حضن الشيطان
.......................
لا ألوى على أمر ويداي خاويتان وعيناي لاتستقران في مكان ولاتذهب في مكان وسمعي تائه في صراخ الشارع .
كان يحمل حزمة قات في يده لا أمر له غير أن يسير في الطريق غير آبه بكل هؤلاء وليس غير خارطة البيت تتحرك في ذاكرته عند كل نقطة يقف عليها .
تقدمت نحوه من مسافة لازالت تفصل بيننا وقمت بذات التعرجات التي يقوم بها وهاأنذا الآن أعرّج يسارا إلى حيث خرج من الطريق التي أتقدم فيها نحوه وهاأنذا أحكّ كتفي في كتفه لينشّ بيده نحوى متضايقا من فعلتي ويروغ بوجهه إلى الجهة الأخرى ويواصل طريقه وهاأنذا أذكر اسمه كمن أضعه أمامه على الطريق ليلتفت نحو المشاة ليبحث فيمن أدلى باسمه غير قاصد لأحد منا وهاهي عيناه تحط في عينيّ ليرتد إليه بصره في لمحة واحدة ويذهب عنّي ليقف وقدمه مرفوعة إلى أمام في طريقه وليطرف نحوي بعينه مرة أخرى .
كان بيته على عشر خطوات من قدمه المدلاة وهاأنذا أتابعه في مؤخرة رأسه ليقف أخيرا أمام باب بيته يدير المفتاح وينقرج الباب ويدخل .
وهاهو وقبل أن يغلق الباب وراءه يعود فورا إلى الشارع , ولازال كل شيئ في يده ولم يضع شيئا منه بالداخل وليصرخ : ياعبد الرحمن . ياعبد الرحمن . أين ذهبت ياعبد الرحمن . استمر يصرخ بي حتى رست عيناه في عيني وهاهو قادم نحوي .
- هذا أنت إذن . شدّ على يديّ كلتيهما وضمني وتبادلنا القبلات على الطريقة اليمنية .
* لقد كبرت ياهاني .
- كلانا يقرأ عمره في وجه صديقه ياعبد الرحمن , السنين محفوظة في وجوه الاصدقاء الذين ذهبوا عنا .
هاني صديق عمري الذي لم يكن ليفرق بيني وبينه غير زمن النوم أو حين يسافر أحدنا إلى القرية مع أسرته في العيد الكبير .
حتى أنّا في مرة وأخرى أحببنا البنت ذاتها وهي المرات التي عصفت بصداقتنا ولكنا لنعود لنبلغ رشدنا , ليس على طريقة لعبة اليانصيب بيني وبينه بل لأن الفتاة تتركني وتتركه ليس لأننا غير جديرين بالحب بل لأنها تعتقد بأنا طفلان وأننا حتى غير جديرين بنزوة من نزوات الشباب .
كان يقاتل عني , كان صلباً مفتول العضلات وكاسحا كالنار حين سيعتدي احد على صديقه عبد الرحمن , لم يكن يكبرني على ماأظن بل وبكل تأكيد ,رغم أن كل منا مع بقية زملائنا سجل تاريخ ميلاده حسب تقديرات المدرس أو إدارة المدرسة حين سجلوا بياناتنا الشخصية عند التحاقنا بالمدرسة أول ثورة سبتمبر 1962م .
حين حصلنا على شهادة السادس ابتدائي كنا قد تركنا المدرسة لكن أحدا منا لم يترك صاحبه .
بكيت على يدي أبي : أنت متعب ياأبي ووظيفتك لاتعطيك ماتستحق مقابل تعبك , وكل أخوتي محرومون من العيش الكريم وأمّي تعطي لنا ولانعطيها من قبلنا أي شيئ , لن أستطيع ياأبي مواصلة دراستي وساكتفي بالابتدائية وسأذهب في أرض الله وسأهاجر .
رفض أبي أن أترك المدرسة وقال في حنان أبوي بالغ : أنت صغير ياعبد الرحمن , لكني تركت المدرسة , سأضع لقمة كريمة في فم أمي وأفواه أخوتي الصغار وسأكرم أبي هذا الذي يفعل كل شيئ لأجلنا منذ صحوه وحتى منامه , يشتغل في الصباح من الثامنة حتى الثانية بعد الظهر مع الحكومة , ويعود في الرابعة مساءا وحتى الثامنة ليلا ليشتغل مع تاجر الحديد بأجرين حقيرين لايفيان بوجبات الغداء .
كان هاني قد فعلها مثلى وحسبما اتفقنا وخططنا خلال الأيام والليالي التي خلت .
كان علينا أن نجتاز الحدود في طريقنا إلى المملكة العربية السعودية .
