قال لى صاحبى حينما ذكرت له بدايتنا فى المحاماة : كنت أتدرب عند أحدهم و قد ساءنى أسلوبه ، فسألت زميل لى
عن مكتب يعيننى على اجتياز فترة التدريب فدلنى على محامى ذكر لى الكثير عنه غير أنه لم يلفت انتباهى إلا وصفه أنه باشا .
لم أعر ذلك اهتماماً بل ذهبت إليه من فورى ، يدفعنى حرصى على التعلم والرغبة فى التمكن من أساليب المهنة ، و عندما دلفت
من باب العمارة العتيق وجدت أنى قد انتقلت الى أحد المسلسلات التى كنت أراها فى رمضان تزدحم بالمشاهد التاريخية .
صعدت درجات السلم إلى الطابق الثالث ، طرقت الباب ففتح لى الساعى فأخبرته برغبتى فى مقابلة الاستاذ ليكن لى شرف التدريب معه ،
نظر لى نظرة تعجب ثم اشار لى بالجلوس على أحد الكراسى المتناثرة بالردهة و دون أن ينبس بكلمة تركنى و انصرف .
كانت الشقة ذات طراز قديم ، قد امتلأت جدرانها بزخارف و لوحات مضى عليها سنوات طويلة ، فما لبثت أن تملكنى شعور نقلنى
بالفعل الى زمن آخر . أفقت بعد وقت لا أدرى ما مقداره على صوت الساعى يدعونى للدخول .
رأيته جالساً على مكتب ضخم وضعت فوقه الملفات بدقة و نظام تحيط به مجسمات صغيرة لنساء و رجال يرتدوا ملابس السهرة
و يسرى فى المكان عطر نفاذ يأخذ بالالباب و إضاءة خافتة تشعرك بالراحة و الطمأنينة و كان يرتدى بدلة سوداء يتدلى من جيبها الأعلى
منديلاً وضع بعناية و كانت نظراته الواثقة و شاربه الممتد تشى بالهيبة و الوقار و لا ينقصه سوى طربوش يعتلى رأسه فيصير بحق ( الباشا )
تجاذب معى أطراف الحديث فبحت له بخبيئة نفسى فعلا البشر وجهه معلنا قبوله التدريب معه .
أقبل الساعى علينا مخبراً بوصول أحد موكلى المكتب فنظر لى قائلاً : سترى الآن طريقتى فى مقابلة الزبائن ، و مدى قدرتى على إقناعهم
بأى شئ أريده ، دب فى نفسى شئ من القلق إزاء هذه الكلمات التى سمعتها منه على الرغم من أن السرور قد لامس قلبى فقد كانت فرصة
كبيرة من وجهة نظرى .
عندما وصل الموكل القى علينا السلام رافعاً كلتا يديه قائلاً له : أزيك يا حج ، فرد عليه : أهلاً أهلاً ، أزيك أنت يا معلم .
جف ريقى عند سماعى هذه الكلمات و زاد جفافه عندما واصلا الحديث بلغة سوقية أترفع عن التحدث بها ، و لم يقطع حديثهما
سوى دخول الساعى يحمل بين يديه ( شيشة ) فتعجبت من سرعته فى إحضار الشيشة للموكل ، لكن تبدد هذ التعجب حينما وضعها أمام الاستاذ
الذى بادره قائلاً : فين شيشة المعلم يابنى .
خرج الساعى مسرعاً فخرج الرضا الذى كان يملأ قلبى و جلست بينهما كالحاضر الغائب لا أدرى متى جاء الساعى بالشيشة الأخرى،
و لا فى أى الأمور تحدثا ، فلم انتبه إلا عند قيام المعلم بإلقاء السلام علينا معلناً الانصراف ، فقمت بدورى مستأذناً منه فقال لى :
سأنتظرك غدا فقلت له على الفور : إن شاء الله و لسان حالى يقول : فى المشمش يا باشا .
عن مكتب يعيننى على اجتياز فترة التدريب فدلنى على محامى ذكر لى الكثير عنه غير أنه لم يلفت انتباهى إلا وصفه أنه باشا .
لم أعر ذلك اهتماماً بل ذهبت إليه من فورى ، يدفعنى حرصى على التعلم والرغبة فى التمكن من أساليب المهنة ، و عندما دلفت
من باب العمارة العتيق وجدت أنى قد انتقلت الى أحد المسلسلات التى كنت أراها فى رمضان تزدحم بالمشاهد التاريخية .
صعدت درجات السلم إلى الطابق الثالث ، طرقت الباب ففتح لى الساعى فأخبرته برغبتى فى مقابلة الاستاذ ليكن لى شرف التدريب معه ،
نظر لى نظرة تعجب ثم اشار لى بالجلوس على أحد الكراسى المتناثرة بالردهة و دون أن ينبس بكلمة تركنى و انصرف .
كانت الشقة ذات طراز قديم ، قد امتلأت جدرانها بزخارف و لوحات مضى عليها سنوات طويلة ، فما لبثت أن تملكنى شعور نقلنى
بالفعل الى زمن آخر . أفقت بعد وقت لا أدرى ما مقداره على صوت الساعى يدعونى للدخول .
رأيته جالساً على مكتب ضخم وضعت فوقه الملفات بدقة و نظام تحيط به مجسمات صغيرة لنساء و رجال يرتدوا ملابس السهرة
و يسرى فى المكان عطر نفاذ يأخذ بالالباب و إضاءة خافتة تشعرك بالراحة و الطمأنينة و كان يرتدى بدلة سوداء يتدلى من جيبها الأعلى
منديلاً وضع بعناية و كانت نظراته الواثقة و شاربه الممتد تشى بالهيبة و الوقار و لا ينقصه سوى طربوش يعتلى رأسه فيصير بحق ( الباشا )
تجاذب معى أطراف الحديث فبحت له بخبيئة نفسى فعلا البشر وجهه معلنا قبوله التدريب معه .
أقبل الساعى علينا مخبراً بوصول أحد موكلى المكتب فنظر لى قائلاً : سترى الآن طريقتى فى مقابلة الزبائن ، و مدى قدرتى على إقناعهم
بأى شئ أريده ، دب فى نفسى شئ من القلق إزاء هذه الكلمات التى سمعتها منه على الرغم من أن السرور قد لامس قلبى فقد كانت فرصة
كبيرة من وجهة نظرى .
عندما وصل الموكل القى علينا السلام رافعاً كلتا يديه قائلاً له : أزيك يا حج ، فرد عليه : أهلاً أهلاً ، أزيك أنت يا معلم .
جف ريقى عند سماعى هذه الكلمات و زاد جفافه عندما واصلا الحديث بلغة سوقية أترفع عن التحدث بها ، و لم يقطع حديثهما
سوى دخول الساعى يحمل بين يديه ( شيشة ) فتعجبت من سرعته فى إحضار الشيشة للموكل ، لكن تبدد هذ التعجب حينما وضعها أمام الاستاذ
الذى بادره قائلاً : فين شيشة المعلم يابنى .
خرج الساعى مسرعاً فخرج الرضا الذى كان يملأ قلبى و جلست بينهما كالحاضر الغائب لا أدرى متى جاء الساعى بالشيشة الأخرى،
و لا فى أى الأمور تحدثا ، فلم انتبه إلا عند قيام المعلم بإلقاء السلام علينا معلناً الانصراف ، فقمت بدورى مستأذناً منه فقال لى :
سأنتظرك غدا فقلت له على الفور : إن شاء الله و لسان حالى يقول : فى المشمش يا باشا .