متاهة الظل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يحي الحسن الطاهر
    أديب وكاتب
    • 20-03-2011
    • 111

    متاهة الظل

    متاهة الظل - رواية – يحي الحسن الطاهر
    لم تكن هذه الحادثة الأولي التي أجد فيها شقيقتي تبكي في صمت وحرقة في ظلام غرفتها المجوف كقاع بئر عميقة، ولكن ما شد انتباهي أكثر في هذه المرة هو ما كانت تحمله في يدها الصغيرة وتحدق إليه متحدية كل قوانين انعكاس الضوء وما يقال عن إننا لا نستطيع أن نرى إلا إذا كان هناك ثمة ضوء كاف ينعكس من ما نود رؤيته..وهو أمر لم تثبت صحته بعد كما تعلمون ، لايهم ، سألتها في دهشة:
    كيف ترين في الظلام ؟ يمكنك أن تشعلي المصباح..متواطئا كنت في تكاسل ذهني مع ما يعتقده الجميع ، ومتصامما عن كل لجاجات ما يستبصره العارفون بشأن خداع حواسنا وزيف معرفتها المشروطة بما نتعلق به من أوهام.
    قالت وكأنها ذعرت من دخولي المفاجئ الى الغرفة الذي يبدو إنها لم تلاحظه لاستغراقها العميق فيما كانت تحدق فيه بدهشة وغرابة :
    لا ليس هذا مهما ..ثم حاولت إخفاء ما بدا لي إنها صورة فوتوغرافية لشخص ما لم أتبين ملامحه جيدا ..
    ليس مهما ..غمغمت في شعور غريب بعدم التصديق لكوني رأيتها بوضوح وهي تخفي يدها وراء ظهرها في خوف راعش ، تتبلور غماماته بشكل أثيري حول وجنتيها متصاعدة من مجامر خفية تطل من خلال النظرات الصارمة لعيني الغريب الذي تحمل صورته في يدها .
    نعم ليس مهما ..ويمكنني حتى أن أريك إياه ..أنظر..ثم مدت يدها وهي تحدق في بعينين مستطلعتين..كنت أرى انعكاس شغفها بقراءة ما سيجول بخاطري وأنا أتأمل الصورة التي كانت تقطع المسافة بين يدها ويدي ، وفي ذات الوقت – كما علمت فيما بعد- تقطع المسافة بين ما كنت أستسره من مخاوف عميقة وبين انفجار هذه المخاوف هكذا دفعة واحدة كانبجاس عطر منسي ما لأنثى تقبع في قيعان ذاكرتي وأوديتها السحيقة ، تلك الأنثى التي كتبت لي ذاتغسق ما:
    أحسك أبني..أود أن أهدهدك على صدري وأحكي لك حتى تنام ..ترى أين هي الآن ؟ وهل مازلت أنا صغيرها ذاك ،..رأيتها تتسلل عبر شقوق ذاكرتي وهي تتلوى في الطريق موال عطر عنيف الى مقعدها الأثير في تلك الحديقة التي كنا نتخالس فيها الهوى ، ورأيتني ممسكا بيدها مغمضا عيناي في تبتل لا يعرفه سوى النفري ، وقد ضاقت عبارته حين اتسعت رؤاه ، كنت في ذات الوقت أتشمم عبقها ، أتسمع وجيب قلبها الخافت ، كنت مصغ بشكل كلي في تلك اللحظة ، كأني أدشن بحضورها ميلادا لحواسي جميعها كي تقتنص كل عبق ذاك الحضور وتمتصه: عطرا، صمتا وصوتا وكانت دنان أنوثتها الرائعة التسكاب تهاطل على جديب قلبي كل بهاء حنانها الدفاق الذي –للحق – كنت أغار من ذلك الفراغ البهيج الذي يلف كينونتها –زمانا ومكانا – أن يحتويه بدلا عني ، كنت أحاول امتصاص كينونتها جميعا ، وكانت شفتاي تتنزهان في حبور على كل مسام جسدها الرشيق ، ترى أين هي الآن ؟
    هل عرفته؟ أتاني صوت شقيقتي كأنشوطة بديعة تعلقت بها متسلقا تلك الحواف المدببة للزمن عبر ثلاثين عاما الى حيث أنا الآن واقفا بغرفة شقيقتي ...عرفت من؟ نظرت إلي في حيرة عميقة ..أين كنت ، ومن أين أتيت بكل هذا الغبار الذي يعلق بملابسك؟ ألم تدخل قبل قليل وأنت –كما العادة في كامل أناقتك ؟ ولماذا تبدو مجهدا هكذا قلت : دعيني الآن ، واخبريني ماذا كنت تقولين ، ثم في موجة تذكر غامرة رأيتني وأنا أمعن النظر في دهشة الى صورته بين يدي..وسمعتني أقول:
    من أين أتيت بهذه الصورة ؟ لم أتذكر بعد ذلك أي شيء آخر، غير إني وجدتني مضجعا على سرير أبيض وحولي الكثير من الناس، أذكر بينهم بعض الأصدقاء الذين خفوا لزيارتي بعد أن أخبرتهم شقيقتي بما حدث:
    لا أدري تماما كيف حدث كل هذا، فقد كان معي بالغرفة نتحادث حول صورة لشخص غريب أتاني هذا الصباح يسألني عن شقيقي وما إذا كان موجودا أم لا وحين أخبرته بأنه خرج لشراء بعض الأشياء..أعطاني صورته وطلب مني إعطاءها لأخي حينما يعود ..وقال لي في لهجة حاسمة ولكنها ودودة في ذات الوقت:
    أخبريه باني ما عدت أحتمل كل هذا ، وبأن من الخير لكلينا أن نلتقي ونتفاهم حول بعض الأمور ، سألت الغريب:
    وهل يعرفك شقيقي؟ ويعرف كيف يتصل بك ..حدق في بسخرية مريرة ولم يقل شيئا وخرج..وحين أتى شقيقي حاولت إلهاءه بشتى الطرق حتى إنني أطفئت كل مصابيح الغرفة في إشارة الى رغبتي في النوم ، وكنت ما أزال أحدق في صورة ذلك الغريب ، حاول أخي مرارا أن يكتشف ما الذي أخفيه في يدي وتحت إلحاحه مددت اليه بالصورة ، حدق فيها مليا وأذكر انه سألني عن مصدرها وكيف أتت إلي ، لكنه فجأة سقط مغشيا عليه ، ثم حدث ما تعلمون جميعا من نقله الى المستشفى حيث هو الآن أمامكم.
    وكنت أرقب الجميع وهم يتحدثون ، واسمعهم بوضوح ، ولكني لم استطع قول أي شيء ، كنت كأني معلق بين السماء والأرض بحبل أثيري شفاف ..سابحا من خلال ملايين من فقاقيع وبالونات ضوئية مشعة بلون بنفسجي قاتم ، تتراقص سابحة في ما يشبه ممرا سحريا يصل بين جسدي المعلق هكذا وبيني علي سريري الأبيض ، وكان عقلي صافيا بحيث صرت أتتبع في وضوح كامل مشاهدا عديدة ، تمثلني بعضها في طفولتي البعيدة ، وأراني في بعضها في بلاد لم أراها بعد .. كنت أود أن أحكي لهم ما الذي جرى في تلك اللحظة قبل أن اسقط على الأرض ، وعنه ، أعني صاحب الصورة ، ولكني بذات السكون والعجز الكامل الذي حدثتني عنه جدتي ذات مساء وهي تحكي لي :
    هذا أمر معروف تماما ..الأموات جميعا يعرفون قبل وقت كاف ساعة موتهم بدقة شديدة، لكنهم لا يستطيعون إخبار أحد، عدا جدك،فقد كان رجلا صالحا ، وبركاته يتحدث عنها كل أهل القرية ، أتاني في المساء وجالسني وتحدثنا كثيرا عن كل شيء وعن لاشيء تقريبا ، ثم شرب الشاي بالحليب الذي كان يفضله في مثل ذلك الوقت ، وقال لي :
    يا أم الحسن أنا ذاهب الى بعض الأخوان ، أسدد ديون البعض ، وأستسمح بعض من أغضبتهم، ولا أدري يا ولدي لم انقبض قلبي في تلك اللحظة بصورة غريبة جدا لم أألفها من قبل ..كنت أشعر بأن شيئا ما ..رهيبا ومخيفا على وشك أن يحدث ..ويبدو إن جدك رأى مخاوفي تلك لأنه نظر إلي بعمق ومحبة ثم قال:
    لا عليك يا أم الحسن حين أحضر سأخبرك بكل شيء ..لا تحملي هما ..سأعود قريبا ..ثم خرج ..جلست بعدها طويلا أتساءل عن ما يحدث ، ناديت أمك ..وكنت أنت ما زلت صغيرا تحملك في تلك اللحظة ..ولعلها كانت تعطيك دواء فقد كنت كثير المرض..حضرت أمك بعد زمن ..قلت لها يا بنية ..ألا تعرفي ما يحدث لأبيك ؟ ألم يخبرك بشيء؟ أراه مهموما كثير الصمت في هذه الأيام وكأنه يخفي أمرا ما ..فزعت أمك وقالت ..والله لا أعلم حقا ولكني لاحظت ما تقولين ( كنت أنا في الثالثة من العمر حينها وقد سمعت كل حوارهما ولم أتعجب من أي شيء لأنني كنت أعرف بصورة واضحة إن جدي سوف يموت قريبا ..أخبرني بذلك صديقي الصغير الذي يأتيني دوما حينما أكون نائما وغالبا ما أستيقظ على رفرفة جناحيه وهو يحط على الصخرة التي تعودنا على الالتقاء بجانبها ويحكي لي عن أشياء كثيرة ستحدث ..ولكنه يلح علي أن لا أخبر بها أحدا أو سيكف هو عن إخباري بالمزيد..لذا حين سمعت جدتي تحادث أمي هممت باطلاعهما على ما أعرف ..لكني فضلت السكوت وقتها حتى لا أحرم نفسي تلك الغبطة الصغيرة بمعرفتي بكل شيء قبل أوانه ) قالت أمي : لعله قد أخبر هذا الصغير بشيء فهو دوما يحمله معه أينما يذهب ، وحتى انه في بعض الليالي يأتي ويأخذه من سريره بغرفتي ويخبرني : أريده أن ينام معي الليلة ..لا عليك سأعتني به جيدا ..كنت حينها اشعر بسرور بالغ لأنه في تلك اللحظات فقط . وحينما يلف سكون الليل بعباءاته الثقيلة كل أركان المنزل يهبط صديقي الصغير ونلعب سويا مع جدي ويعطينا الكثير من الحلوى ..لا يأتيني في النوم كما يفعل دوما حينما لا أنام مع جدي في غرفته بل يأتي فعلا وغالبا ما لا ينام ثلاثتنا حينها ..يظل يحكي لنا أشياء كثيرة جدا بعضها عن أماكن وبشر لا اعرفهم حتى ، وعن أحداث سعيدة وأخرى حزينة ..
    قالت شقيقتي وهي تخاطبني:
    مالك صامتا ؟ هل تحس بألم ما ؟ هل تحتاج الى أي شيء ؟ هل أحضر لك كوبا من الماء؟
    أومأت برأسي موافقا ..وكان أحد أصدقائي جالسا بجانبي على طرف السرير وهو يمسك بمودة واضحة يدي ويربت عليها في مؤاساة عميقة وكان هناك فيما اذكر جوا عميقا من التعاطف ، أعانني كثيرا حينما انصرف الجميع وتركوني وحيدا أرقب الليل وهو يهاطل أحزانه على روحي ..وفي استدعاء كثيف لذاكرة ما قبل دخولي الى المستشفى ..رأيت صورة الغريب في يدي، شعرت بعينيه تحدقان في بصرامة وعنف..وكأنما تخترقاني بلهب نظراتهما البارد المشع في جلال غريب..ثم فجأة بدأ لي وكأن شفتاه تتحركان في غمغمة خفيضة صارت ترتفع قليلا الى حد الهمس المسموع هونا ما ..
    نعم ..أنت أوجدتني كبطل لهذا الهراء الذي تسميه رواية، نسجت من خيالك شكل وجودي، صرت تتحدث من خلالي عن كل أشواق روحك ومخاوفها..تتستر من خلفي باثا لواعجك وشجونك الخاصة بك ، صرت تقحمني في كل شيء دون أن تعرف حتى رغبتي أو عدمها ، وحتى تلك الفتاة الغريبة التي جعلتها بمشيئتك حبيبة لي ، أكتب لها الشعر ، أتنزه معها في أودية خيالك السحيقة في بلاد لا توجد ، قرب أنهار غريبة بلا شواطئ ، لا أعرفها، ولا أحب عجرفتها ، التي تصفها أنت بنفسك ، وتعتقد إن وجودي الأثيري كإحدى تهويمات خيالك لا يجعلني أطلع عن ما تكتبه عنها مع إننا نتجاور أحيانا في ذات الصفحة .. وتعقد لي صداقات غريبة : مثل ذلك النورس الفضي ، وتلك الشجرة التي عرفت من خلال بعض ممن تعرفت عليهم من أصدقائك انك كنت تأتيها وأنت في السابعة من عمرك مع أصدقائك وتتباهون في أيكم يتسلق أعلى من غيره..صورتني في روايتك وكأنني أنا من كان يقوم بكل ذلك لكنني الآن أخيرا صار بمقدوري الخروج من دفاترك الى الحياة ، بدأت بزيارتك ..في منزلك ...فجأة بدأ صوته ينخفض قليلا ويتحول الى نشيج مكتوم ..ثم بدأت قطرات دموع تترقرق من عينيه على صدري ووجهي وعيناي ، ثم فجأة صارت هذه القطرات تتخذ أشكالا ملونة لمرايا صقيلة تراءت لي من خلالها مشاهد غاية في الغرابة رأيتني ..طفلا كنت حينها تحملني أمي على صدرها وهي تضحك من تحديقي الغريب في وجهها الذي كثيرا ما كانت تندهش من كونه يحدث من طفل ما يزال في الثالثة من العمر ..قالت لي وكأنها تخاطب رجلا ناضجا ، وكانت لهجتها مزيجا غريبا بين الضحك الخلي وبين الانزعاج الخفي : هل تعرف ماذا تقول لي جدتك عن هذه النظرة الغريبة في عينيك ؟ ثم استرسلت فيما يشبه من يتحدث أثناء نومه : ولدك هذا إما أن يصبح يوما ما ، عالما كبيرا أو محتالا خطيرا ، ثم نظرت الي في رقة وحنان : أنا أعرف جيدا إنني أحبك في كل الأحوال .
    قلت لشقيقتي :
    ما الذي أخافك ؟ وهل هذه أول مرة يزور فيها " الغريب " منزلنا؟ ولماذا كنت تبكين ؟ ولاحقتها بسيل متلاحق من الأسئلة..
    لم اسمع جيدا ما كانت تقول فقد بدأ الغريب يتحدث وكأنه يتحدث في داخلي..
    كان يترنم بما بدا لي أشبه بأغنية قديمة جدا..أو قل تعويذة سحرية لسكان الكهوف في أعالي التبت القديمة ، تلك الأهازيج التي كان صديقي الصغير ، يسمعني إياها حين نلتقي في تلك الصخرة ، أذكر انه مرة حادثني عن أسلاف لي لم أعرفهم جيدا وكيف أنهم كانوا يستمطرون الغيم، حين كان يروي لي تلك القصة ، كانت الشمس تدبر مع البحر أمر اختفاءها الوشيك ، وكان هناك في البعيد شبح لرجل يجلس في قمة صخرة ما متأملا الأفق البعيد وعلى الرغم من إنني لم أر ملامحه إلا إن شعورا من الالفة والحب العميقين جعلني أعرف بأننا سنلتقي يوما ما وسنكون صديقين حميمين ، الغيوم بدأت تكركر في بهجة إيذانا بالمطر ، وكانت البروق تضيء وتختفي وكأنها توقيعات سريعة على ما سيشهده الكون من أحداث ، السحب تناثرت خرافا في سهوب السماء الواسعة لليلتنا تلك ..كنا أنا وصديقي نتبارى في استكناه ما تشكله السحب في رحلتها المطمئنة في الفراغ العريض ، أشار الى مجموعة مرحة من الخراف تتراكض وهي تقضم أعشاب نجيمات صغيرة، بينما كنت أنا أرى بوضوح شديد بعض الصبية وهم يغازلون فتيات يتهادين بدلال معزوفة كمان بهيجة ، ولكن ولأمر ما لم أفهمه حينها ..صحنا في ذات اللحظة: من هذا الشخص الغريب الذي يتجول بين الخراف، بلا مبالاة وكأنه يسير أثناء نومه ولا يرى شيئا ؟ في تلك اللحظة بدا لي وكأنه ينظر الي من صحراءه البعيدة حانقا وكأنه قد قرأ ما جال بخاطري
    لا لم أكن خائفة فحسب ..بل إن قلبي كان ينتفض في داخلي وكأنه يريد أن يقفز خارجا ، انك لا تستطيع حتى أن تتخيل مدى الرعب والقسوة في عينيه ، وفي ذات الوقت لا تكف عن الشعور بأن تلك القسوة تخفي أحزانا وأوجاعا عميقة كبحر هجر ساحليه ممعنا في الفرار الى فضاء كينونة لا تحدها هوية ما ..لم يفعل لي أي شيء سوى إعطائي هذه الصورة التي تمسكها الآن ..ولم يقل سوى ما أخبرتك عنه .. كل هذه القسوة بدت لي وكأنها وسيلة دفاع يتستر بها مخفيا " حالة ضعف ما" لم استطع فهمها ربما لخوفي الشديد وقتها، انتابتني حينها مشاعر متناقضة بين الذعر الشديد من عينيه وما يلتمع فيهما من قسوة وبين تعاطف شديد لما هو فيه من حزن مقيم وعريق ..ولا أخفي عليك فقد شعرت أيضا بأن هذا الشخص ينتمي إلينا بصورة غريبة ..لا أدري حقا كيف أصفها، كل ما أعرفه هو إنني قد أكون التقيت به في مكان وزمان ما غير متعينين في ذاكرتي بشكل جلي..أتذكر تلك الأمسية التي أخذتني فيها الى منزل صديقكم ذاك؟ وكان يتحدث حديثا غريبا بالنسبة لي وأنا بنت السابعة وقتها ، كان يتحدث عن إننا وجدنا قبلا ..وسنوجد فيما بعد في أشكال وصور غير التي نألفها الآن؟ وحتى انه ذكر وقتها انه شخصيا دوما ما يحس بأنه وجد قبل أكثر من ألفي عام بالهند ، وانه ما يزال يتذكر طفولته الشقية هناك ، وكان أبوه صائدا للأسماك في نهر " الغانج" المقدس ، وكيف كان حين يتسكع الليل في صفحة السماء طاردا بكل جسارة جحافل الضوء النهارية الفجة التي لا تتيح للكائنات غبطة التسكع في بهو أحلامها ، كان في تلك اللحظات المباركة ، بعد أن يلقي الى زوجته مارتا بسلال الأسماك المقدسة ، ويساعدها بمحبة وحنو في أعمال الطبخ ، يأوي الى فراشه ، كي يتجشأ ما عبه من ماء النهر المقدس ، طاردا الآف العفاريت من روحه غاسلا أدرانها من ران آثامها الثقيلة الوطء ، في تلك الأمسية البعيدة في أزقة ذاكرتي ، يبدو لي بصورة غائمة شيئا ما إن هذا " الغريب" كان حاضرا ..ملتفا بعباءة ثقيلة من الصمت، كان يدخن بشراهة ملحوظة وكأنه يغيب طي سحب الدخان الكثيفة ما يعتمل في صدره من نشيج كينونة بليغة الإبانة في عينيه..
    قلت مندهشا:
    يدخن بشراهة؟ هل أنت متأكدة من انه كان يدخن؟
    تعلقت بشفتي شقيقتي كوسيلة خلاص من ما أعانيه من رهق ، لأن إجاباتها تعني الكثير ، فالغريب كما يظهر في روايتي التي يكتبها عبري أو أكتبها عنه-لايهم- لا علاقة له بالتدخين على الإطلاق ، بل هو من أشد أعدائه ..فهو دوما ما يحذر أصدقائه منه ..
    قالت:
    لا اذكر، ولكن، مهلا، لم أنت مهتم هكذا بهذا الأمر؟
    في تلك اللحظة دخلت إحدى صديقات شقيقتي ، كانت تنتعل حذاءا من جلد الثعابين ، وفي أذنيها أقراط من العاج المصقول جيدا ، وفي عنقها أذكر إن جماجم كثيرة من العاج كانت تتدلى من سلسلة من الفضة ، أما حقيبتها فقد صنعت بإتقان من جلد سلحفاة خضراء بديعة ، جعلني لونها المشع ، أتذكر ، صديقي الصغير ذات ليلة مقمرة ، وهو يأخذني للتسكع ، أخبرني :
    اليوم سأريك ، كيف تحبل الشمس بالضوء من جوف السلاحف المقدسة ، وكانت عيناه تشعان بفرح غامر وتلك الطفولة الشقية العذوبة المعروفة عن صغار الملائكة ، ثم أمعنا السير صوب تخوم بعيدة ، وكان قلبي يتقافز كمهر صغير في يوم ربيعي بديع ..