حين وصلنا إلى مدينة حرض الحدودية لم نعْيَ في البحث عن طريقة لاجتياز الحدود فكل شيئ يتم هنا بانتظام وخلال شبكة من المهربين للأشخاص والقات والكحول والمخدرات وفي تنسيق في أحايين كثيرة مع حرس الحدود السعودي .
أحالنا كبير المهربين على مهرب سيقوم بتهريبنا مع آخرين في مجموعة واحدة خلال الليل .
تفاجآنا أنا وهاني ببعض ممن عرفناهم في بلدتنا سيجتازون معنا الحدود في ذات المجموعة
كانت قصة ممدوح مؤلمة فلقد ساقنا المهرب إلى واد بين جبلين ليلا وطلب منا الانتظار هناك حتى تأتيه الموافقة من الطرف السعودي .
عاد المرشد وقال لنا : ستمضون سريعين ولاتتوقفوا لحظة واحدة فخلال خمس وعشرين دقيقة ستتغير المجموعة التي تراقب الحدود من الطرف السعودي والتي اتفقنا معها بشأنكم لهذه الفترة لتحرككم من هنا لتجتازوا خلالها الحدود وتصبحون في أرض المملكة , وأحذركم بأن دقيقة أو خطوة واحدة ستتأخرونها في الطريق ستضعكم في قبضة الجماعة الجديدة . لقد بدأت الخمسة والعشرون دقيقة .
وكالمتسابقين على مسافة المائة متر حين انطلاق الاشارة في سباق ألعاب القوى تحركت أقدامنا مرة واحدة عدا ممدوح .
كان ممدوح يشعر بالحمي ويشتكي من ألم في قدميه سيعيقه عن مواصلة السير نحو المملكة أو العودة إلى مدينة حرض , وأي محاولة لحمله على الاعناق ستزيد من الزمن اللازم لاجتيازالحد الفاصل بين البلدين وسيتم القبض على ممدوح ومن يحمله , وليس من أحد سيعود إلى حرض , وكان الوقت ليلا .
تحركنا جميعا وبقي ممدوح في الوادي بين الجبلين
حين وصلنا إلى الحدّ السعودي قرّرت أن أعود , لم أستطع تخيل النمور وهي تأكل ممدوح بأنيابها وبمخالبها أينما اتفق لها من جسده لتقتله مرات ومرات ومرات .
لم أجد ممدوح في مكانه ولم تبلغ عنه السلطات السعودية بعد ذلك ولم يعثر عليه أهله حتى الآن .
لن أحكي قصة عودتي مرة أخرى إلى المملكة فلقد قبضوا عليّ وأودعوني سجن المرحّلين لعشرة أيام وحشروني بين بقية المرحلين في سيارة من سيارات نقل البضائع وأعادوني إلى حرض وأفرغوني من جوفها على خط التماس من الحد اليمني كما يفرغون البضائع مع آخرين في سيارات أخر , كنت مع جميعنا على مرأى الحرس والجنود اليمنيين هؤلاء الذين لم يحركوا ساكنا أو يسوقوا نحونا سيارة عسكرية كانت أم مدنية .
حين مررنا راجلين حافين في طريقنا عائدين إلى مدينة حرض كان كل شيئ يتم في وضعه الطبيعي وموظفوا جمارك حرض يمارسون عملهم اليومي في ترسيم البضائع الواردة من المملكة , وجنود الأمن يمضغون القات .
مرضت مرضا شديدا قبل أن أعود إلى مدينتي الحديدة , ذهبت إلى بيت أحدهم كان والدي يحدثنا عنه كصديق يشتغل في جمارك حرض .
تماثلت للشفاء , كنت كالمعتقل في بيت غير بيت أبي وعدت أخيرا إلى منزلي في مدينة الحديدة .
وكما هي عادته فلقد أصر أبي على عودتي للدراسة وسجلت مرة أخرى في المدرسة سنة أولى متوسط .
تسربت مرة أخرى
كان كيس السمك والخضار وحزمة القات في يدهاني لم يضعها في الداخل من منزله حين استعاد هناك صورتي فجأة وكاملة تلك التي ظلت تائهة بين عينيه من كل عروضي بين يديه بطول الشارع .
حسمتُ الأمر وإياه فوراًواتفقنا أن نذهب للحدود بين حرض اليمينية والطوال السعودية لنشتغل في المهربات .
ليس من راتبٍ أو أجرٍ مجٍزٍ في بلادنا وكل الموظفين يسرقون ليضيفوا شيئا إلى الراتب الحقير ليتمكنوا من العيش مع أسرهم . وليس من مجزٍ غير العائد من التهريب على الحدود مع المملكة
كان لابد أن نعيش حتى في حضن الشيطان .
