قطعة حلوى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • احمد عبد اللطيف
    أديب وكاتب
    • 07-04-2015
    • 71

    قطعة حلوى

    قطعة حلوى
    بقلم / أحمد عبد اللطيف سلام

    مضت ثلاث ساعات بعد انتهاء مواعيد عملي، ظللت خلالها جالسًا إلى مكتبي لا أصنع شيء سوى انتظار الإذن لي بالانصراف، فقد أجبرني رئيسي الجديد على البقاء، ولم أجد ضرورة لذلك.

    عندما غادرت الشركة كان قد تملكني الغيظ، فنفست غضبي في سيجارتي اللعينة، ثم تابعت سيري إلى موقف الحافلات.

    لم أجد سوى كرسيًا شاغرًا في آخر الحافلة، ألقيت عليه جسدي، فهاجمني سيل من الأفكار والمشاعر السلبية، جعلني أتذكر علاقتي بالمدير، والتي كانت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فهو لا يتصيد لي الأخطاء فقط وإنما يدفعني إلى ارتكابها دفعًا، ثم يُقرّعني بألفاظ ٍ نابية، بل ودأب في الآونة الأخيرة على إزعاجي بكل ما أوتي من قوة، حتى ظننتُ انه قد جاء خصيصًا من أجلي أنا، والسؤال الذي يشغلني طيلة الوقت هو لماذا يفعل بي ذلك؟

    انتبهت عندما وقعت عيني عليها وهي تصعد الحافلة، امرأة خمسينية ترتسم على وجهها ابتسامة صافية، ذات عينان خضراوان باهتة، وبقايا من مسحة جمال قد ذوى، ترتدى جلبابًا رخيص الثمن بدت عليه النظافة، كانت تحمل في يدها كيسًا بلاستيكيًا يمتلئ بقطع الحلوى، قبضت عليه بكلتا يديها وضمته إلى صدرها، وكأنه طفلها الأثير إلى قلبها، والذي تخاف عليه الفقد.

    تابعتها وهي تسير بخطوات هادئة بين الركاب، كانت توزع ابتساماتها الرقيقة وهي تعرض عليهم شراء الحلوى، قررتُ أن أشتري منها أكثر من قطعة، أصابتني الدهشة عندما لم يشتري منها أحد، ولكن عندما وقفت أمامي فعلتُ مثل الآخرين.

    وقفت بجوار باب الحافلة، والابتسامة لم تفارقها ثانية واحدة، على الرغم من امتناع جميع الركاب وأنا منهم عن إعطائها شيء.
    رأيتُها تتجاذب أطراف الحديث مع امرأة كانت تجلس على كرسي من الكراسي الأمامية، وابتسامتها لا تزال تًعلو وجهها، والحديث بينهما مُفعم بالود والتفاهم.

    تعجبتُ مما رأيت، فقد كنتُ أنتظر منها أن تختفي ابتسامتها، أو تتلفظ ببعض الكلمات من أجل ترقيق قلوب الركاب، أو تهبط من الحافلة تجر أذيال الخيبة، لكنها لم تصنع أي شيء من ذلك، بل ظلت محتفظة بهدوء وخفة روح تتناقض مع مظهرها الخارجي.
    توقفت الحافلة فالتفتت إلى الركاب وألقت عليهم السلام، ثم هبطت والابتسامة تضئ وجهها.

    قبل أن تتحرك الحافلة تحرك شيء في داخلي دفعني إلى اللحاق بها، هبطتُ من الحافلة بلا تردد، استوقفتها متسائلًا: هل تعطيني قطعة حلوى بلا مقابل؟
    زادت ابتسامتها وهي تفض كيسها، وتعطيني الحلوى قائلة: تفضل يا بنى، بالهناء والشفاء، نظرتُ اليها ودمعتان تهمان بالخروج من عيني تمكنتُ من منعهما.

    وضعت يدي في جيبي، فأخرجت ورقة نقدية دسستها في كيس الحلوى، وقلت لها: شكرًا يا أمي.
    نظرت إليّ والفرحة تملأ وجهها والدموع تترقرق في عينيها، غمغمت ببعض الكلمات، كان آخرها، " يا رب ".

