب جذعي ، فأنا كنت شجرة باسقة ، معتدلة الجذع مثلي مثل كل الأشجار المنتشرة حولي ، لا أقل عنهن جمالا ولا فراعة ، ممشوقة القوام مثلهن تماماً ،على أغصاني تعشعش الطيور ، وتغرد على أغصاني سعيدة بالحياة ، أتحمل حرارة الشمس اللاذعة ، وأظلل المكان لمن يريد أن يستظل ، وفي الشتاء أسعد بالمطر وهو يهطل على أوراقي وفروعي يغسل الأوساخ والأتربة ، وفي الربيع تخضر أوراقي ويتجدد شبابي ، وأداعب الهواء ، وأغازله فرحة نشوانة ، مثلي مثل كل الأشجار الباسقة التي تملأ المكان ، وكم كان يضايقني طائر " أبي قردان " الذي يسكنني ويملأ الجو والمكان والأرض وأوراقي وفروعي برائحة فضلاته الكريهة ، ولكن ما ذنبي أنه مثل أي طائر يبحث عن رزقه ، وفي هذا المكان وسط المقابر يجد ضالته ، ينبش الأرض بحثا عن الديدان ، أنه ضيفا ثقيلا ، بل عدو غازي ، سكنني واحتلني بالقوة ، كم تمنيت من يحاول طرده ، والقضاء عليه ، ولكن لا أحد يتحرك .
ولم أكن اتوقع يوما أن أكون أنا وزميلاتي من الأشجار الضحية ، فحتى يتخلصوا من هذا الغازي قاموا بالقضاء علينا ، وبترنا من فوق الأرض ،باعوا جذعي اليابس لتاجر الأشجار ، وعندما نظر إلى جذعي المتآكل قطعني أرباً وباعني قطعا صغيرة لأصحاب المقاهي ليشعلوا نيراهم ، ويغمسون بالمعسل وينفثون في الهواء دخاني ، الذي يتبخر مع شكاوى الموجعات ، لقد كان ظلي يلقي الطمأنينة على الموتى ، وأوراقي الخضراء تستغفر الذبوب الثقيلة المدفونة في أعماق الأرض ، في القبور المتناثرة حولنا ، وقد كنا مأوى لزوار القبور نقيهم حر الظهيرة القارس ، وهو يدفنون موتاهم ، أوعندما يزورونهم كل ظهر جمعة ، فعلوها واجتثونا من فوق الأرض بلا رحمة
لا أدري لماذا أختاروني لأكون أنا الضحية الوحيدة في هذا المكان .
من أول من فعل بي فعلته وروج كذبته التي انتشرت كالهشيم ، وحولتني إلى شجرة تضر وتنفع ، يأتون إليًّ من كل صوب وحدب ، يزرعون شكواهم مع مساميرهم التي تخترق قلبي وتدميه ، فيزداد وجعي مرتين ، مرة من هذا الهم المثقل الملقى على عاتقي ، فما أصعب أن تختزن بداخلك أوجاع البشر ، وهذه المسامير التي تخترق جزعي وتمزق قلبي .
لماذا أطلقوا عليًّ هذا الأسم ( شجرة الأربعين ) ؟، تفنن أصحاب المصالح والقادرين على صنعت الحكايات ونسجها في تحويلي إلى تلك الشجرة المقدسة .
قال بعضهم : بأن هناك أربعون ملكا يسكونني ، ويحرصونني ، ويستمعون إلى أوجاع الناس ، ويحققون لهم مأربهم ، ويقتصون من الظالم .
وقال البعض بأن تحتي دفن أربعون ولياً من أولياء الله الصالحين ، وأولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون " ، وهم يستمعون إلى شكاوى الناس ومطالبهم ، وأروحهم الطاهرة ، الخالدة ،تحلق حول الشجرة ، ولديهم القدرة للوصول إلى الظالم ورده والقصاص منه .
ويقال إن بنت درويشة إسمها ( القطة ) كانت تعمل خادمة عند بعض أثرياء البلدة ، وعندما ماتت بينت وانتقلت روحها عند هذه الشجرة بجوار أولياء الله الصالحين ، وربما لهذا السبب تجدمعظم الذين يأتون لبث شكواهم من النساء .
