" لمن الشوق كل مساء "
للشاعرة المغربية: رشيدة بوزفور
قراءة: محمد المهدي السقال
توطئة:
في البدء كان التنغيم بالصوت تعبيرا إنسانيا عن وضعية نفسية تتجاذبها حالات الابتهاج والانتكاس في موقف وجودي، قبل اكتشاف إمكانية ترجمة النطق إلى لغة تواصلية تنقله من المشافهة إلى المكاتبة، ليصبح التنغيم مع الغناء بالكلمة، ظاهرة تعبيرية قابلة للترديد والحفظ والتواتر بين الناس. بالنسبة للغة العربية، و في حدود المتداوَل حول تاريخ موسيقى الشعر، يبدو أن التوزيع الصوتي وفق إيقاعات تترجم حركات التوجدن مع الحالات النفسية عاطفيا و اجتماعيا، سيشكل منطلق ترسيم قواسم مشتركة للإيقاع الداخلي، يمكن استعادة تشكيلاتها المقطعية صوتيا و لغويا، للنسج على منوالها بالمحاكاة، قبل الانتهاء إلى ما يعرف لدينا بالقصيدة الشعرية بأنساقها الموسيقية المتعارف عليها تحت عنوان البحور أو الأوزان.
أنطلق من هذه المقدمة، لتجاوز إشكال يفرض نفسه عند كل تعاط مع النصوص التعبيرية ذات الهوية الشعرية، على أساس أن الارتهان للوزن للعروضي ضمن مفهوم عمود الشعر العربي القديم، لم يعد مقبولا بالمنطق ولا مستساغا بالذوق، كمقياس وحيد أو مرجع مطلق لتقييم تجارب تعبيرية تصر على الانتماء الفني للشعري برؤى ومفاهيم متجددة.
لا حاجة في هذا السياق، للتذكير بالتحولات الكبرى للنص الشعري العربي تحت مسميات كثيرة، نجح بعضها في مقاومة تيار المحافظة ببدائل ما زال لها بريقها، فيما انحسر البعض الآخر لعوامل مرتبطة أساسا بعدم وضوح الرؤية التجديدية أو بوقوفها عند تجريب نماذج تبتعد عن خصوصيات بنية الجملة العربية.
و إجمالا، ثمة إصرار على تبني الهوية الشعرية لأكثر من خطاب باللغة، اختار القطيعة مع ما يصطلح عليه بالنموذج المثال في البناء والموسيقى بمستوييها الداخلي والخارجي، من منطلق بلوغ تحقيق شعرية مختلفة، تؤسس لتوزيع جديد للعبارة، ونظام متجدد للبناء، ليسا بالضرورة مما يقع تحت طائلة البطلان، لمجرد تجاوز ثقافة الوعي الشعري القديم.
ضمن هذا المسار، يمكن إدراج تجربة الشاعرة المغربية رشيدة بوزفور من خلال إصدارها الأخير،" لمن الشوق كل مساء"(2014) وهو العمل الثاني بعد " ينام الليل في عينيك"(2011). وكلاهما يعلنان في الصفحة الخارجية الأولى عن تصنيف نصوصهما الإبداعية باللغة العربية ضمن جنس الشعر.
لعل أولى التساؤلات التي يثيرها ذلك التحديد لانتماء المقول إلى "شعر"، إنما ستنطلق من خلفية التلقي التي ستحال عليها النصوص، وهي في أحسن الأحوال، إما محكومة بمرجعية النموذج المثال في الذاكرة الشعرية العربية، و إما مشدودة للتحولات الكبرى التي عرفها الشعر العربي تحت أكثر من توصيف لمسار تطوره في العصر الحديث، ويعني ذلك، أن نصوص الشاعرة رشيدة بوزفور، تبقى موضوع تجاذب نقدي متعدد المستويات، بحكم استدعائها لكثير من القضايا ذات الصلة بالهوية الأدبية وحدود التجنيس لنوع أو انتماء. بدءا من العنوان،" لمن الشوق كل مساء"، سيلفت الانتباهَ اختيارُ الشاعرة مشاكسة القارئ بحمله على التأمل والتفكير في بنية التركيب اللغوي، دفعا لمشاركته في بناء المعنى و إيحاءاته، بعد تجاوز سلبية التلقي المرتكن لذلك الوضوح ذي الطبيعة الإخبارية، ويمكن إلى حد بعيد سحب الملاحظة نفسها على كثير من عناوين نصوص الديوان الستة و الأربعين، إذ تنفلتمن قبضة الإمساك بالدلالة مع القراءة الأولى، لانفتاح بنيتها اللغوية على تعدد احتمالات التأويل، سواء كان العنوان اسما مفردا (13 مرة منها أحد عشر نكرة )، أو كان جملة اسمية خبرية على تقدير حذف الابتداء،(18 مرة )، عدا ما تفرق بين الجملة الفعلية الخبرية نفيا أو الإنشائية أمرا، و شبه الجملة الحرفية أو الظرفية وغيرها. نستحضر هنا الانفتاح التأويلي الذي تحققه الجملة الاسمية بخبرها المعلق على المبتدأ المحذوف، بموازاة ما تسعف به الكلمة المفردة و النكرة منها خاصة، من إمكانيات التفكير في أفق انتظار أبعد يحمل عليه تنكيرها إطلاقا، دون حصر الدليل الناتج عن العلاقة بين الدال والمدلول بالتعريف المُقيِّدِ لاتِّساع مجال التأويل.
