في ذلك المساء الربيعي، دعاني أمين لزيارة صديق له أصيب بوعكة صحية، اشترينا باقة ورد تليق بالمناسبة، وتوجهنا نحو بيته، و ألسنتنا تدعو له بالشفاء العاجل.
دق الجرس ففتح الباب، فإذا بصعقة كهربائية تسري بين جوانحي، خرس معها اللسان و انفتحت العينان عن آخرهما مبهورتين بمن ترى. أُعلنت حالة استنفار قصوى في الجسد كله، تسارعت دقات القلب ليضخ مزيدا من الدم في العروق، واتسعت المسام تنضح عرقا، فتغير لون الوجه، وارتعدت اليدان، و كادت القدمان تتهاوى لعجزها عن حمل الجسد.
وقفت جامدا في مكاني على بعد أمتار من الباب لا أتقدم ولا أتأخر، حاولت أن أخطو الخطوة الأولى فتعثرت قدمي.
مر أمام عيني شريط طويل عريض من الأحداث و الذكريات،أرى صورتي فيه شابا يافعا يفيض حيوية وحبورا. ورود مختلفة الألوان والأشكال تملأ فضاءات الرباط الخضراء.أسمع موسيقى أغان يتداخل فيها السياسي الملتزم بالشعبي المغربي الأصيل. لا أدري أيسير الشريط بسرعة الضوء أمامي، أم الصور ثابتة وأنا الذي يسار بي إلى الوراء. صارت الذاكرة بسرعة البرق تقلب صفحات الماضي البعيد لتسلط ضوءها على ورقة كنت أعتقد أن توالي الفصول أسقطها من شجرة حياتي منذ ثلاثة عقود من الزمن. أتأمل تلك الصفحة من الشريط لثوان معدودات ساد خلالها الصمت ، صاح القلب الذي أفاق من صدمته: صدقت العينان، إنها هي بكل مواصفاتها، لم يغير الزمن منها شيئا، و كأن آخر لقاء بيننا كان بالأمس القريب، صفحة وجهها ما زالت كما عهدتها بلا تضاريس ولا تجاعيد، وكأن خمسين حولا لم تُجرِ عليها ما أجرته على من هن في سنها من بنات البشر، ماء محياها ما زال صافيا، لباسها الأنيق ذو الألوان المفتوحة، وتصفيف شعرها ذي اللون البني الداكن، و ابتسامتها الرقيقة التي تخفي ما وراء الصدر من اندهاش، أحسست بيدي تسبق هواي إليها مسلّمةً دون أن أنتبه إلى أنها تنضح عرقا، التقت اليدان دون أن ننبس بكلمة واحدة، ارتعشتا معا فالتصقتا محاولة كل منهما تثبيت الأخرى. بقي رفيقي مشدودا إلى صمتنا، وتبادل نظراتنا الجامدة، وارتعاشة يدينا، فبادر إلى تقديمي إليها.هزت رأسها محيية ولسان حالها يقول:
- أتقدم إلي توأم نفسي ؟ لقد كان هذا الرجل ذات فترة من حياتي مرآتي التي أبدو فيها أجمل.
أحسست برغبة جامحة في العناق، في الضحك في البكاء في الصراخ بأعلى صوتي: وجدتها وجدتها..يا لسخرية الأقدار ....
بادلتها التحية بأحسن منها وقلبي يرد:
- وأنت يا ملاكي، كنت مرآتي التي تبدوا فيها رجولتي أكمل.
خرجتْ من صمتها القاتل قائلة، وهي تفسح لنا الطريق،
- تفضلا.
- ودون تفكير،لم أستسغ أن يقدم إليها رفيقي باقة الورد ، فمددت يدي ، انتزعتها منه، وسلمتها إليها بيد لم أعد أتحكم في ارتعاشتها، وكأنني أسلمها إليها قبل ثلاثين سنة خلت.
في ذلك اليوم، بعد طول انتظار، التقيتها في شارع النصر بالرباط، سلمتها كتابا صدر حديثا، وفي وسطه وردة يابسة من ورود قلعة مكونة. تساءلت و هي تتصفحه وترسم على وجهها ابتسامة باردة:
- وردة يابسة ؟ أليس في الحديقة ورود طرية حتى تحتفظ بوردة جافة؟
- ليس في الحديقة كلها وردة واحدة مثلها.إنها وردة فريدة.
