روح مشردة

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    روح مشردة

    جاءت المبرمج حانقة غضبا ، لم تكن تريد مفارقة جسد عائشة الذي كان لها عرشا مريحا ، ألفت ليونته و رقته ، تنعم فيه بريح مسك عطرة ، تنعم فيه بعزة فاخرة ، نشأت رابطة حب قوية بينها و هذا الجسد الفتي الطري ، فتاة عشرينية ينحني لها الجمال إكبارا ، تشد إليها رحال النفوس ، تتفاءل بها القلوب ، لها تهدي الأزهار أريجها ، والبلابل نغماتها . تربعت الروح على هذه الذات فأحست نعمة الملك ، و انتشت بهالة العز ، و رقت بليونتها ولطفها ، فأضحت وديعة أبية عابدة لهذا القوام ، صرخت في وجه المبرمج : " أليس ماتفعلونه عبثا ؟ ألستم تقتلون الحياة ؟ ألستم تذبحون الجمال ؟ أليست هذه حماقة ، أن تدمر ذلك الجسم وتغصبه أيامه ؟ ألم تجد غيره لتهدمه ؟ إني أراكم في ضلالة ، أليس هذا ظلما ظلوما ؟ لم تر بين كل الأجساد غير الذي أسكنه ، ألا ترون أنها تستحق العيش ؟ كيف سيكون حبيبها ؟ هل سيأتيه نوم ؟ و هل سيأكل طعاما ؟ هل سينجح في مواصلة حياته ؟ إني أحببت روحه و نمت بيننا علاقة عشق جميلة ، لقد فرقت بيننا أيها المبرمج ، أريد العودة إلى جسدي ". لم يعرها المبرمج كثير اهتمام فقد ألف هذا الموال من كل روح غادرت جسدا طريا، بل همّ بزرعها في الحاسوب لتنبجس في دنيا جديدة ، لكنّها لم تمكنه و تمنّعت ، فأدخلها قنّينة تأديبا لها .
    في سجنها تتحسّر على ماضيها وحاضرها ، هي الروح لا تحب السجون ، هي من ذوات الأجنحة تطير سائحة في عوالم الطيبوبة والجمال ما لم تتأزم فتتحول إلى شرور و ظلام ، هي الروح انقبضت و هي تنزع من جنة فيحاء ، لتقبر في سجن حقير ، تملكها حزن دفين روّض ثورتها، جاءتها رسالة أثيرية من المبرمج بقرب ساعة حشرها ، ما لم تمانع ! تفكر فتجد نفسها مرغمة على القبول و إلا تعرضت لمزيد من الإذلال ، وافقت على رسالته واضعة شرطا واحدا "لا تمح من ذاكرتي حب حبيبي !"
    خرجت عند الطبيب و هي تطير فرحا، دخلت المتجر و اشترت لعب أطفال ، اقتنت مهدا و ملابس الرضيع ، في بيتها تنتظر قدوم زوجها من العمل لتزف إليه البشرى ، كانت الدقائق طويلة و هي منهمكة في إعداد طعام الغذاء ، ما إن سمعت رنات الجرس حتى أسرعت فاتحة الباب ، إنه هو ، مشرق الوجه عريض الكتفين ، حضنته طابعة قبلة على شفتيه ، قائلة : " أبشر حبيبي ، فأنت منذ اليوم أب" اعتلت حمرة الفرح وجهه و هو يلصق أذنه ببطنها، فقالت " ما بك أجننت ؟ " فرد " أريد أن أسمع كلمة بابا " ، منذ ذلك اليوم و هو يجهز غرفة الطفل بما لذ و طاب من أفرشة و ألعاب و يزينها بمختلف الأصباغ ، يشتري مجلات علمية متخصصة من الولادة إلى السبع سنوات ، الزوجة تحضر دروس الأمومة في جمعية نسوية ، كل الترتيبات التزمت طيلة فترة الحمل ، حمية غذائية ، تمارين رياضية ، استشارات طبية ، وحل اليوم المعلوم لتلد الزوجة طفلا بدرا ، اختاروا له من الأسماء أنطوان .
    أنطوان طفل ظريف ، يحب اللون الوردي و أحيانا البنفسجي ، يكبر فيزداد جمالا و انطواء ، في روض الطفولة يلعب وحيدا ، و يعبث بأدوات البنات ، مرة نهرته السيدة طامو مربية الأطفال ، محاولة ردعه عن ممارسة الشغب الهادئ و افتعال السكينة ، فلم ترق له شكاية البنت سوسو ، فأحضر شفرة و غرزها في وجنتها ، فتركت شجّة دائمة على خدها ، مما جعل الأب و الأم يعرضانه على طبيب نفسي ، و حولاه إلى دار حضانة أخرى ، لم تتغير حاله كثيرا ، فهو كثير المشاجرات ، مع الأطفال ، و كلما تحين فرصة مزق لواحد منهم أدواته المدرسية .
    انتقل إلى المدرسة الابتدائية ليزداد سلوكه تبعثرا ، يزداد نفوره من الفتيات ، يستحلى اللعب بالدمية ، و ارتداء ألوان شفافة فاقعة ، يظهر من خلالها برعما لينا ، بينما يزداد سلوكه شراسة .
    مراهق شديد الحساسية ، مزاجي الطباع ، أصبح أنطوان يزعج أباه كما أمه ، يرفض الخضوع لكل التزام ، في الثانوي كانت علاماته مرتفعة ، و لديه ميولات فنية موسيقية و قدرة تشكيل هائلة ، أحيانا تشارك المؤسسة بأعماله في كثير من المسابقات ، لكن شغبه يؤرق الإدارة ، ينادى عليه بالمجنون ، غرابة أطواره تزعج صديقه الوحيد الذي يعتبره دنياه الحقيقية ، لا يقبل التجريح إلا منه و لا يقبل الترشيد إلا من فمه ، إدير يكاد يكون مفتاح أنطوان ، عبر به إدير مرحلة الثانوي بسلام و ساعده كثيرا على تعلم الحياة الاجتماعية . في الجامعة بدأ نجمه يسطع ، بحوثه المثيرة للجدل ، لغته الصلبة ، لوحاته بدأت تظهر في المعارض ، لكن عزلته ازدادت و تعمقت بمغادرة إدير لحياته ، كتب له مرارا عن هذه الأزمات النفسية التي تنتابه ، لكن إدير يريد أن يغير حياته ، و يستقبل الرجولة بمسؤولية و اتزان ، فترك تلك الشطحات التي تنم عن انحراف وشذوذ، لا يريد أن يكرس حياته لشخص يحب أن يكونا مريضا ، بل يعتز بمرضه و تبهره شخصيته ، فيرضى عنها تمام الرضا ، و إن كانت سائرة إلى مجهول مريب .
    خرج من نادي الفنون الجميلة ليلا ، ليجد فتاة تائهة تتمايل رجلاها يمينا و شمالا ، شعرها مشتت على رأسها ، تدلى بعضه على وجهها ، في بذلتها و حذائها الرياضيان ، قد تكون ثملة أو ربما مجنونة ، و قد تكون روحها مكسورة أو طرأ في حياتها طارئ شرد نفسها ، شدت انتباهه ففاتحها قائلا : " أهلا ...." مبتسما في وجهها ، لكنها تبدو غائبة الذهن ، تمضي مثقلة الخطى ، شاحبة الهمة ، غائرة الرشاقة ، همّ بتركها لوحدتها ، تتنفس عبير الحرية في دنيا السّخط ، تنسج مواويل الحزن والألم غير آبهة بالزمن و المارة ، لم يفقد الأمل في تجاوبها فعاد خطوات إلى الوراء قائلا : " ما بك يا ..." فردت : " ليلى " كانت إجابتها فاترة و ببرودة اللامبالي لكن أعطته ضوءا أخضر ليواصل إرضاء فضوله " جميل ، تشرفت بمعرفتك " ..." ماذا تعني؟ هل وجدت الحلول لكل مشاكلك ، ولم يبق لك غير التطفل على الغير ."......" طبعا لا و لكن مجرد ...." ........." تعاطف يعني ... شفقة ...فضول زائد ...." ربما كلها مجتمعة إضافة إلى أشياء أخرى قد تظهر لاحقا ....." ......... " أنا أعرفك يا فتى اللوحات و أعرف نغمتك الموسقية التي أهديتها لطلاب الجامعة .." تنفست بصعوبة و أردفت " أتظن نفسك فعلا مميزا .... أيكفي أن ترسم بعض لطخات صباغة ..... وتزغد على الأوتار لكي تكون إنسانا يحق لك التكبر والتعالي على كل البشر ....... وتعطي لنفسك حق الإشفاق .....وحق التواجد في حياتهم ..... أيغريك أن نتائجك كانت تتصدر قوائم الجامعة ..... هذا كله في فلسفتي لا يساوي شيئا ...في غياب روح طيبة........ روح تحترم الناس ..روح محبة " كان كلامها متقطعا و يحمل نبرة صدق جارفة ، لم يسمع من يرسل إليه هذه الكلمات من قبل غير صديقه إدير الذي كادت ذكراه تخبو في حياته لولا أن سمع هذه الألحان من هذه البنت ، فقال : " ربما ما تقولينه صحيح ، ولكن رغم ذلك فأنت مخطئة ، أرجو لك الهناء وعمت مساء " فأخذت بكتفه وهي تقول : " كلكم هكذا ترغمون الشخص على الأمل ، وعندما يصدح بالحقائق تفارقونه ....... أنتم أشخاص غير طيبين ، أشخاص مزعجون .... هيا اغرب عن وجهي ...."
    زاد اتساع خطواته و هو يسمع شتائم ليلى تزداد بذاءة ألفاظها و فنعتته بالمعتوه و المخنث و قليل الحياء لتعرج على الحيوانات فوصفته بالكلب بل الكلب أوفى لترفع من وثيرة الشتم فحضر أبوه الصعلوك وأمه الزانية ليخفّ صوتها و قد ابتعد عنها كثيرا ، فما عاد يسمع بدقة ما تزفه إليه من رديء الكلام وساقطه ، رغم ذلك سبقته شفقته نحوها فلم يردّ على انفعالها ، بل ودّ لو يسمع منها أكثر من ذلك لو كان هذا سيخفف على روحها ما اكتنزته من الآلام .
    صبحا قصد الجامعة متأبطا كتبه ، يسير على قارعة الطريق ، غير مبال بمن يشاركهم المسير ، بل غالبا ما يسافر عقله بين النظريات ، كما لو أنها عالمه المفضل ، فلا يرى في هذا الواقع الذي يعيشه إلا عالما سفليا يسكنه أناس يتلاعب ببساطتهم و براءتهم ، هناك في عالم النظريات الذي يعج بالصراع الحقيقي ، فتحاول الأولى سحب البساط من الثانية ، فتغار الثالثة من هذا التدافع فتولد طرحا جديدا ، يحاول أن يجد بينها رابطة ، يؤالفها لترتاح الأرواح في الأرض لكن كلما أحس احتواء أسرار بعضها تبين له قصورها من الصمود كثيرا ، فعقله يسكن هذه الأعالي ولا يريد أن ينزل من هناك ، أحيانا يتمنى لو استقر به في روضة من رياض البساطة ، فيكون حملا وديعا لغرائزه ، فتنصع فيه قيمة الحيوان ، فيستمتع بما لذ واستطاب من ألوان النعيم ، تجده أيضا تعتريه لحظات فيها يحاول أن يستكين كيانه ويستسلم فؤاده ويغترف من ثقافة العبيد شيئا ، فيخضع لملكوت البعض ، لكن لم تستطع نفسه أن تسير على نهج واحد ، فكلما حاول ترويضها أخذته بعيدا .
    لم تستطع النوم عندما استردّت بعضا من رشدها و قد انقشعت غيوم المخدر في سماء عقلها ، تحس حسرة تمزقها أشلاء ، كيف فعل بها الجنون فعلته ، فهاجمت من هو أقرب إلى نفسها ، تزمجرها الخيبة و قد أحست أنها ضيعت فرصة كانت ستقربه إليها ، لكن كيف لعاقل أن يقبل بأنثى مدمنة ، كيف لهذا المتكبر الذي يتعجرف بمؤهلاته العلمية أن تستميله فتاة قاصرة جمال و فطنة ، هذه أكذوبة يا قلبي ، عليّ بحبّتي فهي معشوقتي ، بعد تناولها استغرقت في نوم صناعي ، باكرا وقفت بباب الجامعة تنتظر قدومه ، فرأته ذابل العين ، شاحب الملامح ، فازدادت ضربات قلبها عند وصوله، لكنه هناك لا يزال يزاوج بين زهرات الأفكار .