حكايا كثيرة يصدقها الناس ، ويسعون إليَّ للخلاص ، ولو كنت أملك من أمري شيئاً ما اجتثوني من تحت الأرض مثلي مثل أقراني ، ومع ذلك وبعد أن سوى جذعي بالأرض ، قام التربي بإظها ر الجذع بفأسه العتيقة ، لأنه صاحب المنفعة الوحيد ، لأنه يأخذ مالآً من أصحاب الشكوى والمظالم ، مقابل أن يقوم بجر الفأس بشكل دائري حول جذع الشجرة ، وخلفه صاحب الطلب يدور ويلف وهو يبث شكواه ، وسرعان ما تحول بقايا جذعي إلى مخزن للمسامير من كل شكل ولون ، كل مسمار يحمل شكوى وييبث أوجاعا لا تقدر الأرض على حملها ، فكيف لجذعي المبتور أن يتحمل كل الأوجاع.
كل مسمار مغروز في جسدي يحمل حكاية موجعة ، لو سردت لكم تاريخ تلك المسمامير المخترقة جسدي ، والتي سكنت جسدي السامق قبل البتر وبعده لن تكفيني أوراق الدنيا ، ولكن سوف أقص عليكم بعضعا منها .
لا لن استطيع البوح ، فأنا كاتمة لأسرار هؤلاء النسوة الموجعات ، سأتركك أنت أيها الفضولي ، التي تراقبني منذ فترة ، أنا أعرفك جيدأً ، أعرف ما يدور بخلدك ، أشعر بك وأنت تراقب مايدور حولي ، أشعر بنظرة السخرية التي تكتسي ملامحك تارة ، ونظرة العطف التي تأسرك في بعض الأحيان من تلك الهموم التي تسمعها ، والصرخات الموجعة التي تخترق صمت المكان وتقلق الموتى أكثر من الأحياء ، فما أصعب أن ترى الوجع يتجسد أمامك ، دعهم يتذرعون بلحظة أمل ، حتى ولو كانت كاذبة ، وسأترك لك حرية التعبير عما يدور معي وحولي من أوجاع ، وما يطرح من هموم وشكوى .
(2)
الصدفة وحدها التي صنعت تلك الأحداث ، لم أقصد أن تكون هذه المرأة إحدى بطلات تلك الشجرة العتيقة ، وأنا أدلف من باب المقابر ، وقبل أن ألقي السلام على الموتى كعادتي ، وجدتها تدلف بملابسها السوداء وعلى رأسها ( ماجور ) فخار صغير ، توقفت أمام باب المقابر ، ورفعت الماجور من فوق رأسها قليلا ، ونزعت الشال الأسود من على رأسها ، والطرحة التي تلملم شعرها الذي يغزوه البياض ويسيطر ، ثم أراحت الماجور مرة أخرى وتمتمت بصوت مسموع : يا جبانة يا أم قلوب دبلانة ، جيت لك وأنا تعبانه ، ياجبانه ياأم قلوب دبلانه ، من غيرك يسمع شكوانا .
رنت كلماتها المتموسقة في أذني ، على الفور عرفت إلى أين تتجه ، فقد أصبحت خبيرا في هذه الأمور من زيارتي المتكررة التي تعودت عليها كل يوم جمعة قبل الصلاة ، و سرت خلفها وهي تكرر العبارات وتضيف بعض الكلمات التي تتمسوق مع الجملة ، وسرعان ما وقفت أمام جذع الشجرة وبركت على الأرض ووضعت الماجور ومازالت تمتم بكلماتها ، فوقف التربي الجالس بجوار أحد الحوائط محتضنا فأسه العتيق ، واقترب منها ، نظرت حولها ، سرعان ما اقترب منها طفل صغير بملابسه الرثة ، وهو يقول : أولع الماجور ياستي ، وأخرج علبة الكبريت من جيبه ، فأومأت برأسها ، وهي تبكي بحرقة : ولع ياولدي ، ولع إن شاء الله يولعوا فيها ، أشعل الولد الصغير في أقراص الجلة القابعة في الماجور فاشتعلت النار وتصاعد الدخان ، أخرجت من صدرها صرة وفتحتها ، وألقت بعض منها في النار ، فأحدث أصواتا وعندما دنوت عرفت أنه بعض الملح المخلوط بالعدس الأصفر ، وعلى صوت طقطقات الملح تلف المرأة وتدور في شكل دائري حول الماجور ، وهي تبكي بحرقة واضعة يديها على رأسها المشتعل بياضاً ، وهي تقول بصوت مسموع : تنحرقي ياسعاد يامرات ولدي ، وتنحرمي من الضنا زي ما حرميتيني من وليدي ، ياشحرة ياقوية ، شوفي لي يوم فيها يا عفيه ، ظلمتني المستقوية .