    شفتا الغريب في يدي، صارتا تتحركان مرة أخرى، تسحباني من بهو ذاكرتي بقسوة، تغمغمان:
    بالأمس ذهبت الى أحد أصدقائك ، لم يعرفني بالطبع ، ولكني حين شرعت في الحديث معه حول مخاوف الناس في هذه الأيام من نهاية العالم ، التي تنبأ بها أسلافي العظام ، صار يحدق في باستغراب ، لم أدرك كنهه تماما إلا حينما سألني:
    هل أعرفك؟ أعني هل التقينا من قبل وأين ؟ لا أدري ولكني اشعر بأننا قد ...ثم سألني فيما لو كنت أعرفك، وعن ما إذا التقى ثلاثتنا ذات مرة في مكان ما ..كان أكثر ما يحدق فيه هو عيناي ، وحتى شقيقتك كانت تفعل ذلك ، ترى ماذا أخبرتهم في روايتك عنهما؟ هل تعلم ما سببته لي من عذاب ، لماذا لا تتركني وشأني؟ لماذا ابتدعتني أصلا؟ إلا يكفيك كل ما كتبته من قبل ؟ مثل ذلك المتسول الذي يطل من خلال " الثقب " في قصتك المعروفة تلك..لا تظن بأني لم أقرأ لك من قبل..لا أخفي عليك إني حاولت التعرف عليك، فك ألغاز روحك العميقة، ومعرفة بواطنك السحيقة..وكان دافعي بكل بساطة هو أن أعرف ما الذي يجمع بيننا؟
    من كوة ما أسفل وعيي بدأ صوت جدي العميق يأتيني ، هادئا ومنسابا الى أقصى شغاف الروح ، كان يسألني عن صديقي الصغير ..وهل مازال يزورني خلسا كما اعتاد على ذلك ، ثم وهو يضحك : سأزورك اليوم ، ولكن عليك أن تنبه الجميع الى أنك في المساء تود أن تأخذ قسطا من الراحة ولا ترغب في زيارة أي شخص ، لأنك تعرف إن الكثيرين يعتقدون إن من غابوا لبعض الوقت لا يستطيعون الحضور إلا في تلك الصور الشائهة التي اعتادوا على تناقل رواياتها ، ثم ربت على كتفي في حنان وغاب ، قالت صديقة شقيقتي :
    جئت لزيارتك للاطمئنان بالطبع ، ولكني أيضا لا أخفي عليك إن لزيارتي سببا آخر ، وأرجو أن تعذرني في صراحتي فدافع الفضول لمعرفة هذا الأمر الغريب كان أقوى ، فضولي في أن أفهم سر هذا الشخص الذي تحمل صورته الآن في يدك ، والذي أخبرتني شقيقتك بأنه كان وراء كل هذا الذي يجري الآن من أمور غربية ..قاطعتها مندهشا:
    وما شأنك أنت بكل هذا ؟ هل زارك أنت أيضا؟
    لا لم يزرني ، ولكني كنت أتجول مع صديقاتي قبل يومين ، سعيدين كنا ، نتذاكر ما كنا عليه في طفولتنا من شقاوة ومرح ..حتى رأت إحدى صديقاتي " الغريب " وهو يتسكع مرتديا ذات الملابس التي في الصورة ، ما أدهشها هو إننا كنا في رابعة النهار وقتها وكانت الشمس تستعرض كامل فتنتها صقيلة كأن آلافا من الملائكة كانوا منهمكين في صقلها مما علق بها من غمام المدن البعيدة التي تزورها غبا وعلى استحياء ، على كل ما لفت نظر صديقتي هو إن "الغريب" لا ظل له ، كما لسائر خلق الله ، قلت لصديقتي ،
    كيف تقولين مثل هذا الهراء، كيف لا يكون له ظل ؟ دعينا من خرافاتك هذه، ربما لا ينعكس الضوء بشكل كاف في موضعه، اذهبي أنت وقفي بجواره ودعينا نرى إن كان لك ظل أم لا ..ذهبت صديقتي ووقفت بجوار الغريب تماما ولدهشتنا الشديدة كان ظلها منطبعا بقوة على الأرض، ثم بدلت موقعها عدة مرات وفي جميع المواضع كان ظلها هناك واضحا لا ريب فيه ، تذكرت حينها إحدى قصائدك التي تقول فيها ما يعني إن الظل هو بثور الليل تطفح على جلد النهار أو شيئا من هذا القبيل ..لا يهم ..هل تعتقد إن" الغريب " هو حقا بلا ظل؟
    ضحكت في سري، حسنا إن كانت هذه هي فقط ما عرفته عن غرابته فهذا شيء جيد ولا يزعج أكثر مما لا تعرف، ثم محاولا تسكين قلقها العميق قلت:
    لا بالطبع فكلنا، إذا ما توفر قدر معقول من الضوء تنعكس ظلالنا على الأرض وغيرها..قاطعتني في حنق ظاهر:
    وهل هناك ثمة قدر معقول أكثر من ضوء الشمس عند الواحدة ظهرا ؟ أم انك تقصد ضوءا آخر غير الذي نعرفه جميعا ؟
    قلت لشقيقتي ، محاولا التملص من صديقتها وأسئلتها التي لا أرغب حقا في الإجابة عنها فليس هناك ما يقتل المعرفة أكثر من إفقار فضاء التساؤلات بمحابس الإجابات التي تسعى الى إزالة القلق الصميمي من اللامعروف وغير المعبر عنه الذي يلف بعباءاته الثقيلة كل تفاصيل وجودنا ومآلنا ... قلت: هل سمعت من أحد أصدقائي شيئا جديدا ؟ هل زار أحدهم؟ غاب صوت شقيقتي وأنا أغوص عميقا في تجاويف ذاكرتي..يزيح الظل للليل من جسد النهار ما يزيح ...الظل بثور الليل تطفح على جلد النهار..تذكرت هذه القصيدة التي أشارت إليها صديقة شقيقتي والتي كتبتها منذ ما يزيد عن العشرين عاما أو نحوها وكنت أحسبني وقتها مسكونا بعشق التأمل في جدلية التضاد التي تشكل في تناسقها عالمنا بكل روعته الآسرة بكل فوضى عناصره وكنت مشغوفا وقتها بهذا الخيط اللامرئي الشفيف الذي تلتقي عنده الأضداد جميعها في أقصى امتداد لتضادها: الأبيض والأسود، الخير والشر ، الجمال والقبح كنت مسكونا باختلاس النظر الى تلك البقعة التي يتمازج فيها الضدان بهارمونية بديعة .. و لكنني الآن وأنا استمع الى ما قالته صديقة شقيقتي عن " الغريب " وعدم رؤية الجميع لظله لا أدري لماذا شعرت برابط خفي جدا بينها وبين ميلاد هذا "الغريب" أو قل ظهوره في حيز الوجود بعد إن كان ثمة حضورا طيفيا في مخيلتي وأنا أكتب في روايتي ..وتساءلت مع نفسي: هل يكون الغريب إذن محض ظل ؟ وان كان كذلك فظل لماذا أو لمن؟ تذكرت سلطان العاشقين النابلسي وهو في موجة عشق للمطلق يهذي نافيا الوجود عن كل ماعداه:
    أنت تكن بالله قائم لمن تكن بل أنت هو.....أنت ظل الغيب من أسمائه والشمس هو
    وهذا النص الذي كتبته قبل أكثر من عشرين عاما: هل كان استشرافا لمجيء " الغريب" أم كان استدعاء لحضوره ولكن مهلا هل هناك ثمة فرق حقيقي بين الاثنين ؟ أعني بين الحضور والغياب ؟ أتذكر الآن ذلك الرجل الذي كان يجلس على قمة الصخرة بينما كنت أنا وصديقي الصغير في نزهتنا البديعة تلك ، حين زرته في منزله بعد أكثر من أربعين عاما من رؤيتي له وأنا في الثالثة من العمر ، كان يحادث عددا من الناس يتحلقون حوله كل مساء وبخاصة يوم الاثنين ، كان وقتها يتحدث عن ما سماه بوهم الزمن وانقطاعه أو اتصاله حضورا وغيابا للأشخاص والأشياء ...كان يتحدث وعيناه تحدقان للأعلى في سكون مهيب كمن يطالع أطيافا لامنظورة يسترق السمع لهمسها ثم يعود إلينا بصدى ذلك الهمس بكلام أشبه بالسحر في غرابته الأليفة أو الفته الغريبة ، حديث لم تسمع به من قبل ولكن يساورك اعتقاد خفي وكلي السيطرة انك تعرفه جيدا حتى انك تستطيع أن تتوقع ما سيقوله في اللحظة التالية ، أخبرنا مثلا إن أسلافنا المرويين العظام الذين بنوا حضارات مروي وكرمة وغيرها ..ما زالوا يمشون بيننا في الأسواق وإننا لا نراهم ليس لأنهم غير موجودين ولكن لأننا نعتقد فحسب إنهم كذلك ، نعم قد يتغيرون في صورهم وأشكالهم ، وحتى قد تصير الأنثى رجلا ، والرجل أنثى ، ولكنهم في الجوهر لا يتبدلون عما كانوا عليه في الأصل ، نظرت حينها الى فتاة تجلس بجواري ، وللحق ، فان اختلاسها للنظر لي هو ما جعلني أنظر إليها كأن هذا الخيط اللامرئي لنظرتها يخترق شغاف روحي ويدفعني بغرابة لذلك ، وعلى الرغم من أنها كانت ترتدي أزياء عصرية تماما ، وتضع عطرا فخيما ، إلا إنني لا أدري لماذا تسربت الى أنفي تلك الرائحة الأليفة لمدافن المرويين ، ولم بدت لي الفتاة تتخلى في عيناي عن زيها العصري وترتدي ببطء ساحر ، أشبه بتملص الثعابين من جلودها العتيقة زيا عتيقا " لأماني تيري" تلك الملكة العظيمة ، قلت في نفسي:
    لعلني أهذي ..لعل فتنة حديث هذا الرجل أستغرقتني بالكامل ولكن ..وكأنما الفتاة قد قرأت خواطري فهاهي تدس في يدي ورقة ما وتنصرف بسرعة خارجا ..نهضت بدوري بعد قليل خوفا من أن يظن الموجودين إنني أتتبعها أو إننا اتفقنا على مغامرة ما ، حين صرت في الخارج تلفت يمنة ويسرة ولكنها تبخرت تماما كخاطرة شعرية تأتيك غسقا أو تباكرك قبل صياح الديك وحين تشرع في البحث عن أوراقك وقلمك كي تكتبها تتبعثر صوب اللامكان الذي تهاجر نحوه الكثير من أفكارنا ومشاعرنا بل وأحباءنا ..ولكن لا بأس فقد أعطتني ورقة ..ربما كتبت فيها عنوانا ما أو رقم هاتفها أو ما يعينني على لقائها مرة ثانية..ولا أكتمكم القول فان انشغالي بذلك جعلني أحدق في الرجل وهو يتحدث بنصف انتباه وبلا وعي كامل لما يقول ....لم أستطع مقاومة إغراء النظر الى الورقة التي كتبت فيها ثلاث كلمات فقط:
    سنلتقي يوما ما..
    كانت ساعة الحائط في غرفتي في ذاك المستشفى تعلن بإصرار إنها الثامنة والنصف ليلا مما يعني بأنه قد انقضى على دخولي وحتى خروجي مصحوبا بشقيقتي وصديقتها ، صورة الغريب في يدي ، وحزني العريق ، أكثر من نصف الساعة بقليل بالقياس المعتاد للزمن الذي يعرفه الجميع ولكنها كانت محتشدة بالكثير من الأحداث وكأنها سنوات طوال ، في قريتنا البعيدة التي تنام وادعة على هدهدة موج النيل وهو يمشط ضفائرها ، كان ذلك الفتى الدرويش كما يصفه الجميع ، كثيرا ما يلقي عليك السؤال:
    لماذا تتسع بعض الثواني عن غيرها ؟ وتضيق بعضها عن احتواء ابتسامة أو مسح دمعة من خد يتيم بائس ؟
    كان الجميع لا يعيرونه اهتماما ..ولكني في لحظتي تلك باغتتني معرفة كلية بما كان يعنيه تحديدا ، تلك البصيرة المدهشة للفتى في أن قطرات الثواني المنسكبة من صنبور الأبدية الدفاق ليست بذات السعة ، وان المحجوبين فقط هم من يستكينون الى اعتقاد إن لآنات الزمان ذات القياس ، فالثواني هي ذات الثواني وكذلك الدقائق والساعات من حيث الطول ، ويدعك مندهشا بينما يركض نحو البعيد مطاردا ما تزيحه ضحكاته المجلجلة في الفراغ العريض من سكون .
    فجأة أشارت صديقة شقيقتي الى رجل يتسكع على بعد خطوات قليلة جدا منا ، ومع كونه يسير أمامنا ولا نرى غير ظهره العريض إلا إنها كانت تؤكد بأنه هو " الغريب " قلت مماحكا:
    ومن أدراك بأنه هو ؟ إننا لا نراه حتى ، وهيئته لا تختلف عن هيئة أي شخص آخر ، ومع انه تقريبا يرتدي ذات الملابس في الصورة التي أحملها ولكن ذلك لا يعني مطلقا انه هو ، أريد أن تخبريني بدقة لماذا تصرين على ذلك ؟

    قالت :
    كل ما قلته صحيح تماما ، ولكن ألا تشعر أنت بأنه هو ، فهو لا تحتاج الى كل هذه الدلالات كي تتعرف عليه من ملايين الأشخاص ، انك تحس به بطريقة ما ..ذات مرة كنت أسير في طريق خال من المارة والسيارات ..كان ذلك قبل الشروق بقليل ..كنت مسهدة تلك الليلة ..لذا قررت أن أتسكع في الطريق علني أروح عن نفسي قليلا بنسيم ذلك الفجر الذي يتنفس نعاس النجيمات البعيدة وهي تنهي لغطها الطويل في تلك الليلة في صحرائها الحميمة عن مصائرنا كما تفعل دوما ..فجأة بدأت اسمع بوضوح ..من الشارع المقابل الذي تحجبه عني مجموعة متراصة من المنازل والحوانيت وقع أقدام رجل ما ..أجزم بأنه كان رجلا وذلك من شدة قرقعة حذائه على الرصيف الخالي ...لم نكن نرى بعضنا بالطبع ...ولكني ومن أجل المرح فحسب صرت أتخيل له شكلا ما:
    هذا رجل طويل ، عريض المنكبين ..يرتدى حذاء جلديا أبيض اللون ، ويضع في فمه غليونا أسود ، ينفث عبر دخانه ما يسكن روحه من حزن وقلق عميقين ، لابد إن اسمه غريب بعض الشيء لا أدرى من على وجه الدقة ولكنه قطعا ليس من الأسماء المعتادة ، هو وحيد مثلي تماما ..مسكون بالشغف العميق لفض أسرار روحه وخفاياها ..صرت أوقع بصوت حذائي على الطريق أنغاما لأغنيات قديمة أحبها ..صار هو يكمل ألحاني باحتراف بليغ ..ثم صرت أحاوره عن حياتي ..أحدثه عني كما لم أبح لأحد من قبل ..الغمغمة الصادرة عن إيقاع صوت حذائه أفهمتني بأنه يتفهمني جيدا بل ويواسيني فيما فضت فيه من أحزان حياتي وانكساراتها الكثيرة ..أخبرته عنك وكيف انك صديقتي الوحيدة التي تعرف عني بعض الأشياء ثم في دلال أنثوي قلت له : أنت وحدك من يعرف عني أكثر مما يعرفه الآخرون ..كنا نسير ..كل في طريقه ..ولكننا صرنا نقترب أكثر من تلك الناحية التي يلتقي فيها طريقينا وعندها سوف نلتقي وجها لوجه ولكن لدهشتي الشديدة ، حين وصلت الى تلك النقطة وكنت متلهفة تماما على لقائه ..أسرع هو بصورة كبيرة ولم أستطع اللحاق به ..كان هو " الغريب " نفسه بذات الملابس التي في صورته التي تحملها في يدك الآن..أرجوك أن توضح لي أمرا واحدا: كنت بينما أسير في الطريق و حتى قبل أن أسمع وقع حذائه يساورني إحساس عميق بأني سألتقيه في ذلك الفجر ..لم أكن أعرف كيف ولماذا وأين وكل تلك الأسئلة التي تحاول اقتطاع كتلة المجهول الذي يلفنا جميعنا كي تحيلها معرفة نستأنس بها من وحشته وصقيع وحدتنا القاسية في رحمه الكبير، وها قد التقيته ولكنه لم يشأ أن يتعرف علي كما وددت عميقا في ذلك ..
    كانت شقيقة صديقتي تحكي بانفعال باد ، وكنت أصغي إليها باستغراق كلي بينما كنا نسير في الطريق المؤدية الى منزلنا ..سألتها في لهفة:
    لماذا كنت ترغبين في أن يتعرف عليك" الغريب "؟ ولماذا بحت له بما كتمته عن غيره من أسرار روحك وإشجانها؟
    حدقت في الفتاة في دهشة كبيرة ، حسبتها للوهلة الأولى من الإيقاع المتواتر لسيل أسئلتي التي تشابه مطرا ليليا في غابة استوائية ، ولكن إجابتها أوضحت لي تماما إن هذا ليس منشأ اندهاشها بقدر ما أدهشها كونها لم تتساءل من قبل عن سر هذا التعلق الغامض " بالغريب" قالت بعد صمت طويل:
    لا أخفي عليك ، إني كنت مهتمة جدا بأن نتعارف ، وأن أجعله يفهم بوضوح كاف انه هو وحسب من اخصه بأسراري ، ولكن لماذا؟ هذا ما لا أعلمه حقا ..صدقني..أعتقد انك الوحيد الذي يملك الإجابة عن هذا ، ألم تبتدعه من صلصال خيالك وتنفخ فيه من مجامر أحزانك هذا اللهب البديع للحزن الذي يسكن عينيه؟ فقبل روايتك لم يكن أحد يعلم عنه أي شيء لأنه ببساطة لم يكن موجودا أصلا ، ولم تكن كل هذه الأحداث العجيبة تدور في خلد أي منا ..الآن: أخبرني أنت:لم تعتقد إني قد أكون تعلقت به ، فأنا ..كما الجميع هنا لا نعرف عنه أي شيء ، من أين أتى ، وكيف وأين يعيش ، حتى إن شرطة المدينة نفسها ، حين ذهب إليهم أخي مدققا في البحث عن جذور" الغريب" لم يفيدوه بشيء ، بل كان الجهل المطبق هو كل ما خرج به ، فليست لديهم أي سجلات عنه مثل بطاقة الهوية أو شهادة ميلاد أو أي شيء آخر ، وحيث أنه لم يؤذ أحدا ...ولم يتقدم إلينا بطلب خدمة من أي نوع ..تقول الشرطة ..فلا معنى للتحقق حوله .
    وهل ذهب أخيك الى الشرطة ليتحرى عنه ؟ ولماذا فعل ذلك بربك؟ هل حاول إيذاء أحد منكم بل هل زاركم في منزلكم أصلا؟ لا أدري لماذا شعرت بموجة حزن عارمة تعصف بروحي ، ربما من إحساسي بوحدته العارمة التي تشاطيء روحه كسجن أبدي في محبس هويته الفارة من أي تعين وتحديد، تلك الوحدة العميقة التي هي في الأصل جوهر كينونتنا جميعا والتي نتستر من صقيعها خلف ما نعتقده في ما ننسجه من علاقات ظنا بأن لهيب هذه العواطف الجياشة تذيب ذاك الصقيع ولكن محال فما تفعله فينا كل هذه الوشائج هو تضييع وتغييب ذواتنا من إحساسها بالغربة والوحدة المقيمة ليس أكثر من ذلك ولا أقل، لا أدري حقا هل كنت أهذي بصوت مسموع بهذه الأفكار أم إن شقيقتي قد قرأت أفكاري بصورة ما حين قالت:
    هذا " الغريب" إذن رجل وحيد تماما ومقدر له فيما يبدو أن يظل هكذا، وحتى تلك الحيل التي نحاول الفرار عبرها من شعورنا بالوحدة مثل الصداقة، الحب، الأسرة وغيرها لا يملك لها سبيلا.
    قلت:
    ولم لا يفعل مثل الآخرين ، أنا لم أحدد له خياراته بإمكانه أن يفعل ما يشاء ، فكلما كتبته عنه كان بوحي منه ، ليس بأدنى درجة من التخطيط من جانبي ، ويكفيك انه استطاع الفرار من وجوده الخيالي في روايتي الى براح هذا العالم الفسيح ، وصار يحاصرنا جميعا بهذا الوجود الشبحي هنا وهناك.. وهذا الأمر أدهشني أكثر مما أدهش أي واحد منكم.. ليس هذا فحسب بل أنني أذكر تماما إني في الفصل الثالث من الرواية شعرت بأني علي تزويجه من إحدى الفتيات اللائي كثيرا ما يهذي بعذوبتهن في صحوه و منامه، وكما هي حيلة معظم الروائيين بدأت أنسج للفتاة من شباك نعاسه فخاخا فهو لا يراها إلا وهي تتمشى في بهو أحلامه حافية القدمين وعارية إلا من تلك النشوة الباخوسية ، صرت أنسج من تلك الشباك متاهات سحرية حتى استطيع أن أرى الفتاة قبل أن تقع عليها عيناه كي ندبر سويا حيلا سحرية لإغوائه بالزواج ، ذاتمرة قالت لي الفتاة : أسمع لقد كتب لي ذاتعشق:
    أحلم بأن نكون ..ولو لمرة واحدة فقط معا..في جزيرة نائية، أو شاطئ مهجور...أتعلمين لماذا؟
    قلت لا ..
    قال: كي استطيع أن أتنفسك كما أهوى فحينما يكون هناك آخرون أخشى أن يروك متصاعدة من زفيري ..فأنا ممتلئ بك ..
    قلت للفتاة: وما الحيلة التي تفكرين فيها الآن؟ أخبرتني بكل تفاصيلها وللحق فقد كانت محكمة النسج ..وحين حاولت إقناعه بها كي أفتتح لحياته مسارا آخر وأبدى من جانبه استعدادا مفاجئا صرت أرتب للحفل الذي شئته أن يكون غير مألوفا على الإطلاق : فالمغنين كانوا تلك النوارس الصغيرة التي كان كثيرا ما أراه يطعمها حين تحط على كتفيه كنفا رءوما ، أشجار الحديقة كانت تتفتح براعمها فتيات تتجلى في أجسادهن براعة فدياس وطلاقة ديونزيوس .. , توقفت عند هذا الحد على أن أعاود وصف هذا الحفل مساء اليوم التالي ، ولدهشتي الشديدة فقد اكتشفت إن كل ما كتبته قد اختفى وحلت محله هذه العبارة الغريبة التي أحلف يمينا إنني لم أكتبها على الإطلاق: إن كنت ترغب في الزواج فأفعل ولا تزجني في اختياراتك فأنثاي ليست خارج ذاتي كي أمتلكها بمثل تلك الوريقات الشائهة التي تظنون إنها وثيقة لاحتكار الروح بسلطان الجسد وريقاتكم البائسة هذي ليست صكا للفوز بالحب ، إنها مطلق تقنين لخوفكم من الحرية : تعتقلون بها –توهما- من تزعمونها شريكة لحياتكم وتنسجون من سلطة نصوصها خيوط عنكبوت دقيقة تقتنص كل شوارد أحلامها بالحب الحقيقي الذي تتوق اليه الروح والذي لا تكبل طلاقته محابس نصوصكم ، تشرعنون بالورق نداءات الطبيعة الصاهلة في أرواحكم ، لماذا؟ قل لي بربك إن لم يكن خوفا من ذواتكم الحقة ؟ تستحلون بالورق مالم تستحله الروح في صمتها الكسير وهي تتوارى رعبا من نصوصكم المزمجرة لهبا لمن عصى سطوتها التي ابتكرتموها ضابطا لإيقاع قطيعكم في سعيه الراكض صوب طمأنينة زائفة ، ...ثم ..هذه المفردة الغريبة : خسئتم !!
    شيئا فشيئا..كمثل تصاعد بخار الشاي ..بدأت أحس بغرابة مذعورة بالشبه الكبير بين صديقة شقيقتي وبين فتاة" الغريب " التي تشاطره النوم طيفا سحريا يتمشى في سهوب روحه حلما .. ولأمر ما تذكرت مشاجرتي تلك الليلة مع زوجتي حين دفعت باب الغرفة غاضبة:
    أريد أن تخبرني وبدون مواربة أو أي محاولة لتلطيف الأمر: من هي هذه الفتاة التي " تنبض خلاياك بحبها اليتدفق دما في شرايينك بدلا عن هذا السائل الذي يسمونه عصب الحياة ..من هي " التي توثقان بشراكتكما الحياة حلفا يمتد من آهة الفكر الى برهة الوجد مشكلا حصانة ضد تعاسة الوجود"
    قلت مذهولا : ومن أين أتيت بهذا الكلام ؟ وما صلتي به؟ وكيف تحاسبينني على ما لم أزعمه أصلا؟
    قالت في اقتضاب .تعال وأنظر ..وأمسكت بيدي تسحبني بحنق الى حيث دفاتري التي أكتب فيها هذه الرواية ..ووجدت ما قالته مكتوبا بشكل حرفي ولكن بخط مختلف ولون حبر مختلف..ويبين من تحته جمل أخرى تم شطبها بدقة شديدة ولكني من مواضعها تذكرت ما كان مكتوبا في الأصل وكان يخصه هو ولست أنا ...كان يحكي عن هواجسه وهلوساته بتلك الفتاة ، وكيف إن كل تلك الهواجس لا تجد أي صدى لديها ..فهو يهذي بعوالم شعرية بعيدة بينما تحلم هي بحياة مستقرة وبيت هادئ ..كيف يبحث هو عن الأنثى كصهيل أبدي ..كلهب حارق للثة فقه المجموع ونظرته للمرأة كمجرد حافظة للنوع، كآلة تفريخ للحياة..بينما تسكن هي في قلب هذا المجتمع وترى تهويماته نوعا من خرافات الشعراء التي " لا تطعم خبزا " كما قال له خالها ذات يوم وقد اختلى به شاكيا –على لسانها كما يبدو من التطابق بين قوله وبين ما تردده فتاته دوما وهي ترى انغماسه الكلي في تهويماته وعدم جديته في البحث عن عمل ما يجعله مؤهلا " لإنشاء بيت الزوجية كما سائر الرجال " أنك يا ولدي ، واصل خال الفتاة قوله: لن تطعمها بيت شعر ، وإذا مرضت فلن تسكن أوجاعها كل أشعار " غوتة" وإذا أصبح لديكم أطفال فلا أثق بأن " حليب كلمات رامبو " سيكون لهم ما يحتاجونه من غذاء، كما إن صقيع ليالي الشتاء الطويلة لا تجدي معه حرارة " العشق عند ريلكه" دع عنك كل تلك الأوهام ، وابحث لنفسك عن عمل يجعلك رجلا مسئولا بدلا عن هذا العبث الذي لا طائل تحته ..أو.. دع الفتاة وشأنها ...دعها تبحث عن " رجل حقيقي من لحم ودم " رجل يجلب لها الخبز والدواء ويعينها على البقاء الفعلي...وليس في الهناك ..الفراغ البعيد الذي تحدق اليه أنت ... حاولت تهدئة زوجتي الثائرة وأقسمت لها بأن لا صلة لي بهذا الأمر على الإطلاق قلت:
    أنظري جيدا..ألا ترين إن النص الأصلي الذي كتبته قد تم استبداله بهذا النص ؟ دققي النظر ...نظرت الي في دهشة شديدة ..وقالت: هل تحاول إقناعي بأن عفريتا ما قد تلاعب بما تكتب، أم كيف حدث هذا ؟ نظرت الي صديقة شقيقتي بذهول: لم تحدق الي هكذا في صمت ؟ مابك؟ ما الذي يجري هنا ؟ شعرت بقلق شديد في تلك اللحظة ، يبدو إن الأمر أخذ مسارا أكثر جدية، هل ينبغي علي زيارة ذلك الصديق القديم فهو معروف بقدرته على حل مثل هذه الطلاسم ، كنت منغمسا في التفكير بشكل تفصيلي دقيق عن كيف أزوره وماذا أقول له تحديدا حول هذا الأمر ، حين سمعت زوجتي تغمغم في نبرة متصالحة وقد أحست بأن انزوائي وصمتي البليغين قد شفعا لي عندها وأفهماها إني لست أقل اندهاشا وتحيرا منها ..