    دخل من البوابة الصغيرة عندما رأى فتاته واقفة بباب الكلية ، فتوجس منها أن تعيده إلى سابق عهده حين كان يثير شغبا متكررا مع الفتيات ، تذكر فتاة روض الأطفال ، فتحسر لوجهها الذي يحمل واحدة من علامات نفسه الشريرة ، لكن دون الاستغراق في الأسف ، حاول أن يفسر ذلك بشغب الطفولة ، فهرب من فتاة اليوم لكي لا تتكرر فعاله ، فتسيء لشخصيته الجديدة المتميزة بالابتعاد عن الصراع ، وتحويل شحنات غضبه إلى العالم الفوقي ، فيناطح المعرفة ويبتكر أساليب جديدة في الحياة دون أن يكون لها أثر على شخصيته ، فهو لا يزال يعيش كمن يمارس واجبا لا غير . هي لم تستطع التقدم نحوه بل تسمرت رجلاها مستسلمة لنغمات قلبها التي تحدثها أن بهذا المخلوق الحزين عذوبة لا تظهر لغيرها ، بل تجزم أن كل عجرفته تلك ما هي إلا قناع يخفي روحا طيبة فقررت دخول حياته .
    عند الساعة الرابعة مساء كانت أفواج الطلبة تغادر الحرم الجامعي لما شده كف رقيق في ذراعه و صوتها بين عزم وفتور " كيف حالك أنطوان؟ " لم تفراق راحتها يده فرد عليها : " ليلى ...ما هذا الجمال ...؟ " لم تعقب بينما هوت بعينيها الجذابتين إلى الأرض محاولة ستر فيضان يحوم حول بؤبؤيهما فواصل حديثة : " لا داعي للأسف ربما كنت مخطئا البارحة ، كان علي أن أقدر ظرفك و أمر بسلام " فتمالكت ضعفها مجيبة : " لا أنا المخطئة فهلا سامحتني " تبسم ضاحكا من قولها و قد انساب الضعف إلى أعماقه ، فرق قلبه و انفتحت شهية حبه لأول مرة في حياته ، تعجب أين كان هذا الإحساس يختبئ طوال عمره ، أين تسكن هذه المشاعر الرقراقة كماء الجداول في خضم ما يعتري حياته من بؤس ، أين تغيب هذه الأشعة النيرة في غمرة رمادية الأيام ، قاطعت شروده بصوت نابع من الأعماق : " هل تريد احتساء شراب ؟" فما كان منه إلا أن قبل وهو من لا يرتاد المقاهي و التجمعات الشعبية ، فيراها بؤرا لدفن الحياة ، وتقزيم التفكير ، و مضيعة للوقت والمال ، لكن اليوم يستعد أن يعتذر لكل هؤلاء ، فربما هم أيضا منساقون وراء معرفة أكبر و أعظم ، يتفقهون في عوالم هو من كان يجهلها .

    مسمكة بها حيتان ملونة تسبح في سجنها الزجاجي مانحة سلوة للزائرين في الزاوية اليمنى لهذه الغرفة الصغيرة ، في اليسرى يتدلى قفص مذهب داخله يسكن طائران يشع لونهما الأصفر الفاتح بريش غض فيه نقط زرقاء ، يطلقان بين الفينة والفينة نغمة حزينة ، مصباح في هيئة فانوس قديم الطراز ينقلك إلى عالم البساطة يشع منه نور خافت يتوسط فضاء الغرفة ، مائدة خشبية منقوشة أطرافها ببديع شكل متناغم ، ممرد سطحها فأصبحت لماعة ملساء كصفحة زجاجية ، في مركزها مزهرية تعبق زهورها الأخاذة بلونها الأبيض الناصع أريجا يصل إلى روح أنطوان فيحسبه رائحة القلبوب الدافئة، فجليسته التي مافتئت تشتكي أنها تحس حرارة في هذه الغرفة الضيقة ، و قد عبر الشراب البارد حلقيهما مخلفا وخزات مرة مدغدغة و عابثا بتركيزهما مبدلا أجواء الغرفة الهادئة صخبا ، فانطلق اللسانان بدون قيد ينشدان على إيقاعات القنينة السوداء المتربعة على بعد خطوات من المزهرية .
    " هل أنت مرتاح لصحبتي " هكذا نطقت وهما يغادران المقهى الحانة ، فكان جوابه غاية في السعادة : " طبعا هذا يوم مولدي " صحبته إلى شقتها المتواضعة الصغيرة فوجد أثاثها مبعثرا ، وتلفازها لايزال مشتعلا ، والقنينات الفارغة تملأ المائدة والمنضدة وحتى غرفة النوم هذه اللوحة أيقظت صحوه ، فتأمل هذه الفوضى العاتية ، هذه الأنثى الرقيقة ، هذه الحياة المزيفة ، طبعت على وجنته قبلة فانساق إلى عالم جديد .
    "سأتوجه إلى العمل ، بإمكانك البقاء في البيت " هكذا نطقت وهي تخرج من الحمام ، "شكرا حبيبتي ، أنا أيضا يجب أن أتدارك ما فاتني فلا أملك كثير وقت ..." عند ذاك كانت قد هيأت نفسها للخروج وهي تقول : " هيا اغرب عن وجهي "

    منذ ذلك اليوم وهما متآلفان ، تجمعهم الفترة المسائية فيمضي كل إلى سبيله ليلا ، هي إلى كدحها لتوفير ما تتطلبه حياتها الدراسية ، وهو يجري وراء البحوث ، رأت فيه آلة مبرمجة ، لا يحب التغيير في حياته ، يستحلي ركودها ، رأت في عمقه روحا مكسورة تحاول الانعتاق من قيودها ، أما أنطوان فوجدها روحا سمحة محبة لكنها تهوي بسقوط حر إلى فقدان رشدها ، فإدمانها نقطة سوداء مهما كانت طيبة ، عندما تعاقر كأسها و تشرب دخانها و تستنشق مسحوقها ، أو حتي تلقم حبتها ، أو تغرس حقنتها ، تفيض فيها العوالم ، فلا يمكن لروح تعمل بأقصى قواها أن تصمد كثيرا ، تلك حقيقة علمية تؤرقه فيخاف مصارحتها ، بل يفضل أن يصبر بعض الوقت حتى ترسخ ثقتها به ، فربما يكون لرأيه معنى . هي كلما تذكرته تحس أنها أصبحت أنثى حقيقية ، فتبتسم لبرهة ثم تتذكر حياتها المليئة بكل ألوان المصائب ، فتقول ربما أنا أخدعه يجب أن أصارحه لكن ليس الآن بعد أن تتوطد العلاقة بيننا و يصبح أكثر تفهما .
    في الجامعة يزداد نجمه صعودا وقد نشر بحثا جديدا مما جعل رئيس الجامعة يضمه إلى رسميا إلى نخبة البحث هناك يلتقي بأساتذته المتميزين ، فتتقطر الغيرة من عيونهم الحاسدة فيذيبونها مرحا مفتعلا ، يستغلون نباهته لرفع دقة أبحاثهم ، يحاولون عرقلته بمعطيات خاطئة ، لكن كل ذلك ليس ليتني عزمه على النبوغ في سن مبكرة . أبوه يرسل إليه ما يحتاجه فهو ابنه الوحيد ، هادن الأب شغبه منذ مدة ، يحاول أن يقبله كما هو فيرتاح الجميع ، أمه ترى فيه صبيا جميلا مهما كبر ، قليلا ما سافر إلى موطنه إلا في الأعياد ، هنا يجد لنهمه وفضوله ما يشبعه ، فتراه بين الجامعة والمعاهد ودو ر العلم يتنقل .

    في الماخور وجد نفسه ، هذه العلبة الليلية بمنصتها الضيقة حيت يعزف شاب بشعر كثيف و صدر يظهر من خلال قميص فتحت أزراره ، في أذنه حلقة و في أنفه أخرى ، يراقص قيتارة مرة يهوي بطرفها راكعا و مرة ينتصب متقوسا إلى الوراء فتعلو القتارة جسده ، يحرك بشدة رأسه يمينا و شمالا فتتمايل رؤوس الشباب الراقص في حلبة دائرية ، في حركات مهووسة انجرفت أرواحهم في شدّ و جدب ، يركلون بأرجلهم نحو الأمام و الوراء ، لايستقرون على إيقاع كما صوت العازف الذي يئن حينا و يصيح صيحات فجائية مرعبة أحيانا ، فتتخلل صوته الجهوري وعكات رقة لا تصمد و قد ارتفع إيقاع الجذبة فترى رؤوسا يذهب شعرها يمينا وقد اندفعت يسارا و تستعر الرقصات فتتصبب الأبدان عرقا لتختلط ألوان الروائح بين عطرية و آدمية و نبيدية ، تنفث نفاثات دخانا يعم المرقص على إيقاعت ضرب الطبول ، هناك غير بعيد توزع الكؤوس عاكسة أشعة قزحية باهتة ، في الزوايا تجد من يلف تبغا مرشوشا بمسحوق مميز الرائحة يسلب عقولا تجعدت أرواحها وانفصمت نفوسها ، فترى على الكراسي أجسادا صرعى يتهاوى بعضها على بعض ، و توزع قبل زائفة مع متعة مزورة ، فتحسبهم أيقاظا وهم رقود . لم يكن يعرف أن السخط يبلغ بالنفوس هذا الحد ، لم يكن يعلم أن الحياة عند البعض أصبحت مجنونة متشنجة مغشوشة ، تجمع من المتناقضات الكثير ، انقبضت نفسه تائهة كما نفوس الحيارى حوله .
    منذ دخولها الحانة وهي تموج مع الماجنين ، تدخن لفافة هنا و تبادل بسمة هناك ، تفرغ أكوابا تلوى الأخرى في بطنها الصغير ، فتعجب أين لها بهذه القربة التي تستطيع تحمل هذا الكم الهائل ، انخرطت في الرقص بل توجهت عند العازف فصدحت بصوت رجولي على نغمات الفوضى ، فتعالت أصوات المواويل فأحس أذنيه تتألمان ، هو العازف الرقيق الملحن بنوتات يسترخي لها الجسد ، لا يحتمل هذا المجون الموسقي ، هذه الثورة الشبابية المزدحمة بكل أصناف التعقيد و النشوز .
    رجعت إليه وقدمت له شرابا فسجارة فلفافة فبدأ ينساق للحال ، سرعان ما اهتزت روحه ليصبح أكثر جنونا من الكل ، فتخلص من عقال يشد نفسه فهوى بنفسه لمنحدر ظل يمانع الانزلاق نحوه ، فعاش ليلة صاخبة ، متعبة ، فذهنه مشوش ، و أذناه لا يفارقهما أزيز طويل فواصل احتساء ماء الحياة الجديدة وشرب دخان معطر بنبتة مهلوسة .
    مذبذب العزم بين رغبة في مواصلة مشواره العلمي وبين جموح رغبة غريزية تكبر فيه كل يوم ، أمضى شهرا تفترسه ازدواجية القرار ، فبدل السهر على الدرس و التفقه في الملكوت ، أضحى جزءا من الظواهر التي تقام حولها الندوات و الدراسات ، ينغمس في حضن ليلى فلا يرتوي عطشه ، يسامرها في الماخور فتنساق جوارحه لكل الشوائب ، يسرف في كل شيء تناوله ، لا يعرف قيمة الاعتدال ، طبع على التطرف ، لامس و أبدع في الأغنية الشبابية و زمجر الأوتار و عوّد حلقه العواء الصاخب ، و فتح صدفات قميصه و ترك شعره ينساب ، بل جعّد انسيابه ، تضاعفت نفقاته فاحترف السطو مع عصابة معشوقته . كانت طفلة بلا أب ، و لدتها أمها دون رغبة منها ، حاولت تنشئتها على الأصول ، لكن لا تملك كل الأوقات لفعل ذلك ، فتربت على مزاجها ، كانت لبقة أنيقة مجتهدة إلى أن اكتشفت أنها بلا أب ، فتلبّد صفاؤها و تعكرت ملامحها ، وانزوت كثيرا ، فتشوّشت أفكارها حدّ التيه ، فلم تجد بلسما إلا القنينة ، فالحبة ، فالمحقنة ، وبعد ذلك فاضت كأسها بمرض أمها المفاجئ و تقلص إيراداتها ، فزاوجت بين الدراسة و العمل ، لم تجد عملا ملائما إلا الذي كانت أمها تمارسه ، نادلة حانة فبائعة الهوى و بيع الممنوعات والانخلراط في عصابة .
    تحكي لصديقها أن أمها كانت ولدت صبيا مع رجل شهم ، رجل صالح جاءها يوما إلى الحانة مكتئبا متجهما لفقد حبيبته التي توفيت في ربيع العمر ، كان الرجل يبكي بلا توقف كلما توغل في الشرب كلما ازداد نحيبه ، فتألمت لحاله ، وذهبت معه إلى بيتها ، تواسيه و تلاعبه فانساق لها ، الرجل استيقظ مبكرا فوجد نفسه على فراش لم يألفه ، لم يغفر لنفسه زيغها فأرداها صريعة . لم تشأ الأم أن تربي طفلا سيعرف بعد أمد أن أمه كانت سببا في وفاة والده ، فتركته في المستشفى وحيدا . حكت له عن ميلادها وكيف أن أمها لم تستطع معرفة صاحب الفعلة ، و لكن تكفيرا عن ذنبها الأول احتفظت بالجنين و عاهدت نفسها أن تربيه و تمنحه قدر استطاعتها كل الحب و الحنان و الالتزام ، هكذا تربت في كنفها .