- أرى في الحديقة ورودا أجمل منها و أنضر.
- إنها الوردة الوحيدة التي تشبهني، إنها- كما أنا- تحمل بعض سمات الجنوب. فما زال عطرها يفوح بعد مرور أشهر على قطفها.
قربت الوردة إلى أنفها قائلة :
- إذن، سأحتفظ بها هنا، حيث وضعتها أنت، بين صفحات هذا الكتاب حتى لا تَغِيرَ من رحيقها الفواح ورود الشمال.
وفي اليوم الموالي التقيتها بحديقة التجارب في الشارع نفسه، سلمتني باقة ورد مختلفة الألوان. قلت:
- تكفيني واحدة. فأنا لا أحبذ التعدد.
- علمتني حكمة الجدة أن الواحد منكم، أنتم الرجال، يتمنى أن يستحوذ على ورود الحديقة كلها، أما نحن النساء فتكفينا فعلا وردة واحدة، حتى ولو كانت جافة يابسة.
- إذا كانت الورود متعددة سيكون مآلها، بعد أيام معدودات، في سلة المهملات، أما الوردة الفواحة الواحدة، فتستقر بعد جفافها بين ثنايا كتاب نفيس له مكانة في القلب.
- إذن اختر واحدة و ارم بالباقي.
- لقد اخترت واحدة منذ شهر، و سلمتها إليك بالأمس، و الآن جاء دورك، فاختاري وردة تشبهك لأحتفظ بها في قلبي.
دخلتُ بيتها و أنا أتأمل هندسته و أثاثه وقلبي يتمتم: "أنا في بيتها الذي لولا غباوتي لكان بيتي، فغيرت هندسته التي لم ترقني، وأثثته بأثاث يلائم ذوقي.أزور كل ربيع موسم الورود ، فأرجع إليه محملا بأكاليل الورد الفواح أزين بها كل مزهرياته، فيدوم الحب بدوام عطره، ويتجدد كلَّ ربيع بتجدده. وبدأ خيالي يعيد ترتيب البيت من جديد، وكأنني صاحبه. هذا الأثاث من الأفضل أن يوضع هناك، وتلك المزهرية هنا، و هذا الحائط يجب أن يزول، وذاك يجب أن تعلق عليه لوحة كبيرة يبدو في عمقها جبل بعيد حتى يُمنحَ الجالس في الصالون إحساسا بوجوده في وسط طبيعي.
وفي غفلة من الواقع،وبكثير من الغيرة و النرجسية و الأنانية، تخيلت أن صاحب البيت توفاه الله في مرضه هذا، وجئت مع صديقه معزيا، فنفثت سحرها الأنثوي في دواخلي، فقررت من غير تردد أن يكون حبي الأخير للحبيب الأول. تخيلت نفسي أحمل معولا أهدم به كل ما بنيته خلال ثلاثين سنة، و أنا أضع على عيني عصابة سوداء حتى لا ألتفت لتوسلات الأهل و الأقربين. أمحو ثلاثين سنة من عمري كما يمحو طفل صغير خربشاته بممحاة قلم الرصاص، أو كما يهدم الموج ما بنته أيادي الصغار من قصور رملية.
و أنا أوزع تفكيري بين ماضي وحاضري ، دخلت الصالون فتاة تحمل الكثير من سماتها. قالت:
- إنها ابنتي سلوى.
سبقتني إليها يداي، عانقتها بحرارة وكأنني أعانق ابنتي التي في سنها بعد عودتي من سفر طويل، وقلبي يوشوش: كنت ستكونني ابنتي لولا سخرية الأقدار. ثم استرسلتْ في الكلام:
- أخوها الأكبر يتابع دراسته في مدينة الرباط.
- ابنتي هناك أيضا.
أحسست أن لسان حالها يفصح: أتمنى ألا يعيد التاريخ نفسه، فتفعل ابنتك بابني ما فعلته بي قبل ثلاثين سنة، فيصير مجنونا.