    ولم لا تذهب اليه، أعني لذلك الرجل ..من هو؟ ذلك الذي يتحدث عن تواصل الأرواح والجن وتلك الأمور التي يبدو لي إن اهتمامك الشديد بها صار يتدخل في أدق تفاصيل حياتك، لم لا تحكي له كل ما يحدث وترى إن كان لديه ترياقا ما لكل هذه الحيرة والغرابة ؟ سأذهب أنا أيضا معك فقد حدثت لي أشياء لم أخبرك عنها لخوفي من أزعجك أكثر مما أنت فيه..قلت :
    ماذا تكتمين عني؟ هيا أخبريني الآن ما الذي حدث لك ؟
    كانت العربة التي أخذتنا الى منزل صديقي تئن في الطريق الترابي ، وكانت الأشجار على جانبي الطريق تتهامس بصوت خفيض شجي وكأنها تنعي حالها في ذلك الخريف البائس الذي لم يشهد ليله أو نهاره مطرا أو حتى وعدا مكذوبا بالمطر ، تذكرت طفولتي البعيدة وكيف كنا نمرح ونسبح في مياه أمطار قريتنا الغزيرة ، ثم نمضي نتسلق الشجرة الكبيرة التي يزعم أجدادنا بأنهم سمعوا عن حكايتها وميلادها الغريب في قلب الصحراء من أجدادهم الذي بدورهم وجدوا بعض المخطوطات القديمة التي كتبت " بالعمار –ذلك المسحوق الأسود الذي يتبقى بعد انطفاء الفحم ويسحق جيدا حتى يصير ناعم الملمس ثم يمزج بالماء والصمغ كي يصير حبرا لا يزول: ليس فقط من على سطح الخشب –إذ لم يكن لهم ورق في ذلك الزمان البعيد ، بل لا يزول حتى عن الذاكرة بتداع حر و لاواع غريب بين الخط ..الحبر وتلك النصوص المقدسة التي كانت تكتب به ، حسنا كنا نذهب الى تلك الشجرة التي كانت مخيلتنا الصغيرة تعتبرها نهاية العالم ( كان عالمي –على نحو أخص كله متمحورا حولها ..فقد كنت حين أسمع من إخوتي الكبار عن أسماء بلاد أخرى غير قريتي قاموا بزيارتها أضحك في سري لشعوري بمدى غرابة هؤلاء الكبار: هل يظنون ان الصغار لا يعرفون ألاعيبهم ومكرهم ؟ إنهم لا يذهبون الى أي مكان سوى تلك الشجرة ..يختبئون داخل أغصانها الكثيفة ويمارسون حياتهم العادية كل ذلك الوقت الذي يغيبون فيه ، وحين ينتوون العودة الى القرية ينزلون من مخابئهم بكل حذر وتلصص ويأتون حاملين لنا نحن الصغار صنوفا من الهدايا واللعب والملابس الجديدة ، إغراء ورشوة لعقلنا بتصديق مزاعمهم السخيفة بأن هنالك دولا أخرى وتخوما واسعة لهذا العالم تتجاوز شجرتنا تلك ، وان الوجود أكثر انفساحا من ما يمكن لمخيلتنا أن تتسكع في أقاليمه القصية في تجوالها الطليق ، ذات مرة زعمت شقيقتي بأنه تم اختيارها للسفر الى باريس وذلك تحفيزا لها لتفوقها في اللغة الفرنسية ، كانت فرحة جدا في تلك الأيام ، تأخذني معها للسوق كي تشتري بعض الملابس الشتوية الثقيلة ..فباريس –كما يزعمون مدينة باردة جدا حتى ان الصقيع ينهمر من سمائها الضبابية القاتمة ، وتكتسي كل المدينة بالبياض ، حين أكملت استعدادها ذهب أخي الأكبر وأحضر عربة نقل ، كانت أمي و وأخوتي جميعا يبكون بحرقة وهم يرافقون أختي حتى باب المنزل ( بينما كنت أضحك في سري من جهلهم وأتساءل : لماذا كل هذا الحزن ؟ إنها ستذهب بكل بساطة الى " شجرة عبود " كما كنا نحن الصغار نسميها أو نسمع الكبار يطلقون عليها ونستملح هذه التسمية الرشيقة التي عرفنا فيما بعد ان عبودا هذا كان أحد رؤساء البلاد وانه زار قريتنا وهذه الشجرة العجيبة ، البعض زعم انه نام هنيهتما تحت ظلها الباذخ ، حسنا ذهبت أختي الى الشجرة بعد ذلك ومكثت بين أغصانها متخفية عن أعين الجميع ، وهذه هي إحدى أسرار هذه الشجرة المباركة : من يتسلقها وينام بين أغصانها لا يرى على الإطلاق لما في أغصانها من قوة سحرية هائلة على الإخفاء ، ضاجة ومليئة ليلا بكل صنوف الحياة ، تهب سكانها العديدين من بشر وعفاريت كل ما يحتاجون اليه من طعام وشراب متعدد ألوانه ، وحين نأتيها نحن الصغار تبالغ قليلا في التثني حتى نستمتع بتلك الهدهدة العذبة لأجسادنا الصغيرة وهي تتسلق أغصانها بحثا عن من زعموا الرحيل صوب مدائن وقرى وبلاد أخرى ، وحين يرهقنا التسلق ونستلقي في ظلها الوارف نشعر بحنانها الأمومي الغامر لأنها تشحذ كل ما فيها من طاقة سحرية كي تمنحنا هذا النسيم المنعش ذو الرائحة التي لم أتشممها قبلا إلا حينما يأتيني ذلك الملاك الصغير ليأخذني الى موطنه البعيد في جوف السماء ونتزه بين أشجاره الجميلة التي تشابه الى حد بعيد شجرتنا هذه، كانت أمنا الشجرة تنتمي الى موطن ملاكي الصغير هذا إذن وإلا فلم نراها دوما حينما ينزل المطر ترتعش أطرافها فرحا وتتصنت في سكون مهيب وإطراق عميق مثل ناسك بوذي الى زمجرة الرعد وصهيل خيول البرق وهي تركض في سهوب الفضاء بينما كنا نحن نرتعش خوفا من تلك الضوضاء العظيمة للمطر ، كانت تفرح –كما قال أحد أصدقائنا وفي عينيه تلك الثقة التي جعلتنا جميعا نصدق حرفيا كل ما قاله :
    الشجرة فرحة لأن المطر يحدثها عن قريتها البعيدة في السماء ، والمطر هو دموع أمها وأبيها حزنا على فراقها ، أما الرعد فلا يأتي كما تفهمون من السماء بل من باطن الأرض تحذيرا لها من أن تحاول الهرب على صهوات البرق الى موطنها مرة أخرى ، شعرت بأن كل ما يقوله هو عين الصواب ، فقد تذكرت إنني يوما رأيتها تطير في الفضاء وهي تحمل في أغصانها تلك الكرة المطاطية الملونة التي علقت بها ، كانت كرة أحد أصدقائي وكنا نلعب بها سويا في تلك الظهيرة ..كنا لوحدنا وقد هربنا من المدرسة ، وللغرابة حينما أتى صديقي الصغير في حلمي لتلك الليلة وأخذني معه الى بيته السماوي البعيد ، كان يحدثني عن مفاجأة ما يعدها لي ، سألته بإلحاح:
    هيا أخبرني ، ما المفاجأة ..ظل صامتا بما يشبه حكمة ذي القرنين وهو يكافئ شغف موسى بالصمت البليغ ، أمعنا السير في سهوب السموات ، حتى وقف صديقي وهو يشير الى شجرة ما ..ذهبت إليها وقلبي يكاد يقفز تحت أقدامي ..فقد كانت هي عينها: شجرة عبود ومازالت الكرة تتدلى بين أغصانها ..يا للعجب!! تمتمت مذهولا ..كيف حدث كل هذا ، نظر لي صغير الملائكة في بهجة غامرة من شعوره بالتأثير الكبير لمفاجأته ، وتسلق بحيوية ..لا بل طار رشيقا كخاطرة عشق الى أعلى الشجرة ، وأحضر الكرة لي ..وقال خذها وأعطها لصديقك فهو يحبها جدا ، أخذت الكرة وقلبي مليء بالفرح ، وحين صحوت من نومي فجر اليوم التالي ..دهشت حين رأيت الكرة تحت سريري مباشرة، أخبرت أمي بكل هذه الأحداث ، فنظرت الي بمحبة وحنو وقالت :
    يا ولدي لا تخبر رفاقك عن ما حدث على الإطلاق..قل لهم انك ذهبت الى الشجرة وتسلقتها وأحضرت الكرة ..بل لا تخبر أي أحد، حتى لا يحدث لك أي مكروه .. انتبهت من استغراقي العميق على صوت زوجتي وهي تصيح بي : أين تريد الذهاب ؟ هيا أنزل من العربة فقد وصلنا ..
    قلت مندهشا: وصلنا .الى أين؟
    لم تجبني زوجتي بل أخذت بيدي وسارت في صمت صوب ما عرفت فيما بعد انه منزل صديقي المسكون بالمعارف القديمة وعلوم الروح ، طرقت الباب حين رأت مني نكوصا واضحا عن فعل ذلك –كماهي العادة فالرجل يفعل كل شيء والمرأة كائن منفعل وغائب حتى في اشد حالات ظهوره كما تعلمون ، لا يهم ، ازداد طرقها على الباب في طراد مثير مع تمدد وقيلولة القلق بقلبها الواجف من هذه الأحداث العجيبة التي تحدث لنا في هذه الأيام ، هذه الحيرة وذاك القلق اللذان صارت ضفائرهما الطويلة الشفافة واللامرئية تنجدلان في كل تفاصيل حياتنا ، كنت متخوفا من وجودها في تلك اللحظة بمنزل صديقي أعني تلك الفتاة الغريبة ذات العاج في قرطيها التي التقيتها في تلك الأمسية فتستشف زوجتي ما أشعر به من مشاعر غريبة تجاهها والتي لا استطيع لها تفسيرا ولكن النساء هن أكثر الكائنات توجسا ، وقدرة على تصديق ما ينسجنه من أساطير وتأويلات خاصة ، لا أزعم –بالطبع- ان الرجال حملان وديعة ، ولكنهم ليسوا جميعا ذئابا مفترسة .
    بعد زمن خلته دهرا ، سمعت صرير الباب الخشبي القديم وهو يفتح كاشفا عن صبي دون العاشرة بقليل وما زال فمه مليء بالطعام وفي يده الصغيرة قطعة من اللحم وشريحة صغيرة من الخبز ..نظر الصغير إلينا وقال بصوت غير مفهوم بشكل واضح: هل تبحثون عن عمي، انه بالداخل يتناول إفطاره، ثم أردف في لهجة طفولية محببة ، وهو يسعى كما كل الصغار الى انتزاع إعجابنا :
    عمي معه ضيف غريب جدا ، رجل كبير ولكنه يبكي كالأطفال ، لا أدر ماذا حدث له ، ثم وجه الي سؤالا:
    يا عمي : هل يبكي الكبار عادة؟ أمي قالت لي ان الرجال لا يبكون ولكنه يبكي ..هل يمكن ان لا يكون رجلا ؟
    ربت على كتف الصغير في حنان أبوي غامر فقد تذكرت أبي الذي لم أراه مطلقا في حياتي إذ توفي وأنا ما زلت في الخامسة من العمر ، ولكن أختي الكبرى تخبرني دوما عنه ، ومن طرائف ما حكته لي ذات يوم:
    أخذتك معي يوما ما الى الحقل حيث كان والدنا يقوم بإعمال الزراعة التقليدية ، وأنا أحمل له الإفطار، كانت بنت عمك الصغيرة معنا أيضا ، تلك الفتاة التي كنت تحبها جدا وكنتما تبعثان الضحك فينا نحن الكبار وأنتما تتعاهدان على الزواج حينما تكبران ..هل تتذكرها:
    قلت لأختي ..نعم أتذكرها جيدا ، هيا أكملي .وماذا حدث بعدها:
    قالت :
    أخذكما أبي بين أحضانه، ، ونظر الى أخيه والد الفتاة وقال ضاحكا :
    يا ولدي، ما رأيك ان نزوجكما الآن ؟
    قلت أنت بلهجتك الطريفة وقتها فقد كنت تخلط بين الراء واللام:
    أنا لا بعلسها لا بخلي زول تاني أعلسا ( انا لا بعرسها لا بخلي زول تاني يعرسا ) ضحك أباك وعمك حتى كادا يسقطان على الأرض ، قلت للصغير:
    نعم الرجال أحيانا يبكون، بل إنهم كثيرا ما يفعلون ذلك، هيا أخبر عمك إننا نود أن نراه..ذهب الصغير وغاب زمنا طويلا داخل المنزل ، ثم أقبل ضاحكا:
    عمي يقول انه كان ينتظركما منذ زمن طويل ، وان هذا الرجل الغريب والفتاة التي أقبلت معه أيضا ينتظراكما ، شعرت فجأة بنبض قلبي يطرق بعنف وإلحاح كما ضيف آخر الليل في طقس شتوي قاس، بدأت أفكر بعمق في أفضل السبل التي يمكنني إقناع زوجتي بالعدول عن الدخول الى المنزل في تلك اللحظة ..
    يبدو ان الرجل مشغول بضيوفه ، ثم إننا لم نخبره حتى بأننا قادمين لزيارته، وأنت تعرفين جيدا انه لا يحب مثل هذه الزيارات المفاجئة ، يمكننا ترتيب موعد آخر ..قاطعتني زوجتي وهي تنظر الي بغرابة كأنها تراني للمرة الأولى : لماذا أنت مضطرب هكذا ؟ لماذا لا ترغب في الدخول ؟ ما الذي تخشاه ؟ فهذا الصغير قد أخبرنا بأننا مرحب بنا بل ان زيارتنا متوقعة ..فالرجل كما تعلم يعرف كل شيء قبل حدوثه أليس ذلك ما يعرفه عنه كل الناس؟ ثم ألم ترو لي أنت مئات الحكايا عن ذلك ؟ وما ا الضير ، ففي كل الأحوال إذا لم يكن مستعدا لزيارتنا فما نحن بغريبين عنه ، يمكنه أن يخبرنا بذلك بكل وضوح كما فعل في مرات عديدة ، كانت الكلمات تتناسل من فم زوجتي كتناسل الجن ، وكنت على الرغم من استغراقي العميق في فوضى قلقي الخاص من الدخول اسمع صوتها يأتيني من أعماق سحيقة ، حقا لماذا أنا منزعج الى هذه الدرجة ؟ قلت في نفسي محاولا استجماع قدر من الطمأنينة والتوازن .. ما الذي يمكن أن يحدث ؟ لا شيء ، سوف تحكي له زوجتي ما تريد ونستمع الى ما يقوله ونمضي الى حال سبيلنا ، هكذا بكل بساطة، فليس لنا أي شأن بضيوفه على كل حال، ليكونا من يكونا ،أو ما يكونا حتى ، لا أدري لماذا عند هذه النقطة بالذات شعرت بجسدي يتصلب وكأنه لوح ثلج ولا تستطيع قدماي حملي ، وشعرت بحلقي يجف بصورة غريبة حتى خشيت أن أبتلع لساني ، وعلى الرغم من أن الطقس كان باردا بعض الشيء إلا ان قطرات متتالية من العرق بدأت تتساقط من أعلى رأسي على جسدي جميعه كحبات المسبحة ، حسبت ان كل ذلك الاضطراب سيشفع لي عندها ولكن فيما يبدو انه قد شجعها للمضي قدما فقد كانت فيما يبدو تريد وضع حد لكل هذه الأشياء .
    قلت لها:
    حسنا ، دعينا ندخل شريطة أن لا نمكث عنده طويلا فاني أتوقع زيارة بعض الأصدقاء علاوة على ذلك ، فقد لا يكون الوضع مهيأ للإسهاب في الحديث معه ، يمكنك ، مثلا ، أن تخبريه ، بصورة عامة عن ما تشعرين به من قلق وأن تسأليه أن يتأمل في ذلك فهو كما تقولين سيعرف التفاصيل لوحده ، ثم ليس من الحكمة أن نذيع أسرارنا أمام الآخرين ، فنحن فمن لا نعرف من معه من الناس ولا شأن لنا بهم ، أليس كذلك ؟ كنت أتعمد التشديد على هذه الجملة الأخيرة ، محاولا أن أنتزع منها تأكيدا على إننا لا شأن لنا حقا بهم ، عل ذلك التأكيد يطمئن خواطري الجائشة بالقلق .
    وافقت زوجتي أخيرا ، وكأنها بإيماءات رأسها الموافقة تريد إنهاء الجدال حول الدخول الى المنزل فحسب ، ولا تعبر عن قناعتها بوجاهة حجتي ، وهكذا النساء ، كما كان يخبرني جدي العارف ، يعرفن جيدا كيف يصلن الى أهدافهن بصورة أذكى مما نعتقد ، وحتى لو تصنعن الموافقة على ما نقترحه من أمور تتعارض مع ما عبرن عنه من رغائب فإنهن يفعلن ذلك لإشعارنا بالرضا مما يقلل من حماستنا للدفاع عن أفكارنا أو تصميمنا الذكوري على فعل ما نعتقده صوابا رغما عن رضائهن بذلك أو عدمه ، ثم يستدرجننا من حيث لا نحتسب بالنزول الى تحقيق رغائبهن عوضا عن ما نود حقا فعله .
    حسنا حين دخلنا الى المنزل ، وجدناه على غير عادته يرتدى جلبابا شعبيا أنيقا ، وهذا ما أثار حيرتي بصورة لا معقولة فهو –أي الغريب – لم يرتد في كل أجزاء الرواية غير بنطاله وقميصه الوحيدين اللذين يلتصقان بهويته الفارة من أي تحديد أو تعيين كانا هما، فحسب، أكثر محدداتها رسوخا ، فمن أين بربكم أتى بهذه الملابس التي يرتديها الآن ، لم أستطع تحمل كل ذلك ، فخرجت من المنزل بحجة إني سأجرى اتصالا هاتفيا ما ، تبعتني زوجتي وبثور الاندهاش تراكض فقاقيعها على أدق خلايا وجهها بنشاط وحيوية بالغة ، قالت بعد هنيهصمتما :
    أتذكر انك كثيرا ما سألتني عن ما أكابده من قلق شديد هذه الأيام، ولم أخبرك خشية عليك ؟ الحكاية يا سيدي في غاية البساطة: ذهبت شقيقتك ذاتمساء الى السوق لحياكة بعض الملابس في الدكان الوحيد بالقرية ، ذلك المحل العتيق الذي بجوار المخبز ، تعرفه بالطبع ..أليس كذلك ؟ على كل بعد أن فرغت من عنت توصيف ما تطلب حياكته للحائك العجوز ، طلب منها أن تبلغك تحياته ، وتخبرك ان أحدا ما.. لا يبدو عليه انه من سكان القرية الذين يعرفهم فردا فردا، صغيرهم وكبيرهم ، ويعرف حتى دوابهم التي يمتطونها يوم السوق ، وتلك الكلاب المزعجة التي ترافق الصغار منهم، هذا الشخص الغريب جاء الى الدكان ونظر الى رفوف الأقمشة وأنتقى بعناية شديدة قطعة منها ثم جلس بجواري في كل هدوء وثقة ، وطلب مني أخذ مقاسات ثوب له ، كنت أعتقد إني بعد أن أفرغ من كل ذلك سأطالبه ، كما العادة ،ببعض المال، عربونا للحياكة والقماش ، لكني فوجئت به يخبرني بأنك ستدفع كل المبلغ حالما فرغت أنا من تسليمه للثوب ، وكما تعرف ، فنحن في هذه القرية لا نطالب أحد ما، كما سرنا عليه منذ أجدادنا، بتقديم أي ضمانات وما الى ذلك مما نسمع عن أهل المدن ، فالرجل كلمة ،كما نردد دوما ..المهم ..جاء الرجل واستلم الثوب وارتداه عندي بالمحل وعبر بإيماءات رأسه عن إعجابه بالحياكة ودقتها وكل تلك الأمور ثم مضى الى حال سبيله، أخبرتني شقيقتك أيضا بأن الحائك يسأل عنك وعن إذا ما كنت مريضا أو غائبا خارج القرية لأمر ما ، ويبدو انه يقصد بذلك أن ترد له ما عليك من دين ، لكنه لم يشأ قول ذلك صراحة لفتاة صغيرة مثلها ، لا أكتمك يا عزيزي فقد اطلعت على كل هذا من زمن، ولكني كما قلت، لم أشأ إزعاجك علاوة على ما أنت فيه هذه الأيام من اضطراب، فأرسلت المبلغ مع أحد الصبية ، وأخبرت العجوز بأنك متوعك بعض الشيء ، وحتى لا يبادر بزيارتك كما هي العادة ، فقد طمأنته بأن لا باس عليك وانك فقط تنشد قسطا من الراحة والسكينة ، صمتت زوجتي وكانت تحدق في عيني مباشرة وكأنها تحاول فك طلاسم ما يرتسم فيهما من تعابير امتزجت فيها الحيرة بالغضب الكظيم، مع الشعور بالتقدير لنواياها الطيبة بالطبع في عدم مضاعفة قلقي بهذه الأنباء المزعجة جدا ، على كل كانت هنالك مسحة من الدهشة الصاعقة في عينيها وهما تطالعاني ..ذات الدهشة التي تسكن عميقا في محاجر كل من التقى بالغريب وهو يروي حكايته معه ، وبالنسبة الى أهل القرية فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يرونه فيها مرتديا زيا آخر غير ما اعتادوه ، وأذكر أنا –على نحو خاص – بأن ذلك حدث بالتزامن مع وفاة والدته ، إذ في ذلك الجزء من الرواية وجدتني مدفوعا رغما عني، للترتيب الدقيق لهذه الوفاة فقد قمت بتهيئة كل الظروف والدواعي لها، كما قمت بإعداده نفسيا لهذه الخسارة العظيمة ، ولا أخفيكم سرا ، فقد عانيت من جراء ذلك كثيرا ، لكوني أعرف بشكل حميمي جدا ما يعني وفاة والدة المرء من مشاعر لا أود أن أذكرها هنا ، لا أتذكر الآن تفاصيل وفاة والدته بشكل جيد ، وفي الحقيقة لا أود أن أفعل ذلك حتى لا تهيج ذكرى عزيزة علي ، وربما هذا النسيان أو التجاهل المتعمد ، يعزى لرغبتي في الفرار من ضميري الذي تعذبه ذكراها وكيف كانت بالنسبة الى الغريب ملاذا وموئلا في غربته الروحية الكبرى ، لعلي أخفي تلك التفاصيل فرارا مني ، لكنها ما تلبث تتغشاني مناما وفي اليقظة في بعض الأحيان، وعلى الرغم من كونها شخصية ابتدعتها بمحض مشيئة خيالي ، إلا ان لها حضورا طاغيا في حياة ابنها الوحيد ، فمنذ خروجه العظيم من محابس لغتي الى براح الوجود ، فهو لا يفتأ يتذكرها ويهيم على وجهه حزنا في دروب القرية ، ساهما شارد البال ، وفي ذات مرة أقسم لي أحد الأطفال،ورجل طاعن في السن، وامرأة في مقتبل العمر ، إنهم رأوه واقفا على ناصية طريق مسندا رأسه على أحد أعمدة الإنارة وهو يبكي بحرقة وينشج بنشيج مكتوم، ويتمتم بهمهمات لم يعرفوا منها شيئا، غير اسم امرأة ما كان يتسرب من خلل تلك الهمهمة بصورة واضحة ، ولدهشتي الشديدة لم يكن اسم والدته هو بل كان اسم والدتي ... شككت في الأمر وحين رجعت الى المنزل في تلك الليلة ، كان أول ما فعلت هو إخراجي لتلك الأوراق المبعثرة التي أكتب فيها هذه الرواية ، فعلت ذلك بعد أن دخلت الى مخبأي السري في المنزل الذي لا يصرح بدخوله الى أحد ، وبعد ان تأكدت تماما من أن لا أحد يتلصص علي ، بدأت أقلب الأوراق بحثا عن ذلك الفصل الذي يحكي عن وفاة والدته ، كنت أقلبها بنزق واضح ، وتوتر شديد ، حتى اهتديت أخيرا الى مكانها ، لم أجد أي إشارة الى اسم والدته الذي ظننته ربما يتطابق مع اسم والدتي ، قلت ربما ذكرت اسمها عرضا في فصول أخرى، قلبت كافة الأوراق منذ بداية الرواية الى أخر ما كتبته ، لم أجد شيئا يدل على اسمها ، نعم هنالك الكثير من الأوصاف لمشيتها مثلا ، لها وهي تدندن لصغيرها الوحيد حين كان للتو طفلا يلثغ أبجدية وجوده الغريب ، لها وهي تطعم دجاجها ، وذلك المشهد الغريب وهي تروي لصغيرها كيف قدمت من بلادها البعيدة ، التي تشرق فيها الشمس مرتين في اليوم الواحد ، والتي تعتمر جبالها السحاب غطاء بهيجا ، كل ذلك موجود وبتفاصيل أكثر مما أذكره هنا ، غير ان اسمها فقط هو ما لم يكن مذكورا ، لا تلميحا ولا تصريحا ، ثم من أخبره ، أصلا عن اسم والدتي؟
    سرنا صامتين في الطريق ، الى المنزل ، وعلى الرغم من كوننا لم نقصد بشكل واع أن نذهب الي أي مكان غيره ، وجدنا الطريق يقودنا في صورة من يمشي أثناء نومه إليها ، الى الشجرة العجيبة ، رأيناها على الرغم مما يحيط بنا من ظلام دامس ، كانت الشيء الوحيد في القرية كلها ، التي تبدو تفاصيله واضحة حتى في أحلك الليالي ، ، لا أدري لماذا انبجست من ذاكرتي بصورة فوارة ، مثل ذلك المشروب الغازي الذي أحضره أحد أقاربي للقرية حين قدم من المدينة ، وكان جميع سكان قريتنا متعجبين من مذاقه الغريب وما يصنعه في عيونهم حين يتجشئون، كان مشروبا سحريا ، ظنه الجميع إحدى حيل " العفاريت " التي تسكن بعيدا في أطراف قريتنا ، على كل تذكرت ان شقيقتي قد أحضرت معها من تلك البلاد البعيدة التي زعمت إنها زارتها حين كنت طفلا ، بعضا من الصور الفوتوغرافية ، يظهر فيها رجال ونساء ، ذوي عيون خضر وشعر أشقر ، تماما مثل أولئك الغرباء الذين قدموا الى قريتنا ذات يوم ، من بلاد بعيدة كما أخبرونا نحن الصغار ، كانوا بشرا مثلنا تماما ، غير أن أعينهم كانت خضراء ومشعة بصورة مضحكة جدا ، جاءوا الى الشجرة ، وهم يحاولون فض أسرارها البديعة ، التي انتقل صداها الى جميع أنحاء الأرض ، شعرت بأن أختي ربما كانت على حق ، ربما توجد بلاد أخرى بالفعل غير قريتنا ، وإلا فمن أين أتى هؤلاء ؟ نعم تذكرت أمرا آخر ، كثيرا ما أضحك أخي الأكبر حين أخبرته به ، وهو ان هؤلاء الغرباء قد طلوا أجسادهم ، نساء ورجالا ، بلون أبيض غريب جدا ، يشبه ذلك الطلاء الذي أحضره جدي قبل عيد الأضحى بقليل ، وطلى به جميع جدران منزلنا وأبوابه وكل شيء ، لم أعرف وقتها لماذا فعلوا ذلك ، وحين استفسرت من أخي الأكبر ، انفجر ضاحكا حتى خشيت عليه ، وقال: أيها الغبي الصغير ..هذا ليس طلاء ..بل هو لون بشرتهم الطبيعي، لم أصدقه بالطبع وهل لي أن أفعل ؟ ذكرتني هذه الواقعة بمحاولات " الغريب " البائسة لاستعارة ظل يسعى بين يديه مثلما لسائر البشر ، كانت كوميديا سوداء تماما ، إذ انه حتى الصبية الصغار في القرية أدركوا وللوهلة الأولى حينما رأوه يتعثر في مشيته محاولا أن يوازن ما بين طول قامته المفرط ، وقصر قامة ذلك الشيخ المغمور ، الذي نبش قبره مستلا من بين الركام والغبار ظله ، ومن طرائف ما رواه أحد الصغار :
    رأيته مرة في وضع مضحك جدا ، فظله لا يسعى خلفه كما جرت العادة ، فهو يسرع في مشيته بينما الظل يكون خلفه بمسافة بعيدة جدا ، ثم يتوقف حتى يبلغه الظل ، يحاول جره بيديه جرا حتى يضاهيه في السرعة فيتعثر الظل ويقع على الأرض ، يحاول عبثا استنهاضه ، ينجح أخيرا ولكن الظل ، مجهدا كما يبدو ، يجلس على صخرة كي يلتقط أنفاسه بينما يحاول إقناعه بأن وضعهما يبدو غريبا بشكل مأساوي ، إذ لا يجوز أن يكون واقفا بينما يجلس ظله ، يتجادلان طويلا في ذلك ..بلا جدوى ..يتجادلان ؟ سألت الصغير، هل يتحدث ظله ؟ هل رأيت ذلك بالفعل وهل سمعت صوت الظل؟ أجابني الطفل : لا لم أسمع شيئا فقد كانا يشيران فقط بأيديهما ولكن بصورة واضحة جدا ، لا أعرف كيف أصفها ..لكن من يراه يسمع كل الحديث ويفهمه بشكل واضح بما فيه الكفاية، قاطعته إحدى السيدات التي كانت طوال الوقت تتسمع حديثنا صامتة:
    نعم ما يقوله الصغير صحيح تماما، فقد رأيت ذلك بأم عيني ، ليس هذا فحسب ، بل إنني في إحدى الليالي الماطرة من الشهر الماضي كنت قادمة من زيارة صديقة لي ، ألجاني المطر المتساقط بغزارة ، الى الاحتماء خلف جدار منزل قريب ، وعلى الرغم من قبضة الظلام الحالكة ، فان نثارا من الضوء المنعكس من البرق في شكل بقعة مشعة على الأرض أراني ظله القصير جالسا بإنصات بينما كان هو واقفا يتحدث بيديه دون توقف ..تماما كما يقول هذا الصغير ، وكان واضحا من هدوء وسكينة حركتهما انه قد يئس من لا جدوى الصراخ والعنف كسبيل لإقناع ظله المستعصم بمئات السنين من الصمت داخل قبره البعيد في صحراء القرية ، فقد ألف الصمت أكثر من ضجيج وصخب الأحياء ..