يلحق بذلك، ما يلاحظ من ارتباط بعض عناوين الديوان بالمعجم المهيمن على نصوصه، يمكن معه القول بوجود خيط ناظم للعلاقة بين العتبات الموصلة لدهاليز النصوص التي تسكنها ذات الشاعرة، وهي ترسم عالما موازيا لعالمها الداخلي الكائن بغليانه العاطفي ، أو متقاطعا مع عالم متخيل تحلق فيه بطاقتها الإبداعية باللغة، لرسم صور فنية تكتسب جماليتها من نزعة الخلق لا على مثال، بعد تقصد الخرق فيما ستأتي الإشارة إليه، على مستوى اللغة والبلاغة و الإيقاع.
فبعد إحصاء التكرار في ألفاظ بعينها تقاسمتها نصوص الديوان، مع ما يجاورها من اشتقاق أو ترادف معجمي أو انتماء لحقل دلالي، تبين أن كثيرا منها سيشكل عناوين لعشرين نصا، مما قد يؤشر على وجود علاقة قوية بين ذلك التكرار و العناوين/ العتبات النصية، تتجاوز الوضع الاعتباطي للعنوان، ليس فقط من خارج النص، ولكن أيضا من خارج اللغة التي تهيمن على النصوص.
الحب (50 ) :فيء الحب/ يقين الحب/سوار الحب/حبيبها/حبيبته ارحلي/مسارب الحب. /
الروح(24 ) :عبق الروح /
البحر(17 ) : بحر/ غريقا يصبح البحر./
الفؤاد (16 ) : غاية الفؤاد /
الليل (16 ): ليل /
المساء(11 ) : لم يأت بك المساء /
المغيب(10 ) : حين تغيب/ غياب/
العشق(10 ) : كبرياء العشق/
الشفتين(9 ) : شفاه/تلك الشفة التي/
العطر(9 ) : عطر اليقظة/
البوح( 7) : أنامل البوح/
الصباح(6 ) : قهوة الصباح/.
و أزعم أن العنونة باعتبارها عتبةَ تعاقدٍ مُسبق بين الشاعرة و القارئ، تمثل أبرز مظهر لانشغالها بمنح نصوصها تلك اللحظة الوامضة والمؤشرة في آن واحد على فضاء انشغالاتها الذاتية، مما قد يكون القارئ قد لامسه من خلال الاستبطان الأولي لبنية العنوان السطحية ثم العميقة، انسجاما المتعارف عليه حول قراءة العنوان، باعتباره مكونا نصيا يُفترض فيه الارتقاء إلى مستوى تمثيل المضمون باختزاله للإشارة الدلالية للنص مبنى ومعنى. الروح(24 ) :عبق الروح /
البحر(17 ) : بحر/ غريقا يصبح البحر./
الفؤاد (16 ) : غاية الفؤاد /
الليل (16 ): ليل /
المساء(11 ) : لم يأت بك المساء /
المغيب(10 ) : حين تغيب/ غياب/
العشق(10 ) : كبرياء العشق/
الشفتين(9 ) : شفاه/تلك الشفة التي/
العطر(9 ) : عطر اليقظة/
البوح( 7) : أنامل البوح/
الصباح(6 ) : قهوة الصباح/.
يمكن التمثيل لذلك الانفلات المستهدف بغاية إشراك المتلقي في استشراف احتمالات التأويل، من خلال الاستئناس بقراءة العنوان الرئيس" لمن الشوق كل مساء".