قلت: انقلبت الأدوار يا أم المجنون، لك الذكر ولي الأنثى، غدا سيفتح كل منا صفحة ماضيه فيحكي لخلفه عن ذكرياته، فيلتقي الجيل الجديد ليعيش الجنون الجميل ، ويتبادل الورد في شارع النصر.
خرجت من البيت دون وداع أو طمع في لقاء آخر. أرمي الطريق ورائي خطوة خطوة، تراكمت الخطى، صارت ركاما يحجب الرؤية. وفي ملتقى الطرق، تهت ،أحسست و كأنني عائد من شارع النصر إلى حي يعقوب المنصور، حيث أسكن قبل ثلاثين سنة ، مثقلا بصخرة أمسي ، فاضت الطرقات بسيل من الذكريات، تشابهت في عيني كل الجهات. تساءلت: أين الطريق إلى البيت؟
- عن أي بيت تسأل يا أنا؟ بيت الأمس الجميل، أم بيت الحاضر الضائع وسط الذكريات، أم بيت آخر متخيل بنته هذه الزيارة؟
لا أدري . أقدم رجلا و أؤخر أخرى، أمشي قليلا، أتوقف قليلا. أتساءل تساؤل الجاهل الحائر المجنون المسحور : أي علاقة تربطني بهذه المرأة التي صارت في غفلة مني زوجا وأما ؟ أين اختفت بذرة هذا الحب كل هذه السنين دون أن يكون لها أثر في حياتي على الرغم من تصفحي لألبوم صوري القديمة كلما عادت بي الذاكرة إلى الوراء؟ لماذا لم يمر هذا اللقاء كما يمر ألبوم الصور أمامي وينتهي أمره ؟ لماذا ظهرت على حين غفلة كزلزال عنيف يهدم ما بنيته على امتداد عقود، أي موج عال سيتلوه ليجرف ما تبقى من زلزال اللقاء؟
تعبتُ في البحث عنك يا ملاكي سنوات، وكأنني أبحث عن بذرة زرع ضاعت مني في كثبان رملية ، ولما لم أجدك، وأيقنت أن الرياح الصحراوية الهوجاء حملت حبنا بعيدا بعيدا بعيدا، وأنها لا ترجع القهقرى لتعيده إليّ يوما، دفنته في ركن صغير من القلب. وقررت أن أتوقف عنده كذكرى جميلة كلما عادت الذاكرة إلى الثمانينيات من القرن الماضي. لكنني نسيت ، و أنا ابن الصحراء، - يا لغباوتي - أن الصحراء تحتفظ بالبذور عشرات السنين لتزهر من جديد بعد أول مزن ماطر يمر من هناك.
أتأمل الآن حاضري، أراه صباح صحراء قاحلة بعد ليلة ماطرة، فاضت الأباطح ، فطهر السيل ما راكمته رياح سنين عجاف من بقايا خريف طويل.وحمل معه من بقاع بعيدة حبات الزرع الضائعة، صارت الحياة تدب في الأرض الموات، ستهتز الصحراء و تربو، وتنبت أعشابا برية فواحة، فيتنادي النحل، هَلُمَّ ، ما زالت في صحراء القلب وردة فيها رحيق، كانت يابسة وجافة، لكن عطرها ما زال يفوح ، ومع أول قطرة ماء عادت إليها الحياة.
- افتحي الآن ذلك الكتاب يا ملاكي، ستجدين الوردة اليابسة وقد عادت إليها طراوتها و نضارتها. أليست شبيهتي؟ ألم أقل لك يوما في شارع النصر إنها لا تشبه باقي ورود الحديقة؟ أليست وردة من الجنوب ؟ تكفيها - كما أنا- قطرة ماء واحدة لتفوح كما القلب يبوح.
زمن مضى وزمن يأتي، وما بينهما حاضري أنا صاحب الرأي الدَّبَري، بالأمس كنت جبانا مترددا حائرا، واليوم بعدما حررتني رواية الغثيان ووجودية سارتر من خوفي وترددي وحيرتي، وعلمتني كيف أكون حرا ومسؤولا، يكون الزمن غير الزمن، و الفرص غير الفرص، و الشيب غير الشباب، فأبكي على أطلال ذكريات كنستها رياح خريف في شارع النصر كما بكى الشعراء على رسم دارس.