    كانت المرأة تتحدث بانفعال وتوتر شديدين ، لكني كنت أغوص بسلام وسكينة عميقين في ما يجب علي فعله ، كانت الأفكار تتصادم داخل رأسي حتى كان لتصاخبها أزيزا يشبه طنين النحل ، أخيرا بدى ان فكرة فاتنة شقت طريقها وسط هذه الفوضى التي كانت تستوطن عقلي وأنا أسمع هذه الأحاديث العجيبة ، كانت هذه الفكرة من الوضوح والقوة الى درجة إنها لم تكن بحاجة الى إقناعي بتبنيها، بل وجدتني منساقا الى التفكير العميق عن كيف أذهب الى قبور القرية لأرى بأم عيني موضع القبر الذي نبشه الغريب سارقا ظل ساكنه بدون وجه حق إلا رغبته الحادة في لملمة أطراف الحيرة الملتفة بإحكام حول كينونته البديعة ، تجاهلت كل مخاوفي المتراكمة منذ طفولتي عن القبور ، وما يحدث فيها ليلا من حيوية وفوضى حين ينهض الأموات بحماسة وتوق الى العودة الى القرية مرة أخرى مستطلعين أخبار أحبائهم ، وباثين رعبا لا يوصف في أولئك الذين كانت لهم عداوات قديمة معهم ، التي لا يكاد يخلو حديث جميع أهل القرية ، صغارا وكبارا ، نساء ورجالا ، من ذكر تفاصيلها التي تتناسل بصورة شيطانية إذ تنتقل من شخص الى آخر ، يضاف مشهد هنا وتحذف مشاهد من هناك ، فتصبح للقصة أكثر من رواية ، يتعدد مؤلفيها وتعدد طرائق الحكي ، حسب موقف السارد من الموت والحياة ..الحب والكره ، الحزن والفرح ، ولكن فكرة الضياع والشجن العميق ترسم ملمحا متكررا لكل من نهض من الموت متسكعا في الحواري الضيقة للقرية ، ماعدا قصة تلك الفتاة الشابة التي يقال إنها انتحرت لأن أبويها أجبراها على الزواج من ذلك التاجر البشع ، البدين ذو الرائحة الكريهة ، والذقن المسترسل مثل لحية التيس العجوز ، وذلك حين عجز والدها عن سداد ما عليه من دين ، كانت تجري في شوارع القرية متضاحكة بمرج وجنون ، تخطف سلة من تلك المرأة وتقذفها بعيدا في الهواء ، وتنزل هذا الصغير عن دراجته ، وتمتطيها متعرجة بسرعة شديدة ، ثم حين يصرخ الصغير تنزل منها وتعطيها إياه بكل حب وهي تداعب وجنتيه بحنان أمومي ورقة غير معهودتين له حتى من والديه ، كما تنفحه بعضا من الحلوى والسكاكر التي أخذتها من متجر ذلك التاجر الشره ، كانت تفعل كل ذلك ببهجة وغبطة عظيمين ، لا يدفعها اليه سوى ما استكن في قلبها من نزوع جامح للهو الخلي والمرح .. كثير من الناس حدثوني كيف ان حضور هذه الفتاة كان دوما يرتبط بحل سحري لمعضلة أحدهم ، فمن عجز عن سداد دينه وجد ما اقترضه من مال مدسوسا بعناية بين أثوابه ، وامتلأت مساكن الفقراء البائسة بكل صنوف الطعام والشراب ، وكل ذلك الخير العميم الذي سقط بلا هوادة على الجميع كمطر استوائي كان من متجره ، ذلك البدين الذي تسبب في انتحارها جزاء وفاقا لمكائده التي أفقرت الجميع وظللت حياتهم بغمام كثيف من الحزن والبؤس العميق ، ولكنها في ثأرها البليغ ذاك ، كانت تتعامل بكل لطف ووداعة مع أطفاله الكثيرين وحتى زوجاته الذين فاق عددهم العشرين لم يروا منها غير وجه باش ويد مكفكفة لأحزانهم العريقة في كنف ذلك الوحش البشري الهائل ، كل تلك الحكايا لم تدفعني الى التراجع عن تصميمي ، بل دفعتني اليه بقوة أكبر وتجاسر على الذهاب في جنح الظلام حتى أضع حدا لكل تلك الوساوس التي تتناوشني بخصوص هذا التطور المفاجئ لجرأة الغريب فهو لم يكتف ، فيما يبدو ، بما يسببه من حيرة واضطراب للأحياء فهاهو يتجاسر على إقلاق سكينة الأموات بحماقاته العبثية ، حين وصلت الى حيث قبر الشيخ العجوز ، وجدته ما يزال مفتوحا وقد تراكم الغبار والتراب والطوب على حافتيه ، حدقت أسفل القبر كانت بعض الأوراق تتطاير بفعل الريح ، أفلحت في الإمساك ببعضها ولدهشتي الشديدة تعرفت على خطي واضحا ومقروءا كانت أجزاء من روايتي عنه قد تناثرت في كل مكان داخل القبر وخارجه، أحسست بالحنق الشديد وتساءلت هل يستطيع هذا الأحمق بفعلته تلك أن يوثق وجودا حقيقيا ؟ هل يطمس هويته أم هويتي ؟ وماذا يفيده هذا التشبث اللامعقول بالحياة ...بكل الفتها الغريبة وغربتها الأليفة؟ سمعت أصواتا تناديني من البعيد، كان بعضها مألوفا بينما لم أستطع تبين معظمها إذ اختلطت بنباح كلاب القرية ، ثغاء ماعزها ، وصياح الديكة، وتلك المقاطع النائحة للبوم على أشجارها الكثيفة ، امتزجت كل تلك الأصوات بغمغمة كتيمة للرعد، الذي كان يمتطيه البرق وهو يلسع بسياطه أوصال السموات مقطعا إياها نتفا صغيرة تتقاطر مطرا ورياحا باردة تلفعني ، بينما أغوص عميقا في لج حيرتي كاتما غيظا دفينا منه ومني ومن الوجود بأسره .. جاءت زوجتي تعدو وقد اصطحبت شقيقتها ولم تمهلني وقتا كي التقط أنفاسي من دهشة حضورها المفاجئ فأنا لم أراها آتية من البعيد بل انشقت عنها الأرض هكذا فجأة كأنها بعض النباتات الصحراوية التي ساعدتها الأمطار الكثيفة على معاناة التفتح من باطن الأرض السحيقة ، قالت:
    أين أنت؟ كلنا يبحث عنك ..كل أهل القرية ، الجميع ذهبوا الى أنحاء متفرقة ، عرفت أنك ستكون هنا فقد كنت تهذي في الليلة الفائتة بما فهمت منه شيئا غامضا يتعلق بالمقابر وزيارتها وما الى ذلك ، بذلت الكثير من الجهد لإيقاظك لكنك كنت تغط فيما بدا لي انه نوم عامين كاملين ، أحسست بمدى استغراقك فيه ، فتركتك ، والآن ..ألم تسمع بهذه الحكاية العجيبة التي يتناقلها الناس عن صديقك؟ نعم ، ذلك الشبح الذي غير حضوره كل حياة القرية ..قلت مقاطعا صنابير حديثها المتقاطرة كسماء الليلة:
    ماذا حدث له ..عنه أو معه ..لا يهم ..ماذا حدث ؟
    جاء الى القرية ، يتبعه ظل رجل قصير جدا ، كان يبدو جليا إنهما ليسا متوافقين ، من ما يتخذه من أوضاع غريبة ، فمرة يجلس بينما الظل واقف ..ومرة يعدو بينما ظله ساكن ، وفي كل الأحوال كان يبدو انه يبذل مجهودا جبارا لينحشر في حدود قامة الظل بلا جدوى..يتمطى ويقفز كي يمنحه طولا أكثر ، يحاول كذلك أن ينفخ بطنه كي يصير ببدانة الظل واستدارته ، وحين يئس من كل تلك المحاولات قذف بظله بعيدا في غضب ظاهر وطفق يعدو خارج القرية ، تاركا الظل المسكين يتلوى على الأرض وحيدا بلا غطاء يقيه المطر المتساقط بغزارة ، تركت الجميع الآن بجواره وقد ملأتهم الحيرة العظمى فيما يفعلونه ..
    قلت :
    هل مازال الظل هناك على الأرض ؟ شعرت بحزن عميق على تسببي بكل هذه الأحداث الغريبة التي تضطرب فيها حياة القرية منذ أن غادر هذا اللعين أوراقي متسكعا في بحث لا يهدأ عن ما يجوهر كينونته بملامح سميكة التحديد ..
    قالت: يبدو ذلك، فهو لم تصدر عنه أي إشارة على انه سيغادر يوما ما..انه هكذا ملقى على الأرض وكأنه كان هناك في هذا الموضع وبتلك الكيفية منذ قرون.. حتى عندما استدعى بعض أهل القرية عمالا كي ينبشوا الأرض حيث يستلقي تناثرت أجزاء ه في دلائهم والتصقت بحوافها وطفقت كل نساء القرية في تنظيفها بكل ما تراكم من خبرة وبكل أنواع المنظفات بلا جدوى..الناس الآن في حيرة كبرى عن ما يفعلونه بهذه الدلاء ، ما جعل الأمر يزداد غرابة هو هذه الرائحة النفاذة التي تنبعث من أشلاء جسد الظل المتناثرة بمنازل أصحاب الدلاء من عمال البلدية ، لا لم تكن على الإطلاق كريهة بل بالعكس تماما فقد كانت أطيب عطر اشتمه الناس ، فقد تعتق كل ما طيب به جسد الميت عبر قرون لذا صار من المستبعد للكثيرين أن يقوم العمال بإعادة دفن بقاياه مرة أخرى ، فغير عبقها شديد العذوبة فقد كانت للروائح المنبعثة من دلائهم خاصية بديعة جدا ، إذ صارت تطرد الناموس وبقايا الحشرات من المنازل بصورة سحرية جدا جعلت هذه الدلاء مصدرا للحسد من الذين لا يملكونها كما صارت مصدر تفاخر مالكيها ، فهم يعيرونها لقاء منافع كثيرة ، بعضهم يأخذ مالا والآخر يخطب ود والد حسناءه التي قعد به الفقر عن طلب يدها فيما سبق، أتذكر جارتنا تلك التي لم يطرق بابها أحد للزواج حتى بلغت الخامسة والأربعين ؟ أذهب الآن أمام منزلها الذي امتلأت ساحته الخارجية و باحاته بالمنتظرين كي يحظوا بمقابلة والدها كبير العمال الذي جمع عددا لا باس به من الدلاء بسلطته المطلقة على بقية صغار العمال ، وقد حكى الناس عن تهافت الجميع على إرضائه، فمن يعرض ماعزا ، ومن يتبرع بحظيرة دواجنه بما فيها من ديكة ، وحتى ذلك التاجر البشع قد عرض جميع ما يملك من أموال وبضائع ..لكنها في تصميم غريب رفضت كل هذه العروض والإغراءات ولم تبح بما تطلبه حقا من مواصفات زوجها المحظوظ .
    قلت ممازحا زوجتي:
    باعتباري سببا لكل هذه الأمور، إلا تريني أحق بخطبتها من الجميع؟
    نظرت الي في غيظ كظيم ولم تنبس ببنت شفة .
    فجأة قطعت " الحاجة مبروكة" حديثنا بلا استئذان، بل حتى دون أن نلحظ كيف حضرت..
    ألم تسمعوا بهذه الأخبار العجيبة ؟
    قالت زوجتي باندهاش :
    ماذا حدث ؟
    الجميع يتزاحمون الآن على منزل كبير العمال : النسوة اللائي فاتهن قطار الزواج، ومن لم يحبلن بعد ، وحتى أولئك اللائي يلدن إناثا فقط ، الصبايا العاشقات ، الشباب الباحثون عن الهجرة الى البلاد السعيدة ، الكهول نساء ورجالا الذين قعد بهم المرض العضال قدموا محمولين على الأكتاف أو على كراس متحركة ، كلهم يطلبون ذرة فحسب من تراب دلائه كي يتمسحوا ببركتها علها تنلهم ما يطلبون بعد ان انتشرت أنباء بركة ما علق بهذا التراب من بقايا ظل " الرجل الصالح" ولكنه حين رأى تهافت أهل القرية عليه قرر أن لا يمنح هذه البركة إلا لمن يدفع مبلغا مقدرا من المال ، أو يحضر ما لديه من منافع ، فصرت ترى المزارعين يجلبون أقفاص الخضر والفواكه ، النجارين منحوتاتهم الخشبية من دواليب جيدة الصنع ومناضد محلاة بريش الطاؤوس وحتى غرف النوم بكل شراشفها ووسائدها الوثيرة ، النساء جلبن مصاغهن وحليهن ، الشباب نفروا لخدمة كبير العمال ، بعضهم اختار أن يكون مسئولا عن نظافة الدار البعض أخذ محاريثه وسلاله لحصاد ما غنمه من مزارع .. بعضهم ممن أتقن حرفة البناء شرع في تخطيط ما امتلكه من منازل قديمة وأراض خالية كي ينشئ عليها أخرى جديدة ، ملعبا لكرة القدم ، ناديا فسيحا كي تقيم فيه القرية مناسباتها الاجتماعية من أعراس ومآتم متخلية بذلك عن تقاليدها المتوارثة منذ الآف الأعوام والتي تلحق العار بمن يقيم مآدبه : أفراحا وأتراحا في غير باحة بيته الخاص أو على الأقل بيت ذويه ، لم ير الناس في نزعة كبير العمال الى تغيير معالم القرية أو عاداتهم أي غرابة أو اقتحام لفضاء مقدسات الأجداد بل رأوها بعين طمعهم في الحصول على رضاه والتقرب منه زلفى .
    قلت مقاطعا :
    وما رأي شيوخ القرية الصالحون ؟ إلا يرون ان حفنة التراب هذه قد زاحمتهم في أرزاقهم وبركاتهم الجليلة ؟ فمنهم من يمشى على الماء ، وذلك الذي يطير في أجواز الفضاء محققا لنداء استغاثة .. قاطعتني زوجتي: هذا هو ما تفلح فيه ..هذه التساؤلات المحيرة ، لم لا تفكر في أمر آخر: ألست أنت من صنع كل هذا ، فلم يا صديقي لا نذهب الى كبير العمال ونخبره بأن يتوقف عن كل هذا، وإلا حاقت كارثة هائلة بقريتنا الوادعة هذه .. صاح صديق لي: يا لكما من غافلين! لماذا لا يطالب بحقه ؟ أو على الأقل يقايض ذلك الحق بتحقيق ما تتطلعون اليه من أحلام ؟ لو كنت مكانه لاغتنيت ولأعطيت هذا الجشع ما يقيم أوده فقط .
    شعرت بدماغي يكاد أن ينفجر خارجا من حرزه الحريز من هول ما يضطرب فيه من تساؤلات وظنون ، خواطر بعضها يناقض الآخر ، وسيل لا نهائي من الهواجس والمخاوف ، ماذا أفعل؟ وددت لو إني لم أكتب هذه الرواية أبدا فقد تحولت الى لعنة فيما يبدو ، ثم في غمرة فوضى خواطري تلك برقت لي خاطرة غريبة : يجب أن يموت ..نعم ينبغي أن أدبر حيلة ما ..علي أن أذهب إذن الى أوراقي وأشرع في ..ولكن حتى إذا ما أفلحت في نسج حكاية موته بكل أحكام ..فهل هذا حلا يضع نهاية لكل هذه الأحداث: الم يخرج من روايتي أصلا الى الحياة ويتسكع في حواري وأزقة القرية ؟ ما العمل إذن؟ ثم ما ذنبه هو في كل هذا ؟ انه طلب لنفسه بكل براءة ماهو حق مشاع للجميع..طلب ظلا فحسب ..ظلا يتتبعه مثل سائر خلق الله فما الغرابة في ذلك ؟ وما مسئوليته في أن حظه البائس قد أوقعه في تلك المصيبة بأن يختلس ظلا لرجل صالح ؟ الم يكن من الممكن أن يعثر على ماهو أفدح من ذلك ؟ كأن يختلس ظلا لامرأة مثلا ؟ أو حتى لطفل ؟
    قالت زوجتي منتشية وبصوت يشرق بالفرح: نعم يمكنك أن تفعل ذلك يا عزيزي ..يا الهي لماذا لم تفكر في هذا قبلا ..
    دهشت جدا، فقد كنت أحادث نفسي فكيف عرفت ما أفكر فيه ، سألتها : عن ماذا تتحدثين يا عزيزتي بربك ؟
    قالت : لقد كنت تتحدث كما يتحدث النائم عن فكرتك الجنونية بقتله فربما يؤدي ذلك الى وضع حد لكل هذا ، قلت : هل قلت كل ذلك ؟ أومأ صديقي برأسه موافقا..ثم أردف: يبدو انك بحاجة الى بعض الراحة ..ثم محدثا زوجتي : أعتقد ان من الصواب أن ترجعا الى المنزل ...دعيه ينام قليلا ..ثم مضى الى حال سبيله مطرقا برأسه الى الأرض محركا إياه يمنة ويسرة في دلالة واضحة لحيرته العظمى ..أخذت زوجتي بيدي في حنان ورقة وذهبنا الى منزلنا صامتين ..
    أدخلتني غرفتي وطلبت مني في توسل بليغ أن أنام، قالت في لهجة مطمئنة: لا عليك يا حبيبي ..فكل شيء سيكون على ما يرام ..ثم أغلقت باب الغرفة بإحكام.. غصت عميقا في خواطري وسيل الظنون الذي ظل يلاحقني طوال الطريق الى المنزل ، حتى رأيتها ..نعم.. أوراق روايتي تتناثر من مخبئها في فضاء الغرفة ..كانت تتلوى ..تنكمش ..فجأة بدأت تأخذ شكل نتف من القطن وترتد الى أصلها البعيد ..ثم رأيت الفلاحين وهم يقطفونها قطنا يعودون به بعد ساعات عملهم الشاق الى شاحنات ضخمة .تأخذه بدورها الى موانئ بعيدة تهدر في فضاءاتها مصانع الورق العملاقة ..صارت أوراق الرواية تفعل كل هذا بتكرار: ترتد قطنا ..ثم يغيب القطن داخل محالج عملاقة ، وفي عودتها الى أصلها كنت اسمع بوضوح أغاني المزارعين في مزارع القطن وما يداعبهم من أحلام الحصاد : بالزوجة الجديدة الصغيرة بعد أن كبرت أم العيال ، بالحج الى بيت الله والتوبة عن صخب الشباب ونزقه ، وذلك المزارع الطيب الذي اعتاد أن يحمل من حقله حين يزهر القطن بعضا من قطافه البكر ويلقيه في حجر زوجته الصابرة تسكينا لجزعها من غائلة الفقر المدقع :
    انظري..فحصاد هذا العام وفير ..وقد كبر العيال ..وسننتج أكثر يا زوجتي الغالية ..ثم يدس بيده في حنان زهرات القطن اليانعة في يدها المرتعشة من الجوع والمرض والشقاء في أعمال البيت التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ ..كنت أرى كل ذلك بوضوح وكان هو ..الغريب حاضرا أيضا في ركن قصي من الغرفة يتسمع حوارهما ..نظرت مليا غير مصدقا لما أرى..فركت عيناي جيدا ..نعم هو بنفسه بقامته الفارعة وشحوبه الشديد ، وحتى تلك النظرة الحزينة في عينيه كانت واضحة رغم ظلام الغرفة النسبي الذي لم يرني بشكل كاف عينا الزوجين ، كان واقفا هناك فحسب لم يكن ينظر الى شيء محدد بل كان كأنه يحدق الى في أطياف لا منظورة ثم فجأة رايته ينظر صوبي بتحديق غريب ارتعدت له أوصالي ثم رأيته يتحرك قادما نحوي بتصميم شديد ...كانت المسافة بيننا تتقاصر تدريجيا ..سمعت طرقا خفيضا على باب غرفتي ..ذهبت متثاقلا كي أفتح الباب فاذا بزوجتي توقظني من النوم بلطف ووداعة وتقول ...هيا أنهض يا عزيزي فقد نمت أكثر من ساعتين... نهضت متثاقلا وقد عصفت برأسي الحيرة القصوى من هذه الأوراق القليلة التي لم ترتد كما فعلت الأخريات الى أصلها القطني ، تذكرت إنها كانت عن طفولته وأحداثها المدهشة منذ ولادته وكيف كانت هذه الطفولة ترسم مسارا مغايرا بشكل كلي لما اتخذته حياته في مابعد من صور وأشكال ، كنت شارد اللب فيما يبدو في التفكير العميق فيما يمكن فعله هل يكون من الجيد لو مزقت كل تلك الصفحات واعدت كتابتها بشكل مغاير اعتمادا عل مسيرة هذه الطفولة ؟ هل يمكن مثلا أن أتحايل على القدر الذي ساقت أحداثه بشكل مصيري الى وفاة والدته ؟ وما شكلته هذه الحادثة من انحراف جذري في مسار حياته البائسة ، ولكن ما جدوى كل ذلك ؟ فقد خرج الأمر برمته فيما يبدو عن سيطرتي منذ أن عرف طريقه للتسلل الى الحياة في ذلك الصباح البعيد الذي قدم فيه الى منزلي وما حدث بعدها من أحداث غرائبية متتابعة ، هل ما زلت مستيقظا؟ سمعت زوجتي تصرخ في أذني وفي عينيها يشع ضياء من الجزع ..
    - نعم ..ماذا كنت تقولين؟ عفوا ..كنت فقط أفكر في أمر ما..هل قدم الرجال من المدينة؟
    رجال! ماذا تقصد؟
    - أقصد هؤلاء الرجال الذين ذهبوا لتحليل بقايا الظل في المعمل المركزي لشرطة المدينة .
    نعم قدموا قبل ساعة ، لكنهم لأمر ما لم يخبروا أحدا بما توصلوا اليه بعد ، مازالوا مجتمعين مع كبير العمال وبعض شيوخ الصوفية ، يبدو من تكتمهم الشديد ان أمرا ما شديد الغرابة يجري في القرية، ثم برقت عيناها مضيئة ظلام الغرفة بشعاع من البهجة الطفولية وقالت في لهجة حماسية خافتة بعض الشيء: ولكن النساء كما تعرف لا يعجزن عن معرفة الأسرار ، فقد تلصصن من خلل الجدران والتقطن بعض ما يتهامسون به ..
    - وماذا سمعن ؟ هل أخبرتك إحداهن بشيء؟
    لم أقابل أحدا حتى الآن، ولكني عرفت القصة من شقيقتي، وهي بدورها سمعت بهذه الأخبار من صديقتها التي شاركت والدتها في التجسس على الرجال.
    فجأة سمعنا طرقا خفيضا على باب الغرفة ، كنت أتوقع أي شخص عداها ، تلك الفتاة الغريبة التي التقيتها ذاك المساء البعيد ودست ورقتها في يدي وهي تغادر منزل صديقي العارف ، كان حضورها مباغتا بشكل كلي الى منزلنا، دعك من غرفة نومي الخاصة ، قالت موجهة عيناها الي بشكل صارم :
    - لقد طلب الجميع حضورك فورا بمنزل صديقك الذي التقيتك فيه لأول مرة ، قلت مقاطعا: الجميع ..من تقصدين بالتحديد ؟
    شيخ القرية ، كبير العمال ورئيس الشرطة ورجلا غريبا لم أتعرف عليه لكني أذكر جيدا إني التقيته عدة مرات وهو يتجول في الطرقات مطرقا برأسه على الأرض.
    قالت زوجتي:
    - هو، أخيرا، ها إذن فقد عاد من غيبته تلك.
    كانت تشير الى اختفاء الغريب المحير بعد حادثة الظل تلك فما عاد أحد من القرية يحكي انه التقاه في مكان ما ، وكان مشهده فوق سطح إحدى العربات المتجهة الى الصحراء هو آخر عهده بالقرية قبل نحوا من أسبوع ، وقد ظن الجميع ان الغلام الذي كان الوحيد الذي رأى ذلك المشهد كان يكذب بدليل ما روته إحدى النسوة العجائز من إنها بينما كانت تجلب بعض العلف لماشيتها من مزارع القرية بجوار النهر ، رأته يستحم في النيل عاريا ، صحيح إنها لم تر غير ظهره وساعديه لكن من لا يستطيع تبين ان ذلك الظهر ليس لأي أحد من أهل القرية كما لا يمكن بأية حال من الأحوال أن يكون ظهر قروي في أي مكان آخر بالعالم ، فهو لا تنزلق قطرات الماء من جسمه كما تفعل بالنسبة لهم ، إذ تعلق وتلتصق هناك آخذة صورا وأشكالا غاية في الغرابة واللامألوفية ، بعضها يبدو أشبه بحيوانات وطيور غريبة الشكل ..لا لست أقصد حيوانات كالتي نعرفها ولا طيور مثل طيور القرية ، بل إنها تتغير تبعا لجريان الماء على ظهره : فاذا تسارع تراها تطير محدثة برفيف أجنحتها في الفراغ صوتا أشبه تارة بمواء القطط وطورا بتلك الإيقاعات البديعة للدراويش وهم هائمون في النشوة الكبرى في حلقات الذكر ، ثم تراها حين تبطئ القطرات من سرعتها تستحيل قطعانا صغيرة الحجم من حيوانات بديعة ومختلفة الأشكال والصور ، حين سمع القرويون حكايتها ظنوا بها خبالا من نوع خاص ، فكيف يكون ظهره حاويا لكل تلك الكائنات بدون علمه ، ثم كيف توفر للعجوز كل هذا الوقت لمراقبته دون أن يراها ؟ شكلت هذه الأحداث موضوعا لمجالس ومنتديات القرويين طيلة غيبته الغريبة غير المبررة على الإطلاق، ودهشت حقا من حضوره الكثيف هذا فرغم غيابه إلا انه يطل من خلل شقوق هذا الغياب الشفيف واثق الحضور الى هذا الحد الذي جعل كل أحداث القرية الأخرى لا تثير انتباها مثلما تثيره أخباره الغريبة ،




















    متاهة الظل - رواية – يحي الحسن الطاهر
    لم تكن هذه الحادثة الأولي التي أجد فيها شقيقتي تبكي في صمت وحرقة في ظلام غرفتها المجوف كقاع بئر عميقة، ولكن ما شد انتباهي أكثر في هذه المرة هو ما كانت تحمله في يدها الصغيرة وتحدق إليه متحدية كل قوانين انعكاس الضوء وما يقال عن إننا لا نستطيع أن نرى إلا إذا كان هناك ثمة ضوء كاف ينعكس من ما نود رؤيته..وهو أمر لم تثبت صحته بعد كما تعلمون ، لايهم ، سألتها في دهشة:
    كيف ترين في الظلام ؟ يمكنك أن تشعلي المصباح..متواطئا كنت في تكاسل ذهني مع ما يعتقده الجميع ، ومتصامما عن كل لجاجات ما يستبصره العارفون بشأن خداع حواسنا وزيف معرفتها المشروطة بما نتعلق به من أوهام.