    " ما اسمك ؟" هكذا بدأ مدير السجن كلامه ، فرد عليه أنطوان ببرودة أعصاب مفتعلة " أنطوان دانيال موسيو" فحنحن الآمر : أنت لدينا و في عهدتنا رقم جديد ، فلا تنسى متريكولك ، ماذا تنتظر خلال إقامنك عندنا ؟" تمايل أنطوان هامسا باحترام : " أمضي مدتي و أواصل حياتي " ، حرك السيد رأسه موجها كلامه للسجين "دائما مع كل جواب يلزمك النطق بكلمة موسيو ..... أفهمت ؟" فماكان من أنطوان إلا الرضوخ :" حاضر موسيو " .
    أخرجه الحارسان و قرأ عليه المشرف بعضا من النظام الداخلي للمؤسسة ، فجردوه من كل أشيائه و ملابسه و فحصوه شبرا شبرا ، دقيقة دقيقة ، ثم قدموا له لباس السجن وهم يتغامزون فيما بينهم و ضحكات التشفي تعلو ملامحهم لتصل إلى أذن أنطوان قهقهة مزلزلة مدوية تداعب ما تبقى من روحه الشريرة ، دخل على المعتقلين في زنازن بأبواب حديدية كأقفاص للعصافير ، هذه القضبان تثير اشمئزازه و هو يسمع قعقعة القفل تعلن آخر يوم في حريته ، صوت الباب و هو يضرب الإطار قصف فؤاده فعلا نبضه ، وقعت عينه على جليسيه في الغرفة فبادرهم بالسلام ، كان تعقيبهم نظرات فضول و استخفاف ، و عيونهم تدور دوائر مفزعة و تشع منها شرارات مشؤومة ، تقدم ليعتلي سريره في الطابق الثاني حين حال بينه وبين الصعود أولهم ، و هو يهمس قرب أذنيه : " لا يافتاتي ، تقدمي هنا في سريري ، أريد أن أشم رائحة الزهور و رائحة المدينة في جسدك الطري ، صده محاولا التهرب ليقع في حضن الثاني ، " أتركها إنها تختارني أنا لأحظى بعذريتها " قاوم بعنف فانهال عليه الضرب والصفع من كل جانب ، فعلا صياحه و نزف أنفه و انتفخ وجهه فصار كعظمة بين كلاب متوحشة تتنازعها ، حين ظهر الحارسان ، كانت ثيابه قد مزقت ، وجسمه محمر بخدشات المخالب و ازرورقت كدماته ،. نقل إلى زنزانة انفرداية محروما من الفسحات و الاستراحات و ممارسة الرياضة والاستحمام ، و الحارس في وجهه يعلن : "هكذا نؤدب المشاكسين المثيرين للمتاعب " ..
    هناك تعلم التركيز على النفس و تعلم محادتثها ، ومؤانستها ، هناك أحس أن الجنون نوع من إغلاق نوافد الدنيا على النفس و الاكتفاء بعالم الذات و النفس و الروح ، هناك تعلم أن كل النظريات التي كان يستغرق أوقاتا كثيرة لفهمها ، لا تعلم من حقيقة الحياة شيئا ، هناك تعرف أن الحياة شيء عصي على الإدراك ، هناك فقط تعلم أن الإنسان أشرس مخلوق حين تحكمه ظروف معينة ، حاول أن يفسر مغزى السجون ، أهي إصلاحيات ! أم مجرد أماكن لتحدي قوة الشخصيات ، أماكن لكسر الجبروت ، أماكن لهدم ما تبقى من إنسانية الأفراد ، سبعة أيام و هو يتفلسف ذات الاتجاهات الست ، لكن لم يهتد إلا إلى حقيقة واحدة : " انتهت أحلامي و ها قد جاء وقت الكوابيس " .
    تمر أيام السجن رتيبة قاسية ، في غرفته الجديدة التي يتقاسمها مع ثلاثة آخرين ، شيخ اكتسب تجربة كافية ليتعلم أدبيات السجون ، كفاءته في التعامل مع كل العقليات كانت ذا وقع إيجابي على انطوان ، شاب محترم الملامح ، ذكي الطبع ، صارم الرد ، رجل في الأربعين مندفع حد التهور بعقل طفولي نزق ، كلهم أعجبوا بالغلام المليح الذي لم ينصع لمتنمري السجن ، فاصطفوا وراءه ، كان الحراس يريدونه حسونة جديدا بعد الإفراج عن آخر حسونة في السجن ، لذلك أسكنوه بداية الأمر عند القائدين لأكبر مافيا في السجن ، عصابة تقوم على الرهانات و المصارعة و سوق السجائر و الممنوعات ، الحراس يساهمون في تغذية هذه الحرب الضروس في هذا العالم المغلق تسلية ، كانوا يتأملون أن يكون الفتى مجندهم في نقل المعلومة الرائجة و الخطط المنتهجة لكن وجدوه بلا رغبة ، راجعوا سجله فتنامت خشيتهم أن يكون على علاقة بجمعيات و منظمات فحجروا عليه الزيارات ، و قد تقدم العديدون بهذا الطلب في مقدمتهم ، أبوه و أمه اللذان ما توقعا يوما أن يصير ابنهم الوحيد من نزلاء مثل هذه المؤسسات ، بل الأم تذرف دموعا متهاطلة رافعة راية البراءة تلف بها اسمه كلما ذكره ذاكر بسوء :" ابني روح طيبة لن يقتل ذبابة ، كيف يتهمونه بالقتل ، سيبرئه قضاة الاستئناف " ليلى منذ أن علمت تورطه في حادثة قتل واحد من أفراد عصابتها و هي تحاول محو ذكراه من عقلها ، بل قررت أخيرا السفر بعيدا عن هذه المدينة المظلمة ، لكن نبضا فيها لايزال يخزها وخزات مؤلمة تنم عن ضمير يريد الرجوع إلى الحياة ، فتؤنب نفسها على فعلتها .
    هو لا تصله معلومة واحدة عن العالم الخارجي ، حتى المحامي رفض مقابلته ، فبقدرما كان السجن مؤلما وجده يعج بالغرائب ، فاستحلى أن تكون هذه التجربة في حياته محطة لسبر أغوار علوم الاجتماع و مفاصلها و روابطها المقدسة ، فبدأ يؤسس لنمط جديد من المعرفة ، محاولا استغلال خبرات الشيخ المليئة جعبته بحكايات لا تعد و لاتحصى حتى أصبح موسوعة السجن فاعتبر هذا العقل كنزا وجب إفراغ حمولته في مجلدات كثيرة .



    حكى له الشيخ عن صولات و جولات رئيس المؤسسة مع الخارجين عن الطاعة ، كيف ينالهم شديد البأس ، ففي مدته على الأقل مات عدد لا يستهان بهم من النزلاء بسبب سوء المعاملة ، فمنهم من افترسته الأمراض بفعل الزنازين الانفرادية ، و منهم من هزلت قوته و برزت عظام صدره بفعل حقن لا يعلم محتواها غير أولي السر ، منهم من تراه اليوم على حال جيدة فتجده بعد أيام شحبت صحوته و ذبلت فيه الحيوية ، كلهم كانوا لا يحبونه بل يحاولون بشتى الطرق إيصال شكواهم خارج هذه الأسوار العملاقة والأبواب الموصدة ، أتعلم بني ، يقول الشيخ ، إن كنت تكره السيد فلا تعبر عن ذلك ، فاعلم أنك متى نويت البوح فقد أعلنت نهايتك ، فاستعد لتفترسك الأمراض و تتزين بك الأقبية الموحشة التي يسكنها الظلام و الحشرات ، إن كنت صبرت بني فإنما تصبر لنفسك و لتمتيع هذا الجسد ببعض حياة فلا تكن سببا في تعجيز نفسك و هلاكها ، كان أنطوان ينصت إليه بنصف أذن وهو يقول ، عن أي حياة يتحدث عمي الشيخ ، ترى بعد الثلاثين سنة سيبقى في روحي بقية باقية من حب الدنيا ، ساعتها سأتجاوز الخمسين ، ترى ماذا تبقى من معاني الحياة في هذا العمر ، إن كانت حياة العشرين لا أستحليها بما يكفي لأحب ألوانها الناعمة و أنا فتي العود والروح ، فماذا عسى تكون الحال على الخمسين .
    يمارس تمارينه الرياضية رفقة صديقيه أما الشيخ فيستحلي المشي فهو يعاني من أعراض الروماتيزم ، قضى عمره بين هذه الجدران و هجره كل من كان يزوره منذ سنوات خلت ، يتذكر ما جعله يسكن السجن ، في ذلك اليوم لم يكن يعلم أن حياته ستنتهي هكذا ، يا للشباب و حماقاته ، سجن بضع سنوات لكن مشاغباته مددت سجنه إلى ما لا نهاية ، ينتظر الموت ، منذ أن حكم عليه بالمؤبد و الحراس رأفوا لحاله ، فهو من سيفني معهم العمر ، كانت فعلته عنوانا بارزا في هذه المؤسسة التي يفقد داخلها و ينبذ من غادرها إلى المجتمع ، و أنت في السجن تحاول البقاء و ابقاء الإنسان فيك حيا ، فيتلاشى شهرا وراء شهر ، حتى إن حظيت بالخروج فاعلم أن سمعة السجن تغلق في وجهك أبوابا تطرقها ، حتى الحديث لن تجد من يستطيب سماع كلامك ، بل يعزلك الناس فتحس في المجتمع غربة تضاهي ما تذوقه في السجن ، بل تعجب أنطوان عندما قال للشيخ ألم تطلب يوما العفو؟ ، فقال المسن : "ماذا سأفعل هناك ، هنا على الأقل أنا مع زملائي ، أعامل كلا منهم وفق منهجه فيحترمونني ، أما هناك ماذا تراني سأفعل ، قد أنتحر لمجرد استنشاقي لهواء الحرية ، فأنا ما عدت قادرا عليها ".
    لم تنعم بالراحة و هي بعيدة عن أمها و عن مدينة تآلفت معها رغم قساوتها ، مرت ثلاثة أشهر على رحيلها . الأم استفحل عليها المرض و وجدت نفسها عرضة للضياع ، لا من يؤنس وحشتها و لا من يواسي احتضارها ، و لا من تغدق عليه بالوصايا الشفافة ، تلك الوصايا التي صقلها العمر و العجز و قرب الأجل ، لا مال تورثه و لا علم تكتنزه ليخلد اسمها بعد الممات ، مجرد ذكريات كلها تقبع في دواخلها ، لا تستحق الظهور ، و ليست مدعاة فخر لها ، و لا مصدر اعتزاز لابنيها ، تذكرت أخيرا هذا الصبي النقي البهي الذي هجرت دموعه الهاطلة بمجرد قدرتها على الحركة لم يتمكن المسكين من استذرار رشفة حليب من ثديها عند الولادة ، لا يزال فيها متصلبا يأبى الخروج و أبى هاذان النهدان أن يصبحا تلك اللحظة مرتعا للحياة ، كان أنين بكائه يصل إلى أذنيها و هي تغادر الغرفة مطأطأة الرأس ، لتختفي تاركة تلك الروح الطيبة لتواجه الدنيا بجرعات يتم مضاعفة .
    اليوم تسترجع هذا المشهد الحزين فأبت عيناها البكاء ، كما أبى قلبها أن يخفق للصبي و أبى حليبها إرضاعه ، تقول ربما هو سينمو بعيدا عني و عن حياتي التعيسة ، كان له أفضل ، ماذا صنعت بالتي ربيتها و أرضعتها ، و ماذا فعلت لي غير هجر و صداع عند كل لقاء ، وجع هم الأبناء ، كان علي أن أتهيأ لهذا ، لم أخلق لأكون أما ، هكذا فقط أريد أن أوصيها ، كان عليها أن لا تفكر في الأبناء ، فهي فتاة مدللة ، فتاة لا تستطيع أن تكون مسؤولة ، آه رجال اليوم ، كلهم يعتمدون على المرأة في كل شيء ، أنا من يعرفهم حق المعرفة ، يترك عائلته في تقشف مجحف ، و يرمي ما لديه في ساعة قمار ، أو نشوة رقصة ، أو قبلة ممزوجة بزيف يحسبه في لحظة عميق حب صفي ، يكذب الإحسلاس فيهم و تعودوا على هذا الكذب ، هذا البهتان النفسي ، تراه يسهو مع لقطة في شريط دامع العين ، و حين يقف على وقائع صلبة بأبى قلبه الاستجابة ، قلوب جوفاء ، قلوب تائهة ، الآن عرفت لماذا أنا هكذا لقد عاداني ما بهم ..
    جاءه خبر تأكيد الحكم فأصبح بقناعة تامة أنه منسي هناك ، أحيانا تتمسك النفوس بأمل زائف رغم إظهار العكس ، اليوم نقرت الكآبة في أعماقه و دقت مساميرها الجارحة ، سندانه أضحت خدوشه تؤرق صلابته فهو تشقق و تفتّتت صلابته ، تهوي المطارق عليه مهشمة صموده ، أبدا ليس قاتلا ، ليس لديه ذلك الفؤاد الصلب الذي يتقوى بالألم ، قلب أنثوي يذوب مع الأعاصير فتخر متانته إلى انشطارات دقيقة ، دقائق ألم تحملها رياح السأم فأضحت روحه مغبرة ، يا لك من عصيب أيها المآل حين تتراكم أخطاء بسيطة ، هل بدفنه هنا سيسلم الكون من الشرور . يحتاج إلى تجديد من نوع ما ليواصل رحلة العذاب ، يفكر و يدبر بما تبقى في عقله المشروخ ، إما إحداث زوبعة ما ، كما فعل الشيخ فأكون على مقاس ثوب فصلوه لقامتي عنوة ، و إما أنزلق مع التائهين من جديد فأحيى على رشفات ما يجعلني أسبح في بحور الوهم بلا منقذ .
    استقبل أباه في قاعة من وراء حجاب القضبان ، نظر إلى والده نظرة استغراب ، هل هذا هو الشخص نفسه الذي لا تثنيه الحياة ، علامات شيخوخة غزت قلاع فتوته التي كان يظن أنها سرمدية على وجه الرجل ، أيام ريح صرصر قادمة من قطب متجمد صحرت حديقة ملامحه ، ريح حارة عاتية قدمت من قلب الصحراء أذبلت في وجهه النضارة فعرت زيف ملاحة كانت متربعة على وجهه ، لم يقل كلمة واحدة ، و هو يسمع من أبيه سؤالا مألوفا : كيف حالك ؟ غريبة الأسئلة هذه ، عن أية حال يتحدثون ، أليس الوجه مرآة القلب ؟ سؤال لم يستطع الخروج إلا بعد حشرجة حلق وحنحنة فابتلاع غصص بهواء السجن العفن ، لم ينتظر الأب الجواب كثيرا فهو عليم بأحوال الفتى ، فأردف أمك تقرئك السلام ، السلام السلام هل لا يزال حيا أم مجرد شبح يتوهمه البعض ، فيأتيك على حين غفلة فتحسبه واقفا على رجليه كسراب يظنه الظمئ ماء رقراقا .
    لوح لأبيه محركا كف الوداع و قد انصرمت دقائق معدودات بعدد التنهدات .