دق الجرس ففتح الباب، فإذا بصعقة كهربائية تسري بين جوانحي، خرس معها اللسان و انفتحت العينان عن آخرهما مبهورتين بمن ترى. أُعلنت حالة استنفار قصوى في الجسد كله، تسارعت دقات القلب ليضخ مزيدا من الدم في العروق، واتسعت المسام تنضح عرقا، فتغير لون الوجه، وارتعدت اليدان، و كادت القدمان تتهاوى لعجزها عن حمل الجسد.
وقفت جامدا في مكاني على بعد أمتار من الباب لا أتقدم ولا أتأخر، حاولت أن أخطو الخطوة الأولى فتعثرت قدمي.
مر أمام عيني شريط طويل عريض من الأحداث و الذكريات،أرى صورتي فيه شابا يافعا يفيض حيوية وحبورا. ورود مختلفة الألوان والأشكال تملأ فضاءات الرباط الخضراء.أسمع موسيقى أغان يتداخل فيها السياسي الملتزم بالشعبي المغربي الأصيل. لا أدري أيسير الشريط بسرعة الضوء أمامي، أم الصور ثابتة وأنا الذي يسار بي إلى الوراء. صارت الذاكرة بسرعة البرق تقلب صفحات الماضي البعيد لتسلط ضوءها على ورقة كنت أعتقد أن توالي الفصول أسقطها من شجرة حياتي منذ ثلاثة عقود من الزمن. أتأمل تلك الصفحة من الشريط لثوان معدودات ساد خلالها الصمت ، صاح القلب الذي أفاق من صدمته: صدقت العينان، إنها هي بكل مواصفاتها، لم يغير الزمن منها شيئا، و كأن آخر لقاء بيننا كان بالأمس القريب، صفحة وجهها ما زالت كما عهدتها بلا تضاريس ولا تجاعيد، وكأن خمسين حولا لم تُجرِ عليها ما أجرته على من هن في سنها من بنات البشر، ماء محياها ما زال صافيا، لباسها الأنيق ذو الألوان المفتوحة، وتصفيف شعرها ذي اللون البني الداكن، و ابتسامتها الرقيقة التي تخفي ما وراء الصدر من اندهاش، أحسست بيدي تسبق هواي إليها مسلّمةً دون أن أنتبه إلى أنها تنضح عرقا، التقت اليدان دون أن ننبس بكلمة واحدة، ارتعشتا معا فالتصقتا محاولة كل منهما تثبيت الأخرى. بقي رفيقي مشدودا إلى صمتنا، وتبادل نظراتنا الجامدة، وارتعاشة يدينا، فبادر إلى تقديمي إليها.هزت رأسها محيية ولسان حالها يقول:
- أتقدم إلي توأم نفسي ؟ لقد كان هذا الرجل ذات فترة من حياتي مرآتي التي أبدو فيها أجمل.
أحسست برغبة جامحة في العناق، في الضحك في البكاء في الصراخ بأعلى صوتي: وجدتها وجدتها..يا لسخرية الأقدار ....
بادلتها التحية بأحسن منها وقلبي يرد:
- وأنت يا ملاكي، كنت مرآتي التي تبدوا فيها رجولتي أكمل.
خرجتْ من صمتها القاتل قائلة، وهي تفسح لنا الطريق،
- تفضلا.
- ودون تفكير،لم أستسغ أن يقدم إليها رفيقي باقة الورد ، فمددت يدي ، انتزعتها منه، وسلمتها إليها بيد لم أعد أتحكم في ارتعاشتها، وكأنني أسلمها إليها قبل ثلاثين سنة خلت.
في ذلك اليوم، بعد طول انتظار، التقيتها في شارع النصر بالرباط، سلمتها كتابا صدر حديثا، وفي وسطه وردة يابسة من ورود قلعة مكونة. تساءلت و هي تتصفحه وترسم على وجهها ابتسامة باردة:
- وردة يابسة ؟ أليس في الحديقة ورود طرية حتى تحتفظ بوردة جافة؟
- ليس في الحديقة كلها وردة واحدة مثلها.إنها وردة فريدة.