.......................
لا ألوى على أمر ويداي خاويتان وعيناي لاتستقران في مكان ولاتذهب في مكان وسمعي تائه في صراخ الشارع .
كان يحمل حزمة قات في يده لا أمر له غير أن يسير في الطريق غير آبه بكل هؤلاء وليس غير خارطة البيت تتحرك في ذاكرته عند كل نقطة يقف عليها .
تقدمت نحوه من مسافة لازالت تفصل بيننا وقمت بذات التعرجات التي يقوم بها وهاأنذا الآن أعرّج يسارا إلى حيث خرج من الطريق التي أتقدم فيها نحوه وهاأنذا أحكّ كتفي في كتفه لينشّ بيده نحوى متضايقا من فعلتي ويروغ بوجهه إلى الجهة الأخرى ويواصل طريقه وهاأنذا أذكر اسمه كمن أضعه أمامه على الطريق ليلتفت نحو المشاة ليبحث فيمن أدلى باسمه غير قاصد لأحد منا وهاهي عيناه تحط في عينيّ ليرتد إليه بصره في لمحة واحدة ويذهب عنّي ليقف وقدمه مرفوعة إلى أمام في طريقه وليطرف نحوي بعينه مرة أخرى .
كان بيته على عشر خطوات من قدمه المدلاة وهاأنذا أتابعه في مؤخرة رأسه ليقف أخيرا أمام باب بيته يدير المفتاح وينقرج الباب ويدخل .
وهاهو وقبل أن يغلق الباب وراءه يعود فورا إلى الشارع , ولازال كل شيئ في يده ولم يضع شيئا منه بالداخل وليصرخ : ياعبد الرحمن . ياعبد الرحمن . أين ذهبت ياعبد الرحمن . استمر يصرخ بي حتى رست عيناه في عيني وهاهو قادم نحوي .
- هذا أنت إذن . شدّ على يديّ كلتيهما وضمني وتبادلنا القبلات على الطريقة اليمنية .
* لقد كبرت ياهاني .
- كلانا يقرأ عمره في وجه صديقه ياعبد الرحمن , السنين محفوظة في وجوه الاصدقاء الذين ذهبوا عنا .
هاني صديق عمري الذي لم يكن ليفرق بيني وبينه غير زمن النوم أو حين يسافر أحدنا إلى القرية مع أسرته في العيد الكبير .
حتى أنّا في مرة وأخرى أحببنا البنت ذاتها وهي المرات التي عصفت بصداقتنا ولكنا لنعود لنبلغ رشدنا , ليس على طريقة لعبة اليانصيب بيني وبينه بل لأن الفتاة تتركني وتتركه ليس لأننا غير جديرين بالحب بل لأنها تعتقد بأنا طفلان وأننا حتى غير جديرين بنزوة من نزوات الشباب .
كان يقاتل عني , كان صلباً مفتول العضلات وكاسحا كالنار حين سيعتدي احد على صديقه عبد الرحمن , لم يكن يكبرني على ماأظن بل وبكل تأكيد ,رغم أن كل منا مع بقية زملائنا سجل تاريخ ميلاده حسب تقديرات المدرس أو إدارة المدرسة حين سجلوا بياناتنا الشخصية عند التحاقنا بالمدرسة أول ثورة سبتمبر 1962م .
حين حصلنا على شهادة السادس ابتدائي كنا قد تركنا المدرسة لكن أحدا منا لم يترك صاحبه .
بكيت على يدي أبي : أنت متعب ياأبي ووظيفتك لاتعطيك ماتستحق مقابل تعبك , وكل أخوتي محرومون من العيش الكريم وأمّي تعطي لنا ولانعطيها من قبلنا أي شيئ , لن أستطيع ياأبي مواصلة دراستي وساكتفي بالابتدائية وسأذهب في أرض الله وسأهاجر .
رفض أبي أن أترك المدرسة وقال في حنان أبوي بالغ : أنت صغير ياعبد الرحمن , لكني تركت المدرسة , سأضع لقمة كريمة في فم أمي وأفواه أخوتي الصغار وسأكرم أبي هذا الذي يفعل كل شيئ لأجلنا منذ صحوه وحتى منامه , يشتغل في الصباح من الثامنة حتى الثانية بعد الظهر مع الحكومة , ويعود في الرابعة مساءا وحتى الثامنة ليلا ليشتغل مع تاجر الحديد بأجرين حقيرين لايفيان بوجبات الغداء .
كان هاني قد فعلها مثلى وحسبما اتفقنا وخططنا خلال الأيام والليالي التي خلت .
كان علينا أن نجتاز الحدود في طريقنا إلى المملكة العربية السعودية .