    سأله المسن عن جديد الزوار ، فلم يجد في نفسه متعة للكلام ، انسلخ منه جزؤه الإجتماعي ، فصاحب لأيام عزلة و خلوة مع نفسه يجلد فيها انشغالها بالتفاهات بينما أسرته تزداد بعدا عن خواطره ، لما رأى آثار منهجه على هيئة أبيه بزغت في نفسه هذه المتعة المفقودة التي لم يغتنم اشباعها فوجد في وحشة السجن ما يغذي هذا الحنين إلى حضن الأسرة الدافئ ، بل يلعن عجزه الإفصاح عن مكنوناته لأبيه ، فذلك الصمت سيزيد من انفلات عقال الرجولة من والده، و من أوجاعه لمصير ابن حاول أن يجعل منه سيد الرجال ، فضاعت كل الأحلام ، تاه في أسئلة بلا أجوبة ليتذكر أمه التي لم تأت ، تراها فعلا غير قادرة على التماسك عندما تقع عينها الحنونة على كبدها خلف قضبان غير التي تحميه في صدرها ، نسي أن يسأل والده عن حالها يقينا منه أنها ستكون أكثر حزنا و أضعف مقاومة من هذا الأب الصلب الذي انقشع طلاء قوته ليظهر ضعيفا مأزوما و إن كان يخادع نفسه بابتسامة مشلولة .
    ليلى عند وصولها وجدت أمها بين جدران المستشفى وحيدة ، و قد اصفر فيها الحزن و تكاد تبيض عيناها من غم بلا دمع ، وضعت باقة ورد على المنضدة مسلمة ، عيناها المطأطأتان تخجلان من مواجهة العين الصريحة للأم التي تحكي أتعابا و أقراحا و تحكي عن جبروت ما يعتصر دواخلها من آلام : " تعبت من الانتظار ، ألن يأتي هذا إلى الميعاد و أنا على قيد التعقل ، أم يستحب أن يجدني مجنونة كما هؤلاء الرجال الذين لا يحبون غير عربدتي المجنونة ، ترى هو أيضا يريدني خارج حدود الصواب ، تراه يستمتع بعذاب لا يحسه ."
    " لاعليك والدتي ، ستشفين ، و تعودين إلى الحياة الطبيعية ، قاومي " تبسمت و هي تقول : " عسى نصائحك تجد أذنا صاغية و تجد فيك حياة تسمع النداء ، يا بنيتي ، كلنا نعرف الكثير ، لكن المهم هو ما تقترفه أيدينا ، كنت دائما مؤمنة بغد أفضل ، لكني لم أفعل يوما ما يجعله كذلك ، لست أدري ، أهو قصور عقلي أم مصير محتوم ، لا تنقصني تجربة و لا ذكاء و لا ملاحة في شبابي ، لكن متى دارت الدائرة لا تستحب التوقف ، كنت سأقدم لك بعض نصح ، لكن أظن أنك ستتصرفين وفق إيمانك ، فحظا سعيدا و شكرا على زيارتك "



    خرجت من المشفى متوجهة إلى المحطة سيرا على العادة القديمة وجدت نفسها راكبة على القطار المتوجه إلى مدينة الجامعة ، لم تتفطن أنها تسافر نحو الماضي إلا و قد سار القطار قاطعا أميالا ، في نفسها انقباض أنثى مجروحة ، كيف يعجز الفرد على تقديم المواساة لأقرب الأقربين ، كيف واستها أمها و هي الطريحة ، أي قدرة هذه عند الأمهات ، في خضم آلامها و وحدتها تواسي ابنتها ، ترسل لها رسالة تنبيه على صعوبة الاختيار ، هي تعاني أوجاعا مؤلمة لكنها تخشى على صغيرتها من الضياع ، و ركوب صهوة النفس الجامحة ، تلك مضيعة للروح و الجسد و المجهود ، تلك فتنة لا يسلك من اتبع طريقها المتشعب في دوائر متاهات لا تنتهي ، حلقات مفرغة تستهلك طاقة كبيرة بلا منتوج ، هكذا غابت عن جلسائها ، مسافرة إلى أتون الحياة ، فجأة ظهرت صورته في ذهنها ، تراه كيف يواصل حياته ، لكنها ترى فيه قوة خارقة ، قادر هو على الصمود ، روحه مستعدة للعراك ، ليست روحا بريئة إلى هذا الحد ، ربما يفوقها عنادا و صمودا ، يقرأ واقعه بسهولة ، فيختار التصرف بعقلانية ، لكن كيف وقع في فخ القتل ؟ و هل فعلا هو قاتل ، متأكدة أنه ليس بذلك المجرم الحقود ، ذلك الذي يستحلي عذابات الناس ، فيه بعض رقة أنثى ، فيه روح تعتريها خلطة ألوان لم تجد من يسير بها إلى بر الأمان .
    أسوار الجامعة ، حدائقها ، مكتباتها ، مدرجات المعرفة ، تمشي تائهة لعلها تلاقي شبحه في زاوية ما ، بنات بأزياء جميلة بشعرهن الناعم ، كلهن بسمة و رقة وحيوية ، منهن من تتسارع خطواتها ، منهن من تفضل المشي على إيقاع رفيقها ، أحست غربة شديدة كأنها تقتحم هذا العالم لأول مرة ، أحيانا يعتبر الوقوف على الأطلال محزنا متعبا ، بل كثيرا ما تضمحل فيك المتعة و أنت تعود إلى مكان غادرته ، هذا التقهقر في الحياة موجع ، قد يكون استرجاع الذكرى ذهنيا أجمل و أبهى من التوغل إلى الماضي سيرا على الأقدام ، تسير غير آبهة بأحد هامة بالخروج لما أمسكت يد بعضدها ففزعت منتفضة الجسد وتسارعت دقات قلبها ، فقال لها ميشيل ، منذ متى أصبحت ضعبفة مرتعبة ؟

    "ميشيل صديقي ، اشتقت إليكم "
    " كنت أعرف أنك آتية لا محالة ، مهما ابتعد الإنسان تبقى الجامعة تجذبه ، والعصابة أكثر ، المتعة خصوصا "
    تعرف ميشيل ، صراحة كنت في زيارة لبلدتي ، وقلت أعرج عليكم ، ثم أمضي "
    " إذن لا تنوين البقاء "
    " بالطبع لا "
    " إلى أين ستذهبين "
    " صديقي تعلم أن أنطوان أنا من سببت له كل تلك الأتعاب ، و تعرف أن المقتول كان من أعز أصدقائي ، فهو رجل شهم ، فأرى أن أبتعد من هنا ، فكل هذه الأرض ذكرياتها تقتلني "
    " أقدر محنتك ، لكن ما العمل ، ألا تحبين المكتوت عندي و لو لبعض وقت "
    " تعرف أني ما عدت كما كنت ، أصبحت طباعي شرسة بعض الشيء ، لا أحتمل كثرة الكلام ، أحس بنفسي تزداد غرابة أطوارها "
    "كلنا في البداية كنا كذلك ،الآن كل شيء يتغير ، حتى العصابة تقوّت ، و ترقيت في سلّمها ، أصبحت أنا المسير هنا في الجامعة و الحي "
    "إذن أنت من اختير مكان المقتول "
    "كنت أظن أنتك ستهنئينني "
    "أظن أني لم أستطع تجاوز محنتي"
    " لن أتركك في هذا التيه ، هيا إلى المسكن "
    كانا يتبادلان من أطراف الحديث ، يسترجعان ذكرياتهما في أول اللقاءات ، هو من عرفها إلى إريك ، لكن سرعان ما فضلته عليه ، كان إيريك شابا صلبا متيقظا لينا وسيما عكس ميشيل الموصوم باندفاعية المقامر ، إلى مطعم جميل اصطحبها ، ثم إلى مسكنه ، تركها تستريح قليلا و قام إلى أعماله ، ليلا كان الموعد مع الرقص و اللف والكؤوس والرغبة . استيقظت في الصباح فوجدت نفسها في سرير ميشيل لا يكسوها غير جلدها الأبيض اللامع ، خرجت دمعة من عينها بعد مخاض عسير يجترح روحها ، أنا لا أستطيع التغير يا ماما ، حياتي تقودني إلى الهلاك ، سامحني أنطوان ، ها أنا أظلمك مرة أخرى ، سامحني إيرك كنت خير رفيق لي قتلوك في ظروف غامضة ، ها أنا أبدأ من جديد مع من أدخلني إلى هذا العالم الصاخب .