    قالت وكأنها ذعرت من دخولي المفاجئ الى الغرفة الذي يبدو إنها لم تلاحظه لاستغراقها العميق فيما كانت تحدق فيه بدهشة وغرابة :
    لا ليس هذا مهما ..ثم حاولت إخفاء ما بدا لي إنها صورة فوتوغرافية لشخص ما لم أتبين ملامحه جيدا ..
    ليس مهما ..غمغمت في شعور غريب بعدم التصديق لكوني رأيتها بوضوح وهي تخفي يدها وراء ظهرها في خوف راعش ، تتبلور غماماته بشكل أثيري حول وجنتيها متصاعدة من مجامر خفية تطل من خلال النظرات الصارمة لعيني الغريب الذي تحمل صورته في يدها .
    نعم ليس مهما ..ويمكنني حتى أن أريك إياه ..أنظر..ثم مدت يدها وهي تحدق في بعينين مستطلعتين..كنت أرى انعكاس شغفها بقراءة ما سيجول بخاطري وأنا أتأمل الصورة التي كانت تقطع المسافة بين يدها ويدي ، وفي ذات الوقت – كما علمت فيما بعد- تقطع المسافة بين ما كنت أستسره من مخاوف عميقة وبين انفجار هذه المخاوف هكذا دفعة واحدة كانبجاس عطر منسي ما لأنثى تقبع في قيعان ذاكرتي وأوديتها السحيقة ، تلك الأنثى التي كتبت لي ذاتغسق ما:
    أحسك أبني..أود أن أهدهدك على صدري وأحكي لك حتى تنام ..ترى أين هي الآن ؟ وهل مازلت أنا صغيرها ذاك ،..رأيتها تتسلل عبر شقوق ذاكرتي وهي تتلوى في الطريق موال عطر عنيف الى مقعدها الأثير في تلك الحديقة التي كنا نتخالس فيها الهوى ، ورأيتني ممسكا بيدها مغمضا عيناي في تبتل لا يعرفه سوى النفري ، وقد ضاقت عبارته حين اتسعت رؤاه ، كنت في ذات الوقت أتشمم عبقها ، أتسمع وجيب قلبها الخافت ، كنت مصغ بشكل كلي في تلك اللحظة ، كأني أدشن بحضورها ميلادا لحواسي جميعها كي تقتنص كل عبق ذاك الحضور وتمتصه: عطرا، صمتا وصوتا وكانت دنان أنوثتها الرائعة التسكاب تهاطل على جديب قلبي كل بهاء حنانها الدفاق الذي –للحق – كنت أغار من ذلك الفراغ البهيج الذي يلف كينونتها –زمانا ومكانا – أن يحتويه بدلا عني ، كنت أحاول امتصاص كينونتها جميعا ، وكانت شفتاي تتنزهان في حبور على كل مسام جسدها الرشيق ، ترى أين هي الآن ؟
    هل عرفته؟ أتاني صوت شقيقتي كأنشوطة بديعة تعلقت بها متسلقا تلك الحواف المدببة للزمن عبر ثلاثين عاما الى حيث أنا الآن واقفا بغرفة شقيقتي ...عرفت من؟ نظرت إلي في حيرة عميقة ..أين كنت ، ومن أين أتيت بكل هذا الغبار الذي يعلق بملابسك؟ ألم تدخل قبل قليل وأنت –كما العادة في كامل أناقتك ؟ ولماذا تبدو مجهدا هكذا قلت : دعيني الآن ، واخبريني ماذا كنت تقولين ، ثم في موجة تذكر غامرة رأيتني وأنا أمعن النظر في دهشة الى صورته بين يدي..وسمعتني أقول:
    من أين أتيت بهذه الصورة ؟ لم أتذكر بعد ذلك أي شيء آخر، غير إني وجدتني مضجعا على سرير أبيض وحولي الكثير من الناس، أذكر بينهم بعض الأصدقاء الذين خفوا لزيارتي بعد أن أخبرتهم شقيقتي بما حدث:
    لا أدري تماما كيف حدث كل هذا، فقد كان معي بالغرفة نتحادث حول صورة لشخص غريب أتاني هذا الصباح يسألني عن شقيقي وما إذا كان موجودا أم لا وحين أخبرته بأنه خرج لشراء بعض الأشياء..أعطاني صورته وطلب مني إعطاءها لأخي حينما يعود ..وقال لي في لهجة حاسمة ولكنها ودودة في ذات الوقت:
    أخبريه باني ما عدت أحتمل كل هذا ، وبأن من الخير لكلينا أن نلتقي ونتفاهم حول بعض الأمور ، سألت الغريب:
    وهل يعرفك شقيقي؟ ويعرف كيف يتصل بك ..حدق في بسخرية مريرة ولم يقل شيئا وخرج..وحين أتى شقيقي حاولت إلهاءه بشتى الطرق حتى إنني أطفئت كل مصابيح الغرفة في إشارة الى رغبتي في النوم ، وكنت ما أزال أحدق في صورة ذلك الغريب ، حاول أخي مرارا أن يكتشف ما الذي أخفيه في يدي وتحت إلحاحه مددت اليه بالصورة ، حدق فيها مليا وأذكر انه سألني عن مصدرها وكيف أتت إلي ، لكنه فجأة سقط مغشيا عليه ، ثم حدث ما تعلمون جميعا من نقله الى المستشفى حيث هو الآن أمامكم.
    وكنت أرقب الجميع وهم يتحدثون ، واسمعهم بوضوح ، ولكني لم استطع قول أي شيء ، كنت كأني معلق بين السماء والأرض بحبل أثيري شفاف ..سابحا من خلال ملايين من فقاقيع وبالونات ضوئية مشعة بلون بنفسجي قاتم ، تتراقص سابحة في ما يشبه ممرا سحريا يصل بين جسدي المعلق هكذا وبيني علي سريري الأبيض ، وكان عقلي صافيا بحيث صرت أتتبع في وضوح كامل مشاهدا عديدة ، تمثلني بعضها في طفولتي البعيدة ، وأراني في بعضها في بلاد لم أراها بعد .. كنت أود أن أحكي لهم ما الذي جرى في تلك اللحظة قبل أن اسقط على الأرض ، وعنه ، أعني صاحب الصورة ، ولكني بذات السكون والعجز الكامل الذي حدثتني عنه جدتي ذات مساء وهي تحكي لي :
    هذا أمر معروف تماما ..الأموات جميعا يعرفون قبل وقت كاف ساعة موتهم بدقة شديدة، لكنهم لا يستطيعون إخبار أحد، عدا جدك،فقد كان رجلا صالحا ، وبركاته يتحدث عنها كل أهل القرية ، أتاني في المساء وجالسني وتحدثنا كثيرا عن كل شيء وعن لاشيء تقريبا ، ثم شرب الشاي بالحليب الذي كان يفضله في مثل ذلك الوقت ، وقال لي :
    يا أم الحسن أنا ذاهب الى بعض الأخوان ، أسدد ديون البعض ، وأستسمح بعض من أغضبتهم، ولا أدري يا ولدي لم انقبض قلبي في تلك اللحظة بصورة غريبة جدا لم أألفها من قبل ..كنت أشعر بأن شيئا ما ..رهيبا ومخيفا على وشك أن يحدث ..ويبدو إن جدك رأى مخاوفي تلك لأنه نظر إلي بعمق ومحبة ثم قال:
    لا عليك يا أم الحسن حين أحضر سأخبرك بكل شيء ..لا تحملي هما ..سأعود قريبا ..ثم خرج ..جلست بعدها طويلا أتساءل عن ما يحدث ، ناديت أمك ..وكنت أنت ما زلت صغيرا تحملك في تلك اللحظة ..ولعلها كانت تعطيك دواء فقد كنت كثير المرض..حضرت أمك بعد زمن ..قلت لها يا بنية ..ألا تعرفي ما يحدث لأبيك ؟ ألم يخبرك بشيء؟ أراه مهموما كثير الصمت في هذه الأيام وكأنه يخفي أمرا ما ..فزعت أمك وقالت ..والله لا أعلم حقا ولكني لاحظت ما تقولين ( كنت أنا في الثالثة من العمر حينها وقد سمعت كل حوارهما ولم أتعجب من أي شيء لأنني كنت أعرف بصورة واضحة إن جدي سوف يموت قريبا ..أخبرني بذلك صديقي الصغير الذي يأتيني دوما حينما أكون نائما وغالبا ما أستيقظ على رفرفة جناحيه وهو يحط على الصخرة التي تعودنا على الالتقاء بجانبها ويحكي لي عن أشياء كثيرة ستحدث ..ولكنه يلح علي أن لا أخبر بها أحدا أو سيكف هو عن إخباري بالمزيد..لذا حين سمعت جدتي تحادث أمي هممت باطلاعهما على ما أعرف ..لكني فضلت السكوت وقتها حتى لا أحرم نفسي تلك الغبطة الصغيرة بمعرفتي بكل شيء قبل أوانه ) قالت أمي : لعله قد أخبر هذا الصغير بشيء فهو دوما يحمله معه أينما يذهب ، وحتى انه في بعض الليالي يأتي ويأخذه من سريره بغرفتي ويخبرني : أريده أن ينام معي الليلة ..لا عليك سأعتني به جيدا ..كنت حينها اشعر بسرور بالغ لأنه في تلك اللحظات فقط . وحينما يلف سكون الليل بعباءاته الثقيلة كل أركان المنزل يهبط صديقي الصغير ونلعب سويا مع جدي ويعطينا الكثير من الحلوى ..لا يأتيني في النوم كما يفعل دوما حينما لا أنام مع جدي في غرفته بل يأتي فعلا وغالبا ما لا ينام ثلاثتنا حينها ..يظل يحكي لنا أشياء كثيرة جدا بعضها عن أماكن وبشر لا اعرفهم حتى ، وعن أحداث سعيدة وأخرى حزينة ..
    قالت شقيقتي وهي تخاطبني:
    مالك صامتا ؟ هل تحس بألم ما ؟ هل تحتاج الى أي شيء ؟ هل أحضر لك كوبا من الماء؟
    أومأت برأسي موافقا ..وكان أحد أصدقائي جالسا بجانبي على طرف السرير وهو يمسك بمودة واضحة يدي ويربت عليها في مؤاساة عميقة وكان هناك فيما اذكر جوا عميقا من التعاطف ، أعانني كثيرا حينما انصرف الجميع وتركوني وحيدا أرقب الليل وهو يهاطل أحزانه على روحي ..وفي استدعاء كثيف لذاكرة ما قبل دخولي الى المستشفى ..رأيت صورة الغريب في يدي، شعرت بعينيه تحدقان في بصرامة وعنف..وكأنما تخترقاني بلهب نظراتهما البارد المشع في جلال غريب..ثم فجأة بدأ لي وكأن شفتاه تتحركان في غمغمة خفيضة صارت ترتفع قليلا الى حد الهمس المسموع هونا ما ..
    نعم ..أنت أوجدتني كبطل لهذا الهراء الذي تسميه رواية، نسجت من خيالك شكل وجودي، صرت تتحدث من خلالي عن كل أشواق روحك ومخاوفها..تتستر من خلفي باثا لواعجك وشجونك الخاصة بك ، صرت تقحمني في كل شيء دون أن تعرف حتى رغبتي أو عدمها ، وحتى تلك الفتاة الغريبة التي جعلتها بمشيئتك حبيبة لي ، أكتب لها الشعر ، أتنزه معها في أودية خيالك السحيقة في بلاد لا توجد ، قرب أنهار غريبة بلا شواطئ ، لا أعرفها، ولا أحب عجرفتها ، التي تصفها أنت بنفسك ، وتعتقد إن وجودي الأثيري كإحدى تهويمات خيالك لا يجعلني أطلع عن ما تكتبه عنها مع إننا نتجاور أحيانا في ذات الصفحة .. وتعقد لي صداقات غريبة : مثل ذلك النورس الفضي ، وتلك الشجرة التي عرفت من خلال بعض ممن تعرفت عليهم من أصدقائك انك كنت تأتيها وأنت في السابعة من عمرك مع أصدقائك وتتباهون في أيكم يتسلق أعلى من غيره..صورتني في روايتك وكأنني أنا من كان يقوم بكل ذلك لكنني الآن أخيرا صار بمقدوري الخروج من دفاترك الى الحياة ، بدأت بزيارتك ..في منزلك ...فجأة بدأ صوته ينخفض قليلا ويتحول الى نشيج مكتوم ..ثم بدأت قطرات دموع تترقرق من عينيه على صدري ووجهي وعيناي ، ثم فجأة صارت هذه القطرات تتخذ أشكالا ملونة لمرايا صقيلة تراءت لي من خلالها مشاهد غاية في الغرابة رأيتني ..طفلا كنت حينها تحملني أمي على صدرها وهي تضحك من تحديقي الغريب في وجهها الذي كثيرا ما كانت تندهش من كونه يحدث من طفل ما يزال في الثالثة من العمر ..قالت لي وكأنها تخاطب رجلا ناضجا ، وكانت لهجتها مزيجا غريبا بين الضحك الخلي وبين الانزعاج الخفي : هل تعرف ماذا تقول لي جدتك عن هذه النظرة الغريبة في عينيك ؟ ثم استرسلت فيما يشبه من يتحدث أثناء نومه : ولدك هذا إما أن يصبح يوما ما ، عالما كبيرا أو محتالا خطيرا ، ثم نظرت الي في رقة وحنان : أنا أعرف جيدا إنني أحبك في كل الأحوال .
    قلت لشقيقتي :
    ما الذي أخافك ؟ وهل هذه أول مرة يزور فيها " الغريب " منزلنا؟ ولماذا كنت تبكين ؟ ولاحقتها بسيل متلاحق من الأسئلة..
    لم اسمع جيدا ما كانت تقول فقد بدأ الغريب يتحدث وكأنه يتحدث في داخلي..
    كان يترنم بما بدا لي أشبه بأغنية قديمة جدا..أو قل تعويذة سحرية لسكان الكهوف في أعالي التبت القديمة ، تلك الأهازيج التي كان صديقي الصغير ، يسمعني إياها حين نلتقي في تلك الصخرة ، أذكر انه مرة حادثني عن أسلاف لي لم أعرفهم جيدا وكيف أنهم كانوا يستمطرون الغيم، حين كان يروي لي تلك القصة ، كانت الشمس تدبر مع البحر أمر اختفاءها الوشيك ، وكان هناك في البعيد شبح لرجل يجلس في قمة صخرة ما متأملا الأفق البعيد وعلى الرغم من إنني لم أر ملامحه إلا إن شعورا من الالفة والحب العميقين جعلني أعرف بأننا سنلتقي يوما ما وسنكون صديقين حميمين ، الغيوم بدأت تكركر في بهجة إيذانا بالمطر ، وكانت البروق تضيء وتختفي وكأنها توقيعات سريعة على ما سيشهده الكون من أحداث ، السحب تناثرت خرافا في سهوب السماء الواسعة لليلتنا تلك ..كنا أنا وصديقي نتبارى في استكناه ما تشكله السحب في رحلتها المطمئنة في الفراغ العريض ، أشار الى مجموعة مرحة من الخراف تتراكض وهي تقضم أعشاب نجيمات صغيرة، بينما كنت أنا أرى بوضوح شديد بعض الصبية وهم يغازلون فتيات يتهادين بدلال معزوفة كمان بهيجة ، ولكن ولأمر ما لم أفهمه حينها ..صحنا في ذات اللحظة: من هذا الشخص الغريب الذي يتجول بين الخراف، بلا مبالاة وكأنه يسير أثناء نومه ولا يرى شيئا ؟ في تلك اللحظة بدا لي وكأنه ينظر الي من صحراءه البعيدة حانقا وكأنه قد قرأ ما جال بخاطري
    لا لم أكن خائفة فحسب ..بل إن قلبي كان ينتفض في داخلي وكأنه يريد أن يقفز خارجا ، انك لا تستطيع حتى أن تتخيل مدى الرعب والقسوة في عينيه ، وفي ذات الوقت لا تكف عن الشعور بأن تلك القسوة تخفي أحزانا وأوجاعا عميقة كبحر هجر ساحليه ممعنا في الفرار الى فضاء كينونة لا تحدها هوية ما ..لم يفعل لي أي شيء سوى إعطائي هذه الصورة التي تمسكها الآن ..ولم يقل سوى ما أخبرتك عنه .. كل هذه القسوة بدت لي وكأنها وسيلة دفاع يتستر بها مخفيا " حالة ضعف ما" لم استطع فهمها ربما لخوفي الشديد وقتها، انتابتني حينها مشاعر متناقضة بين الذعر الشديد من عينيه وما يلتمع فيهما من قسوة وبين تعاطف شديد لما هو فيه من حزن مقيم وعريق ..ولا أخفي عليك فقد شعرت أيضا بأن هذا الشخص ينتمي إلينا بصورة غريبة ..لا أدري حقا كيف أصفها، كل ما أعرفه هو إنني قد أكون التقيت به في مكان وزمان ما غير متعينين في ذاكرتي بشكل جلي..أتذكر تلك الأمسية التي أخذتني فيها الى منزل صديقكم ذاك؟ وكان يتحدث حديثا غريبا بالنسبة لي وأنا بنت السابعة وقتها ، كان يتحدث عن إننا وجدنا قبلا ..وسنوجد فيما بعد في أشكال وصور غير التي نألفها الآن؟ وحتى انه ذكر وقتها انه شخصيا دوما ما يحس بأنه وجد قبل أكثر من ألفي عام بالهند ، وانه ما يزال يتذكر طفولته الشقية هناك ، وكان أبوه صائدا للأسماك في نهر " الغانج" المقدس ، وكيف كان حين يتسكع الليل في صفحة السماء طاردا بكل جسارة جحافل الضوء النهارية الفجة التي لا تتيح للكائنات غبطة التسكع في بهو أحلامها ، كان في تلك اللحظات المباركة ، بعد أن يلقي الى زوجته مارتا بسلال الأسماك المقدسة ، ويساعدها بمحبة وحنو في أعمال الطبخ ، يأوي الى فراشه ، كي يتجشأ ما عبه من ماء النهر المقدس ، طاردا الآف العفاريت من روحه غاسلا أدرانها من ران آثامها الثقيلة الوطء ، في تلك الأمسية البعيدة في أزقة ذاكرتي ، يبدو لي بصورة غائمة شيئا ما إن هذا " الغريب" كان حاضرا ..ملتفا بعباءة ثقيلة من الصمت، كان يدخن بشراهة ملحوظة وكأنه يغيب طي سحب الدخان الكثيفة ما يعتمل في صدره من نشيج كينونة بليغة الإبانة في عينيه..
    قلت مندهشا:
    يدخن بشراهة؟ هل أنت متأكدة من انه كان يدخن؟
    تعلقت بشفتي شقيقتي كوسيلة خلاص من ما أعانيه من رهق ، لأن إجاباتها تعني الكثير ، فالغريب كما يظهر في روايتي التي يكتبها عبري أو أكتبها عنه-لايهم- لا علاقة له بالتدخين على الإطلاق ، بل هو من أشد أعدائه ..فهو دوما ما يحذر أصدقائه منه ..
    قالت:
    لا اذكر، ولكن، مهلا، لم أنت مهتم هكذا بهذا الأمر؟
    في تلك اللحظة دخلت إحدى صديقات شقيقتي ، كانت تنتعل حذاءا من جلد الثعابين ، وفي أذنيها أقراط من العاج المصقول جيدا ، وفي عنقها أذكر إن جماجم كثيرة من العاج كانت تتدلى من سلسلة من الفضة ، أما حقيبتها فقد صنعت بإتقان من جلد سلحفاة خضراء بديعة ، جعلني لونها المشع ، أتذكر ، صديقي الصغير ذات ليلة مقمرة ، وهو يأخذني للتسكع ، أخبرني :
    اليوم سأريك ، كيف تحبل الشمس بالضوء من جوف السلاحف المقدسة ، وكانت عيناه تشعان بفرح غامر وتلك الطفولة الشقية العذوبة المعروفة عن صغار الملائكة ، ثم أمعنا السير صوب تخوم بعيدة ، وكان قلبي يتقافز كمهر صغير في يوم ربيعي بديع ..