حين وصلنا إلى مدينة حرض الحدودية لم نعْيَ في البحث عن طريقة لاجتياز الحدود فكل شيئ يتم هنا بانتظام وخلال شبكة من المهربين للأشخاص والقات والكحول والمخدرات وفي تنسيق في أحايين كثيرة مع حرس الحدود السعودي .
أحالنا كبير المهربين على مهرب سيقوم بتهريبنا مع آخرين في مجموعة واحدة خلال الليل .
تفاجآنا أنا وهاني ببعض ممن عرفناهم في بلدتنا سيجتازون معنا الحدود في ذات المجموعة
كانت قصة ممدوح مؤلمة فلقد ساقنا المهرب إلى واد بين جبلين ليلا وطلب منا الانتظار هناك حتى تأتيه الموافقة من الطرف السعودي .
عاد المرشد وقال لنا : ستمضون سريعين ولاتتوقفوا لحظة واحدة فخلال خمس وعشرين دقيقة ستتغير المجموعة التي تراقب الحدود من الطرف السعودي والتي اتفقنا معها بشأنكم لهذه الفترة لتحرككم من هنا لتجتازوا خلالها الحدود وتصبحون في أرض المملكة , وأحذركم بأن دقيقة أو خطوة واحدة ستتأخرونها في الطريق ستضعكم في قبضة الجماعة الجديدة . لقد بدأت الخمسة والعشرون دقيقة .
وكالمتسابقين على مسافة المائة متر حين انطلاق الاشارة في سباق ألعاب القوى تحركت أقدامنا مرة واحدة عدا ممدوح .
كان ممدوح يشعر بالحمي ويشتكي من ألم في قدميه سيعيقه عن مواصلة السير نحو المملكة أو العودة إلى مدينة حرض , وأي محاولة لحمله على الاعناق ستزيد من الزمن اللازم لاجتيازالحد الفاصل بين البلدين وسيتم القبض على ممدوح ومن يحمله , وليس من أحد سيعود إلى حرض , وكان الوقت ليلا .
تحركنا جميعا وبقي ممدوح في الوادي بين الجبلين
حين وصلنا إلى الحدّ السعودي قرّرت أن أعود , لم أستطع تخيل النمور وهي تأكل ممدوح بأنيابها وبمخالبها أينما اتفق لها من جسده لتقتله مرات ومرات ومرات .
لم أجد ممدوح في مكانه ولم تبلغ عنه السلطات السعودية بعد ذلك ولم يعثر عليه أهله حتى الآن .
لن أحكي قصة عودتي مرة أخرى إلى المملكة فلقد قبضوا عليّ وأودعوني سجن المرحّلين لعشرة أيام وحشروني بين بقية المرحلين في سيارة من سيارات نقل البضائع وأعادوني إلى حرض وأفرغوني من جوفها على خط التماس من الحد اليمني كما يفرغون البضائع مع آخرين في سيارات أخر , كنت مع جميعنا على مرأى الحرس والجنود اليمنيين هؤلاء الذين لم يحركوا ساكنا أو يسوقوا نحونا سيارة عسكرية كانت أم مدنية .
حين مررنا راجلين حافين في طريقنا عائدين إلى مدينة حرض كان كل شيئ يتم في وضعه الطبيعي وموظفوا جمارك حرض يمارسون عملهم اليومي في ترسيم البضائع الواردة من المملكة , وجنود الأمن يمضغون القات .
مرضت مرضا شديدا قبل أن أعود إلى مدينتي الحديدة , ذهبت إلى بيت أحدهم كان والدي يحدثنا عنه كصديق يشتغل في جمارك حرض .
تماثلت للشفاء , كنت كالمعتقل في بيت غير بيت أبي وعدت أخيرا إلى منزلي في مدينة الحديدة .
وكما هي عادته فلقد أصر أبي على عودتي للدراسة وسجلت مرة أخرى في المدرسة سنة أولى متوسط .
تسربت مرة أخرى
كان كيس السمك والخضار وحزمة القات في يدهاني لم يضعها في الداخل من منزله حين استعاد هناك صورتي فجأة وكاملة تلك التي ظلت تائهة بين عينيه من كل عروضي بين يديه بطول الشارع .
حسمتُ الأمر وإياه فوراًواتفقنا أن نذهب للحدود بين حرض اليمينية والطوال السعودية لنشتغل في المهربات .
ليس من راتبٍ أو أجرٍ مجٍزٍ في بلادنا وكل الموظفين يسرقون ليضيفوا شيئا إلى الراتب الحقير ليتمكنوا من العيش مع أسرهم . وليس من مجزٍ غير العائد من التهريب على الحدود مع المملكة
كان لابد أن نعيش حتى في حضن الشيطان .
تعليق