    مهمومة أثقل الإحباط ممشاها ، رأسها تستعر آلامه ، أزيز و خرير يهدر في أذنيها ، أي حياة هذه ؟ أين الهدوء ، أين الطمأنينة ، بعض منها غادر مع أمي المريضة ، البعض الآخر مع إريك في قبره ، و آخر رمق مدفون في السجن مع ذلك الفتى الوديع ، ليس وجه شؤم ، ليس بروح تستحق قساوة الحياة ، أنا أيضا ليس هذا ما أستحقه ، أستحق أن أكون أميرة تلبس من الثياب الجديد ، ينتظرها الكل لتعطي رأيها و أمرها ، أنا ضائعة ، أين العدل في هذه الحياة ؟ كيف يريدون مني أن أصحو كل يوم لأحس سكاكين الغيرة و الإذلال تمزقني ، ما من طريق إلى الخلاص ، لكن سأزوره في سجنه .
    أربع ساعات و هي تنتظر وعد الحارس بالدخول ، وعد لم يكن ليؤتي أكله لولا وعد منها بمكافأة ، فظهر بطلها بلحيته السوداء من وراء الشباك ، عينها أدمعت لمقدمه بينما هو يخفف عنها ألما يملأها : " لا داعي للبكاء ، فالحياة هكذا صديقتي " فقالت منحبة " صديقة أم حبيبة " فرد ببرودة : "كما تشائين و لكن يوما ستعرفين أن الحب مجرد خرافة ، فقط تبقى الصداقة هي التي يحتاج لها الإنسان " غيرت الموضوع بليونة و هي ترى حبيبها كسر السجن ألقه و قلبه ، " وجهك مشرق و ربما ستكون بخير " تبسم و قال " شكرا على التشجيع ، لكن وجهك كئيب ، ألا تستطيعين مسامحة نفسك ؟ " فانخرطت في بكاء آخر كطفلة وهي تردد : " سامحني سامحني ...و لا تعول علي كثيرا ..فأنا منهزمة ..ضعيفة .." فقال: " انسي الموضوع واعلمي أني بخير ، و سأكون أكثر جرأة على مواجهة الحياة ."
    رجع إلى غرفته والدمع يتهاطل من عينيه شفقة عليها و على حاله ، فقال في نفسه " ما بال هذه الزيارات ، تزيدني ألما أكثر من السجن؟"

    هو في السجن طوال الليل لم يغمض له جفن ، يتقلب يمينا و يسارا ، هي تاهت في كوابيس مرة تسترجع بسمة أمها المتكلفة ، تارة تسترجع كلماته التي تحاول رسم قدرته على التحمل فلم تنجح في ترجمة مقصودها ، تذهب بين المشهدين فتقفز روح القتيل فجأة بدماء تلطخ صوته و هو يقول ، لقد أخطأت و هو يقترب منها ، فرفعت الغطاء عن وجهها ، ميشيل يضيء المصباح ، يفتح صندوقه ، يخرج خنجرا طويلة شفرته ، مدية جزار ، ارتعبت وجف حلقها و دقت طبول قلبها فأحست لوعتها كسكين تغرس في صدرها ، سكين مضمخ بالدماء الجافة ، يتقدم نحو الحائط ثم نحو الباب يفتحه ، يهوي بالسكين على طيف سمعه يطرق الباب ، وهو يقول : ألا تريد الموت ؟ مت أيها الوغد الحقير ، لقد قتلتك مرة ، و سأقتلك كل يوم ، و سأقتله عندما يغادر السجن ، و سأقتلها متى رأيتها تتألمت بموته.
    أغلق الباب ثم سمعت الصندوق يقفل ثم يرجع إلى سريره ليغط في نوم عميق ، ساعتها أعادت فتح عينيها ، انسلت من الغرفة هاتفت الشرطة ، أخبرتهم بالحقيقة ، أرادت أن تلبس ملابسها حين استفاق و رآها صفراء شاحبة و هي ترتجف ، فاحمرت عيناه متقدما نحوها ، ماذا تفعلين ؟، أتريدين الهروب ؟، أم تريدين قتلي أيتها المجنونة ؟ أتعلمين أنك السبب في كل ما ينكد حياتي ؟ أتعلمين أنك من حطم أحلامي ، ستدفعين الثمن غاليا أيتها الغبية ، فأنا لا أقبل بالهزيمة ، كنت دائما في مرمى عيوني حتى و أنت راحلة إلى تلك البلدة اللعينة ، أتظنين أني سأغفر لك ، كلا ، لا تسامح ، لا رجوع ، بل إنهاء الحسابات ، انقض على عنقها الرقيق فخنق فيها البراءة ، و سافرت إلى حيث السلام ، هم بإخراج الجثة حين اقتحم العملاء منزله فانبهر لما رأى الموت في فوهات البنادق يلوح له بعيون مشعة ، فقال : " أرجوكم لا تقتلوني ، أنا من قتلته أنا من قتلها ، هو بريء ذلك الجبان "

    مدير السجن غاضب من الحراس ، كيف جاءت براءته و هو لا يزال حيا ، كان عليكم أن تتصرفوا قبل هذا اليوم ، فقال أحدهم ، لا تحزن فموته خارج الأسوار أحسن من موته هنا . ودع الشيخ بابتسامة و أفراد عصابته بكلمة واحدة ، سأناضل من أجلكم . خارج السجن وجد نفسه غريبة ، لكن عليه أن يواصل حياته ، أول ما يثير الناس هو المظهر ، توجه عند الحلاق و من تم إلى حمام الكنيسة ، لبس بعض ثياب و اقترض بعض فرنكات من رفاقه في العصابة الذين أخبروه أن جثمان ليلى حملتها سيارة نقل الموتى خارج البلدة إلى حيث تسكن أمها.
    في المصحة وجد الأم تتنازعها السكرات ، تحمل صورة صديقه إدير و هي تقبلها ، فقال لها : "آسف على فقدان ليلى " فقالت له : " قتلتموها أيها الأوغاد ، هذا أخوها متى عرف سينتقم منكم جميعا ، لم أنسه يوما لم أستطع مواجهته ، لكن أتابعه أينما حل و ارتحل ، لم أتركه بل لا أستطيع تحمل هذه الأعباء التي قصمت ظهري . شهقت شهقة كسكرة ارتعد لها جسدها وهي تقول حبيبي حبيبي حبيبي . فغادرت الروح إلى الأعالي .
    خرج مهموما و صورة صديقه ، حبيبها ، حبيبه ، ماذا كانت تقول ؟...حبيبي حبيبي حبيبي ، أي سحر في هذه الكلمة الجميلة الوديعة ، بماذا تذكرني ؟ ما هذا الذي مر كطيف من أمامي ، ليس صافيا جدا في ذهني ، لكنه مؤشر على شيء ما ، سأجده سأتعلم قراءة الخواطر قراءة النفس ، قراءة الإشارات ، قراءة النواميس ، لكن يجب أن أخبره .
    كان إدير مشغولا بمحاضراته لما دخل عليه أنطوان و هو بحال بئيسة ، يحدثه و إدير يستغرب من عواقب الزمان على الأرواح ، و هو يردد " كنت أعلم أن الجنون سيفعل بك الأفاعيل ، كنت أعلم أنك ستنتهي مشردا فاقدا لكل إحساس ، يحاول أن يشرح له القصة فلم يستطع إقناعه بشيء ، ظنه مجنونا فقد كل صوابه ، نهره و في المحطة عاتبه و ذكره بأن يتركه يعيش حياته ، فانهزم أنطوان راجعا لا يلوي على شيء .

    لا يعلم أين سيتجه ، منذ جلوسه على مقعد القطار و روحه مسلوبة ، رأى نفسه ينهزم انهزاما مذلا ، يفقد أصدقاءه واحد بعد الآخر ، فكر في أسرته في الجامعة في النظريات في النجاح في المركز الاجتماعي في الزواج فأدركه النوم فلم يستفق إلا وقد مر الليل كمر السحاب و الشمس تلفح وجهه من خلال الزجاج ، توقف القطار فترجل مستفسرا عن المكان ، فعلم أنه بعيد عن الكل ، ففكر أن يبدأحياته من هنا و ينسى كل ماضيه ، قطيعة فعلية مع التاريخ شبيهة بتلك القطيعة الابستيمولوجية التي تحدث في العلوم ، طفرة كالتي تحدث في الوراثة ، بات عقله لا يميز الكثير من المتناقضات التي تتصارع بدون هوادة ، دماغه يغلي غليانا شديدا فسقط على الرصيف فغابت أحلامه وآماله .
    في المقبرة وقف أمام قبرين الأول لعائشة والثاني لعمر ، توفيا قبل مولده بأشهر معدودات ، وضع باقة ورد على قبر ليلى المحادي بدوره لقبر أمها ، هناك فهم الحياة بكل معانيها ، هناك رآى أرواحا ترجع إلى مساكنها و لو بعد حين تبسم ضاحكا من أكذوبة الحياة ، عند خروجه من المستشفى فكر أن يودع ليلى في قبرها ثم يرجع إلى أمه وأبيه فيمضي بقية حياته بينهم ، عازما على تغيير مساراته ، لكن طلقة أسقطته على قبر عمر فشاهد روحه تغادره كطيف نور طويل داخلة ظلام قبر عائشة .
    تصيح مرعوبة أيها المبرمج ، ما هذا الذي تفعله ؟ أين و ضعتني ، لا أريد تلك النفوس المنهزمة ، عمر يشد بيد عائشة ، وهو يقول : " مابك عائشة ، هوني عليك ، فأنت في المستشفى "
    نظرت إليه نظرة استغراب : " أنت حي ياعمر ....، ما هذا ........ماذا وقع ؟
    عمر يبتسم وهو يرد : " لاعليك ، فالطبيب أخبرني أنك اليوم ستستردين وعيك ، لقد أصبت بإغماء لعدة أيام ، أتذكرين عائشة ، حذرتك من التمادي في محاولة برهنة نظرية تحلل الأرواح ، فهي نظرية لن تخرجي من متاهاتها ، الطبيب يقول أن دماغك مصاب بالارهاق الناجم عن كثرة تفكير ، يجب أن تستريحي عائشة ، فأمامنا عمر طويل .."
    فردت عائشة : " أذكر الآن يا له من عمل شاق متعب ، مارأيك حبيبي ، أن أغير بحثي ، وأبرهن نظرية التطور ."
    انتهى


