(1)
الخوف يعربد في كل بيت. الفزع يجول في كل قلب. الهلع يجوس في كل نفس. الظلام يملأ كل عين. اليأس يذبح كل أمل...
هرج... مرج... أبدان يابسة ميتة... نباتات صفراء ذابلة... حيوانات نافقة... اكتست˚ القرية بالأحزان، وتوشحت˚ بالسواد، وشربت˚ القطران...
انشلت العقول فلا تفهم ما يجري... عجزت لجان وزارات الصحة والداخلية والحكم المحلي عن فهم ما يجري... باءت منظمة الصحة العالمية بالفشل في تشخيص ما يجري!...
ماذا يجري في هذه القرية المنكوبة؟ وكيف تبدل العمران بالخراب؟ والصحة بالمرض؟ والحياة بالموت؟!...
تقرير اللجان بين أن الكارثة بدأت عندما نفقت الكثير من الحيوانات دفعة واحدة، ثم انتقلت الوفاة إلى أول حالة من سكان القرية وهو الفلاح أيوب عبد الصبور، الذي بدأت متلازمته بحمى وآلام في جسده ثم تقرحات بجلده، ثم فشل في جميع أجهزة جسمه الحيوية، فغيبوبة، فالموت!...
وقالت اللجان: إن الوباء انتقل إلى زوجته، فابنته، ثم انتقل إلى جيرانه حتى عم القرية كلها بحيواناتها وناسها...
والعجيب والغريب أن الوباء أصاب النبات؛ فجعله يذبل ويموت...
وانعقدت لجان، وانفضت لجان، لتفهم هذه الظاهرة وهذا الوباء الغريب؛ ولكن للأسف لم يصلوا إلى شيء!
قالوا: نوع جديد من الميكروبات آكلة اللحوم، وقالوا: بل هو نوع جديد من الإشعاع لم تصدره أي أجهزة من قبل، سُلط على البلد من دول معادية لنا...
وتولدت أسئلة كثيرة متشعبة من أسئلة أولية ولكن بلا إجابة!...
فكيف تعالج الحالات قبل تدهورها وموتها؟ كيف يوقف هذا الدمار في الأرواح والنبات؟ وكيف تحمي بقية البلاد من هذا الوباء وهذه الكارثة الرهيبة؟...
(2)
بكت˚ العيون... وانتحبت˚ القلوب... وشفت˚ النفوس... وتضرعت˚ الأيدي إلى خالقها ليرفع عنهم ما حل بهم من دمار...
الشيخ عرفان، عالم دين، وفقيه القرية، وخطيبها، ومأذونها الشرعي، وقف في بداية الوباء يخطب في أهل القرية ويقول:
- إني متأكد من أن هذا الوباء الذي حل في القرية، هو انتقام من ربنا؛ لأننا ابتعدنا عنه، وعن تعاليم كتابه، وعن تعاليم سنة حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم...
وواصل بمرارة:
-فبعضنا يقرض الفلاحين الغلابة بالربا، والعياذ بالله، وبعضنا يجور على أراضي الغير ليأخذ من حصة جاره في الماء، والبعض -والعياذ بالله- يمنع الماء عن جاره عيني عينك اعتماداً على سطوته وجبروته، والبعض -وهم كُثر- حاقدون حسَّادون!...
يا أهل القرية: أنا أؤكد مرة أخرى، أن الذي حدث في قريتنا هو انتقام من ربنا لأننا تركنا تعاليمه وراء ظهورنا، وجاهرنا الله بالمعاصي... ألم يغتب بعضنا بعضاً؟ ألم يسخر بعضنا من بعض؟ ألم يؤذِ بعضنا بعضاً؟ ألم يجُر القوي على الضعيف؟ والغني على الفقير؟ والصحيح على العليل؟!...
يا أهل القرية:
إن الذي صنعناه مع ابننا الدكتور أمل عبد الحميد ووالديه -رحمهما الله- يكفي لأن يجعل الله عالي القرية سافلها، ألم نجعل أملا هدفا في الاستهزاء والنقص منه ومن أمه بعدما مات أبوه وصار يتيماً؟ ألم نكن نسخر منه كلما ذهب أو عاد؟ ألم نقل له يا ابن بائعة الكرات بسخرية واستهزاء؟ ألم يكن هو فاكهة مجالسنا في السخرية؟ أنا خطيب القرية ومرشدها الديني، كنتُ أشارك مجالس اللهو والسخرية من خلق الله! فأين أمري بالمعروف ونهيي عن المنكر؟!...
