قطعة حلوى
بقلم / أحمد عبد اللطيف سلام
بقلم / أحمد عبد اللطيف سلام
مضت ثلاث ساعات بعد انتهاء مواعيد عملي، ظللت خلالها جالسًا إلى مكتبي لا أصنع شيء سوى انتظار الإذن لي بالانصراف، فقد أجبرني رئيسي الجديد على البقاء، ولم أجد ضرورة لذلك.
عندما غادرت الشركة كان قد تملكني الغيظ، فنفست غضبي في سيجارتي اللعينة، ثم تابعت سيري إلى موقف الحافلات.
لم أجد سوى كرسيًا شاغرًا في آخر الحافلة، ألقيت عليه جسدي، فهاجمني سيل من الأفكار والمشاعر السلبية، جعلني أتذكر علاقتي بالمدير، والتي كانت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فهو لا يتصيد لي الأخطاء فقط وإنما يدفعني إلى ارتكابها دفعًا، ثم يُقرّعني بألفاظ ٍ نابية، بل ودأب في الآونة الأخيرة على إزعاجي بكل ما أوتي من قوة، حتى ظننتُ انه قد جاء خصيصًا من أجلي أنا، والسؤال الذي يشغلني طيلة الوقت هو لماذا يفعل بي ذلك؟
انتبهت عندما وقعت عيني عليها وهي تصعد الحافلة، امرأة خمسينية ترتسم على وجهها ابتسامة صافية، ذات عينان خضراوان باهتة، وبقايا من مسحة جمال قد ذوى، ترتدى جلبابًا رخيص الثمن بدت عليه النظافة، كانت تحمل في يدها كيسًا بلاستيكيًا يمتلئ بقطع الحلوى، قبضت عليه بكلتا يديها وضمته إلى صدرها، وكأنه طفلها الأثير إلى قلبها، والذي تخاف عليه الفقد.
تابعتها وهي تسير بخطوات هادئة بين الركاب، كانت توزع ابتساماتها الرقيقة وهي تعرض عليهم شراء الحلوى، قررتُ أن أشتري منها أكثر من قطعة، أصابتني الدهشة عندما لم يشتري منها أحد، ولكن عندما وقفت أمامي فعلتُ مثل الآخرين.
وقفت بجوار باب الحافلة، والابتسامة لم تفارقها ثانية واحدة، على الرغم من امتناع جميع الركاب وأنا منهم عن إعطائها شيء.
رأيتُها تتجاذب أطراف الحديث مع امرأة كانت تجلس على كرسي من الكراسي الأمامية، وابتسامتها لا تزال تًعلو وجهها، والحديث بينهما مُفعم بالود والتفاهم.
تعجبتُ مما رأيت، فقد كنتُ أنتظر منها أن تختفي ابتسامتها، أو تتلفظ ببعض الكلمات من أجل ترقيق قلوب الركاب، أو تهبط من الحافلة تجر أذيال الخيبة، لكنها لم تصنع أي شيء من ذلك، بل ظلت محتفظة بهدوء وخفة روح تتناقض مع مظهرها الخارجي.
توقفت الحافلة فالتفتت إلى الركاب وألقت عليهم السلام، ثم هبطت والابتسامة تضئ وجهها.
قبل أن تتحرك الحافلة تحرك شيء في داخلي دفعني إلى اللحاق بها، هبطتُ من الحافلة بلا تردد، استوقفتها متسائلًا: هل تعطيني قطعة حلوى بلا مقابل؟
زادت ابتسامتها وهي تفض كيسها، وتعطيني الحلوى قائلة: تفضل يا بنى، بالهناء والشفاء، نظرتُ اليها ودمعتان تهمان بالخروج من عيني تمكنتُ من منعهما.
وضعت يدي في جيبي، فأخرجت ورقة نقدية دسستها في كيس الحلوى، وقلت لها: شكرًا يا أمي.
نظرت إليّ والفرحة تملأ وجهها والدموع تترقرق في عينيها، غمغمت ببعض الكلمات، كان آخرها، " يا رب ".
(تمت)
تعليق