  • عمار عموري
    أديب ومترجم
    • 17-05-2017
    • 1300

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
    جاءت المبرمج حانقة غضبا ، لم تكن تريد مفارقة جسد عائشة الذي كان لها عرشا مريحا ، ألفت ليونته و رقته ، تنعم فيه بريح مسك عطرة ، تنعم فيه بعزة فاخرة ، نشأت رابطة حب قوية بينها و هذا الجسد الفتي الطري ، فتاة عشرينية ينحني لها الجمال إكبارا ، تشد إليها رحال النفوس ، تتفاءل بها القلوب ، لها تهدي الأزهار أريجها ، والبلابل نغماتها . تربعت الروح على هذه الذات فأحست نعمة الملك ، و انتشت بهالة العز ، و رقت بليونتها ولطفها ، فأضحت وديعة أبية عابدة لهذا القوام ، صرخت في وجه المبرمج : " أليس ماتفعلونه عبثا ؟ ألستم تقتلون الحياة ؟ ألستم تذبحون الجمال ؟ أليست هذه حماقة ، أن تدمر ذلك الجسم وتغصبه أيامه ؟ ألم تجد غيره لتهدمه ؟ إني أراكم في ضلالة ، أليس هذا ظلما ظلوما ؟ لم تر بين كل الأجساد غير الذي أسكنه ، ألا ترون أنها تستحق العيش ؟ كيف سيكون حبيبها ؟ هل سيأتيه نوم ؟ و هل سيأكل طعاما ؟ هل سينجح في مواصلة حياته ؟ إني أحببت روحه و نمت بيننا علاقة عشق جميلة ، لقد فرقت بيننا أيها المبرمج ، أريد العودة إلى جسدي ". لم يعرها المبرمج كثير اهتمام فقد ألف هذا الموال من كل روح غادرت جسدا طريا، بل همّ بزرعها في الحاسوب لتنبجس في دنيا جديدة ، لكنّها لم تمكنه و تمنّعت ، فأدخلها قنّينة تأديبا لها .
    في سجنها تتحسّر على ماضيها وحاضرها ، هي الروح لا تحب السجون ، هي من ذوات الأجنحة تطير سائحة في عوالم الطيبوبة والجمال ما لم تتأزم فتتحول إلى شرور و ظلام ، هي الروح انقبضت و هي تنزع من جنة فيحاء ، لتقبر في سجن حقير ، تملكها حزن دفين روّض ثورتها، جاءتها رسالة أثيرية من المبرمج بقرب ساعة حشرها ، ما لم تمانع ! تفكر فتجد نفسها مرغمة على القبول و إلا تعرضت لمزيد من الإذلال ، وافقت على رسالته واضعة شرطا واحدا "لا تمح من ذاكرتي حب حبيبي !"
    خرجت عند الطبيب و هي تطير فرحا، دخلت المتجر و اشترت لعب أطفال ، اقتنت مهدا و ملابس الرضيع ، في بيتها تنتظر قدوم زوجها من العمل لتزف إليه البشرى ، كانت الدقائق طويلة و هي منهمكة في إعداد طعام الغذاء ، ما إن سمعت رنات الجرس حتى أسرعت فاتحة الباب ، إنه هو ، مشرق الوجه عريض الكتفين ، حضنته طابعة قبلة على شفتيه ، قائلة : " أبشر حبيبي ، فأنت منذ اليوم أب" اعتلت حمرة الفرح وجهه و هو يلصق أذنه ببطنها، فقالت " ما بك أجننت ؟ " فرد " أريد أن أسمع كلمة بابا " ، منذ ذلك اليوم و هو يجهز غرفة الطفل بما لذ و طاب من أفرشة و ألعاب و يزينها بمختلف الأصباغ ، يشتري مجلات علمية متخصصة من الولادة إلى السبع سنوات ، الزوجة تحضر دروس الأمومة في جمعية نسوية ، كل الترتيبات التزمت طيلة فترة الحمل ، حمية غذائية ، تمارين رياضية ، استشارات طبية ، وحل اليوم المعلوم لتلد الزوجة طفلا بدرا ، اختاروا له من الأسماء أنطوان .
    أنطوان طفل ظريف ، يحب اللون الوردي و أحيانا البنفسجي ، يكبر فيزداد جمالا و انطواء ، في روض الطفولة يلعب وحيدا ، و يعبث بأدوات البنات ، مرة نهرته السيدة طامو مربية الأطفال ، محاولة ردعه عن ممارسة الشغب الهادئ و افتعال السكينة ، فلم ترق له شكاية البنت سوسو ، فأحضر شفرة و غرزها في وجنتها ، فتركت شجّة دائمة على خدها ، مما جعل الأب و الأم يعرضانه على طبيب نفسي ، و حولاه إلى دار حضانة أخرى ، لم تتغير حاله كثيرا ، فهو كثير المشاجرات ، مع الأطفال ، و كلما تحين فرصة مزق لواحد منهم أدواته المدرسية .
    انتقل إلى المدرسة الابتدائية ليزداد سلوكه تبعثرا ، يزداد نفوره من الفتيات ، يستحلى اللعب بالدمية ، و ارتداء ألوان شفافة فاقعة ، يظهر من خلالها برعما لينا ، بينما يزداد سلوكه شراسة .
    مراهق شديد الحساسية ، مزاجي الطباع ، أصبح أنطوان يزعج أباه كما أمه ، يرفض الخضوع لكل التزام ، في الثانوي كانت علاماته مرتفعة ، و لديه ميولات فنية موسيقية و قدرة تشكيل هائلة ، أحيانا تشارك المؤسسة بأعماله في كثير من المسابقات ، لكن شغبه يؤرق الإدارة ، ينادى عليه بالمجنون ، غرابة أطواره تزعج صديقه الوحيد الذي يعتبره دنياه الحقيقية ، لا يقبل التجريح إلا منه و لا يقبل الترشيد إلا من فمه ، إدير يكاد يكون مفتاح أنطوان ، عبر به إدير مرحلة الثانوي بسلام و ساعده كثيرا على تعلم الحياة الاجتماعية . في الجامعة بدأ نجمه يسطع ، بحوثه المثيرة للجدل ، لغته الصلبة ، لوحاته بدأت تظهر في المعارض ، لكن عزلته ازدادت و تعمقت بمغادرة إدير لحياته ، كتب له مرارا عن هذه الأزمات النفسية التي تنتابه ، لكن إدير يريد أن يغير حياته ، و يستقبل الرجولة بمسؤولية و اتزان ، فترك تلك الشطحات التي تنم عن انحراف وشذوذ، لا يريد أن يكرس حياته لشخص يحب أن يكونا مريضا ، بل يعتز بمرضه و تبهره شخصيته ، فيرضى عنها تمام الرضا ، و إن كانت سائرة إلى مجهول مريب .
    خرج من نادي الفنون الجميلة ليلا ، ليجد فتاة تائهة تتمايل رجلاها يمينا و شمالا ، شعرها مشتت على رأسها ، تدلى بعضه على وجهها ، في بذلتها و حذائها الرياضيان ، قد تكون ثملة أو ربما مجنونة ، و قد تكون روحها مكسورة أو طرأ في حياتها طارئ شرد نفسها ، شدت انتباهه ففاتحها قائلا : " أهلا ...." مبتسما في وجهها ، لكنها تبدو غائبة الذهن ، تمضي مثقلة الخطى ، شاحبة الهمة ، غائرة الرشاقة ، همّ بتركها لوحدتها ، تتنفس عبير الحرية في دنيا السّخط ، تنسج مواويل الحزن والألم غير آبهة بالزمن و المارة ، لم يفقد الأمل في تجاوبها فعاد خطوات إلى الوراء قائلا : " ما بك يا ..." فردت : " ليلى " كانت إجابتها فاترة و ببرودة اللامبالي لكن أعطته ضوءا أخضر ليواصل إرضاء فضوله " جميل ، تشرفت بمعرفتك " ..." ماذا تعني؟ هل وجدت الحلول لكل مشاكلك ، ولم يبق لك غير التطفل على الغير ."......" طبعا لا و لكن مجرد ...." ........." تعاطف يعني ... شفقة ...فضول زائد ...." ربما كلها مجتمعة إضافة إلى أشياء أخرى قد تظهر لاحقا ....." ......... " أنا أعرفك يا فتى اللوحات و أعرف نغمتك الموسقية التي أهديتها لطلاب الجامعة .." تنفست بصعوبة و أردفت " أتظن نفسك فعلا مميزا .... أيكفي أن ترسم بعض لطخات صباغة ..... وتزغد على الأوتار لكي تكون إنسانا يحق لك التكبر والتعالي على كل البشر ....... وتعطي لنفسك حق الإشفاق .....وحق التواجد في حياتهم ..... أيغريك أن نتائجك كانت تتصدر قوائم الجامعة ..... هذا كله في فلسفتي لا يساوي شيئا ...في غياب روح طيبة........ روح تحترم الناس ..روح محبة " كان كلامها متقطعا و يحمل نبرة صدق جارفة ، لم يسمع من يرسل إليه هذه الكلمات من قبل غير صديقه إدير الذي كادت ذكراه تخبو في حياته لولا أن سمع هذه الألحان من هذه البنت ، فقال : " ربما ما تقولينه صحيح ، ولكن رغم ذلك فأنت مخطئة ، أرجو لك الهناء وعمت مساء " فأخذت بكتفه وهي تقول : " كلكم هكذا ترغمون الشخص على الأمل ، وعندما يصدح بالحقائق تفارقونه ....... أنتم أشخاص غير طيبين ، أشخاص مزعجون .... هيا اغرب عن وجهي ...."
    زاد اتساع خطواته و هو يسمع شتائم ليلى تزداد بذاءة ألفاظها و فنعتته بالمعتوه و المخنث و قليل الحياء لتعرج على الحيوانات فوصفته بالكلب بل الكلب أوفى لترفع من وثيرة الشتم فحضر أبوه الصعلوك وأمه الزانية ليخفّ صوتها و قد ابتعد عنها كثيرا ، فما عاد يسمع بدقة ما تزفه إليه من رديء الكلام وساقطه ، رغم ذلك سبقته شفقته نحوها فلم يردّ على انفعالها ، بل ودّ لو يسمع منها أكثر من ذلك لو كان هذا سيخفف على روحها ما اكتنزته من الآلام .
    صبحا قصد الجامعة متأبطا كتبه ، يسير على قارعة الطريق ، غير مبال بمن يشاركهم المسير ، بل غالبا ما يسافر عقله بين النظريات ، كما لو أنها عالمه المفضل ، فلا يرى في هذا الواقع الذي يعيشه إلا عالما سفليا يسكنه أناس يتلاعب ببساطتهم و براءتهم ، هناك في عالم النظريات الذي يعج بالصراع الحقيقي ، فتحاول الأولى سحب البساط من الثانية ، فتغار الثالثة من هذا التدافع فتولد طرحا جديدا ، يحاول أن يجد بينها رابطة ، يؤالفها لترتاح الأرواح في الأرض لكن كلما أحس احتواء أسرار بعضها تبين له قصورها من الصمود كثيرا ، فعقله يسكن هذه الأعالي ولا يريد أن ينزل من هناك ، أحيانا يتمنى لو استقر به في روضة من رياض البساطة ، فيكون حملا وديعا لغرائزه ، فتنصع فيه قيمة الحيوان ، فيستمتع بما لذ واستطاب من ألوان النعيم ، تجده أيضا تعتريه لحظات فيها يحاول أن يستكين كيانه ويستسلم فؤاده ويغترف من ثقافة العبيد شيئا ، فيخضع لملكوت البعض ، لكن لم تستطع نفسه أن تسير على نهج واحد ، فكلما حاول ترويضها أخذته بعيدا .
    لم تستطع النوم عندما استردّت بعضا من رشدها و قد انقشعت غيوم المخدر في سماء عقلها ، تحس حسرة تمزقها أشلاء ، كيف فعل بها الجنون فعلته ، فهاجمت من هو أقرب إلى نفسها ، تزمجرها الخيبة و قد أحست أنها ضيعت فرصة كانت ستقربه إليها ، لكن كيف لعاقل أن يقبل بأنثى مدمنة ، كيف لهذا المتكبر الذي يتعجرف بمؤهلاته العلمية أن تستميله فتاة قاصرة جمال و فطنة ، هذه أكذوبة يا قلبي ، عليّ بحبّتي فهي معشوقتي ، بعد تناولها استغرقت في نوم صناعي ، باكرا وقفت بباب الجامعة تنتظر قدومه ، فرأته ذابل العين ، شاحب الملامح ، فازدادت ضربات قلبها عند وصوله، لكنه هناك لا يزال يزاوج بين زهرات الأفكار .

    دخل من البوابة الصغيرة عندما رأى فتاته واقفة بباب الكلية ، فتوجس منها أن تعيده إلى سابق عهده حين كان يثير شغبا متكررا مع الفتيات ، تذكر فتاة روض الأطفال ، فتحسر لوجهها الذي يحمل واحدة من علامات نفسه الشريرة ، لكن دون الاستغراق في الأسف ، حاول أن يفسر ذلك بشغب الطفولة ، فهرب من فتاة اليوم لكي لا تتكرر فعاله ، فتسيء لشخصيته الجديدة المتميزة بالابتعاد عن الصراع ، وتحويل شحنات غضبه إلى العالم الفوقي ، فيناطح المعرفة ويبتكر أساليب جديدة في الحياة دون أن يكون لها أثر على شخصيته ، فهو لا يزال يعيش كمن يمارس واجبا لا غير . هي لم تستطع التقدم نحوه بل تسمرت رجلاها مستسلمة لنغمات قلبها التي تحدثها أن بهذا المخلوق الحزين عذوبة لا تظهر لغيرها ، بل تجزم أن كل عجرفته تلك ما هي إلا قناع يخفي روحا طيبة فقررت دخول حياته .
    عند الساعة الرابعة مساء كانت أفواج الطلبة تغادر الحرم الجامعي لما شده كف رقيق في ذراعه و صوتها بين عزم وفتور " كيف حالك أنطوان؟ " لم تفراق راحتها يده فرد عليها : " ليلى ...ما هذا الجمال ...؟ " لم تعقب بينما هوت بعينيها الجذابتين إلى الأرض محاولة ستر فيضان يحوم حول بؤبؤيهما فواصل حديثة : " لا داعي للأسف ربما كنت مخطئا البارحة ، كان علي أن أقدر ظرفك و أمر بسلام " فتمالكت ضعفها مجيبة : " لا أنا المخطئة فهلا سامحتني " تبسم ضاحكا من قولها و قد انساب الضعف إلى أعماقه ، فرق قلبه و انفتحت شهية حبه لأول مرة في حياته ، تعجب أين كان هذا الإحساس يختبئ طوال عمره ، أين تسكن هذه المشاعر الرقراقة كماء الجداول في خضم ما يعتري حياته من بؤس ، أين تغيب هذه الأشعة النيرة في غمرة رمادية الأيام ، قاطعت شروده بصوت نابع من الأعماق : " هل تريد احتساء شراب ؟" فما كان منه إلا أن قبل وهو من لا يرتاد المقاهي و التجمعات الشعبية ، فيراها بؤرا لدفن الحياة ، وتقزيم التفكير ، و مضيعة للوقت والمال ، لكن اليوم يستعد أن يعتذر لكل هؤلاء ، فربما هم أيضا منساقون وراء معرفة أكبر و أعظم ، يتفقهون في عوالم هو من كان يجهلها .

