مزدحم بالعواطف، ممتلئ هو بالألم والتعب، أخذ ورقة رقيقة (ماصة) *،ومكعبا من الزطلة وبدأ بحرقه بالولاعة، ثم قام بتفتيتها، لتصبح مسحوقا دقيقا، ثم بخفة ورشاقة قام بلف الورقة حول مسحوق الزطلة، حتى أصبحت مثل سيجارة جديرة بالتقبيل، وبشقاوة شاب مغرم بالتخدير احتضنها في كف يده، مرر أنفه عليها وكأنها امراة تبرجت بعطور باريسية مغرية، تفقدها جيدا وكأنه يحضر لطقس من طقوس العشق، والتفت للقمر الذي كان ينظر ناحيته بنظرة إشفاق، تنهد بعمق وهو يتناولها بين أنامله الهزيلة هزالة أحلامه التي لم يتحملها الوطن، لم ينتظر وأشعلها حبا، وراح يستدرج النشوة لداخله...
غير بعيد عنه، قافلة من الكلاب المتشردة تتصارع، وأعمدة إنارة أنهكها الوقوف، توزع ضوءها البارد برودة المكان، مدد رجليه وعيناه تطارد خيالا رسمه العدم، اضطرب وهمس لنفسه: أمثالي هوامش ضيقة، أيمكن أن أكون شيئا زائدا عن حاجة الوطن؟ واستسلم بعدها لهواجسه، الحزن كان يحتله رويدا، سحب جرعة دخان أراد لها أن تفتك به، لم تفعل بل ازدادت انفعالاته، حاول التنقيب عن صورة جميلة في شريط الذاكرة، فالذاكرة مثل علبة سوداء، تشبه لحد بعيد تلك العلب التي تحفظ حديث الطيارين في الطائرة، أحيانا نفتش عنها لنحاول معرفة أسباب التحطم، فنعثر على أجزاء مهشمة، نعيد تشكيل الصورة ولكنها دوما ما تكون لوحة متشققة غير كاملة التفاصيل....
قبع بداخله، وهاجس المستقبل ينخر في خياله، مثل دودة تكفلت بتحويله لتراب تمشطه الريح نحو نقطة اللاوجود، الماضي كان فرصة له للسفر في أحلامه، أحلام تعفنت وأصبحت خارج صلاحية الممكن، تمكن من إيجاد طريقة للتحدث مع القمر:
-هل ترى المدينة؟
أجاب القمر بطريقة ذكية،
-أخاف من التحدث إلى أمثالك.. فأمثالك يرهقونني بحماقاتهم.
-لست أحمق، بل أنا فائض بالحزن...
- أنت تعرف يا صديقي، أنني صديق العشاق والشباب المغرمين..
تألم واستسلم للصمت، لمحت صورتها كشهاب كان لتوه يعبر بين شوراع النجوم، فدوى، أضاف اسمها للحزن بداخله، جرعة من الألم، ولكنه أحس بنبضات خفيفة وطرق من الأعماق، يكبر وينمو ليغدو صورة كاملة، بل كائنا بكامله أمامه، رآها وهي ترقص أمامه، جميل جدا أن ترى امرأة ترقص للقمر، أراد للمطر أن ينزل، ليغسل ما ترسب في أعماقه من خيبات، آه أيها الليل، قالها بحسرة وأتبعها بزفرة طويلة وأكمل هواجسه: أنت سلة الأحلام، نفق مدجج بالخيبات الملغومة،،،
أحس بحركات خفيفة قريبة منه، تابعها بخوف وقلق، ظل طويل لشبح يرتدي السواد، ثوب فضفاض، يكاد يندمج مع العتمة لولا ضوء القمر الذي يكاد يفضح خطواته، ثم ها هو يقفز نحو النافذة، يدخل ويختفي داخل غرفة مظلمة، ارتاب في المشهد واضطرب، لص هو أم عاشق يلج نحو عشيقته، يا الله، زوجة ذلك المنتفخ بمدحها، لحظات حارة وخرج الشبح واختفى بسرعة، لترتفع داخل البيت ضوضاء وضجيج، وبعض ضرب، وصراخ امرأة، وكلمات مشتتة: عاهرة، سأقتلك، أين ذهب؟، لابد هو بالخارج، سألحقه وأقتله، حينها نظر نحوي الشاب المزطول؛ الذي وضعته في موقف صعب، أمسك القلم الذي أكتب به، وقال لي: توقف عن الكتابة، تريد قتلي؟....
هامش:
الشمة: مسحوق يوضع داخل ورقة (ماصة) ثم يوضع تحت الشارب و هو يعتبر تبغا أيضا
الزطلة: هي مادة مخدرة تستعمل بكثرة بين المدمنين
تعليق