- أرى في الحديقة ورودا أجمل منها و أنضر.
- إنها الوردة الوحيدة التي تشبهني، إنها- كما أنا- تحمل بعض سمات الجنوب. فما زال عطرها يفوح بعد مرور أشهر على قطفها.
قربت الوردة إلى أنفها قائلة :
- إذن، سأحتفظ بها هنا، حيث وضعتها أنت، بين صفحات هذا الكتاب حتى لا تَغِيرَ من رحيقها الفواح ورود الشمال.
وفي اليوم الموالي التقيتها بحديقة التجارب في الشارع نفسه، سلمتني باقة ورد مختلفة الألوان. قلت:
- تكفيني واحدة. فأنا لا أحبذ التعدد.
- علمتني حكمة الجدة أن الواحد منكم، أنتم الرجال، يتمنى أن يستحوذ على ورود الحديقة كلها، أما نحن النساء فتكفينا فعلا وردة واحدة، حتى ولو كانت جافة يابسة.
- إذا كانت الورود متعددة سيكون مآلها، بعد أيام معدودات، في سلة المهملات، أما الوردة الفواحة الواحدة، فتستقر بعد جفافها بين ثنايا كتاب نفيس له مكانة في القلب.
- إذن اختر واحدة و ارم بالباقي.
- لقد اخترت واحدة منذ شهر، و سلمتها إليك بالأمس، و الآن جاء دورك، فاختاري وردة تشبهك لأحتفظ بها في قلبي.
دخلتُ بيتها و أنا أتأمل هندسته و أثاثه وقلبي يتمتم: "أنا في بيتها الذي لولا غباوتي لكان بيتي، فغيرت هندسته التي لم ترقني، وأثثته بأثاث يلائم ذوقي.أزور كل ربيع موسم الورود ، فأرجع إليه محملا بأكاليل الورد الفواح أزين بها كل مزهرياته، فيدوم الحب بدوام عطره، ويتجدد كلَّ ربيع بتجدده. وبدأ خيالي يعيد ترتيب البيت من جديد، وكأنني صاحبه. هذا الأثاث من الأفضل أن يوضع هناك، وتلك المزهرية هنا، و هذا الحائط يجب أن يزول، وذاك يجب أن تعلق عليه لوحة كبيرة يبدو في عمقها جبل بعيد حتى يُمنحَ الجالس في الصالون إحساسا بوجوده في وسط طبيعي.
وفي غفلة من الواقع،وبكثير من الغيرة و النرجسية و الأنانية، تخيلت أن صاحب البيت توفاه الله في مرضه هذا، وجئت مع صديقه معزيا، فنفثت سحرها الأنثوي في دواخلي، فقررت من غير تردد أن يكون حبي الأخير للحبيب الأول. تخيلت نفسي أحمل معولا أهدم به كل ما بنيته خلال ثلاثين سنة، و أنا أضع على عيني عصابة سوداء حتى لا ألتفت لتوسلات الأهل و الأقربين. أمحو ثلاثين سنة من عمري كما يمحو طفل صغير خربشاته بممحاة قلم الرصاص، أو كما يهدم الموج ما بنته أيادي الصغار من قصور رملية.
و أنا أوزع تفكيري بين ماضي وحاضري ، دخلت الصالون فتاة تحمل الكثير من سماتها. قالت:
- إنها ابنتي سلوى.
سبقتني إليها يداي، عانقتها بحرارة وكأنني أعانق ابنتي التي في سنها بعد عودتي من سفر طويل، وقلبي يوشوش: كنت ستكونني ابنتي لولا سخرية الأقدار. ثم استرسلتْ في الكلام:
- أخوها الأكبر يتابع دراسته في مدينة الرباط.
- ابنتي هناك أيضا.
أحسست أن لسان حالها يفصح: أتمنى ألا يعيد التاريخ نفسه، فتفعل ابنتك بابني ما فعلته بي قبل ثلاثين سنة، فيصير مجنونا.