    مسمكة بها حيتان ملونة تسبح في سجنها الزجاجي مانحة سلوة للزائرين في الزاوية اليمنى لهذه الغرفة الصغيرة ، في اليسرى يتدلى قفص مذهب داخله يسكن طائران يشع لونهما الأصفر الفاتح بريش غض فيه نقط زرقاء ، يطلقان بين الفينة والفينة نغمة حزينة ، مصباح في هيئة فانوس قديم الطراز ينقلك إلى عالم البساطة يشع منه نور خافت يتوسط فضاء الغرفة ، مائدة خشبية منقوشة أطرافها ببديع شكل متناغم ، ممرد سطحها فأصبحت لماعة ملساء كصفحة زجاجية ، في مركزها مزهرية تعبق زهورها الأخاذة بلونها الأبيض الناصع أريجا يصل إلى روح أنطوان فيحسبه رائحة القلبوب الدافئة، فجليسته التي مافتئت تشتكي أنها تحس حرارة في هذه الغرفة الضيقة ، و قد عبر الشراب البارد حلقيهما مخلفا وخزات مرة مدغدغة و عابثا بتركيزهما مبدلا أجواء الغرفة الهادئة صخبا ، فانطلق اللسانان بدون قيد ينشدان على إيقاعات القنينة السوداء المتربعة على بعد خطوات من المزهرية .
    " هل أنت مرتاح لصحبتي " هكذا نطقت وهما يغادران المقهى الحانة ، فكان جوابه غاية في السعادة : " طبعا هذا يوم مولدي " صحبته إلى شقتها المتواضعة الصغيرة فوجد أثاثها مبعثرا ، وتلفازها لايزال مشتعلا ، والقنينات الفارغة تملأ المائدة والمنضدة وحتى غرفة النوم هذه اللوحة أيقظت صحوه ، فتأمل هذه الفوضى العاتية ، هذه الأنثى الرقيقة ، هذه الحياة المزيفة ، طبعت على وجنته قبلة فانساق إلى عالم جديد .
    "سأتوجه إلى العمل ، بإمكانك البقاء في البيت " هكذا نطقت وهي تخرج من الحمام ، "شكرا حبيبتي ، أنا أيضا يجب أن أتدارك ما فاتني فلا أملك كثير وقت ..." عند ذاك كانت قد هيأت نفسها للخروج وهي تقول : " هيا اغرب عن وجهي "

    منذ ذلك اليوم وهما متآلفان ، تجمعهم الفترة المسائية فيمضي كل إلى سبيله ليلا ، هي إلى كدحها لتوفير ما تتطلبه حياتها الدراسية ، وهو يجري وراء البحوث ، رأت فيه آلة مبرمجة ، لا يحب التغيير في حياته ، يستحلي ركودها ، رأت في عمقه روحا مكسورة تحاول الانعتاق من قيودها ، أما أنطوان فوجدها روحا سمحة محبة لكنها تهوي بسقوط حر إلى فقدان رشدها ، فإدمانها نقطة سوداء مهما كانت طيبة ، عندما تعاقر كأسها و تشرب دخانها و تستنشق مسحوقها ، أو حتي تلقم حبتها ، أو تغرس حقنتها ، تفيض فيها العوالم ، فلا يمكن لروح تعمل بأقصى قواها أن تصمد كثيرا ، تلك حقيقة علمية تؤرقه فيخاف مصارحتها ، بل يفضل أن يصبر بعض الوقت حتى ترسخ ثقتها به ، فربما يكون لرأيه معنى . هي كلما تذكرته تحس أنها أصبحت أنثى حقيقية ، فتبتسم لبرهة ثم تتذكر حياتها المليئة بكل ألوان المصائب ، فتقول ربما أنا أخدعه يجب أن أصارحه لكن ليس الآن بعد أن تتوطد العلاقة بيننا و يصبح أكثر تفهما .
    في الجامعة يزداد نجمه صعودا وقد نشر بحثا جديدا مما جعل رئيس الجامعة يضمه إلى رسميا إلى نخبة البحث هناك يلتقي بأساتذته المتميزين ، فتتقطر الغيرة من عيونهم الحاسدة فيذيبونها مرحا مفتعلا ، يستغلون نباهته لرفع دقة أبحاثهم ، يحاولون عرقلته بمعطيات خاطئة ، لكن كل ذلك ليس ليتني عزمه على النبوغ في سن مبكرة . أبوه يرسل إليه ما يحتاجه فهو ابنه الوحيد ، هادن الأب شغبه منذ مدة ، يحاول أن يقبله كما هو فيرتاح الجميع ، أمه ترى فيه صبيا جميلا مهما كبر ، قليلا ما سافر إلى موطنه إلا في الأعياد ، هنا يجد لنهمه وفضوله ما يشبعه ، فتراه بين الجامعة والمعاهد ودو ر العلم يتنقل .

    في الماخور وجد نفسه ، هذه العلبة الليلية بمنصتها الضيقة حيت يعزف شاب بشعر كثيف و صدر يظهر من خلال قميص فتحت أزراره ، في أذنه حلقة و في أنفه أخرى ، يراقص قيتارة مرة يهوي بطرفها راكعا و مرة ينتصب متقوسا إلى الوراء فتعلو القتارة جسده ، يحرك بشدة رأسه يمينا و شمالا فتتمايل رؤوس الشباب الراقص في حلبة دائرية ، في حركات مهووسة انجرفت أرواحهم في شدّ و جدب ، يركلون بأرجلهم نحو الأمام و الوراء ، لايستقرون على إيقاع كما صوت العازف الذي يئن حينا و يصيح صيحات فجائية مرعبة أحيانا ، فتتخلل صوته الجهوري وعكات رقة لا تصمد و قد ارتفع إيقاع الجذبة فترى رؤوسا يذهب شعرها يمينا وقد اندفعت يسارا و تستعر الرقصات فتتصبب الأبدان عرقا لتختلط ألوان الروائح بين عطرية و آدمية و نبيدية ، تنفث نفاثات دخانا يعم المرقص على إيقاعت ضرب الطبول ، هناك غير بعيد توزع الكؤوس عاكسة أشعة قزحية باهتة ، في الزوايا تجد من يلف تبغا مرشوشا بمسحوق مميز الرائحة يسلب عقولا تجعدت أرواحها وانفصمت نفوسها ، فترى على الكراسي أجسادا صرعى يتهاوى بعضها على بعض ، و توزع قبل زائفة مع متعة مزورة ، فتحسبهم أيقاظا وهم رقود . لم يكن يعرف أن السخط يبلغ بالنفوس هذا الحد ، لم يكن يعلم أن الحياة عند البعض أصبحت مجنونة متشنجة مغشوشة ، تجمع من المتناقضات الكثير ، انقبضت نفسه تائهة كما نفوس الحيارى حوله .
    منذ دخولها الحانة وهي تموج مع الماجنين ، تدخن لفافة هنا و تبادل بسمة هناك ، تفرغ أكوابا تلوى الأخرى في بطنها الصغير ، فتعجب أين لها بهذه القربة التي تستطيع تحمل هذا الكم الهائل ، انخرطت في الرقص بل توجهت عند العازف فصدحت بصوت رجولي على نغمات الفوضى ، فتعالت أصوات المواويل فأحس أذنيه تتألمان ، هو العازف الرقيق الملحن بنوتات يسترخي لها الجسد ، لا يحتمل هذا المجون الموسقي ، هذه الثورة الشبابية المزدحمة بكل أصناف التعقيد و النشوز .
    رجعت إليه وقدمت له شرابا فسجارة فلفافة فبدأ ينساق للحال ، سرعان ما اهتزت روحه ليصبح أكثر جنونا من الكل ، فتخلص من عقال يشد نفسه فهوى بنفسه لمنحدر ظل يمانع الانزلاق نحوه ، فعاش ليلة صاخبة ، متعبة ، فذهنه مشوش ، و أذناه لا يفارقهما أزيز طويل فواصل احتساء ماء الحياة الجديدة وشرب دخان معطر بنبتة مهلوسة .
    مذبذب العزم بين رغبة في مواصلة مشواره العلمي وبين جموح رغبة غريزية تكبر فيه كل يوم ، أمضى شهرا تفترسه ازدواجية القرار ، فبدل السهر على الدرس و التفقه في الملكوت ، أضحى جزءا من الظواهر التي تقام حولها الندوات و الدراسات ، ينغمس في حضن ليلى فلا يرتوي عطشه ، يسامرها في الماخور فتنساق جوارحه لكل الشوائب ، يسرف في كل شيء تناوله ، لا يعرف قيمة الاعتدال ، طبع على التطرف ، لامس و أبدع في الأغنية الشبابية و زمجر الأوتار و عوّد حلقه العواء الصاخب ، و فتح صدفات قميصه و ترك شعره ينساب ، بل جعّد انسيابه ، تضاعفت نفقاته فاحترف السطو مع عصابة معشوقته . كانت طفلة بلا أب ، و لدتها أمها دون رغبة منها ، حاولت تنشئتها على الأصول ، لكن لا تملك كل الأوقات لفعل ذلك ، فتربت على مزاجها ، كانت لبقة أنيقة مجتهدة إلى أن اكتشفت أنها بلا أب ، فتلبّد صفاؤها و تعكرت ملامحها ، وانزوت كثيرا ، فتشوّشت أفكارها حدّ التيه ، فلم تجد بلسما إلا القنينة ، فالحبة ، فالمحقنة ، وبعد ذلك فاضت كأسها بمرض أمها المفاجئ و تقلص إيراداتها ، فزاوجت بين الدراسة و العمل ، لم تجد عملا ملائما إلا الذي كانت أمها تمارسه ، نادلة حانة فبائعة الهوى و بيع الممنوعات والانخلراط في عصابة .
    تحكي لصديقها أن أمها كانت ولدت صبيا مع رجل شهم ، رجل صالح جاءها يوما إلى الحانة مكتئبا متجهما لفقد حبيبته التي توفيت في ربيع العمر ، كان الرجل يبكي بلا توقف كلما توغل في الشرب كلما ازداد نحيبه ، فتألمت لحاله ، وذهبت معه إلى بيتها ، تواسيه و تلاعبه فانساق لها ، الرجل استيقظ مبكرا فوجد نفسه على فراش لم يألفه ، لم يغفر لنفسه زيغها فأرداها صريعة . لم تشأ الأم أن تربي طفلا سيعرف بعد أمد أن أمه كانت سببا في وفاة والده ، فتركته في المستشفى وحيدا . حكت له عن ميلادها وكيف أن أمها لم تستطع معرفة صاحب الفعلة ، و لكن تكفيرا عن ذنبها الأول احتفظت بالجنين و عاهدت نفسها أن تربيه و تمنحه قدر استطاعتها كل الحب و الحنان و الالتزام ، هكذا تربت في كنفها .