    شفتا الغريب في يدي، صارتا تتحركان مرة أخرى، تسحباني من بهو ذاكرتي بقسوة، تغمغمان:
    بالأمس ذهبت الى أحد أصدقائك ، لم يعرفني بالطبع ، ولكني حين شرعت في الحديث معه حول مخاوف الناس في هذه الأيام من نهاية العالم ، التي تنبأ بها أسلافي العظام ، صار يحدق في باستغراب ، لم أدرك كنهه تماما إلا حينما سألني:
    هل أعرفك؟ أعني هل التقينا من قبل وأين ؟ لا أدري ولكني اشعر بأننا قد ...ثم سألني فيما لو كنت أعرفك، وعن ما إذا التقى ثلاثتنا ذات مرة في مكان ما ..كان أكثر ما يحدق فيه هو عيناي ، وحتى شقيقتك كانت تفعل ذلك ، ترى ماذا أخبرتهم في روايتك عنهما؟ هل تعلم ما سببته لي من عذاب ، لماذا لا تتركني وشأني؟ لماذا ابتدعتني أصلا؟ إلا يكفيك كل ما كتبته من قبل ؟ مثل ذلك المتسول الذي يطل من خلال " الثقب " في قصتك المعروفة تلك..لا تظن بأني لم أقرأ لك من قبل..لا أخفي عليك إني حاولت التعرف عليك، فك ألغاز روحك العميقة، ومعرفة بواطنك السحيقة..وكان دافعي بكل بساطة هو أن أعرف ما الذي يجمع بيننا؟
    من كوة ما أسفل وعيي بدأ صوت جدي العميق يأتيني ، هادئا ومنسابا الى أقصى شغاف الروح ، كان يسألني عن صديقي الصغير ..وهل مازال يزورني خلسا كما اعتاد على ذلك ، ثم وهو يضحك : سأزورك اليوم ، ولكن عليك أن تنبه الجميع الى أنك في المساء تود أن تأخذ قسطا من الراحة ولا ترغب في زيارة أي شخص ، لأنك تعرف إن الكثيرين يعتقدون إن من غابوا لبعض الوقت لا يستطيعون الحضور إلا في تلك الصور الشائهة التي اعتادوا على تناقل رواياتها ، ثم ربت على كتفي في حنان وغاب ، قالت صديقة شقيقتي :
    جئت لزيارتك للاطمئنان بالطبع ، ولكني أيضا لا أخفي عليك إن لزيارتي سببا آخر ، وأرجو أن تعذرني في صراحتي فدافع الفضول لمعرفة هذا الأمر الغريب كان أقوى ، فضولي في أن أفهم سر هذا الشخص الذي تحمل صورته الآن في يدك ، والذي أخبرتني شقيقتك بأنه كان وراء كل هذا الذي يجري الآن من أمور غربية ..قاطعتها مندهشا:
    وما شأنك أنت بكل هذا ؟ هل زارك أنت أيضا؟
    لا لم يزرني ، ولكني كنت أتجول مع صديقاتي قبل يومين ، سعيدين كنا ، نتذاكر ما كنا عليه في طفولتنا من شقاوة ومرح ..حتى رأت إحدى صديقاتي " الغريب " وهو يتسكع مرتديا ذات الملابس التي في الصورة ، ما أدهشها هو إننا كنا في رابعة النهار وقتها وكانت الشمس تستعرض كامل فتنتها صقيلة كأن آلافا من الملائكة كانوا منهمكين في صقلها مما علق بها من غمام المدن البعيدة التي تزورها غبا وعلى استحياء ، على كل ما لفت نظر صديقتي هو إن "الغريب" لا ظل له ، كما لسائر خلق الله ، قلت لصديقتي ،
    كيف تقولين مثل هذا الهراء، كيف لا يكون له ظل ؟ دعينا من خرافاتك هذه، ربما لا ينعكس الضوء بشكل كاف في موضعه، اذهبي أنت وقفي بجواره ودعينا نرى إن كان لك ظل أم لا ..ذهبت صديقتي ووقفت بجوار الغريب تماما ولدهشتنا الشديدة كان ظلها منطبعا بقوة على الأرض، ثم بدلت موقعها عدة مرات وفي جميع المواضع كان ظلها هناك واضحا لا ريب فيه ، تذكرت حينها إحدى قصائدك التي تقول فيها ما يعني إن الظل هو بثور الليل تطفح على جلد النهار أو شيئا من هذا القبيل ..لا يهم ..هل تعتقد إن" الغريب " هو حقا بلا ظل؟
    ضحكت في سري، حسنا إن كانت هذه هي فقط ما عرفته عن غرابته فهذا شيء جيد ولا يزعج أكثر مما لا تعرف، ثم محاولا تسكين قلقها العميق قلت:
    لا بالطبع فكلنا، إذا ما توفر قدر معقول من الضوء تنعكس ظلالنا على الأرض وغيرها..قاطعتني في حنق ظاهر:
    وهل هناك ثمة قدر معقول أكثر من ضوء الشمس عند الواحدة ظهرا ؟ أم انك تقصد ضوءا آخر غير الذي نعرفه جميعا ؟
    قلت لشقيقتي ، محاولا التملص من صديقتها وأسئلتها التي لا أرغب حقا في الإجابة عنها فليس هناك ما يقتل المعرفة أكثر من إفقار فضاء التساؤلات بمحابس الإجابات التي تسعى الى إزالة القلق الصميمي من اللامعروف وغير المعبر عنه الذي يلف بعباءاته الثقيلة كل تفاصيل وجودنا ومآلنا ... قلت: هل سمعت من أحد أصدقائي شيئا جديدا ؟ هل زار أحدهم؟ غاب صوت شقيقتي وأنا أغوص عميقا في تجاويف ذاكرتي..يزيح الظل للليل من جسد النهار ما يزيح ...الظل بثور الليل تطفح على جلد النهار..تذكرت هذه القصيدة التي أشارت إليها صديقة شقيقتي والتي كتبتها منذ ما يزيد عن العشرين عاما أو نحوها وكنت أحسبني وقتها مسكونا بعشق التأمل في جدلية التضاد التي تشكل في تناسقها عالمنا بكل روعته الآسرة بكل فوضى عناصره وكنت مشغوفا وقتها بهذا الخيط اللامرئي الشفيف الذي تلتقي عنده الأضداد جميعها في أقصى امتداد لتضادها: الأبيض والأسود، الخير والشر ، الجمال والقبح كنت مسكونا باختلاس النظر الى تلك البقعة التي يتمازج فيها الضدان بهارمونية بديعة .. و لكنني الآن وأنا استمع الى ما قالته صديقة شقيقتي عن " الغريب " وعدم رؤية الجميع لظله لا أدري لماذا شعرت برابط خفي جدا بينها وبين ميلاد هذا "الغريب" أو قل ظهوره في حيز الوجود بعد إن كان ثمة حضورا طيفيا في مخيلتي وأنا أكتب في روايتي ..وتساءلت مع نفسي: هل يكون الغريب إذن محض ظل ؟ وان كان كذلك فظل لماذا أو لمن؟ تذكرت سلطان العاشقين النابلسي وهو في موجة عشق للمطلق يهذي نافيا الوجود عن كل ماعداه:
    أنت تكن بالله قائم لمن تكن بل أنت هو.....أنت ظل الغيب من أسمائه والشمس هو
    وهذا النص الذي كتبته قبل أكثر من عشرين عاما: هل كان استشرافا لمجيء " الغريب" أم كان استدعاء لحضوره ولكن مهلا هل هناك ثمة فرق حقيقي بين الاثنين ؟ أعني بين الحضور والغياب ؟ أتذكر الآن ذلك الرجل الذي كان يجلس على قمة الصخرة بينما كنت أنا وصديقي الصغير في نزهتنا البديعة تلك ، حين زرته في منزله بعد أكثر من أربعين عاما من رؤيتي له وأنا في الثالثة من العمر ، كان يحادث عددا من الناس يتحلقون حوله كل مساء وبخاصة يوم الاثنين ، كان وقتها يتحدث عن ما سماه بوهم الزمن وانقطاعه أو اتصاله حضورا وغيابا للأشخاص والأشياء ...كان يتحدث وعيناه تحدقان للأعلى في سكون مهيب كمن يطالع أطيافا لامنظورة يسترق السمع لهمسها ثم يعود إلينا بصدى ذلك الهمس بكلام أشبه بالسحر في غرابته الأليفة أو الفته الغريبة ، حديث لم تسمع به من قبل ولكن يساورك اعتقاد خفي وكلي السيطرة انك تعرفه جيدا حتى انك تستطيع أن تتوقع ما سيقوله في اللحظة التالية ، أخبرنا مثلا إن أسلافنا المرويين العظام الذين بنوا حضارات مروي وكرمة وغيرها ..ما زالوا يمشون بيننا في الأسواق وإننا لا نراهم ليس لأنهم غير موجودين ولكن لأننا نعتقد فحسب إنهم كذلك ، نعم قد يتغيرون في صورهم وأشكالهم ، وحتى قد تصير الأنثى رجلا ، والرجل أنثى ، ولكنهم في الجوهر لا يتبدلون عما كانوا عليه في الأصل ، نظرت حينها الى فتاة تجلس بجواري ، وللحق ، فان اختلاسها للنظر لي هو ما جعلني أنظر إليها كأن هذا الخيط اللامرئي لنظرتها يخترق شغاف روحي ويدفعني بغرابة لذلك ، وعلى الرغم من أنها كانت ترتدي أزياء عصرية تماما ، وتضع عطرا فخيما ، إلا إنني لا أدري لماذا تسربت الى أنفي تلك الرائحة الأليفة لمدافن المرويين ، ولم بدت لي الفتاة تتخلى في عيناي عن زيها العصري وترتدي ببطء ساحر ، أشبه بتملص الثعابين من جلودها العتيقة زيا عتيقا " لأماني تيري" تلك الملكة العظيمة ، قلت في نفسي:
    لعلني أهذي ..لعل فتنة حديث هذا الرجل أستغرقتني بالكامل ولكن ..وكأنما الفتاة قد قرأت خواطري فهاهي تدس في يدي ورقة ما وتنصرف بسرعة خارجا ..نهضت بدوري بعد قليل خوفا من أن يظن الموجودين إنني أتتبعها أو إننا اتفقنا على مغامرة ما ، حين صرت في الخارج تلفت يمنة ويسرة ولكنها تبخرت تماما كخاطرة شعرية تأتيك غسقا أو تباكرك قبل صياح الديك وحين تشرع في البحث عن أوراقك وقلمك كي تكتبها تتبعثر صوب اللامكان الذي تهاجر نحوه الكثير من أفكارنا ومشاعرنا بل وأحباءنا ..ولكن لا بأس فقد أعطتني ورقة ..ربما كتبت فيها عنوانا ما أو رقم هاتفها أو ما يعينني على لقائها مرة ثانية..ولا أكتمكم القول فان انشغالي بذلك جعلني أحدق في الرجل وهو يتحدث بنصف انتباه وبلا وعي كامل لما يقول ....لم أستطع مقاومة إغراء النظر الى الورقة التي كتبت فيها ثلاث كلمات فقط:
    سنلتقي يوما ما..
    كانت ساعة الحائط في غرفتي في ذاك المستشفى تعلن بإصرار إنها الثامنة والنصف ليلا مما يعني بأنه قد انقضى على دخولي وحتى خروجي مصحوبا بشقيقتي وصديقتها ، صورة الغريب في يدي ، وحزني العريق ، أكثر من نصف الساعة بقليل بالقياس المعتاد للزمن الذي يعرفه الجميع ولكنها كانت محتشدة بالكثير من الأحداث وكأنها سنوات طوال ، في قريتنا البعيدة التي تنام وادعة على هدهدة موج النيل وهو يمشط ضفائرها ، كان ذلك الفتى الدرويش كما يصفه الجميع ، كثيرا ما يلقي عليك السؤال:
    لماذا تتسع بعض الثواني عن غيرها ؟ وتضيق بعضها عن احتواء ابتسامة أو مسح دمعة من خد يتيم بائس ؟
    كان الجميع لا يعيرونه اهتماما ..ولكني في لحظتي تلك باغتتني معرفة كلية بما كان يعنيه تحديدا ، تلك البصيرة المدهشة للفتى في أن قطرات الثواني المنسكبة من صنبور الأبدية الدفاق ليست بذات السعة ، وان المحجوبين فقط هم من يستكينون الى اعتقاد إن لآنات الزمان ذات القياس ، فالثواني هي ذات الثواني وكذلك الدقائق والساعات من حيث الطول ، ويدعك مندهشا بينما يركض نحو البعيد مطاردا ما تزيحه ضحكاته المجلجلة في الفراغ العريض من سكون .
    فجأة أشارت صديقة شقيقتي الى رجل يتسكع على بعد خطوات قليلة جدا منا ، ومع كونه يسير أمامنا ولا نرى غير ظهره العريض إلا إنها كانت تؤكد بأنه هو " الغريب " قلت مماحكا:
    ومن أدراك بأنه هو ؟ إننا لا نراه حتى ، وهيئته لا تختلف عن هيئة أي شخص آخر ، ومع انه تقريبا يرتدي ذات الملابس في الصورة التي أحملها ولكن ذلك لا يعني مطلقا انه هو ، أريد أن تخبريني بدقة لماذا تصرين على ذلك ؟

    قالت :
    كل ما قلته صحيح تماما ، ولكن ألا تشعر أنت بأنه هو ، فهو لا تحتاج الى كل هذه الدلالات كي تتعرف عليه من ملايين الأشخاص ، انك تحس به بطريقة ما ..ذات مرة كنت أسير في طريق خال من المارة والسيارات ..كان ذلك قبل الشروق بقليل ..كنت مسهدة تلك الليلة ..لذا قررت أن أتسكع في الطريق علني أروح عن نفسي قليلا بنسيم ذلك الفجر الذي يتنفس نعاس النجيمات البعيدة وهي تنهي لغطها الطويل في تلك الليلة في صحرائها الحميمة عن مصائرنا كما تفعل دوما ..فجأة بدأت اسمع بوضوح ..من الشارع المقابل الذي تحجبه عني مجموعة متراصة من المنازل والحوانيت وقع أقدام رجل ما ..أجزم بأنه كان رجلا وذلك من شدة قرقعة حذائه على الرصيف الخالي ...لم نكن نرى بعضنا بالطبع ...ولكني ومن أجل المرح فحسب صرت أتخيل له شكلا ما:
    هذا رجل طويل ، عريض المنكبين ..يرتدى حذاء جلديا أبيض اللون ، ويضع في فمه غليونا أسود ، ينفث عبر دخانه ما يسكن روحه من حزن وقلق عميقين ، لابد إن اسمه غريب بعض الشيء لا أدرى من على وجه الدقة ولكنه قطعا ليس من الأسماء المعتادة ، هو وحيد مثلي تماما ..مسكون بالشغف العميق لفض أسرار روحه وخفاياها ..صرت أوقع بصوت حذائي على الطريق أنغاما لأغنيات قديمة أحبها ..صار هو يكمل ألحاني باحتراف بليغ ..ثم صرت أحاوره عن حياتي ..أحدثه عني كما لم أبح لأحد من قبل ..الغمغمة الصادرة عن إيقاع صوت حذائه أفهمتني بأنه يتفهمني جيدا بل ويواسيني فيما فضت فيه من أحزان حياتي وانكساراتها الكثيرة ..أخبرته عنك وكيف انك صديقتي الوحيدة التي تعرف عني بعض الأشياء ثم في دلال أنثوي قلت له : أنت وحدك من يعرف عني أكثر مما يعرفه الآخرون ..كنا نسير ..كل في طريقه ..ولكننا صرنا نقترب أكثر من تلك الناحية التي يلتقي فيها طريقينا وعندها سوف نلتقي وجها لوجه ولكن لدهشتي الشديدة ، حين وصلت الى تلك النقطة وكنت متلهفة تماما على لقائه ..أسرع هو بصورة كبيرة ولم أستطع اللحاق به ..كان هو " الغريب " نفسه بذات الملابس التي في صورته التي تحملها في يدك الآن..أرجوك أن توضح لي أمرا واحدا: كنت بينما أسير في الطريق و حتى قبل أن أسمع وقع حذائه يساورني إحساس عميق بأني سألتقيه في ذلك الفجر ..لم أكن أعرف كيف ولماذا وأين وكل تلك الأسئلة التي تحاول اقتطاع كتلة المجهول الذي يلفنا جميعنا كي تحيلها معرفة نستأنس بها من وحشته وصقيع وحدتنا القاسية في رحمه الكبير، وها قد التقيته ولكنه لم يشأ أن يتعرف علي كما وددت عميقا في ذلك ..
    كانت شقيقة صديقتي تحكي بانفعال باد ، وكنت أصغي إليها باستغراق كلي بينما كنا نسير في الطريق المؤدية الى منزلنا ..سألتها في لهفة:
    لماذا كنت ترغبين في أن يتعرف عليك" الغريب "؟ ولماذا بحت له بما كتمته عن غيره من أسرار روحك وإشجانها؟
    حدقت في الفتاة في دهشة كبيرة ، حسبتها للوهلة الأولى من الإيقاع المتواتر لسيل أسئلتي التي تشابه مطرا ليليا في غابة استوائية ، ولكن إجابتها أوضحت لي تماما إن هذا ليس منشأ اندهاشها بقدر ما أدهشها كونها لم تتساءل من قبل عن سر هذا التعلق الغامض " بالغريب" قالت بعد صمت طويل:
    لا أخفي عليك ، إني كنت مهتمة جدا بأن نتعارف ، وأن أجعله يفهم بوضوح كاف انه هو وحسب من اخصه بأسراري ، ولكن لماذا؟ هذا ما لا أعلمه حقا ..صدقني..أعتقد انك الوحيد الذي يملك الإجابة عن هذا ، ألم تبتدعه من صلصال خيالك وتنفخ فيه من مجامر أحزانك هذا اللهب البديع للحزن الذي يسكن عينيه؟ فقبل روايتك لم يكن أحد يعلم عنه أي شيء لأنه ببساطة لم يكن موجودا أصلا ، ولم تكن كل هذه الأحداث العجيبة تدور في خلد أي منا ..الآن: أخبرني أنت:لم تعتقد إني قد أكون تعلقت به ، فأنا ..كما الجميع هنا لا نعرف عنه أي شيء ، من أين أتى ، وكيف وأين يعيش ، حتى إن شرطة المدينة نفسها ، حين ذهب إليهم أخي مدققا في البحث عن جذور" الغريب" لم يفيدوه بشيء ، بل كان الجهل المطبق هو كل ما خرج به ، فليست لديهم أي سجلات عنه مثل بطاقة الهوية أو شهادة ميلاد أو أي شيء آخر ، وحيث أنه لم يؤذ أحدا ...ولم يتقدم إلينا بطلب خدمة من أي نوع ..تقول الشرطة ..فلا معنى للتحقق حوله .
    وهل ذهب أخيك الى الشرطة ليتحرى عنه ؟ ولماذا فعل ذلك بربك؟ هل حاول إيذاء أحد منكم بل هل زاركم في منزلكم أصلا؟ لا أدري لماذا شعرت بموجة حزن عارمة تعصف بروحي ، ربما من إحساسي بوحدته العارمة التي تشاطيء روحه كسجن أبدي في محبس هويته الفارة من أي تعين وتحديد، تلك الوحدة العميقة التي هي في الأصل جوهر كينونتنا جميعا والتي نتستر من صقيعها خلف ما نعتقده في ما ننسجه من علاقات ظنا بأن لهيب هذه العواطف الجياشة تذيب ذاك الصقيع ولكن محال فما تفعله فينا كل هذه الوشائج هو تضييع وتغييب ذواتنا من إحساسها بالغربة والوحدة المقيمة ليس أكثر من ذلك ولا أقل، لا أدري حقا هل كنت أهذي بصوت مسموع بهذه الأفكار أم إن شقيقتي قد قرأت أفكاري بصورة ما حين قالت:
    هذا " الغريب" إذن رجل وحيد تماما ومقدر له فيما يبدو أن يظل هكذا، وحتى تلك الحيل التي نحاول الفرار عبرها من شعورنا بالوحدة مثل الصداقة، الحب، الأسرة وغيرها لا يملك لها سبيلا.
    قلت:
    ولم لا يفعل مثل الآخرين ، أنا لم أحدد له خياراته بإمكانه أن يفعل ما يشاء ، فكلما كتبته عنه كان بوحي منه ، ليس بأدنى درجة من التخطيط من جانبي ، ويكفيك انه استطاع الفرار من وجوده الخيالي في روايتي الى براح هذا العالم الفسيح ، وصار يحاصرنا جميعا بهذا الوجود الشبحي هنا وهناك.. وهذا الأمر أدهشني أكثر مما أدهش أي واحد منكم.. ليس هذا فحسب بل أنني أذكر تماما إني في الفصل الثالث من الرواية شعرت بأني علي تزويجه من إحدى الفتيات اللائي كثيرا ما يهذي بعذوبتهن في صحوه و منامه، وكما هي حيلة معظم الروائيين بدأت أنسج للفتاة من شباك نعاسه فخاخا فهو لا يراها إلا وهي تتمشى في بهو أحلامه حافية القدمين وعارية إلا من تلك النشوة الباخوسية ، صرت أنسج من تلك الشباك متاهات سحرية حتى استطيع أن أرى الفتاة قبل أن تقع عليها عيناه كي ندبر سويا حيلا سحرية لإغوائه بالزواج ، ذاتمرة قالت لي الفتاة : أسمع لقد كتب لي ذاتعشق:
    أحلم بأن نكون ..ولو لمرة واحدة فقط معا..في جزيرة نائية، أو شاطئ مهجور...أتعلمين لماذا؟
    قلت لا ..
    قال: كي استطيع أن أتنفسك كما أهوى فحينما يكون هناك آخرون أخشى أن يروك متصاعدة من زفيري ..فأنا ممتلئ بك ..
    قلت للفتاة: وما الحيلة التي تفكرين فيها الآن؟ أخبرتني بكل تفاصيلها وللحق فقد كانت محكمة النسج ..وحين حاولت إقناعه بها كي أفتتح لحياته مسارا آخر وأبدى من جانبه استعدادا مفاجئا صرت أرتب للحفل الذي شئته أن يكون غير مألوفا على الإطلاق : فالمغنين كانوا تلك النوارس الصغيرة التي كان كثيرا ما أراه يطعمها حين تحط على كتفيه كنفا رءوما ، أشجار الحديقة كانت تتفتح براعمها فتيات تتجلى في أجسادهن براعة فدياس وطلاقة ديونزيوس .. , توقفت عند هذا الحد على أن أعاود وصف هذا الحفل مساء اليوم التالي ، ولدهشتي الشديدة فقد اكتشفت إن كل ما كتبته قد اختفى وحلت محله هذه العبارة الغريبة التي أحلف يمينا إنني لم أكتبها على الإطلاق: إن كنت ترغب في الزواج فأفعل ولا تزجني في اختياراتك فأنثاي ليست خارج ذاتي كي أمتلكها بمثل تلك الوريقات الشائهة التي تظنون إنها وثيقة لاحتكار الروح بسلطان الجسد وريقاتكم البائسة هذي ليست صكا للفوز بالحب ، إنها مطلق تقنين لخوفكم من الحرية : تعتقلون بها –توهما- من تزعمونها شريكة لحياتكم وتنسجون من سلطة نصوصها خيوط عنكبوت دقيقة تقتنص كل شوارد أحلامها بالحب الحقيقي الذي تتوق اليه الروح والذي لا تكبل طلاقته محابس نصوصكم ، تشرعنون بالورق نداءات الطبيعة الصاهلة في أرواحكم ، لماذا؟ قل لي بربك إن لم يكن خوفا من ذواتكم الحقة ؟ تستحلون بالورق مالم تستحله الروح في صمتها الكسير وهي تتوارى رعبا من نصوصكم المزمجرة لهبا لمن عصى سطوتها التي ابتكرتموها ضابطا لإيقاع قطيعكم في سعيه الراكض صوب طمأنينة زائفة ، ...ثم ..هذه المفردة الغريبة : خسئتم !!
    شيئا فشيئا..كمثل تصاعد بخار الشاي ..بدأت أحس بغرابة مذعورة بالشبه الكبير بين صديقة شقيقتي وبين فتاة" الغريب " التي تشاطره النوم طيفا سحريا يتمشى في سهوب روحه حلما .. ولأمر ما تذكرت مشاجرتي تلك الليلة مع زوجتي حين دفعت باب الغرفة غاضبة:
    أريد أن تخبرني وبدون مواربة أو أي محاولة لتلطيف الأمر: من هي هذه الفتاة التي " تنبض خلاياك بحبها اليتدفق دما في شرايينك بدلا عن هذا السائل الذي يسمونه عصب الحياة ..من هي " التي توثقان بشراكتكما الحياة حلفا يمتد من آهة الفكر الى برهة الوجد مشكلا حصانة ضد تعاسة الوجود"
    قلت مذهولا : ومن أين أتيت بهذا الكلام ؟ وما صلتي به؟ وكيف تحاسبينني على ما لم أزعمه أصلا؟
    قالت في اقتضاب .تعال وأنظر ..وأمسكت بيدي تسحبني بحنق الى حيث دفاتري التي أكتب فيها هذه الرواية ..ووجدت ما قالته مكتوبا بشكل حرفي ولكن بخط مختلف ولون حبر مختلف..ويبين من تحته جمل أخرى تم شطبها بدقة شديدة ولكني من مواضعها تذكرت ما كان مكتوبا في الأصل وكان يخصه هو ولست أنا ...كان يحكي عن هواجسه وهلوساته بتلك الفتاة ، وكيف إن كل تلك الهواجس لا تجد أي صدى لديها ..فهو يهذي بعوالم شعرية بعيدة بينما تحلم هي بحياة مستقرة وبيت هادئ ..كيف يبحث هو عن الأنثى كصهيل أبدي ..كلهب حارق للثة فقه المجموع ونظرته للمرأة كمجرد حافظة للنوع، كآلة تفريخ للحياة..بينما تسكن هي في قلب هذا المجتمع وترى تهويماته نوعا من خرافات الشعراء التي " لا تطعم خبزا " كما قال له خالها ذات يوم وقد اختلى به شاكيا –على لسانها كما يبدو من التطابق بين قوله وبين ما تردده فتاته دوما وهي ترى انغماسه الكلي في تهويماته وعدم جديته في البحث عن عمل ما يجعله مؤهلا " لإنشاء بيت الزوجية كما سائر الرجال " أنك يا ولدي ، واصل خال الفتاة قوله: لن تطعمها بيت شعر ، وإذا مرضت فلن تسكن أوجاعها كل أشعار " غوتة" وإذا أصبح لديكم أطفال فلا أثق بأن " حليب كلمات رامبو " سيكون لهم ما يحتاجونه من غذاء، كما إن صقيع ليالي الشتاء الطويلة لا تجدي معه حرارة " العشق عند ريلكه" دع عنك كل تلك الأوهام ، وابحث لنفسك عن عمل يجعلك رجلا مسئولا بدلا عن هذا العبث الذي لا طائل تحته ..أو.. دع الفتاة وشأنها ...دعها تبحث عن " رجل حقيقي من لحم ودم " رجل يجلب لها الخبز والدواء ويعينها على البقاء الفعلي...وليس في الهناك ..الفراغ البعيد الذي تحدق اليه أنت ... حاولت تهدئة زوجتي الثائرة وأقسمت لها بأن لا صلة لي بهذا الأمر على الإطلاق قلت:
    أنظري جيدا..ألا ترين إن النص الأصلي الذي كتبته قد تم استبداله بهذا النص ؟ دققي النظر ...نظرت الي في دهشة شديدة ..وقالت: هل تحاول إقناعي بأن عفريتا ما قد تلاعب بما تكتب، أم كيف حدث هذا ؟ نظرت الي صديقة شقيقتي بذهول: لم تحدق الي هكذا في صمت ؟ مابك؟ ما الذي يجري هنا ؟ شعرت بقلق شديد في تلك اللحظة ، يبدو إن الأمر أخذ مسارا أكثر جدية، هل ينبغي علي زيارة ذلك الصديق القديم فهو معروف بقدرته على حل مثل هذه الطلاسم ، كنت منغمسا في التفكير بشكل تفصيلي دقيق عن كيف أزوره وماذا أقول له تحديدا حول هذا الأمر ، حين سمعت زوجتي تغمغم في نبرة متصالحة وقد أحست بأن انزوائي وصمتي البليغين قد شفعا لي عندها وأفهماها إني لست أقل اندهاشا وتحيرا منها ..