قلت: انقلبت الأدوار يا أم المجنون، لك الذكر ولي الأنثى، غدا سيفتح كل منا صفحة ماضيه فيحكي لخلفه عن ذكرياته، فيلتقي الجيل الجديد ليعيش الجنون الجميل ، ويتبادل الورد في شارع النصر.
خرجت من البيت دون وداع أو طمع في لقاء آخر. أرمي الطريق ورائي خطوة خطوة، تراكمت الخطى، صارت ركاما يحجب الرؤية. وفي ملتقى الطرق، تهت ،أحسست و كأنني عائد من شارع النصر إلى حي يعقوب المنصور، حيث أسكن قبل ثلاثين سنة ، مثقلا بصخرة أمسي ، فاضت الطرقات بسيل من الذكريات، تشابهت في عيني كل الجهات. تساءلت: أين الطريق إلى البيت؟
- عن أي بيت تسأل يا أنا؟ بيت الأمس الجميل، أم بيت الحاضر الضائع وسط الذكريات، أم بيت آخر متخيل بنته هذه الزيارة؟
لا أدري . أقدم رجلا و أؤخر أخرى، أمشي قليلا، أتوقف قليلا. أتساءل تساؤل الجاهل الحائر المجنون المسحور : أي علاقة تربطني بهذه المرأة التي صارت في غفلة مني زوجا وأما ؟ أين اختفت بذرة هذا الحب كل هذه السنين دون أن يكون لها أثر في حياتي على الرغم من تصفحي لألبوم صوري القديمة كلما عادت بي الذاكرة إلى الوراء؟ لماذا لم يمر هذا اللقاء كما يمر ألبوم الصور أمامي وينتهي أمره ؟ لماذا ظهرت على حين غفلة كزلزال عنيف يهدم ما بنيته على امتداد عقود، أي موج عال سيتلوه ليجرف ما تبقى من زلزال اللقاء؟
تعبتُ في البحث عنك يا ملاكي سنوات، وكأنني أبحث عن بذرة زرع ضاعت مني في كثبان رملية ، ولما لم أجدك، وأيقنت أن الرياح الصحراوية الهوجاء حملت حبنا بعيدا بعيدا بعيدا، وأنها لا ترجع القهقرى لتعيده إليّ يوما، دفنته في ركن صغير من القلب. وقررت أن أتوقف عنده كذكرى جميلة كلما عادت الذاكرة إلى الثمانينيات من القرن الماضي. لكنني نسيت ، و أنا ابن الصحراء، - يا لغباوتي - أن الصحراء تحتفظ بالبذور عشرات السنين لتزهر من جديد بعد أول مزن ماطر يمر من هناك.
أتأمل الآن حاضري، أراه صباح صحراء قاحلة بعد ليلة ماطرة، فاضت الأباطح ، فطهر السيل ما راكمته رياح سنين عجاف من بقايا خريف طويل.وحمل معه من بقاع بعيدة حبات الزرع الضائعة، صارت الحياة تدب في الأرض الموات، ستهتز الصحراء و تربو، وتنبت أعشابا برية فواحة، فيتنادي النحل، هَلُمَّ ، ما زالت في صحراء القلب وردة فيها رحيق، كانت يابسة وجافة، لكن عطرها ما زال يفوح ، ومع أول قطرة ماء عادت إليها الحياة.
- افتحي الآن ذلك الكتاب يا ملاكي، ستجدين الوردة اليابسة وقد عادت إليها طراوتها و نضارتها. أليست شبيهتي؟ ألم أقل لك يوما في شارع النصر إنها لا تشبه باقي ورود الحديقة؟ أليست وردة من الجنوب ؟ تكفيها - كما أنا- قطرة ماء واحدة لتفوح كما القلب يبوح.
زمن مضى وزمن يأتي، وما بينهما حاضري أنا صاحب الرأي الدَّبَري، بالأمس كنت جبانا مترددا حائرا، واليوم بعدما حررتني رواية الغثيان ووجودية سارتر من خوفي وترددي وحيرتي، وعلمتني كيف أكون حرا ومسؤولا، يكون الزمن غير الزمن، و الفرص غير الفرص، و الشيب غير الشباب، فأبكي على أطلال ذكريات كنستها رياح خريف في شارع النصر كما بكى الشعراء على رسم دارس.
تعليق