الخروج من الحذاء (قصة قصيرة)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فتحي المقداد
    أديب وكاتب
    • 17-07-2010
    • 78

    الخروج من الحذاء (قصة قصيرة)

    الخروج من الحذاء ..

    قصة قصيرة
    بقلم (محمد فتحي المقداد)




    دخلتُ المقهى برفقة صديقي كامل، اخترنا طاولة شاغرة في ركنٍ قصِيٍّ، الضحك لم يفارقنا طيلة الطريق، بعد خروجنا من محل لبيع الأحذية الأوربية المستعملة (باله)، فتحتُ كيس النايلون الأسود، و أخرجت منه الحذاء، ووضعته أمامي في منتصف الطاولة، أخذتني رحلة تأمليّة في دنياه، أي شخص قد لبست قدماه هذا الحذاء، أهو شخص هامٌّ أم حقير، أمثقف أم جاهل، أغنيٌّ أم فقير، أشريفٌ أم لصٌّ، أميِّتٌ أم على قيد الحياة؟، ابتعدتُ في توارد الأفكار المتعاقبة، تذكرّت كيف أنني كسرتُ حاجز الخجل من نفسي، عندما قررت الشراء من (الباله)، رغم أنني أعلم في قرارتي، أن كبار القوم يلبسون أفخر ملابسهم وأحذيتهم منها، وهو ما تردد على مسمعي مراراً.
    انتبهتُ لما حولي، مشاعري تبلدّتْ تِجَاهَ نظرات الاستهجان، وكأن أمراً خفيّاً نبّهَ عيونَ كلّ من في المقهى؛ لتتناوب على مراقبتنا. هناك على طاولة في الزاوية الأخرى المقابلة لنا، زبون يشير لجليسه بيده بمحاذاة رأسه، بحركة دائرية؛ يُفْهَم منها على فقدان العقل و الجنون. جليسُهُ على نفس الطاولة، يهزّ رأسه علامة الإيجاب، ويضرب كفّاً بكف: العقل زينة بني آدم.- وصلت هذه العبارة لأذني-. شابّة ثلاثينية هكذا قرأت من ملامحها، ارتسمتْ ابتسامة خفيفة على محيّاها، عندما استرَقتْ نظرة سريعة، توقعتْ أن تنجوَ بها في غفلة مني، خاب ظنّها، عندما ضبطتها بالتفاتَةٍ مفاجئة مني.
    صدر صوتٌ غليظ من الجانب الآخر، بدا صاحبه عريض المنكبين كأنما سدّ الضوء الداخل من الباب، ضخم الجثة: يا أستاذ.. بعد إذنك، الناس تضع أمامها وردةً، لا أدري ما الذي يعجبك في الحذاء ..!! ؟، حتى تخالف كل قواعد مجالس المقاهي.
    وقف صديقي كامل، وقد انفلتت منه ضحكةٌ مُدوّية، استقطبتْ الجميع، وقال: يا سيدي .. لا أرى هناك مشكلة، صدقني لم نجدّ مكاناً مناسباً، حتى نرى جودة الحذاء، واستجلاء عيوبه المخفية، فالغش لا يرحم المغفلين أمثالنا.
    - كامل: إن حذاءك سيأخذ شهرة حذاء أبي قاسم الطنبوري، فقد أتعب صاحبه، وأشقى به البلد كلها، فأينما يرميه، يأتوه به، أخيراً رماه في النهر علق في شبكة صياد، فأعاده إليه.
    تعالى ضحكنا، وشاركنا حالتنا ممن يسمعون كلام كامل، وتابع :
    قال لي صاحب ذات ضيق: " أشعر بأنني (كندرة) "، قلتُ له ضاحكاً : تِفْ من فمك يا رجل، ولا تحكي عن نفسك هكذا، إلآّ أنه ركب رأسه، وأصرّ على رأيه، وقال: " هل تفتكر أن كلامي نتيجة؛ ضيقي وقهري ؟ في الحقيقة هذه نظرية توصلتُ إليها..!!". استوقفتني كلمة نظرية ..!!.
    - قلتُ: كيف جرى ذلك، نظرية و كندرة ؟، هذه ما صارت أبداً.
    - كامل، قلتُ له: يا رجل عليّ الحرام، فإن حرارتك مرتفعة، وأنا أضع يدي على جبينه. ردّ عليّ : "كلامك صحيح مئة بالمئة، لأن الكندرة حرارتها غير ثابتة، ترتفع وتنخفض على مزاج الاستعمال، و المكان الذي تضعها فيه ". حاولتُ إقناعه بشتى السُّبُل، إنك من بني آدم، وإنسان، لك من الأحاسيس و المشاعر، و لك عقل .. إلخ . إلاّ أنه أصرَّ على نظرية الكندرة.
    - قلتُ: صاحبك هذا فيلسوف، كان يتوجبْ عليكَ أن تستمع له، لأن عنده شيئاً ما يودّ أن يقوله، وهو بحاجة لأحد أن يسمعه حتى لا يصاب بالجنون.
    - كامل: استمع واحكم فيما بعد، و الغريب أنه أخذني في جولة في وسط البلد، وكان يتوقّفُ عند محلاّت الأحذية، يبتسم، و يلوّح بيده ويقول: " انظرْ ما أجملهن". أقول له : مَنْ ..؟. يقول: " إخواني في الرضاعة .. الكنادر ..!! ". في لحظة قررتُ أن أتركه، وقلتُ لنفسي : خلاص، صاحبي انشطب، ولم يبق في رأسه ولا حبّةٌ من عقل. بذكائه اكتشف قراري، وقال لي ضاحكاُ: " أعلمُ أنك ستتركني بعد قليل، ليس لأني مجنون، بل هناك سببٌ آخر ". - صعقني - فقلتُ له: و ما هو..؟، قال: "لأني لستُ على مقاسِك "، و أطلقَ ضحكة مجلجلة، وتركني، بل و اختفى. أما قلتُ لك يا كامل إن صاحبك فيلسوف، لماذا لا تسجل هذه النظرية باسمك؟، وستكون براءة اختراعها لك، ربما تكسب منها الكثير، وتصبح في عداد المخترعين في العالم.