يا أهل القرية: إن الكارثة التي حلت بنا عسى أن تكون تكفيراً عن ذنوبنا... فهيا بنا ندعو الله -سبحانه وتعالى- ليرفع عنا هذا البلاء...
(3)
بعد انتهاء موعظة الشيخ عرفان، ذهب كل واحد من أهل القرية وهو يشعر بالذنب، وأنب كلُّ منهم نفسه، وكان كل واحد يشعر في قريرة نفسه أنه هو المسئول عن الكارثة التي حلت بمواشي القرية؛ ومنهم أيوب عبد الصبور الذي بدأت الكارثة به، وكان يعاني من حمى وآلام رهيبة في جسده كله...
فأيوب عبد الصبور عنده يقين أن المرض الغريب الذي حل به والذي احتار الأطباء في تشخيصه هو بسبب ذنوبه التي اقترفها مع الدكتور أمل وأبيه المرحوم عبد الحميد وأرملته...
لقد أتى المرحوم عبد الحميد إلى القرية من مكان بعيد لا يعرف أهل القرية عنه شيئاً، ولم يكن له عزوة أو قريب في القرية، واشتغل أجيرا في الحقول، وبعد سنوات قليلة، تملك عدة أفدنة، وكانت أرضه كلها خير وبركة؛ حتى الدودة لا تقترب من قطنه، وفي ذات الوقت، تجور على قطن أهل القرية وزرعهم...
يقول أيوب عبد الصبور لنفسه:
فبدلاً من أن نفتش في أنفسنا عن سبب ذلك البلاء الذي حل في زرعنا، حقدنا على المرحوم عبد الحميد، وتمنينا أن تصيب الدودة أرضه وتهلك زرعه، بل تمنينا له كل شر!...
حتى حدث له الحادث الأليم ومات، ولعدم وجود عزوة له، لم يُعرف الجاني حتى الآن، ولُفقت القضية ضد مجهول بمنتهى الإهمال!...
وبعد موته، بدلاً من أن نعطف عليه، امتد حقدنا الأسود إلى أرملته وابنه الوحيد، وفرخ حقدنا الأسود السخرية منهما صباحاً ومساء!... والذي أجج هذه السخرية هو الشيخ عرفان، وهذا الشيخ ابن نكتة، وصاحب (أفية)... الله يحرقه بالجاز...
وصل المونولوج الداخلي لأيوب عبد الصبور أن صرخ في سره:
يا أهل القرية، إن ربنا بالمرصاد... لقد حار الأطباء البيطريون في تشخيص مرض البهائم الغريب، وحتى الأطباء البشريون عجزوا عن تشخيص مرضي الغريب، وعما قريب سألقي ربي، فعسى أن يكفر الله عني ما اقترفته يداي...
(4)
بعد عدة أيام من موت أيوب عبد الصبور وزوجته وابنته وبعض جيرانه، وقف الحاج عبد الشكور بمفرده في (الوساعية) التي يجتمع فيها أهل القرية بجوار المسجد بعد صلاة العشاء يتأمل حال القرية وما آلت إليه من كوارث...
فالحاج عبد الشكور على وشك أن يلحق بضحايا هذا المرض الغريب اللعين أو (الشوطة) بتعبير أهل القرية. ويشعر الآن بأن هذه الكارثة كان هو السبب فيها بسبب تعامله بالربا، واستغلاله لحاجة المحتاج، واحتكاره لبعض السلع لكي يبيعها في وقت الأزمات بأسعار مضاعفة!...
عبد الشكور يشعر بالمرارة بسبب عدم شكره لربه على ما وهبه من أطيان ومواشٍ من ميراث أبيه، وضميره يضربه الآن بسياط بسبب تعامله بالربا الذي حرمه الله في كتابه الكريم كما كان اعتقاده منذ طفولته المبكرة.
كاد عبد الشكور أن يصرخ من تأنيب ضميره لأنه يعتقد أن اللعنة التي أصابت القرية هي بسببه، وبسبب شؤم معاصيه...
وأين هي مواشيه الآن؟ لقد نفقت كلها في الشوطة!...