وأطلقت صرخة قوية أهتز لها قلبي ، فأقترب التربي أكثر والفأس في يده ، وهو يهمس : أرمي ياستي خلي النار تزيد وتحرق الظالم ، والمرأة ترمي بالعدس المخلوط بالملح فتزداد الطقطقات ويزداد معها نحيبها وهي مازلت تدور بشكل دائري حول الماجور ، يخرج التربي مسمار متآكل صدأ ويناوله لها ، ويقول لها دقي المسمار في الشجرة ، خدى من عبد الله وأتكلي على الله ، تمسك المرأة بالمسمار ، فيهرع الولد الذي أشعل النيران ويناولها قطعة زلط كبيرة لتدق المسمار في الجذع ، تضرب المرأة على المسمار في الجذع وهي تقول : في عينك ياسعاد يامرات وليدي ، لا تشوفي الضنا ولا تتهني ، زي ما حرميتني من نور عيني ووليدي ، بأدقك يامسمار في عين الظالمة المفترية ، ما تشوف يوم هناء ، ولا تفرح ، زي ما حرمتني من أبني وليدي .
وتعاود لتصرخ صرخة أخرى ، وتبرك على الأرض وهي تبكي بحرقة .
يهمس لها التربي : عملتي ياست اللي عليك ،وربنا يخلص الحقوق ، ويرد المظالم .
تنظر له المرأة والدموع في عينيها : منها لله حرمتني من ولدي الظالمة ، مع إني لم أعمل لها أي حاجة ، كنت عملاها زي بنتي ، منها لله .
تنظر إلى الفأس في يد التربي تذكرت شيئا ، فتضع يدها في صدرها وتخرج صرة أخرى ، تخرج بعض العملات الورقية ، وتضعها في يد التربي ، الذي يضعها بسرعة في جيبه ، وهي تقول له : جر لي الطورية ( الفأس ) ياخويا ، وأكنس لي الجبانة علشان تحلل في الظالمة بنت الـ (.....) .
يضع التربي الفأس على الأرض ،ويقوم بجرها ، والمرأة من خلفه تسير في طرقات المقابر وهي تصرخ وتستغيث وتدعو على زوجة ابنها :
والله ما عملت لها حاجة ، هي اللي مستوقية ، أنت وحدك اللي شايف وعارف ، أنا مش عاوزة إلا سعادة ابني ، لكن أوح فين ، أترك لها البيت وأروح عند مين ؟ ليه بيعاملني ولدي كده ، عمري مازعلته ولا زعلتها ، مش عارفة عاوزة أيه ، أروح فين ، أروح فين ياناس ؟.
تصرخ صرخة عالية ، وتنهمر الدموع من عينيها غزيرة ، وهي مازالت تمشي وراء التربي الذي يجر الفأس خلفه ويدور في طرقات المقابر .
صوت المؤذن يأتي من بعيد ( الله أكبر .. الله أكبر ) ..
أنظر إلى الساعة ، أهرول إلى قبر أمي ، أقرأ الفاتحة ، وأخرج متوجها إلى المسجد القريب من المقابر ، ولا أنسى أن القي نظرة على جذع الشجرة الذي يأن من دقات المسامير .
اشعر بإبتسامة الجذع من نظرتي الحائرة ، المحشونة بالمتناقضات .
تعليق