    كامل: ولكن ما حزّ في نفسي، وأنا في حيرةٍ من أمري، وأتساءل: من الذي أوصل صاحبي هذا إلى هذه النظرية ..؟، ومن الذي وضع فكرة الدونيّة في إحساسه..؟، يا ألله..!! لو تعرف يا صديقي، كم هو ذكيٌّ .. كم هو شفّافٌ .. كم هو مثقفٌ .. كم هو مُحبٌ للحياة .. !!، فمن هو الذي حوّله إلى كندرة ؟.
    قلتُ : أتمنى عليك يا كامل، أن تبحث لنا من أجل المستقبل عن نظرية مغايرة، عن كيفية الخروج من الكندرة..!!
    ***
    تملكتني حالة من الارتباك و الحيرة، وأنا أتطلع حولي من نظرات العابرين، و أنا أنوي الدخول لمحل (البالة)، من أن يتوافق دخولي مرور أحد من الأصدقاء أو المعارف، أو أصاب بسوء الحظ، بعد كل هذه الاحتياطات الاحترازية، من أن أعثر على أحدهم في الداخل، فلولا صديقي كامل لما تجرأتُ على المغامرة. و هو يشدّني من ذراعي، و يقول: يا عمّي نحن على الهامش، على تخوم عشوائيات الفقر، والفقر ليس عيباً، والمظاهر بكل تأكيد لا تنبئ عن المخابر، ليس الجمال بأثواب تزيننا، إن الجمال جمال العلم والأدب.
    أقنعني بحنكته، وقدرته على الخروج من أشد المواقف حُلْكَةً، كما تخرج الشعرة من العجينة. سلمتُ أمري لله، وتوكلتُ، منذ أن وطئت رجلي عتبة المحل الكبير المليء بمحتوياته، على يمين طاولة البائع، جذب انتباهي حذاء، من فوري امتدت يدي لمعاينته، ومعرفة نمرته، ارتاحت نفسي، واطمأن قلبي، بينما أقلبه، وإذا بيد غليظة تسحبه من بين يديّ، انتبهت بغضب: ما بك يا رجل..؟
    - هذا الحذاء لي، من ساعة دخولي هنا، أعجبني، ألا تراني أنني هناك في طرف المحل.
    خارَتْ عزيمتي، وأُلجِمَ لساني، من هول الصدمة، فلم أستطع الرد، صديقي كامل يخفف عني، بخفة دمه وروحه المرحة : عليك الاختيار مرة أخرى. طاوعته، ولم أعترض على رأيه.
    ***
    أخي كامل تذكرتُ قصة طريفة مع الأستاذ خليل، لا تقلّ أهمية عما ذكرتَ لي من أمر صديقك، وهي ضمن دائرة نظرية الكندرة.
    - كامل: يبدو أن شهيتك انفتحت، هات ما عندك، وكُلِّي آذانٌ صاغية، لكن على الله أن لا تكون قصتك طويلة، لأنني على موعد هام فيه يتقرر مصيري الوظيفي.
    - لا أبداً، فقط خمس دقائق، وتكون أنت قد أنهيتَ سيجارتك. حدثني الأستاذ خليل شيئاً من ذاكرته، أيام تفتح شبابه : " أثناء الاعتداء الثلاثي على مصر ١٩٥٦. خرجت الجماهير السورية، في كل المدن والقرى بمظاهرات. تندد بالاعتداء الثلاثي (الإنكليزي – الفرنسي - الإسرائيلي)، وتحيي مصر وشعبها .
    وفي نهاية المظاهرة بدرعا، أحضر بعض المتظاهرين (أفرهول) قماش وقد ملئ بالتبن، ووضعوا طاقية على رأس المجسم، وكان يمثل (إيدن أو مولييه) رئيسي وزراء كل من فرنسا وبريطانيا، وألبسوا المجسم جزمة سوداء، وربطوا المجسم بحبل وكأنه مشنوق .
    انتهت المظاهرة عُدْنا إلى منازلنا، في اليوم التالي وجد الناس المجسّم بلا جزمة. قال: أحدهم الجزمة حلال على هذا اللص الظريف !!، الجزمة أحسن من (إيدن ومولييه). قال آخر: (مليح ما شلّحه البنطلون) .
    ما إن انتهيتُ، حتى قررنا الخروج من جلسة متخصصة في الأحذية، وإيماناً مني بنظرية صديقي كامل(الخروج من الحذاء)، مفترضاً أن الناس لا عيون لهم، أو أنهم عُميانٌ لا يروْني، خلعتُ حذائي من قدمي، وأضفته إلى الكيس لعمل مؤاخاة مع أخيه الجديد، يتآلفان ويتفاهمان، وخرجتُ من القهوة حافياً، وحذا حذوي صاحب النظرية.
    ---------------------------------------------------
    - صديقي كامل النصيرات، أديب و صحافي.
    - الأستاذ خليل النابلسي كاتب وأديب سوري، من مدينة المزيريب في محافظة درعا.