ولقد تضخم الندم في نفسه على كل ثانية مرت عليه حينما ترك الحقد يعشش في قلبه على الدكتور أمل عبد الحميد بسبب تفوقه الدراسي منذ صغره على أبنائه الفاشلين...
وزاد حنقه على نفسه وعلى أهل القرية حينما تذكر الكردون الذي وضعته الحكومة على القرية؛ فلا أحد يستطيع الخروج منها، ولا أحد يدخل إليها...
(5)
بعد عدة أسابيع من الوباء اللعين، كان المسعفون المكممو الأفواه ينقلون جثث ضحايا الوباء الرهيب بخفة ونشاط وحذر...
كان أحد أبناء القرية وهو عبد المنصف، المهندس الزراعي بالوحدة الزراعية، يشاهد هؤلاء المسعفين ويمط شفتيه ندما وآسفا على ما آل إليه حال أهل القرية ومواشيها وحتى زرعها...
عبد المنصف قد أصابه الوباء اللعين. وهو يشعر الآن أن هذا الوباء قد أصاب القرية بسبب ما اقترفته يداه مثل شعور أغلب أهل القرية...
يتفكر عبد المنصف الآن في ما اقترفت يداه أثناء عافيته وصحته، ويشعر بالمرارة والحنق على نفسه لأن العدالة لم تأخذ مجراها كما ينبغي، والمرارة استفحلت في نفسه أكثر لأن العدالة لن تأخذ مجراها وخاصة أنه الآن على حافة الموت، ولكن أمله أن يكفر الله عنه بإقراره بذنبه وندمه أمامه سبحانه وتعالى...
لقد ورث عبد المنصف عن المرحوم والده أرضا زراعية شاسعة، وبدلاً من أن يجتهد في أرضه ورعايتها، اجتهد في رعاية نبات الحقد الذي نما في قلبه -كغالبية أهل القرية- ضد عبد الحميد منذ أعوام عديدة.
وهذا الحقد بدأ ينمو كنبتة صغيرة حينما كان عبد المنصف يرى المرحوم عبد الحميد يثابر بجد وهمة في أرضه البسيطة المثمرة الخالية من الآفات الزراعية.
عبد المنصف يجتر الذكرى الآن ويضرب كفا بكف ويقول في نفسه إنه فلاح ابن فلاح، ودرس الهندسة الزراعية، ومارس الزراعة منذ نعومة أظفاره، ومع ذلك كان عاجزا عن حماية أرضه من الآفات الزراعية.
يعض عبد المنصف شفتيه ندما الآن حينما تذكر كيف تضخمت نبتة الحقد في نفسه ضد عبد الحميد وتحولت إلى شجرة عملاقة تمتد في كل كيانه مع مرور الزمن.
ولم تقف نبتة الحقد عند حدود الشجرة العملاقة، بل امتدت وتمطت وترعرعت حتى أمست كحيوان الديناصور الخرافي الرهيب!
وكان عبد المنصف كلما تلفت يميناً أو يساراً، حتى لو أغمض عينيه، يجد هذا الديناصور الرهيب يسخر منه ومن عجزه عن عمل أي شيء مع عبد الحميد...
يقول عبد المنصف في نفسه:
"ما أتفهني! ما أتفهني! وما أتفهنا جميعاً!...
فالرجل -عليه رحمة الله- لم يفعل ذرة أذى معي أو مع أي أحد من أهل القرية".
لقد تمدد ديناصور الحقد وتضخم في جنبات نفس عبد المنصف، وضغط على ضلوعه؛ وكان لابد من تنفيسه بأي أشكل...
وحانت الفرصة ذات مساء، حينما خرج عبد المنصف من أحد حقوله، ووجد عبد الحميد ماشياً بمفرده على الطريق الوحيد الذي يدخل القرية.
وكان الليل يمد دثاره ليغطي كلَّ شيء. والقمر غارق في النوم العميق في بداية الشهر العربي. والنجوم لم تستيقظ بعد. حتى الحقول نفسها تراخت سيقانها، وثقلت أجفانها، وتثاءبت حتى دخلت في سبات عميق...
ركب عبد المنصف جراره الزراعي المركون على الطريق في نهاية حقله، وفي ومضة سريعة، برقت عيون ديناصور الحقد أمامه ومارت وفارت وحرقته بسياطها الساخرة... وكان لابد من التنفيس...