    ولم لا تذهب اليه، أعني لذلك الرجل ..من هو؟ ذلك الذي يتحدث عن تواصل الأرواح والجن وتلك الأمور التي يبدو لي إن اهتمامك الشديد بها صار يتدخل في أدق تفاصيل حياتك، لم لا تحكي له كل ما يحدث وترى إن كان لديه ترياقا ما لكل هذه الحيرة والغرابة ؟ سأذهب أنا أيضا معك فقد حدثت لي أشياء لم أخبرك عنها لخوفي من أزعجك أكثر مما أنت فيه..قلت :
    ماذا تكتمين عني؟ هيا أخبريني الآن ما الذي حدث لك ؟
    كانت العربة التي أخذتنا الى منزل صديقي تئن في الطريق الترابي ، وكانت الأشجار على جانبي الطريق تتهامس بصوت خفيض شجي وكأنها تنعي حالها في ذلك الخريف البائس الذي لم يشهد ليله أو نهاره مطرا أو حتى وعدا مكذوبا بالمطر ، تذكرت طفولتي البعيدة وكيف كنا نمرح ونسبح في مياه أمطار قريتنا الغزيرة ، ثم نمضي نتسلق الشجرة الكبيرة التي يزعم أجدادنا بأنهم سمعوا عن حكايتها وميلادها الغريب في قلب الصحراء من أجدادهم الذي بدورهم وجدوا بعض المخطوطات القديمة التي كتبت " بالعمار –ذلك المسحوق الأسود الذي يتبقى بعد انطفاء الفحم ويسحق جيدا حتى يصير ناعم الملمس ثم يمزج بالماء والصمغ كي يصير حبرا لا يزول: ليس فقط من على سطح الخشب –إذ لم يكن لهم ورق في ذلك الزمان البعيد ، بل لا يزول حتى عن الذاكرة بتداع حر و لاواع غريب بين الخط ..الحبر وتلك النصوص المقدسة التي كانت تكتب به ، حسنا كنا نذهب الى تلك الشجرة التي كانت مخيلتنا الصغيرة تعتبرها نهاية العالم ( كان عالمي –على نحو أخص كله متمحورا حولها ..فقد كنت حين أسمع من إخوتي الكبار عن أسماء بلاد أخرى غير قريتي قاموا بزيارتها أضحك في سري لشعوري بمدى غرابة هؤلاء الكبار: هل يظنون ان الصغار لا يعرفون ألاعيبهم ومكرهم ؟ إنهم لا يذهبون الى أي مكان سوى تلك الشجرة ..يختبئون داخل أغصانها الكثيفة ويمارسون حياتهم العادية كل ذلك الوقت الذي يغيبون فيه ، وحين ينتوون العودة الى القرية ينزلون من مخابئهم بكل حذر وتلصص ويأتون حاملين لنا نحن الصغار صنوفا من الهدايا واللعب والملابس الجديدة ، إغراء ورشوة لعقلنا بتصديق مزاعمهم السخيفة بأن هنالك دولا أخرى وتخوما واسعة لهذا العالم تتجاوز شجرتنا تلك ، وان الوجود أكثر انفساحا من ما يمكن لمخيلتنا أن تتسكع في أقاليمه القصية في تجوالها الطليق ، ذات مرة زعمت شقيقتي بأنه تم اختيارها للسفر الى باريس وذلك تحفيزا لها لتفوقها في اللغة الفرنسية ، كانت فرحة جدا في تلك الأيام ، تأخذني معها للسوق كي تشتري بعض الملابس الشتوية الثقيلة ..فباريس –كما يزعمون مدينة باردة جدا حتى ان الصقيع ينهمر من سمائها الضبابية القاتمة ، وتكتسي كل المدينة بالبياض ، حين أكملت استعدادها ذهب أخي الأكبر وأحضر عربة نقل ، كانت أمي و وأخوتي جميعا يبكون بحرقة وهم يرافقون أختي حتى باب المنزل ( بينما كنت أضحك في سري من جهلهم وأتساءل : لماذا كل هذا الحزن ؟ إنها ستذهب بكل بساطة الى " شجرة عبود " كما كنا نحن الصغار نسميها أو نسمع الكبار يطلقون عليها ونستملح هذه التسمية الرشيقة التي عرفنا فيما بعد ان عبودا هذا كان أحد رؤساء البلاد وانه زار قريتنا وهذه الشجرة العجيبة ، البعض زعم انه نام هنيهتما تحت ظلها الباذخ ، حسنا ذهبت أختي الى الشجرة بعد ذلك ومكثت بين أغصانها متخفية عن أعين الجميع ، وهذه هي إحدى أسرار هذه الشجرة المباركة : من يتسلقها وينام بين أغصانها لا يرى على الإطلاق لما في أغصانها من قوة سحرية هائلة على الإخفاء ، ضاجة ومليئة ليلا بكل صنوف الحياة ، تهب سكانها العديدين من بشر وعفاريت كل ما يحتاجون اليه من طعام وشراب متعدد ألوانه ، وحين نأتيها نحن الصغار تبالغ قليلا في التثني حتى نستمتع بتلك الهدهدة العذبة لأجسادنا الصغيرة وهي تتسلق أغصانها بحثا عن من زعموا الرحيل صوب مدائن وقرى وبلاد أخرى ، وحين يرهقنا التسلق ونستلقي في ظلها الوارف نشعر بحنانها الأمومي الغامر لأنها تشحذ كل ما فيها من طاقة سحرية كي تمنحنا هذا النسيم المنعش ذو الرائحة التي لم أتشممها قبلا إلا حينما يأتيني ذلك الملاك الصغير ليأخذني الى موطنه البعيد في جوف السماء ونتزه بين أشجاره الجميلة التي تشابه الى حد بعيد شجرتنا هذه، كانت أمنا الشجرة تنتمي الى موطن ملاكي الصغير هذا إذن وإلا فلم نراها دوما حينما ينزل المطر ترتعش أطرافها فرحا وتتصنت في سكون مهيب وإطراق عميق مثل ناسك بوذي الى زمجرة الرعد وصهيل خيول البرق وهي تركض في سهوب الفضاء بينما كنا نحن نرتعش خوفا من تلك الضوضاء العظيمة للمطر ، كانت تفرح –كما قال أحد أصدقائنا وفي عينيه تلك الثقة التي جعلتنا جميعا نصدق حرفيا كل ما قاله :
    الشجرة فرحة لأن المطر يحدثها عن قريتها البعيدة في السماء ، والمطر هو دموع أمها وأبيها حزنا على فراقها ، أما الرعد فلا يأتي كما تفهمون من السماء بل من باطن الأرض تحذيرا لها من أن تحاول الهرب على صهوات البرق الى موطنها مرة أخرى ، شعرت بأن كل ما يقوله هو عين الصواب ، فقد تذكرت إنني يوما رأيتها تطير في الفضاء وهي تحمل في أغصانها تلك الكرة المطاطية الملونة التي علقت بها ، كانت كرة أحد أصدقائي وكنا نلعب بها سويا في تلك الظهيرة ..كنا لوحدنا وقد هربنا من المدرسة ، وللغرابة حينما أتى صديقي الصغير في حلمي لتلك الليلة وأخذني معه الى بيته السماوي البعيد ، كان يحدثني عن مفاجأة ما يعدها لي ، سألته بإلحاح:
    هيا أخبرني ، ما المفاجأة ..ظل صامتا بما يشبه حكمة ذي القرنين وهو يكافئ شغف موسى بالصمت البليغ ، أمعنا السير في سهوب السموات ، حتى وقف صديقي وهو يشير الى شجرة ما ..ذهبت إليها وقلبي يكاد يقفز تحت أقدامي ..فقد كانت هي عينها: شجرة عبود ومازالت الكرة تتدلى بين أغصانها ..يا للعجب!! تمتمت مذهولا ..كيف حدث كل هذا ، نظر لي صغير الملائكة في بهجة غامرة من شعوره بالتأثير الكبير لمفاجأته ، وتسلق بحيوية ..لا بل طار رشيقا كخاطرة عشق الى أعلى الشجرة ، وأحضر الكرة لي ..وقال خذها وأعطها لصديقك فهو يحبها جدا ، أخذت الكرة وقلبي مليء بالفرح ، وحين صحوت من نومي فجر اليوم التالي ..دهشت حين رأيت الكرة تحت سريري مباشرة، أخبرت أمي بكل هذه الأحداث ، فنظرت الي بمحبة وحنو وقالت :
    يا ولدي لا تخبر رفاقك عن ما حدث على الإطلاق..قل لهم انك ذهبت الى الشجرة وتسلقتها وأحضرت الكرة ..بل لا تخبر أي أحد، حتى لا يحدث لك أي مكروه .. انتبهت من استغراقي العميق على صوت زوجتي وهي تصيح بي : أين تريد الذهاب ؟ هيا أنزل من العربة فقد وصلنا ..
    قلت مندهشا: وصلنا .الى أين؟
    لم تجبني زوجتي بل أخذت بيدي وسارت في صمت صوب ما عرفت فيما بعد انه منزل صديقي المسكون بالمعارف القديمة وعلوم الروح ، طرقت الباب حين رأت مني نكوصا واضحا عن فعل ذلك –كماهي العادة فالرجل يفعل كل شيء والمرأة كائن منفعل وغائب حتى في اشد حالات ظهوره كما تعلمون ، لا يهم ، ازداد طرقها على الباب في طراد مثير مع تمدد وقيلولة القلق بقلبها الواجف من هذه الأحداث العجيبة التي تحدث لنا في هذه الأيام ، هذه الحيرة وذاك القلق اللذان صارت ضفائرهما الطويلة الشفافة واللامرئية تنجدلان في كل تفاصيل حياتنا ، كنت متخوفا من وجودها في تلك اللحظة بمنزل صديقي أعني تلك الفتاة الغريبة ذات العاج في قرطيها التي التقيتها في تلك الأمسية فتستشف زوجتي ما أشعر به من مشاعر غريبة تجاهها والتي لا استطيع لها تفسيرا ولكن النساء هن أكثر الكائنات توجسا ، وقدرة على تصديق ما ينسجنه من أساطير وتأويلات خاصة ، لا أزعم –بالطبع- ان الرجال حملان وديعة ، ولكنهم ليسوا جميعا ذئابا مفترسة .
    بعد زمن خلته دهرا ، سمعت صرير الباب الخشبي القديم وهو يفتح كاشفا عن صبي دون العاشرة بقليل وما زال فمه مليء بالطعام وفي يده الصغيرة قطعة من اللحم وشريحة صغيرة من الخبز ..نظر الصغير إلينا وقال بصوت غير مفهوم بشكل واضح: هل تبحثون عن عمي، انه بالداخل يتناول إفطاره، ثم أردف في لهجة طفولية محببة ، وهو يسعى كما كل الصغار الى انتزاع إعجابنا :
    عمي معه ضيف غريب جدا ، رجل كبير ولكنه يبكي كالأطفال ، لا أدر ماذا حدث له ، ثم وجه الي سؤالا:
    يا عمي : هل يبكي الكبار عادة؟ أمي قالت لي ان الرجال لا يبكون ولكنه يبكي ..هل يمكن ان لا يكون رجلا ؟
    ربت على كتف الصغير في حنان أبوي غامر فقد تذكرت أبي الذي لم أراه مطلقا في حياتي إذ توفي وأنا ما زلت في الخامسة من العمر ، ولكن أختي الكبرى تخبرني دوما عنه ، ومن طرائف ما حكته لي ذات يوم:
    أخذتك معي يوما ما الى الحقل حيث كان والدنا يقوم بإعمال الزراعة التقليدية ، وأنا أحمل له الإفطار، كانت بنت عمك الصغيرة معنا أيضا ، تلك الفتاة التي كنت تحبها جدا وكنتما تبعثان الضحك فينا نحن الكبار وأنتما تتعاهدان على الزواج حينما تكبران ..هل تتذكرها:
    قلت لأختي ..نعم أتذكرها جيدا ، هيا أكملي .وماذا حدث بعدها:
    قالت :
    أخذكما أبي بين أحضانه، ، ونظر الى أخيه والد الفتاة وقال ضاحكا :
    يا ولدي، ما رأيك ان نزوجكما الآن ؟
    قلت أنت بلهجتك الطريفة وقتها فقد كنت تخلط بين الراء واللام:
    أنا لا بعلسها لا بخلي زول تاني أعلسا ( انا لا بعرسها لا بخلي زول تاني يعرسا ) ضحك أباك وعمك حتى كادا يسقطان على الأرض ، قلت للصغير:
    نعم الرجال أحيانا يبكون، بل إنهم كثيرا ما يفعلون ذلك، هيا أخبر عمك إننا نود أن نراه..ذهب الصغير وغاب زمنا طويلا داخل المنزل ، ثم أقبل ضاحكا:
    عمي يقول انه كان ينتظركما منذ زمن طويل ، وان هذا الرجل الغريب والفتاة التي أقبلت معه أيضا ينتظراكما ، شعرت فجأة بنبض قلبي يطرق بعنف وإلحاح كما ضيف آخر الليل في طقس شتوي قاس، بدأت أفكر بعمق في أفضل السبل التي يمكنني إقناع زوجتي بالعدول عن الدخول الى المنزل في تلك اللحظة ..
    يبدو ان الرجل مشغول بضيوفه ، ثم إننا لم نخبره حتى بأننا قادمين لزيارته، وأنت تعرفين جيدا انه لا يحب مثل هذه الزيارات المفاجئة ، يمكننا ترتيب موعد آخر ..قاطعتني زوجتي وهي تنظر الي بغرابة كأنها تراني للمرة الأولى : لماذا أنت مضطرب هكذا ؟ لماذا لا ترغب في الدخول ؟ ما الذي تخشاه ؟ فهذا الصغير قد أخبرنا بأننا مرحب بنا بل ان زيارتنا متوقعة ..فالرجل كما تعلم يعرف كل شيء قبل حدوثه أليس ذلك ما يعرفه عنه كل الناس؟ ثم ألم ترو لي أنت مئات الحكايا عن ذلك ؟ وما ا الضير ، ففي كل الأحوال إذا لم يكن مستعدا لزيارتنا فما نحن بغريبين عنه ، يمكنه أن يخبرنا بذلك بكل وضوح كما فعل في مرات عديدة ، كانت الكلمات تتناسل من فم زوجتي كتناسل الجن ، وكنت على الرغم من استغراقي العميق في فوضى قلقي الخاص من الدخول اسمع صوتها يأتيني من أعماق سحيقة ، حقا لماذا أنا منزعج الى هذه الدرجة ؟ قلت في نفسي محاولا استجماع قدر من الطمأنينة والتوازن .. ما الذي يمكن أن يحدث ؟ لا شيء ، سوف تحكي له زوجتي ما تريد ونستمع الى ما يقوله ونمضي الى حال سبيلنا ، هكذا بكل بساطة، فليس لنا أي شأن بضيوفه على كل حال، ليكونا من يكونا ،أو ما يكونا حتى ، لا أدري لماذا عند هذه النقطة بالذات شعرت بجسدي يتصلب وكأنه لوح ثلج ولا تستطيع قدماي حملي ، وشعرت بحلقي يجف بصورة غريبة حتى خشيت أن أبتلع لساني ، وعلى الرغم من أن الطقس كان باردا بعض الشيء إلا ان قطرات متتالية من العرق بدأت تتساقط من أعلى رأسي على جسدي جميعه كحبات المسبحة ، حسبت ان كل ذلك الاضطراب سيشفع لي عندها ولكن فيما يبدو انه قد شجعها للمضي قدما فقد كانت فيما يبدو تريد وضع حد لكل هذه الأشياء .
    قلت لها:
    حسنا ، دعينا ندخل شريطة أن لا نمكث عنده طويلا فاني أتوقع زيارة بعض الأصدقاء علاوة على ذلك ، فقد لا يكون الوضع مهيأ للإسهاب في الحديث معه ، يمكنك ، مثلا ، أن تخبريه ، بصورة عامة عن ما تشعرين به من قلق وأن تسأليه أن يتأمل في ذلك فهو كما تقولين سيعرف التفاصيل لوحده ، ثم ليس من الحكمة أن نذيع أسرارنا أمام الآخرين ، فنحن فمن لا نعرف من معه من الناس ولا شأن لنا بهم ، أليس كذلك ؟ كنت أتعمد التشديد على هذه الجملة الأخيرة ، محاولا أن أنتزع منها تأكيدا على إننا لا شأن لنا حقا بهم ، عل ذلك التأكيد يطمئن خواطري الجائشة بالقلق .
    وافقت زوجتي أخيرا ، وكأنها بإيماءات رأسها الموافقة تريد إنهاء الجدال حول الدخول الى المنزل فحسب ، ولا تعبر عن قناعتها بوجاهة حجتي ، وهكذا النساء ، كما كان يخبرني جدي العارف ، يعرفن جيدا كيف يصلن الى أهدافهن بصورة أذكى مما نعتقد ، وحتى لو تصنعن الموافقة على ما نقترحه من أمور تتعارض مع ما عبرن عنه من رغائب فإنهن يفعلن ذلك لإشعارنا بالرضا مما يقلل من حماستنا للدفاع عن أفكارنا أو تصميمنا الذكوري على فعل ما نعتقده صوابا رغما عن رضائهن بذلك أو عدمه ، ثم يستدرجننا من حيث لا نحتسب بالنزول الى تحقيق رغائبهن عوضا عن ما نود حقا فعله .
    حسنا حين دخلنا الى المنزل ، وجدناه على غير عادته يرتدى جلبابا شعبيا أنيقا ، وهذا ما أثار حيرتي بصورة لا معقولة فهو –أي الغريب – لم يرتد في كل أجزاء الرواية غير بنطاله وقميصه الوحيدين اللذين يلتصقان بهويته الفارة من أي تحديد أو تعيين كانا هما، فحسب، أكثر محدداتها رسوخا ، فمن أين بربكم أتى بهذه الملابس التي يرتديها الآن ، لم أستطع تحمل كل ذلك ، فخرجت من المنزل بحجة إني سأجرى اتصالا هاتفيا ما ، تبعتني زوجتي وبثور الاندهاش تراكض فقاقيعها على أدق خلايا وجهها بنشاط وحيوية بالغة ، قالت بعد هنيهصمتما :
    أتذكر انك كثيرا ما سألتني عن ما أكابده من قلق شديد هذه الأيام، ولم أخبرك خشية عليك ؟ الحكاية يا سيدي في غاية البساطة: ذهبت شقيقتك ذاتمساء الى السوق لحياكة بعض الملابس في الدكان الوحيد بالقرية ، ذلك المحل العتيق الذي بجوار المخبز ، تعرفه بالطبع ..أليس كذلك ؟ على كل بعد أن فرغت من عنت توصيف ما تطلب حياكته للحائك العجوز ، طلب منها أن تبلغك تحياته ، وتخبرك ان أحدا ما.. لا يبدو عليه انه من سكان القرية الذين يعرفهم فردا فردا، صغيرهم وكبيرهم ، ويعرف حتى دوابهم التي يمتطونها يوم السوق ، وتلك الكلاب المزعجة التي ترافق الصغار منهم، هذا الشخص الغريب جاء الى الدكان ونظر الى رفوف الأقمشة وأنتقى بعناية شديدة قطعة منها ثم جلس بجواري في كل هدوء وثقة ، وطلب مني أخذ مقاسات ثوب له ، كنت أعتقد إني بعد أن أفرغ من كل ذلك سأطالبه ، كما العادة ،ببعض المال، عربونا للحياكة والقماش ، لكني فوجئت به يخبرني بأنك ستدفع كل المبلغ حالما فرغت أنا من تسليمه للثوب ، وكما تعرف ، فنحن في هذه القرية لا نطالب أحد ما، كما سرنا عليه منذ أجدادنا، بتقديم أي ضمانات وما الى ذلك مما نسمع عن أهل المدن ، فالرجل كلمة ،كما نردد دوما ..المهم ..جاء الرجل واستلم الثوب وارتداه عندي بالمحل وعبر بإيماءات رأسه عن إعجابه بالحياكة ودقتها وكل تلك الأمور ثم مضى الى حال سبيله، أخبرتني شقيقتك أيضا بأن الحائك يسأل عنك وعن إذا ما كنت مريضا أو غائبا خارج القرية لأمر ما ، ويبدو انه يقصد بذلك أن ترد له ما عليك من دين ، لكنه لم يشأ قول ذلك صراحة لفتاة صغيرة مثلها ، لا أكتمك يا عزيزي فقد اطلعت على كل هذا من زمن، ولكني كما قلت، لم أشأ إزعاجك علاوة على ما أنت فيه هذه الأيام من اضطراب، فأرسلت المبلغ مع أحد الصبية ، وأخبرت العجوز بأنك متوعك بعض الشيء ، وحتى لا يبادر بزيارتك كما هي العادة ، فقد طمأنته بأن لا باس عليك وانك فقط تنشد قسطا من الراحة والسكينة ، صمتت زوجتي وكانت تحدق في عيني مباشرة وكأنها تحاول فك طلاسم ما يرتسم فيهما من تعابير امتزجت فيها الحيرة بالغضب الكظيم، مع الشعور بالتقدير لنواياها الطيبة بالطبع في عدم مضاعفة قلقي بهذه الأنباء المزعجة جدا ، على كل كانت هنالك مسحة من الدهشة الصاعقة في عينيها وهما تطالعاني ..ذات الدهشة التي تسكن عميقا في محاجر كل من التقى بالغريب وهو يروي حكايته معه ، وبالنسبة الى أهل القرية فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يرونه فيها مرتديا زيا آخر غير ما اعتادوه ، وأذكر أنا –على نحو خاص – بأن ذلك حدث بالتزامن مع وفاة والدته ، إذ في ذلك الجزء من الرواية وجدتني مدفوعا رغما عني، للترتيب الدقيق لهذه الوفاة فقد قمت بتهيئة كل الظروف والدواعي لها، كما قمت بإعداده نفسيا لهذه الخسارة العظيمة ، ولا أخفيكم سرا ، فقد عانيت من جراء ذلك كثيرا ، لكوني أعرف بشكل حميمي جدا ما يعني وفاة والدة المرء من مشاعر لا أود أن أذكرها هنا ، لا أتذكر الآن تفاصيل وفاة والدته بشكل جيد ، وفي الحقيقة لا أود أن أفعل ذلك حتى لا تهيج ذكرى عزيزة علي ، وربما هذا النسيان أو التجاهل المتعمد ، يعزى لرغبتي في الفرار من ضميري الذي تعذبه ذكراها وكيف كانت بالنسبة الى الغريب ملاذا وموئلا في غربته الروحية الكبرى ، لعلي أخفي تلك التفاصيل فرارا مني ، لكنها ما تلبث تتغشاني مناما وفي اليقظة في بعض الأحيان، وعلى الرغم من كونها شخصية ابتدعتها بمحض مشيئة خيالي ، إلا ان لها حضورا طاغيا في حياة ابنها الوحيد ، فمنذ خروجه العظيم من محابس لغتي الى براح الوجود ، فهو لا يفتأ يتذكرها ويهيم على وجهه حزنا في دروب القرية ، ساهما شارد البال ، وفي ذات مرة أقسم لي أحد الأطفال،ورجل طاعن في السن، وامرأة في مقتبل العمر ، إنهم رأوه واقفا على ناصية طريق مسندا رأسه على أحد أعمدة الإنارة وهو يبكي بحرقة وينشج بنشيج مكتوم، ويتمتم بهمهمات لم يعرفوا منها شيئا، غير اسم امرأة ما كان يتسرب من خلل تلك الهمهمة بصورة واضحة ، ولدهشتي الشديدة لم يكن اسم والدته هو بل كان اسم والدتي ... شككت في الأمر وحين رجعت الى المنزل في تلك الليلة ، كان أول ما فعلت هو إخراجي لتلك الأوراق المبعثرة التي أكتب فيها هذه الرواية ، فعلت ذلك بعد أن دخلت الى مخبأي السري في المنزل الذي لا يصرح بدخوله الى أحد ، وبعد ان تأكدت تماما من أن لا أحد يتلصص علي ، بدأت أقلب الأوراق بحثا عن ذلك الفصل الذي يحكي عن وفاة والدته ، كنت أقلبها بنزق واضح ، وتوتر شديد ، حتى اهتديت أخيرا الى مكانها ، لم أجد أي إشارة الى اسم والدته الذي ظننته ربما يتطابق مع اسم والدتي ، قلت ربما ذكرت اسمها عرضا في فصول أخرى، قلبت كافة الأوراق منذ بداية الرواية الى أخر ما كتبته ، لم أجد شيئا يدل على اسمها ، نعم هنالك الكثير من الأوصاف لمشيتها مثلا ، لها وهي تدندن لصغيرها الوحيد حين كان للتو طفلا يلثغ أبجدية وجوده الغريب ، لها وهي تطعم دجاجها ، وذلك المشهد الغريب وهي تروي لصغيرها كيف قدمت من بلادها البعيدة ، التي تشرق فيها الشمس مرتين في اليوم الواحد ، والتي تعتمر جبالها السحاب غطاء بهيجا ، كل ذلك موجود وبتفاصيل أكثر مما أذكره هنا ، غير ان اسمها فقط هو ما لم يكن مذكورا ، لا تلميحا ولا تصريحا ، ثم من أخبره ، أصلا عن اسم والدتي؟
    سرنا صامتين في الطريق ، الى المنزل ، وعلى الرغم من كوننا لم نقصد بشكل واع أن نذهب الي أي مكان غيره ، وجدنا الطريق يقودنا في صورة من يمشي أثناء نومه إليها ، الى الشجرة العجيبة ، رأيناها على الرغم مما يحيط بنا من ظلام دامس ، كانت الشيء الوحيد في القرية كلها ، التي تبدو تفاصيله واضحة حتى في أحلك الليالي ، ، لا أدري لماذا انبجست من ذاكرتي بصورة فوارة ، مثل ذلك المشروب الغازي الذي أحضره أحد أقاربي للقرية حين قدم من المدينة ، وكان جميع سكان قريتنا متعجبين من مذاقه الغريب وما يصنعه في عيونهم حين يتجشئون، كان مشروبا سحريا ، ظنه الجميع إحدى حيل " العفاريت " التي تسكن بعيدا في أطراف قريتنا ، على كل تذكرت ان شقيقتي قد أحضرت معها من تلك البلاد البعيدة التي زعمت إنها زارتها حين كنت طفلا ، بعضا من الصور الفوتوغرافية ، يظهر فيها رجال ونساء ، ذوي عيون خضر وشعر أشقر ، تماما مثل أولئك الغرباء الذين قدموا الى قريتنا ذات يوم ، من بلاد بعيدة كما أخبرونا نحن الصغار ، كانوا بشرا مثلنا تماما ، غير أن أعينهم كانت خضراء ومشعة بصورة مضحكة جدا ، جاءوا الى الشجرة ، وهم يحاولون فض أسرارها البديعة ، التي انتقل صداها الى جميع أنحاء الأرض ، شعرت بأن أختي ربما كانت على حق ، ربما توجد بلاد أخرى بالفعل غير قريتنا ، وإلا فمن أين أتى هؤلاء ؟ نعم تذكرت أمرا آخر ، كثيرا ما أضحك أخي الأكبر حين أخبرته به ، وهو ان هؤلاء الغرباء قد طلوا أجسادهم ، نساء ورجالا ، بلون أبيض غريب جدا ، يشبه ذلك الطلاء الذي أحضره جدي قبل عيد الأضحى بقليل ، وطلى به جميع جدران منزلنا وأبوابه وكل شيء ، لم أعرف وقتها لماذا فعلوا ذلك ، وحين استفسرت من أخي الأكبر ، انفجر ضاحكا حتى خشيت عليه ، وقال: أيها الغبي الصغير ..هذا ليس طلاء ..بل هو لون بشرتهم الطبيعي، لم أصدقه بالطبع وهل لي أن أفعل ؟ ذكرتني هذه الواقعة بمحاولات " الغريب " البائسة لاستعارة ظل يسعى بين يديه مثلما لسائر البشر ، كانت كوميديا سوداء تماما ، إذ انه حتى الصبية الصغار في القرية أدركوا وللوهلة الأولى حينما رأوه يتعثر في مشيته محاولا أن يوازن ما بين طول قامته المفرط ، وقصر قامة ذلك الشيخ المغمور ، الذي نبش قبره مستلا من بين الركام والغبار ظله ، ومن طرائف ما رواه أحد الصغار :
    رأيته مرة في وضع مضحك جدا ، فظله لا يسعى خلفه كما جرت العادة ، فهو يسرع في مشيته بينما الظل يكون خلفه بمسافة بعيدة جدا ، ثم يتوقف حتى يبلغه الظل ، يحاول جره بيديه جرا حتى يضاهيه في السرعة فيتعثر الظل ويقع على الأرض ، يحاول عبثا استنهاضه ، ينجح أخيرا ولكن الظل ، مجهدا كما يبدو ، يجلس على صخرة كي يلتقط أنفاسه بينما يحاول إقناعه بأن وضعهما يبدو غريبا بشكل مأساوي ، إذ لا يجوز أن يكون واقفا بينما يجلس ظله ، يتجادلان طويلا في ذلك ..بلا جدوى ..يتجادلان ؟ سألت الصغير، هل يتحدث ظله ؟ هل رأيت ذلك بالفعل وهل سمعت صوت الظل؟ أجابني الطفل : لا لم أسمع شيئا فقد كانا يشيران فقط بأيديهما ولكن بصورة واضحة جدا ، لا أعرف كيف أصفها ..لكن من يراه يسمع كل الحديث ويفهمه بشكل واضح بما فيه الكفاية، قاطعته إحدى السيدات التي كانت طوال الوقت تتسمع حديثنا صامتة:
    نعم ما يقوله الصغير صحيح تماما، فقد رأيت ذلك بأم عيني ، ليس هذا فحسب ، بل إنني في إحدى الليالي الماطرة من الشهر الماضي كنت قادمة من زيارة صديقة لي ، ألجاني المطر المتساقط بغزارة ، الى الاحتماء خلف جدار منزل قريب ، وعلى الرغم من قبضة الظلام الحالكة ، فان نثارا من الضوء المنعكس من البرق في شكل بقعة مشعة على الأرض أراني ظله القصير جالسا بإنصات بينما كان هو واقفا يتحدث بيديه دون توقف ..تماما كما يقول هذا الصغير ، وكان واضحا من هدوء وسكينة حركتهما انه قد يئس من لا جدوى الصراخ والعنف كسبيل لإقناع ظله المستعصم بمئات السنين من الصمت داخل قبره البعيد في صحراء القرية ، فقد ألف الصمت أكثر من ضجيج وصخب الأحياء ..