    (تمت)

    التعديل الأخير تم بواسطة احمد عبد اللطيف; الساعة 24-12-2022, 07:24. سبب آخر: الإضافة
    مدونتى
    أحمد عبد اللطيف سلام
  • بسباس عبدالرزاق
    أديب وكاتب
    • 01-09-2012
    • 2008

    #2
    من الصعب أن تصنع آلة جبارة
    و لكن من الصعب جدا أن ترسم ابتسامة صغيرة إلا على أصحاب القلوب الطيبة
    فالقلوب الطيبة هم ابتسامات تتسكع في الطرقات
    نص جميل نلمس فيه حرفة واضحة على النحت


    أعجبني ما قرأت هنا

    تقديري أستاذي أحمد عبداللطيف
    السؤال مصباح عنيد
    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

    تعليق

    • احمد عبد اللطيف
      أديب وكاتب
      • 07-04-2015
      • 71

      #3
      شكراً على مرورك الكريم و تعليقك المؤنق أستاذ بسباس عبد الرازق ... دمت موفقاً
      مدونتى
      أحمد عبد اللطيف سلام

      تعليق

      • محمد الفاضل
        أديب وكاتب
        • 21-12-2011
        • 208

        #4
        سرد مشوق وجدير بالمتابعة
        أسجل إعجابي وحضوري المتواضع
        تحياتي
        sigpic

        روحي تحلق بعيداً في الفضاء تخترق الاَفاق ، ترنو إلى أحبة حيث الشحرور والحسون يشدو على الخمائل أعذب الألحان . لما رأى الحمام لوعتي وصبابتي رق لحالي وناح على الأيك فهيج أحزاني وأشجاني . أتسكع في أروقة المدينة وأزقتها .. أبحث عن هوية ووطن ! ولا شئ غير الشجن . أليس من الحماقة أن نترك الذئاب ترتع فوق تخوم الوادي ؟

        تعليق

        • رقية عبد الرحمن
          أديب وكاتب
          • 07-02-2016
          • 145

          #5
          نص كلذة تلك الحلوى مهضوم بحلاوته وطيب مضمونه
          ممتنة كاتبنا

          تعليق

          • احمد عبد اللطيف
            أديب وكاتب
            • 07-04-2015
            • 71

            #6
            الشكر موصول لمرورك الكريم أ / محمد الفاضل
            مدونتى
            أحمد عبد اللطيف سلام

            تعليق

            • احمد عبد اللطيف
              أديب وكاتب
              • 07-04-2015
              • 71

              #7
              شكراً على وصفك الرائق و امتنانك الرائع ..... دمتى موفقة استاذة رقية عبد الرحمن .
              مدونتى
              أحمد عبد اللطيف سلام

              تعليق

              • أشرف الفار
                أديب وكاتب
                • 30-05-2008
                • 106

                #8
                قصة جميلة تعكس جزء من واقع مؤلم
                نظل نتمنى عيش وحرية وعدالة إجتماعية
                من الصح أن لا نعطي المرأة ورقة نقدية وفقط
                الصح أن نتكاتف لكي لا نرى تلك السلبيات
                التي أبدعت في إظهارها وتوثيقها كاتبنا الغالي
                تحياتي
                الحياة لا تساوي شيئا مقابل سعادة قلب إنسان

                تعليق

                • احمد عبد اللطيف
                  أديب وكاتب
                  • 07-04-2015
                  • 71

                  #9
                  شكراً على مرورك الكريم أ / أشرف الفار ، و على نقدك الرقيق ، و رأيك الصائب فى التكاتف من أجل القضاء على السلبيات التى استشرت فى المجتمع، ولكن هذا يرجع لقلة الوعي عند الكثيرين، دُمت بخير.
                  التعديل الأخير تم بواسطة احمد عبد اللطيف; الساعة 13-12-2022, 07:11.
                  مدونتى
                  أحمد عبد اللطيف سلام

                  تعليق

                  • احمد عبد اللطيف
                    أديب وكاتب
                    • 07-04-2015
                    • 71

                    #10
                    هذه القصة واقعية وتمثل مشكلة اجتماعية أراها تزداد يومًا بعد يوم، دُمتم بخير .
                    مدونتى
                    أحمد عبد اللطيف سلام

                    تعليق

                    • عائده محمد نادر
                      عضو الملتقى
                      • 18-10-2008
                      • 12843

                      #11
                      بساطه
                      جمال
                      خفه
                      سلاسه
                      بسيط وجميل سردك
                      بالرغم من بساطة الحدث لكنه اخذني لعمق ذاك الكائن المتعفف والنفس الابيه الكريمه
                      كم كنت كريما يااحمد
                      شكرا من القلب لم
                      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                      تعليق

                      يعمل...
                      X