وفي ثوان معدودة، كانت روح المرحوم عبد الحميد تتحرر وتترك جسده تحت الجرار!
ولم يشاهد أحد ما حدث إلا ديناصور الحقد الذي صغر وصغر حتى اختفى تماماً...
ولكن بردت نار ووقدت نار...
فلقد حل شبح عبد الحميد محل الديناصور!
فعبد المنصف يرى شبح عبد الحميد في كل وقت وحين، وفي كل مكان حلَّ فيه، وفي يقظته وفي منامه...
أصبح شبحه كالغول الذي يريد أن يلتهمه بأي شكل وهو في حالة ذعر وفرار دائمين منه...
لقد عُرض عبد المنصف على أطباء نفسيين ولكن بلا جدوى...
قُيدت القضية ضد مجهول حتى الآن.
يقول عبد المنصف في ضميره:
إن ما حدث لي، وما يحدث في القرية من مرض الإيدز الجديد، هو انتقام ربنا من فعلتي الشنعاء...
(6)
وقف أحد أبناء القرية المنكوبة وهو الدكتور أمل عبد الحميد، بمفرده في ساحة القرية الفسيحة والتي ينعق فيها الخراب والدمار، بل وينعقان في كل القرى المحيطة بالقرية إن لم يكن في كل المحافظة...
كان أبوه -عليه رحمة الله- من أفضل مزارعي القرية. وكانت أرضه تفيض بالخير والنماء. وكان يصبر على كيد الحاقدين والموتورين من أهل القرية وما أكثرهم في ذلك الزمان!...
كانوا يحبسون الماء عن أرض أبيه أحيانا، وأحياناً أخرى يغمرون أرضه بالماء الغزير حتى تموت...
وكان عبد الحميد يردد دائما:
"إن الله لا يغفل ولا ينام... ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون... وإن ربك لبالمرصاد..."...
فكانت أرض هؤلاء الحاقدين تصاب بالآفات الزراعية المتنوعة، أما أرضه فكان الله يحفظها من كل سوء بالرغم من الأذى الذي تتعرض له على أيد أولئك الحاقدين...
ولقد سأل أمل أباه عن سر هذا الكيد وهذه الأحقاد، فكان يقول: "الدودة التي تأكل أرضهم، وتسلم منها أرضنا هي السبب". فيسأله: ولماذا لا تأتي الدودة إلينا؟ فيجيبه: "لأننا لم نحقد على أحد"... ولما سأله ذات مرة عن سر الخير الوفير في أرضهم، أجابه بأنه -أي عبد الحميد- وهو صغير كان يعمل أجيرا في الحقول، وكان يدعو الله كثيراً بأن يعينه ويوفقه، وكانت الأرض التي يعمل فيها أجيراً، يعتبرها أرضه تماماً؛ فلذلك يراعي الله فيها، ويعتني بها بإخلاص شديد...
وذات مرة تغيب صاحب الأرض عن البلاد ثلاث سنوات، فلما عاد وجد أرضه تنتج الخير الكثير؛ فابتهج وسعد كثيراً، ودعا الله له بأن يأتي الخير على يديه... واستجاب الله دعوة هذا الرجل لأنه كان صالحاً، ورزقه الله هذه الأرض التي يمتلكها منذ سنوات.
يجتر الدكتور أمل عبد الحميد الذكرى ويقول في نفسه:
"ولا أدري سر ترك أبي للصعيد منذ سنوات بعيدة؟! هل كان عليه ثأر؟ أم ماذا؟! ومن˚ هم أهلي؟ حتى أمي لم تخبرني إلا بأن أهل أبي من الصعيد. والصعيد كبير، فأين هم في الصعيد؟ ولماذا لم نذهب إليهم؟! ولماذا لم يأتوا إلينا؟!...
مات أبي. وماتت أمي. ولم أعرف حقيقة هذا الأمر حتى الآن...
ولما مات أبي في حادث سيارة، لم نعرف الجاني حتى الآن. وأهل القرية شمتوا فينا! فهل يشمت أحد في الموت؟!
وباعت أمي أرضنا بأبخس سعر. وبعد نفاذ المال، لم تجد أمي وسيلة لمعيشتنا إلا أن تبيع الخضروات. وكنت في ذلك الوقت في الصف الأول من الشهادة الثانوية. ولم يتركونا أهل القرية في حالنا، بل تربصوا بنا.