    ( من مجموعتي - زوايا دائرية)
  • محمد الصحراء
    أديب وكاتب
    • 11-09-2012
    • 764

    #2
    و من تأمل أتفه الاشياء تتفتق النظريات العظام
    و العبرة في التأمل الحذق ليس في الشيء المحدق إليه
    أكان الصحافي الضرب بوش في العراق بحذاء مجنونا ام ذا قظية أم له نظرية القذف الدوني بما هو دوني

    عند العرب القدامى ما هو أقل دونية من الحذاء الا هو شسعه

    الاستاذ محمد فتحي المقداد
    و قصة ظريفة لطيفة استمتعت بها و باسلوب التداعي فيها

    تقدير لكم
    إذا لم توجه الناس سبل السلامة ... فلا توضح لهم سبل المهالك

    تعليق

    • محمد فتحي المقداد
      أديب وكاتب
      • 17-07-2010
      • 78

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد الصحراء مشاهدة المشاركة
      و من تأمل أتفه الاشياء تتفتق النظريات العظام
      و العبرة في التأمل الحذق ليس في الشيء المحدق إليه
      أكان الصحافي الضرب بوش في العراق بحذاء مجنونا ام ذا قظية أم له نظرية القذف الدوني بما هو دوني

      عند العرب القدامى ما هو أقل دونية من الحذاء الا هو شسعه

      الاستاذ محمد فتحي المقداد
      و قصة ظريفة لطيفة استمتعت بها و باسلوب التداعي فيها

      تقدير لكم
      أستاذ محمد الصحراء.
      أسعدك الله
      كما تعلم، فإن الكتابة التقاطات لفكرة أو مجموعة منها.
      وكذلك هي مجازفة في اختبار التوظيف في جعل الفكرة
      لها منطوق يوضحها ويجلّيها، للقارئ، لإيصال رسالتها.
      تحياتي و تقديري أيها الفاضل,

      تعليق

      يعمل...
      X