لعل أول تعويم تقصَّدتْهُ الشاعرة في جملة العنوان، إغفالُها لعلامة الترقيم وفق ما يوحي به استدعاء صيغة السؤال، على الأقل من جهة التنغيم المطلوب عند القراءة استفهاما بالأداة "مَنْ"، لتأخذ العبارة منحى الدلالة على جواب سؤال ضمني، يمكن معه افتراضقراءة العنوان بحمولة خبرية يفيدها استفهام إنكاري يحيل على علم حاصل لدى الشاعرة بذلك الخبر، و الذي ستعلن عنه من خلال مادة نصوصها في الديوان.
تبتدئ الجملة بحرف اللام متصلة بـ " مَن"، مختزلةً معنى شبه الجملة " من أجل "، و لا دليل على تحيزها للاستفهام أو الموصولية في غياب علامة الترقيم، رغم قوة ترجيح دلالة اللام على الاستحقاق، و هي التي تقع بين اسم الذات ( مَنْ للإنسان ) واسم المعنى ( الشوقالمصدر)، تمييزا لها عن لام الملك التي تتصل بما يصح نسبة الملكية إليه بين ذاتين (للشاعرة بوزفور ديوانان)، أو لام الاختصاص التي تقع بين ذاتين لا تصح بينهما نسبة الملك تلك ( للقصيدة وزن و قافية) وسواء قرئت " مَن" على الاستفهام سؤالاً عمَّنْ يقع عليه الشوق في مطلق المساءات، أو قرئت على الموصولية بمعنى "الذي"، فإنها تبقى متعلقة بمن يعود عليه ذلك الشوق بمعاني المَيْل/ التَلَهُّف/ التَوْق/ الحَنِين/الصَبابَة/ النُزُوع/الوَجْد/الاشتياق"، بعد تعذر الاتصال لمسافة انفصال بين الشائق والمشوق، " كل مساء "، بما يوحي به الإمساء من ذَهَاب و رَوَاح وانسياب نحو الليل ، مع توالي انتظار تحقق الوصال، بعد استغراق في الزمان بحمل " كلَّ " على الظرفية، وقد يجد القارئ حاجة لإسناد الشوق المتعلق بـ "مَنْ"، إلى الفعل بدلالته الحدثية والزمنية كي يستقيم المعنى، سواء استحضر الفعل منقطعا إلى الماضي ( لمن كان/ لمن بقى/ لمن تجدد ) أو مضارعا منفتحا على الحال والاستقبال ( لمن يكون/ لمن يبقى/ لمن يتجدد ).
بالعودة إلى جنس الإبداع باللغة كما ارتضته الشاعرة رشيدة بوزفور، حين صنفت نصوصها ضمن الشعر تعميما، يمكن افتراض جملة تساؤلات تعن للقارئ من قبيل ما تحقق للتجربة من إضافة نوعية على مستوى الجنس التعبيري الذي اختارته الشاعرة لتقديم تمثلها عن الوجود و العالم ببعديه الذاتي والموضوعي؟
هل تنطلق من اتصال بتجريب فني للمقول الشعري تبحث ضمنه عن مكان تحت شمس الإبداع باللغة؟
هل تكتب نصها الشعري اعتمادا على خلاصة التراكم الفني لما انتهى إليه الخطاب الشعري من تطور أنهى قطيعته مع المحافظة في مستواها البنائي و الإيقاعي؟
هل تكتب نصها الشعري بتواز مع تجربة الانفلات من بوتقة التصنيفات، لإنتاج تعبير شعري جمالي وفني يستمد قوته من خصوصيات الانفعال والتفاعل مع اللحظة الشعرية، باعتبارهما المحددين لمسار تشكيل الجملة الشعرية وما تستدعيه من توتراتها من إيقاعات تقوم على الموسيقى الداخلية المرتبطة بالحالة النفسية والشعورية؟
لعل المدخل المناسب لمقاربة تجربة الشاعرة رشيدة بوزفور، إنما يتمثل في انحيازها المعلن عبر نصوصها لتصور متجدد للشعر، يقوم على اعتباره دفقاتٍ شعوريةً تعبر عن صاحبها من منظور إنساني و رؤية كونية، تتعالى على حاجة الالتزام بقيد الايقاع أو الانضباط لأنساقٍ جمالية لا تعترف بالإبداع إلا من خلال مرجعيتها في قواعد اللغة و البلاغة و العروض .
يتمثل ذلك في تحررها من أي ارتباط بما ظل سائدا تحت عنوان عمود الشعر العربي مبنى ومعنى، بل يتمظهر ذلك في انصراف الشاعرة عن بنية التصوير الفني بمنطق أبجديات البيان في التشبيه والمجاز اللغوي بامتداده الاستعاري، لخلق تشكيل جمالي للصورة الشعرية الكلية، انسجاما مع خصوصيات وحدة الانفعال والتفاعل في اللحظة الوجودية، متحللة بذلك من تحكمات الدرس البلاغي و إكراهات منطق قواعده التي ترفض الاستثناء.