    كانت المرأة تتحدث بانفعال وتوتر شديدين ، لكني كنت أغوص بسلام وسكينة عميقين في ما يجب علي فعله ، كانت الأفكار تتصادم داخل رأسي حتى كان لتصاخبها أزيزا يشبه طنين النحل ، أخيرا بدى ان فكرة فاتنة شقت طريقها وسط هذه الفوضى التي كانت تستوطن عقلي وأنا أسمع هذه الأحاديث العجيبة ، كانت هذه الفكرة من الوضوح والقوة الى درجة إنها لم تكن بحاجة الى إقناعي بتبنيها، بل وجدتني منساقا الى التفكير العميق عن كيف أذهب الى قبور القرية لأرى بأم عيني موضع القبر الذي نبشه الغريب سارقا ظل ساكنه بدون وجه حق إلا رغبته الحادة في لملمة أطراف الحيرة الملتفة بإحكام حول كينونته البديعة ، تجاهلت كل مخاوفي المتراكمة منذ طفولتي عن القبور ، وما يحدث فيها ليلا من حيوية وفوضى حين ينهض الأموات بحماسة وتوق الى العودة الى القرية مرة أخرى مستطلعين أخبار أحبائهم ، وباثين رعبا لا يوصف في أولئك الذين كانت لهم عداوات قديمة معهم ، التي لا يكاد يخلو حديث جميع أهل القرية ، صغارا وكبارا ، نساء ورجالا ، من ذكر تفاصيلها التي تتناسل بصورة شيطانية إذ تنتقل من شخص الى آخر ، يضاف مشهد هنا وتحذف مشاهد من هناك ، فتصبح للقصة أكثر من رواية ، يتعدد مؤلفيها وتعدد طرائق الحكي ، حسب موقف السارد من الموت والحياة ..الحب والكره ، الحزن والفرح ، ولكن فكرة الضياع والشجن العميق ترسم ملمحا متكررا لكل من نهض من الموت متسكعا في الحواري الضيقة للقرية ، ماعدا قصة تلك الفتاة الشابة التي يقال إنها انتحرت لأن أبويها أجبراها على الزواج من ذلك التاجر البشع ، البدين ذو الرائحة الكريهة ، والذقن المسترسل مثل لحية التيس العجوز ، وذلك حين عجز والدها عن سداد ما عليه من دين ، كانت تجري في شوارع القرية متضاحكة بمرج وجنون ، تخطف سلة من تلك المرأة وتقذفها بعيدا في الهواء ، وتنزل هذا الصغير عن دراجته ، وتمتطيها متعرجة بسرعة شديدة ، ثم حين يصرخ الصغير تنزل منها وتعطيها إياه بكل حب وهي تداعب وجنتيه بحنان أمومي ورقة غير معهودتين له حتى من والديه ، كما تنفحه بعضا من الحلوى والسكاكر التي أخذتها من متجر ذلك التاجر الشره ، كانت تفعل كل ذلك ببهجة وغبطة عظيمين ، لا يدفعها اليه سوى ما استكن في قلبها من نزوع جامح للهو الخلي والمرح .. كثير من الناس حدثوني كيف ان حضور هذه الفتاة كان دوما يرتبط بحل سحري لمعضلة أحدهم ، فمن عجز عن سداد دينه وجد ما اقترضه من مال مدسوسا بعناية بين أثوابه ، وامتلأت مساكن الفقراء البائسة بكل صنوف الطعام والشراب ، وكل ذلك الخير العميم الذي سقط بلا هوادة على الجميع كمطر استوائي كان من متجره ، ذلك البدين الذي تسبب في انتحارها جزاء وفاقا لمكائده التي أفقرت الجميع وظللت حياتهم بغمام كثيف من الحزن والبؤس العميق ، ولكنها في ثأرها البليغ ذاك ، كانت تتعامل بكل لطف ووداعة مع أطفاله الكثيرين وحتى زوجاته الذين فاق عددهم العشرين لم يروا منها غير وجه باش ويد مكفكفة لأحزانهم العريقة في كنف ذلك الوحش البشري الهائل ، كل تلك الحكايا لم تدفعني الى التراجع عن تصميمي ، بل دفعتني اليه بقوة أكبر وتجاسر على الذهاب في جنح الظلام حتى أضع حدا لكل تلك الوساوس التي تتناوشني بخصوص هذا التطور المفاجئ لجرأة الغريب فهو لم يكتف ، فيما يبدو ، بما يسببه من حيرة واضطراب للأحياء فهاهو يتجاسر على إقلاق سكينة الأموات بحماقاته العبثية ، حين وصلت الى حيث قبر الشيخ العجوز ، وجدته ما يزال مفتوحا وقد تراكم الغبار والتراب والطوب على حافتيه ، حدقت أسفل القبر كانت بعض الأوراق تتطاير بفعل الريح ، أفلحت في الإمساك ببعضها ولدهشتي الشديدة تعرفت على خطي واضحا ومقروءا كانت أجزاء من روايتي عنه قد تناثرت في كل مكان داخل القبر وخارجه، أحسست بالحنق الشديد وتساءلت هل يستطيع هذا الأحمق بفعلته تلك أن يوثق وجودا حقيقيا ؟ هل يطمس هويته أم هويتي ؟ وماذا يفيده هذا التشبث اللامعقول بالحياة ...بكل الفتها الغريبة وغربتها الأليفة؟ سمعت أصواتا تناديني من البعيد، كان بعضها مألوفا بينما لم أستطع تبين معظمها إذ اختلطت بنباح كلاب القرية ، ثغاء ماعزها ، وصياح الديكة، وتلك المقاطع النائحة للبوم على أشجارها الكثيفة ، امتزجت كل تلك الأصوات بغمغمة كتيمة للرعد، الذي كان يمتطيه البرق وهو يلسع بسياطه أوصال السموات مقطعا إياها نتفا صغيرة تتقاطر مطرا ورياحا باردة تلفعني ، بينما أغوص عميقا في لج حيرتي كاتما غيظا دفينا منه ومني ومن الوجود بأسره .. جاءت زوجتي تعدو وقد اصطحبت شقيقتها ولم تمهلني وقتا كي التقط أنفاسي من دهشة حضورها المفاجئ فأنا لم أراها آتية من البعيد بل انشقت عنها الأرض هكذا فجأة كأنها بعض النباتات الصحراوية التي ساعدتها الأمطار الكثيفة على معاناة التفتح من باطن الأرض السحيقة ، قالت:
    أين أنت؟ كلنا يبحث عنك ..كل أهل القرية ، الجميع ذهبوا الى أنحاء متفرقة ، عرفت أنك ستكون هنا فقد كنت تهذي في الليلة الفائتة بما فهمت منه شيئا غامضا يتعلق بالمقابر وزيارتها وما الى ذلك ، بذلت الكثير من الجهد لإيقاظك لكنك كنت تغط فيما بدا لي انه نوم عامين كاملين ، أحسست بمدى استغراقك فيه ، فتركتك ، والآن ..ألم تسمع بهذه الحكاية العجيبة التي يتناقلها الناس عن صديقك؟ نعم ، ذلك الشبح الذي غير حضوره كل حياة القرية ..قلت مقاطعا صنابير حديثها المتقاطرة كسماء الليلة:
    ماذا حدث له ..عنه أو معه ..لا يهم ..ماذا حدث ؟
    جاء الى القرية ، يتبعه ظل رجل قصير جدا ، كان يبدو جليا إنهما ليسا متوافقين ، من ما يتخذه من أوضاع غريبة ، فمرة يجلس بينما الظل واقف ..ومرة يعدو بينما ظله ساكن ، وفي كل الأحوال كان يبدو انه يبذل مجهودا جبارا لينحشر في حدود قامة الظل بلا جدوى..يتمطى ويقفز كي يمنحه طولا أكثر ، يحاول كذلك أن ينفخ بطنه كي يصير ببدانة الظل واستدارته ، وحين يئس من كل تلك المحاولات قذف بظله بعيدا في غضب ظاهر وطفق يعدو خارج القرية ، تاركا الظل المسكين يتلوى على الأرض وحيدا بلا غطاء يقيه المطر المتساقط بغزارة ، تركت الجميع الآن بجواره وقد ملأتهم الحيرة العظمى فيما يفعلونه ..
    قلت :
    هل مازال الظل هناك على الأرض ؟ شعرت بحزن عميق على تسببي بكل هذه الأحداث الغريبة التي تضطرب فيها حياة القرية منذ أن غادر هذا اللعين أوراقي متسكعا في بحث لا يهدأ عن ما يجوهر كينونته بملامح سميكة التحديد ..
    قالت: يبدو ذلك، فهو لم تصدر عنه أي إشارة على انه سيغادر يوما ما..انه هكذا ملقى على الأرض وكأنه كان هناك في هذا الموضع وبتلك الكيفية منذ قرون.. حتى عندما استدعى بعض أهل القرية عمالا كي ينبشوا الأرض حيث يستلقي تناثرت أجزاء ه في دلائهم والتصقت بحوافها وطفقت كل نساء القرية في تنظيفها بكل ما تراكم من خبرة وبكل أنواع المنظفات بلا جدوى..الناس الآن في حيرة كبرى عن ما يفعلونه بهذه الدلاء ، ما جعل الأمر يزداد غرابة هو هذه الرائحة النفاذة التي تنبعث من أشلاء جسد الظل المتناثرة بمنازل أصحاب الدلاء من عمال البلدية ، لا لم تكن على الإطلاق كريهة بل بالعكس تماما فقد كانت أطيب عطر اشتمه الناس ، فقد تعتق كل ما طيب به جسد الميت عبر قرون لذا صار من المستبعد للكثيرين أن يقوم العمال بإعادة دفن بقاياه مرة أخرى ، فغير عبقها شديد العذوبة فقد كانت للروائح المنبعثة من دلائهم خاصية بديعة جدا ، إذ صارت تطرد الناموس وبقايا الحشرات من المنازل بصورة سحرية جدا جعلت هذه الدلاء مصدرا للحسد من الذين لا يملكونها كما صارت مصدر تفاخر مالكيها ، فهم يعيرونها لقاء منافع كثيرة ، بعضهم يأخذ مالا والآخر يخطب ود والد حسناءه التي قعد به الفقر عن طلب يدها فيما سبق، أتذكر جارتنا تلك التي لم يطرق بابها أحد للزواج حتى بلغت الخامسة والأربعين ؟ أذهب الآن أمام منزلها الذي امتلأت ساحته الخارجية و باحاته بالمنتظرين كي يحظوا بمقابلة والدها كبير العمال الذي جمع عددا لا باس به من الدلاء بسلطته المطلقة على بقية صغار العمال ، وقد حكى الناس عن تهافت الجميع على إرضائه، فمن يعرض ماعزا ، ومن يتبرع بحظيرة دواجنه بما فيها من ديكة ، وحتى ذلك التاجر البشع قد عرض جميع ما يملك من أموال وبضائع ..لكنها في تصميم غريب رفضت كل هذه العروض والإغراءات ولم تبح بما تطلبه حقا من مواصفات زوجها المحظوظ .
    قلت ممازحا زوجتي:
    باعتباري سببا لكل هذه الأمور، إلا تريني أحق بخطبتها من الجميع؟
    نظرت الي في غيظ كظيم ولم تنبس ببنت شفة .
    فجأة قطعت " الحاجة مبروكة" حديثنا بلا استئذان، بل حتى دون أن نلحظ كيف حضرت..
    ألم تسمعوا بهذه الأخبار العجيبة ؟
    قالت زوجتي باندهاش :
    ماذا حدث ؟
    الجميع يتزاحمون الآن على منزل كبير العمال : النسوة اللائي فاتهن قطار الزواج، ومن لم يحبلن بعد ، وحتى أولئك اللائي يلدن إناثا فقط ، الصبايا العاشقات ، الشباب الباحثون عن الهجرة الى البلاد السعيدة ، الكهول نساء ورجالا الذين قعد بهم المرض العضال قدموا محمولين على الأكتاف أو على كراس متحركة ، كلهم يطلبون ذرة فحسب من تراب دلائه كي يتمسحوا ببركتها علها تنلهم ما يطلبون بعد ان انتشرت أنباء بركة ما علق بهذا التراب من بقايا ظل " الرجل الصالح" ولكنه حين رأى تهافت أهل القرية عليه قرر أن لا يمنح هذه البركة إلا لمن يدفع مبلغا مقدرا من المال ، أو يحضر ما لديه من منافع ، فصرت ترى المزارعين يجلبون أقفاص الخضر والفواكه ، النجارين منحوتاتهم الخشبية من دواليب جيدة الصنع ومناضد محلاة بريش الطاؤوس وحتى غرف النوم بكل شراشفها ووسائدها الوثيرة ، النساء جلبن مصاغهن وحليهن ، الشباب نفروا لخدمة كبير العمال ، بعضهم اختار أن يكون مسئولا عن نظافة الدار البعض أخذ محاريثه وسلاله لحصاد ما غنمه من مزارع .. بعضهم ممن أتقن حرفة البناء شرع في تخطيط ما امتلكه من منازل قديمة وأراض خالية كي ينشئ عليها أخرى جديدة ، ملعبا لكرة القدم ، ناديا فسيحا كي تقيم فيه القرية مناسباتها الاجتماعية من أعراس ومآتم متخلية بذلك عن تقاليدها المتوارثة منذ الآف الأعوام والتي تلحق العار بمن يقيم مآدبه : أفراحا وأتراحا في غير باحة بيته الخاص أو على الأقل بيت ذويه ، لم ير الناس في نزعة كبير العمال الى تغيير معالم القرية أو عاداتهم أي غرابة أو اقتحام لفضاء مقدسات الأجداد بل رأوها بعين طمعهم في الحصول على رضاه والتقرب منه زلفى .
    قلت مقاطعا :
    وما رأي شيوخ القرية الصالحون ؟ إلا يرون ان حفنة التراب هذه قد زاحمتهم في أرزاقهم وبركاتهم الجليلة ؟ فمنهم من يمشى على الماء ، وذلك الذي يطير في أجواز الفضاء محققا لنداء استغاثة .. قاطعتني زوجتي: هذا هو ما تفلح فيه ..هذه التساؤلات المحيرة ، لم لا تفكر في أمر آخر: ألست أنت من صنع كل هذا ، فلم يا صديقي لا نذهب الى كبير العمال ونخبره بأن يتوقف عن كل هذا، وإلا حاقت كارثة هائلة بقريتنا الوادعة هذه .. صاح صديق لي: يا لكما من غافلين! لماذا لا يطالب بحقه ؟ أو على الأقل يقايض ذلك الحق بتحقيق ما تتطلعون اليه من أحلام ؟ لو كنت مكانه لاغتنيت ولأعطيت هذا الجشع ما يقيم أوده فقط .
    شعرت بدماغي يكاد أن ينفجر خارجا من حرزه الحريز من هول ما يضطرب فيه من تساؤلات وظنون ، خواطر بعضها يناقض الآخر ، وسيل لا نهائي من الهواجس والمخاوف ، ماذا أفعل؟ وددت لو إني لم أكتب هذه الرواية أبدا فقد تحولت الى لعنة فيما يبدو ، ثم في غمرة فوضى خواطري تلك برقت لي خاطرة غريبة : يجب أن يموت ..نعم ينبغي أن أدبر حيلة ما ..علي أن أذهب إذن الى أوراقي وأشرع في ..ولكن حتى إذا ما أفلحت في نسج حكاية موته بكل أحكام ..فهل هذا حلا يضع نهاية لكل هذه الأحداث: الم يخرج من روايتي أصلا الى الحياة ويتسكع في حواري وأزقة القرية ؟ ما العمل إذن؟ ثم ما ذنبه هو في كل هذا ؟ انه طلب لنفسه بكل براءة ماهو حق مشاع للجميع..طلب ظلا فحسب ..ظلا يتتبعه مثل سائر خلق الله فما الغرابة في ذلك ؟ وما مسئوليته في أن حظه البائس قد أوقعه في تلك المصيبة بأن يختلس ظلا لرجل صالح ؟ الم يكن من الممكن أن يعثر على ماهو أفدح من ذلك ؟ كأن يختلس ظلا لامرأة مثلا ؟ أو حتى لطفل ؟
    قالت زوجتي منتشية وبصوت يشرق بالفرح: نعم يمكنك أن تفعل ذلك يا عزيزي ..يا الهي لماذا لم تفكر في هذا قبلا ..
    دهشت جدا، فقد كنت أحادث نفسي فكيف عرفت ما أفكر فيه ، سألتها : عن ماذا تتحدثين يا عزيزتي بربك ؟
    قالت : لقد كنت تتحدث كما يتحدث النائم عن فكرتك الجنونية بقتله فربما يؤدي ذلك الى وضع حد لكل هذا ، قلت : هل قلت كل ذلك ؟ أومأ صديقي برأسه موافقا..ثم أردف: يبدو انك بحاجة الى بعض الراحة ..ثم محدثا زوجتي : أعتقد ان من الصواب أن ترجعا الى المنزل ...دعيه ينام قليلا ..ثم مضى الى حال سبيله مطرقا برأسه الى الأرض محركا إياه يمنة ويسرة في دلالة واضحة لحيرته العظمى ..أخذت زوجتي بيدي في حنان ورقة وذهبنا الى منزلنا صامتين ..
    أدخلتني غرفتي وطلبت مني في توسل بليغ أن أنام، قالت في لهجة مطمئنة: لا عليك يا حبيبي ..فكل شيء سيكون على ما يرام ..ثم أغلقت باب الغرفة بإحكام.. غصت عميقا في خواطري وسيل الظنون الذي ظل يلاحقني طوال الطريق الى المنزل ، حتى رأيتها ..نعم.. أوراق روايتي تتناثر من مخبئها في فضاء الغرفة ..كانت تتلوى ..تنكمش ..فجأة بدأت تأخذ شكل نتف من القطن وترتد الى أصلها البعيد ..ثم رأيت الفلاحين وهم يقطفونها قطنا يعودون به بعد ساعات عملهم الشاق الى شاحنات ضخمة .تأخذه بدورها الى موانئ بعيدة تهدر في فضاءاتها مصانع الورق العملاقة ..صارت أوراق الرواية تفعل كل هذا بتكرار: ترتد قطنا ..ثم يغيب القطن داخل محالج عملاقة ، وفي عودتها الى أصلها كنت اسمع بوضوح أغاني المزارعين في مزارع القطن وما يداعبهم من أحلام الحصاد : بالزوجة الجديدة الصغيرة بعد أن كبرت أم العيال ، بالحج الى بيت الله والتوبة عن صخب الشباب ونزقه ، وذلك المزارع الطيب الذي اعتاد أن يحمل من حقله حين يزهر القطن بعضا من قطافه البكر ويلقيه في حجر زوجته الصابرة تسكينا لجزعها من غائلة الفقر المدقع :
    انظري..فحصاد هذا العام وفير ..وقد كبر العيال ..وسننتج أكثر يا زوجتي الغالية ..ثم يدس بيده في حنان زهرات القطن اليانعة في يدها المرتعشة من الجوع والمرض والشقاء في أعمال البيت التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ ..كنت أرى كل ذلك بوضوح وكان هو ..الغريب حاضرا أيضا في ركن قصي من الغرفة يتسمع حوارهما ..نظرت مليا غير مصدقا لما أرى..فركت عيناي جيدا ..نعم هو بنفسه بقامته الفارعة وشحوبه الشديد ، وحتى تلك النظرة الحزينة في عينيه كانت واضحة رغم ظلام الغرفة النسبي الذي لم يرني بشكل كاف عينا الزوجين ، كان واقفا هناك فحسب لم يكن ينظر الى شيء محدد بل كان كأنه يحدق الى في أطياف لا منظورة ثم فجأة رايته ينظر صوبي بتحديق غريب ارتعدت له أوصالي ثم رأيته يتحرك قادما نحوي بتصميم شديد ...كانت المسافة بيننا تتقاصر تدريجيا ..سمعت طرقا خفيضا على باب غرفتي ..ذهبت متثاقلا كي أفتح الباب فاذا بزوجتي توقظني من النوم بلطف ووداعة وتقول ...هيا أنهض يا عزيزي فقد نمت أكثر من ساعتين... نهضت متثاقلا وقد عصفت برأسي الحيرة القصوى من هذه الأوراق القليلة التي لم ترتد كما فعلت الأخريات الى أصلها القطني ، تذكرت إنها كانت عن طفولته وأحداثها المدهشة منذ ولادته وكيف كانت هذه الطفولة ترسم مسارا مغايرا بشكل كلي لما اتخذته حياته في مابعد من صور وأشكال ، كنت شارد اللب فيما يبدو في التفكير العميق فيما يمكن فعله هل يكون من الجيد لو مزقت كل تلك الصفحات واعدت كتابتها بشكل مغاير اعتمادا عل مسيرة هذه الطفولة ؟ هل يمكن مثلا أن أتحايل على القدر الذي ساقت أحداثه بشكل مصيري الى وفاة والدته ؟ وما شكلته هذه الحادثة من انحراف جذري في مسار حياته البائسة ، ولكن ما جدوى كل ذلك ؟ فقد خرج الأمر برمته فيما يبدو عن سيطرتي منذ أن عرف طريقه للتسلل الى الحياة في ذلك الصباح البعيد الذي قدم فيه الى منزلي وما حدث بعدها من أحداث غرائبية متتابعة ، هل ما زلت مستيقظا؟ سمعت زوجتي تصرخ في أذني وفي عينيها يشع ضياء من الجزع ..
    - نعم ..ماذا كنت تقولين؟ عفوا ..كنت فقط أفكر في أمر ما..هل قدم الرجال من المدينة؟
    رجال! ماذا تقصد؟
    - أقصد هؤلاء الرجال الذين ذهبوا لتحليل بقايا الظل في المعمل المركزي لشرطة المدينة .
    نعم قدموا قبل ساعة ، لكنهم لأمر ما لم يخبروا أحدا بما توصلوا اليه بعد ، مازالوا مجتمعين مع كبير العمال وبعض شيوخ الصوفية ، يبدو من تكتمهم الشديد ان أمرا ما شديد الغرابة يجري في القرية، ثم برقت عيناها مضيئة ظلام الغرفة بشعاع من البهجة الطفولية وقالت في لهجة حماسية خافتة بعض الشيء: ولكن النساء كما تعرف لا يعجزن عن معرفة الأسرار ، فقد تلصصن من خلل الجدران والتقطن بعض ما يتهامسون به ..
    - وماذا سمعن ؟ هل أخبرتك إحداهن بشيء؟
    لم أقابل أحدا حتى الآن، ولكني عرفت القصة من شقيقتي، وهي بدورها سمعت بهذه الأخبار من صديقتها التي شاركت والدتها في التجسس على الرجال.
    فجأة سمعنا طرقا خفيضا على باب الغرفة ، كنت أتوقع أي شخص عداها ، تلك الفتاة الغريبة التي التقيتها ذاك المساء البعيد ودست ورقتها في يدي وهي تغادر منزل صديقي العارف ، كان حضورها مباغتا بشكل كلي الى منزلنا، دعك من غرفة نومي الخاصة ، قالت موجهة عيناها الي بشكل صارم :
    - لقد طلب الجميع حضورك فورا بمنزل صديقك الذي التقيتك فيه لأول مرة ، قلت مقاطعا: الجميع ..من تقصدين بالتحديد ؟
    شيخ القرية ، كبير العمال ورئيس الشرطة ورجلا غريبا لم أتعرف عليه لكني أذكر جيدا إني التقيته عدة مرات وهو يتجول في الطرقات مطرقا برأسه على الأرض.
    قالت زوجتي:
    - هو، أخيرا، ها إذن فقد عاد من غيبته تلك.
    كانت تشير الى اختفاء الغريب المحير بعد حادثة الظل تلك فما عاد أحد من القرية يحكي انه التقاه في مكان ما ، وكان مشهده فوق سطح إحدى العربات المتجهة الى الصحراء هو آخر عهده بالقرية قبل نحوا من أسبوع ، وقد ظن الجميع ان الغلام الذي كان الوحيد الذي رأى ذلك المشهد كان يكذب بدليل ما روته إحدى النسوة العجائز من إنها بينما كانت تجلب بعض العلف لماشيتها من مزارع القرية بجوار النهر ، رأته يستحم في النيل عاريا ، صحيح إنها لم تر غير ظهره وساعديه لكن من لا يستطيع تبين ان ذلك الظهر ليس لأي أحد من أهل القرية كما لا يمكن بأية حال من الأحوال أن يكون ظهر قروي في أي مكان آخر بالعالم ، فهو لا تنزلق قطرات الماء من جسمه كما تفعل بالنسبة لهم ، إذ تعلق وتلتصق هناك آخذة صورا وأشكالا غاية في الغرابة واللامألوفية ، بعضها يبدو أشبه بحيوانات وطيور غريبة الشكل ..لا لست أقصد حيوانات كالتي نعرفها ولا طيور مثل طيور القرية ، بل إنها تتغير تبعا لجريان الماء على ظهره : فاذا تسارع تراها تطير محدثة برفيف أجنحتها في الفراغ صوتا أشبه تارة بمواء القطط وطورا بتلك الإيقاعات البديعة للدراويش وهم هائمون في النشوة الكبرى في حلقات الذكر ، ثم تراها حين تبطئ القطرات من سرعتها تستحيل قطعانا صغيرة الحجم من حيوانات بديعة ومختلفة الأشكال والصور ، حين سمع القرويون حكايتها ظنوا بها خبالا من نوع خاص ، فكيف يكون ظهره حاويا لكل تلك الكائنات بدون علمه ، ثم كيف توفر للعجوز كل هذا الوقت لمراقبته دون أن يراها ؟ شكلت هذه الأحداث موضوعا لمجالس ومنتديات القرويين طيلة غيبته الغريبة غير المبررة على الإطلاق، ودهشت حقا من حضوره الكثيف هذا فرغم غيابه إلا انه يطل من خلل شقوق هذا الغياب الشفيف واثق الحضور الى هذا الحد الذي جعل كل أحداث القرية الأخرى لا تثير انتباها مثلما تثيره أخباره الغريبة ،

    sigpic

    سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
    yahia.change@gmail.com
    http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
    https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan
يعمل...
X