وكنت كلما غدوت إلى القرية أو عدت، يتهكمون عليَّ. وكنت أشتكي لأمي فتقول: قل: حسبنا الله ونعم الوكيل..
وكنا لا نجد تفسيراً لهذا الكيد. ولا أدري لماذا تركوا كل مشاكلهم وتفرغوا لنا؟ ولا أدري ماذا صنعنا لهم حتى يكيدوا ذلك الكيد؟ ويؤذوننا ذلك الأذى؟!...
فأبي قد مات. والأرض قد اشتراها أحدهم. وأمي أفقر خلق الله. ونعيش على الكفاف"...
كانت المرارة المنقوعة في الحنظل تطفح على نفس أمل وهو يتذكر ما فعله أهل القرية بهم، وكان يتساءل كثيرا بذات المرارة فيما مضى:
"لماذا يا قرية الظلم تكيدي لنا؟! لماذا؟ ما السر في ذلك؟ ألعدم وجود عزوة لنا تفعلون بنا الأفاعيل؟ أين حسن الجوار يا قرية الظلم؟ وأين العطف على الأرملة واليتيم يا قرية الشؤم والحقد؟ أين الرجولة والشهامة وأخلاق القرية يا قرية السوء؟ حتى أبي، ماذا صنعه لكم حتى يمتد آذاكم منه إلينا؟!"...
لقد ذهبت أمه لكبير القرية، العمدة، لكي يكفوا آذاهم عنا. فقال لها: "ماذا تريدين مني أن أفعله معهم؟ هل أطردهم من القرية؟!"...
ومع كل هذا الحقد، وكل هذا الكيد، وكل هذا الظلم، إلا أن أملا كان متفوقاً على كل أقرانه، والتحق بكلية من كليات القمم، وكان الأول دائماً على الدفعة، وعُين معيداً بكليته...
وتخرج أمل من الجامعة. وتقدم لخطبة آمال ابنة الحاج أيوب عبد الصبور، فرفض الأخير طلبه بشدة، وعامله بمنتهى الإهانة، وعيره بأنه ابن بائعة الكرات!
لقد صدم أمل صدمة كبرى...
وكان يتساءل مع نفسه:
"هل يعير قروي أحدا ببيع الكرات؟!
أفهم أن يحدث هذا في المدن، أما في القرية فكيف يكون ذلك كذلك؟! أليس أهل القرية كلهم يزرعون الكرات والجرجير والفجل والخص ويبيعونها إما للجمعية الزراعية أو لتجار الجملة وحتى لتجار التجزئة؟!"...
كانت آمال زميلته في الدفعة. وكانا يتبادلان الحب. وتعاهدا على الزواج بعد التخرج، ولكن أباها قد حطم أحلامهما، وبدد آمالهما، ويأس نفسيهما...
ولقد رفضت آمال الزواج بعد رفض أبيها خطبتها لأمل، وكان عندها أمل كبير في الزواج من حبيبها أمل.
وكانت هذه الخطوبة الفاشلة وقوداً للسخرية من أمل ومن (تطلاعاتي للعلالي)!...
سافر أمل للخارج للحصول على الدكتوراه. وماتت أمه كمداً بعدما نشبوا بأظافر السخرية والأذى في روحها بعد سفره للبعثة...
وكانت وفاة أمه هي الوقود الذي أجج نفس أمل للانتقام...
لقد عاد أمل من البعثة مصمماً على الانتقام بعدما جندته هيئة خطيرة لتجريب سلاح جديد من أسلحة الدمار الشامل!
بعد اجترار الذكرى، كان أمل ينظر حوله في الخراب والدمار ويقول في سره:
"إن هذه الهيئة الخطيرة، لازالت تتصف بالرحمة واللين لأن السلاح الجديد لا يؤثر في الجماد!"...
ولقد تعرض أمل للكارثة نفسها التي نهشت في القرية وما حولها بعدما ماتت أمال حبيبته بعد أبيها بفترة بسيطة...
كان آخر شيء قاله أمل في سره:
"عما قريب، سألقي حتفي... وسألتقي بروح حبيتي في العالم الآخر... وسيُدفن معي سري إلى الأبد..."...
القريع بني مالك (بالسعودية) في الخميس
3/7/1425 والموافق 19/8/2004