في هذا السياق، يحضر اهتمام الشاعرة رشيدة بوزفور لدرجة الوله، بالجملة الشعرية القريبة من التصوير السريالي، بعد اختيار علاقات بين الأشياء ذواتا ومعاني، ليست مما يقبل التحييز تحت أية قاعدة بلاغية مما حفظته الذاكرة الشعرية العربية، فتتجاوز التركيب القائم على الائتلاف، إلى التصوير المبني على الاختلاف، سعيا لبلوغ تلك الصدمة مع الثابت، بكل ما تحمله الصدمة من إمكانية التأثير على الوجدان والفكر.
أقول ذلك، لنفي ما ذهب إليه البعض حين وصل الشاعرة بامتداد النفس الرومانسي في النص الشعري المغربي باللغة العربية، استنادا لتوظيف معجم الطبيعة بموازاة التعبير عن تجربتها الوجدانية، أو استئناسا بجملة وردت على لسان الشاعرة في آخر نص بالديوان تحت عنوان: "غريقا يصبح البحر" في الصفحة140، جاء فيها:
ترتعش بي أناملي
و أنا أتفقد وجه السماء
كنت أبدا أرى ابتسامته رغم عماي الموغل في الرومانسة
+++
وأقدم فيما يلي مقاطع على سبيل التمثيل لا الحصر، أزعم من خلالها ابتعاد الشاعرة عن استعادة ذلك النفس الرومانسي، من خلال تجاوزها لتلك العلاقة المألوفة بين الذات والطبيعة، لفائدة تعالقات مغايرة في توظيف الدليل اللغوي، تتجه نحو تلك بناء تلك الصورة السريالية بجمالية تكسر الخط الأفقي لتلك العلاقة القائمة على المشابهة نحو علاقة تقترب من بنية المجازات المرسلة في البلغة العربية.
++++
اندحار ص 20 :
لا شيء غير نهدها
يقتات من غيمة الأحلام
و يذرف الحروف من جوف الذوبان
++
أنامل الروح ص25:
مال المساء على غصن قلبها
أترع البوح
ساور جموحها
تداعت يا فرح أناملها قد حث الشعر إليها أناملها
++++
تشرين ص 49:
رويدك تشرين
يا زمن وجعي
يراوح الألم شرفاتك الباردة
قد آليت التباريح على حدائق الروح
+++++
بحر ص 81:
الآن فقط
سأهمس للكرى
رويدا رودا
أخف الخطو إليّ
قد هجع الحبيب أخيرا على سرير مقلتي
لذلك لن أكتب شعرا هذا المساء
بالذات هذا المساء
++++++++
حبيبها ص 106
حبيبها
كل ليلة
تغادر رصيف ضحكتها
تلملم عطر حضورك من جنبات الحديث
بعيدا عن حضن عينيها
+++
و يتمثل انزياح الشاعرة رشيدة بوزفور أبعد، في تعاليها المطلق عن بنْينة جملتها الشعرية إيقاعيا، وفق تشكيلات ترتهن للعروض الشعري العربي قديمه و حديثه، فلا وزن و لا تفعيلة ولا تقطيع ولا توزيع على نمط مخصوص لموسقة مقولها الشعري، لأنها تؤمن أولا و أخيرا بأن لا موسيقى خارجية ممكنة للشعر، إلا من خلال الحالة و ما تكون عليه من تموجات وحدها ضابط الإيقاع في تلك الجملة الشعرية.
يقودني ذلك ، إلى الزعم بكون ديوان" لمن الشوق هذا المساء"، يقدم صورة متكاملة عن المتن الشعري باللغة العربية في المغرب، من حيث تمثله لحاجة الانفصال، ليس فقط عن سلطة النموذج المثال في الموروث القديم، ولكن أيضا، عن تقييمات النقد للتجارب الجديدة، حين يعتمد في توصيفها أو تصنيفها على عناوين مستوحاة من مظاهر تطور النص الشعري الغربي، من قبيل قصيدة النثر أو النثيرة أو الومضة الشعرية وغيرها، مما لا زال إلى اليوم موضوع اختلاف إن لم يكن مادة خلافية بين اتجاهات نقدية ومذاهب شعرية.
******************************
(*): لمن الشوق كل مساء/ شعر :رشيدة بوزفور
عن دار الإسلام للطباعة و النشر 2014 مصر
عن دار الإسلام للطباعة و النشر 2014 مصر