    " ما اسمك ؟" هكذا بدأ مدير السجن كلامه ، فرد عليه أنطوان ببرودة أعصاب مفتعلة " أنطوان دانيال موسيو" فحنحن الآمر : أنت لدينا و في عهدتنا رقم جديد ، فلا تنسى متريكولك ، ماذا تنتظر خلال إقامنك عندنا ؟" تمايل أنطوان هامسا باحترام : " أمضي مدتي و أواصل حياتي " ، حرك السيد رأسه موجها كلامه للسجين "دائما مع كل جواب يلزمك النطق بكلمة موسيو ..... أفهمت ؟" فماكان من أنطوان إلا الرضوخ :" حاضر موسيو " .
    أخرجه الحارسان و قرأ عليه المشرف بعضا من النظام الداخلي للمؤسسة ، فجردوه من كل أشيائه و ملابسه و فحصوه شبرا شبرا ، دقيقة دقيقة ، ثم قدموا له لباس السجن وهم يتغامزون فيما بينهم و ضحكات التشفي تعلو ملامحهم لتصل إلى أذن أنطوان قهقهة مزلزلة مدوية تداعب ما تبقى من روحه الشريرة ، دخل على المعتقلين في زنازن بأبواب حديدية كأقفاص للعصافير ، هذه القضبان تثير اشمئزازه و هو يسمع قعقعة القفل تعلن آخر يوم في حريته ، صوت الباب و هو يضرب الإطار قصف فؤاده فعلا نبضه ، وقعت عينه على جليسيه في الغرفة فبادرهم بالسلام ، كان تعقيبهم نظرات فضول و استخفاف ، و عيونهم تدور دوائر مفزعة و تشع منها شرارات مشؤومة ، تقدم ليعتلي سريره في الطابق الثاني حين حال بينه وبين الصعود أولهم ، و هو يهمس قرب أذنيه : " لا يافتاتي ، تقدمي هنا في سريري ، أريد أن أشم رائحة الزهور و رائحة المدينة في جسدك الطري ، صده محاولا التهرب ليقع في حضن الثاني ، " أتركها إنها تختارني أنا لأحظى بعذريتها " قاوم بعنف فانهال عليه الضرب والصفع من كل جانب ، فعلا صياحه و نزف أنفه و انتفخ وجهه فصار كعظمة بين كلاب متوحشة تتنازعها ، حين ظهر الحارسان ، كانت ثيابه قد مزقت ، وجسمه محمر بخدشات المخالب و ازرورقت كدماته ،. نقل إلى زنزانة انفرداية محروما من الفسحات و الاستراحات و ممارسة الرياضة والاستحمام ، و الحارس في وجهه يعلن : "هكذا نؤدب المشاكسين المثيرين للمتاعب " ..
    هناك تعلم التركيز على النفس و تعلم محادتثها ، ومؤانستها ، هناك أحس أن الجنون نوع من إغلاق نوافد الدنيا على النفس و الاكتفاء بعالم الذات و النفس و الروح ، هناك تعلم أن كل النظريات التي كان يستغرق أوقاتا كثيرة لفهمها ، لا تعلم من حقيقة الحياة شيئا ، هناك تعرف أن الحياة شيء عصي على الإدراك ، هناك فقط تعلم أن الإنسان أشرس مخلوق حين تحكمه ظروف معينة ، حاول أن يفسر مغزى السجون ، أهي إصلاحيات ! أم مجرد أماكن لتحدي قوة الشخصيات ، أماكن لكسر الجبروت ، أماكن لهدم ما تبقى من إنسانية الأفراد ، سبعة أيام و هو يتفلسف ذات الاتجاهات الست ، لكن لم يهتد إلا إلى حقيقة واحدة : " انتهت أحلامي و ها قد جاء وقت الكوابيس " .
    تمر أيام السجن رتيبة قاسية ، في غرفته الجديدة التي يتقاسمها مع ثلاثة آخرين ، شيخ اكتسب تجربة كافية ليتعلم أدبيات السجون ، كفاءته في التعامل مع كل العقليات كانت ذا وقع إيجابي على انطوان ، شاب محترم الملامح ، ذكي الطبع ، صارم الرد ، رجل في الأربعين مندفع حد التهور بعقل طفولي نزق ، كلهم أعجبوا بالغلام المليح الذي لم ينصع لمتنمري السجن ، فاصطفوا وراءه ، كان الحراس يريدونه حسونة جديدا بعد الإفراج عن آخر حسونة في السجن ، لذلك أسكنوه بداية الأمر عند القائدين لأكبر مافيا في السجن ، عصابة تقوم على الرهانات و المصارعة و سوق السجائر و الممنوعات ، الحراس يساهمون في تغذية هذه الحرب الضروس في هذا العالم المغلق تسلية ، كانوا يتأملون أن يكون الفتى مجندهم في نقل المعلومة الرائجة و الخطط المنتهجة لكن وجدوه بلا رغبة ، راجعوا سجله فتنامت خشيتهم أن يكون على علاقة بجمعيات و منظمات فحجروا عليه الزيارات ، و قد تقدم العديدون بهذا الطلب في مقدمتهم ، أبوه و أمه اللذان ما توقعا يوما أن يصير ابنهم الوحيد من نزلاء مثل هذه المؤسسات ، بل الأم تذرف دموعا متهاطلة رافعة راية البراءة تلف بها اسمه كلما ذكره ذاكر بسوء :" ابني روح طيبة لن يقتل ذبابة ، كيف يتهمونه بالقتل ، سيبرئه قضاة الاستئناف " ليلى منذ أن علمت تورطه في حادثة قتل واحد من أفراد عصابتها و هي تحاول محو ذكراه من عقلها ، بل قررت أخيرا السفر بعيدا عن هذه المدينة المظلمة ، لكن نبضا فيها لايزال يخزها وخزات مؤلمة تنم عن ضمير يريد الرجوع إلى الحياة ، فتؤنب نفسها على فعلتها .
    هو لا تصله معلومة واحدة عن العالم الخارجي ، حتى المحامي رفض مقابلته ، فبقدرما كان السجن مؤلما وجده يعج بالغرائب ، فاستحلى أن تكون هذه التجربة في حياته محطة لسبر أغوار علوم الاجتماع و مفاصلها و روابطها المقدسة ، فبدأ يؤسس لنمط جديد من المعرفة ، محاولا استغلال خبرات الشيخ المليئة جعبته بحكايات لا تعد و لاتحصى حتى أصبح موسوعة السجن فاعتبر هذا العقل كنزا وجب إفراغ حمولته في مجلدات كثيرة .



    حكى له الشيخ عن صولات و جولات رئيس المؤسسة مع الخارجين عن الطاعة ، كيف ينالهم شديد البأس ، ففي مدته على الأقل مات عدد لا يستهان بهم من النزلاء بسبب سوء المعاملة ، فمنهم من افترسته الأمراض بفعل الزنازين الانفرادية ، و منهم من هزلت قوته و برزت عظام صدره بفعل حقن لا يعلم محتواها غير أولي السر ، منهم من تراه اليوم على حال جيدة فتجده بعد أيام شحبت صحوته و ذبلت فيه الحيوية ، كلهم كانوا لا يحبونه بل يحاولون بشتى الطرق إيصال شكواهم خارج هذه الأسوار العملاقة والأبواب الموصدة ، أتعلم بني ، يقول الشيخ ، إن كنت تكره السيد فلا تعبر عن ذلك ، فاعلم أنك متى نويت البوح فقد أعلنت نهايتك ، فاستعد لتفترسك الأمراض و تتزين بك الأقبية الموحشة التي يسكنها الظلام و الحشرات ، إن كنت صبرت بني فإنما تصبر لنفسك و لتمتيع هذا الجسد ببعض حياة فلا تكن سببا في تعجيز نفسك و هلاكها ، كان أنطوان ينصت إليه بنصف أذن وهو يقول ، عن أي حياة يتحدث عمي الشيخ ، ترى بعد الثلاثين سنة سيبقى في روحي بقية باقية من حب الدنيا ، ساعتها سأتجاوز الخمسين ، ترى ماذا تبقى من معاني الحياة في هذا العمر ، إن كانت حياة العشرين لا أستحليها بما يكفي لأحب ألوانها الناعمة و أنا فتي العود والروح ، فماذا عسى تكون الحال على الخمسين .
    يمارس تمارينه الرياضية رفقة صديقيه أما الشيخ فيستحلي المشي فهو يعاني من أعراض الروماتيزم ، قضى عمره بين هذه الجدران و هجره كل من كان يزوره منذ سنوات خلت ، يتذكر ما جعله يسكن السجن ، في ذلك اليوم لم يكن يعلم أن حياته ستنتهي هكذا ، يا للشباب و حماقاته ، سجن بضع سنوات لكن مشاغباته مددت سجنه إلى ما لا نهاية ، ينتظر الموت ، منذ أن حكم عليه بالمؤبد و الحراس رأفوا لحاله ، فهو من سيفني معهم العمر ، كانت فعلته عنوانا بارزا في هذه المؤسسة التي يفقد داخلها و ينبذ من غادرها إلى المجتمع ، و أنت في السجن تحاول البقاء و ابقاء الإنسان فيك حيا ، فيتلاشى شهرا وراء شهر ، حتى إن حظيت بالخروج فاعلم أن سمعة السجن تغلق في وجهك أبوابا تطرقها ، حتى الحديث لن تجد من يستطيب سماع كلامك ، بل يعزلك الناس فتحس في المجتمع غربة تضاهي ما تذوقه في السجن ، بل تعجب أنطوان عندما قال للشيخ ألم تطلب يوما العفو؟ ، فقال المسن : "ماذا سأفعل هناك ، هنا على الأقل أنا مع زملائي ، أعامل كلا منهم وفق منهجه فيحترمونني ، أما هناك ماذا تراني سأفعل ، قد أنتحر لمجرد استنشاقي لهواء الحرية ، فأنا ما عدت قادرا عليها ".
    لم تنعم بالراحة و هي بعيدة عن أمها و عن مدينة تآلفت معها رغم قساوتها ، مرت ثلاثة أشهر على رحيلها . الأم استفحل عليها المرض و وجدت نفسها عرضة للضياع ، لا من يؤنس وحشتها و لا من يواسي احتضارها ، و لا من تغدق عليه بالوصايا الشفافة ، تلك الوصايا التي صقلها العمر و العجز و قرب الأجل ، لا مال تورثه و لا علم تكتنزه ليخلد اسمها بعد الممات ، مجرد ذكريات كلها تقبع في دواخلها ، لا تستحق الظهور ، و ليست مدعاة فخر لها ، و لا مصدر اعتزاز لابنيها ، تذكرت أخيرا هذا الصبي النقي البهي الذي هجرت دموعه الهاطلة بمجرد قدرتها على الحركة لم يتمكن المسكين من استذرار رشفة حليب من ثديها عند الولادة ، لا يزال فيها متصلبا يأبى الخروج و أبى هاذان النهدان أن يصبحا تلك اللحظة مرتعا للحياة ، كان أنين بكائه يصل إلى أذنيها و هي تغادر الغرفة مطأطأة الرأس ، لتختفي تاركة تلك الروح الطيبة لتواجه الدنيا بجرعات يتم مضاعفة .
    اليوم تسترجع هذا المشهد الحزين فأبت عيناها البكاء ، كما أبى قلبها أن يخفق للصبي و أبى حليبها إرضاعه ، تقول ربما هو سينمو بعيدا عني و عن حياتي التعيسة ، كان له أفضل ، ماذا صنعت بالتي ربيتها و أرضعتها ، و ماذا فعلت لي غير هجر و صداع عند كل لقاء ، وجع هم الأبناء ، كان علي أن أتهيأ لهذا ، لم أخلق لأكون أما ، هكذا فقط أريد أن أوصيها ، كان عليها أن لا تفكر في الأبناء ، فهي فتاة مدللة ، فتاة لا تستطيع أن تكون مسؤولة ، آه رجال اليوم ، كلهم يعتمدون على المرأة في كل شيء ، أنا من يعرفهم حق المعرفة ، يترك عائلته في تقشف مجحف ، و يرمي ما لديه في ساعة قمار ، أو نشوة رقصة ، أو قبلة ممزوجة بزيف يحسبه في لحظة عميق حب صفي ، يكذب الإحسلاس فيهم و تعودوا على هذا الكذب ، هذا البهتان النفسي ، تراه يسهو مع لقطة في شريط دامع العين ، و حين يقف على وقائع صلبة بأبى قلبه الاستجابة ، قلوب جوفاء ، قلوب تائهة ، الآن عرفت لماذا أنا هكذا لقد عاداني ما بهم ..
    جاءه خبر تأكيد الحكم فأصبح بقناعة تامة أنه منسي هناك ، أحيانا تتمسك النفوس بأمل زائف رغم إظهار العكس ، اليوم نقرت الكآبة في أعماقه و دقت مساميرها الجارحة ، سندانه أضحت خدوشه تؤرق صلابته فهو تشقق و تفتّتت صلابته ، تهوي المطارق عليه مهشمة صموده ، أبدا ليس قاتلا ، ليس لديه ذلك الفؤاد الصلب الذي يتقوى بالألم ، قلب أنثوي يذوب مع الأعاصير فتخر متانته إلى انشطارات دقيقة ، دقائق ألم تحملها رياح السأم فأضحت روحه مغبرة ، يا لك من عصيب أيها المآل حين تتراكم أخطاء بسيطة ، هل بدفنه هنا سيسلم الكون من الشرور . يحتاج إلى تجديد من نوع ما ليواصل رحلة العذاب ، يفكر و يدبر بما تبقى في عقله المشروخ ، إما إحداث زوبعة ما ، كما فعل الشيخ فأكون على مقاس ثوب فصلوه لقامتي عنوة ، و إما أنزلق مع التائهين من جديد فأحيى على رشفات ما يجعلني أسبح في بحور الوهم بلا منقذ .
    استقبل أباه في قاعة من وراء حجاب القضبان ، نظر إلى والده نظرة استغراب ، هل هذا هو الشخص نفسه الذي لا تثنيه الحياة ، علامات شيخوخة غزت قلاع فتوته التي كان يظن أنها سرمدية على وجه الرجل ، أيام ريح صرصر قادمة من قطب متجمد صحرت حديقة ملامحه ، ريح حارة عاتية قدمت من قلب الصحراء أذبلت في وجهه النضارة فعرت زيف ملاحة كانت متربعة على وجهه ، لم يقل كلمة واحدة ، و هو يسمع من أبيه سؤالا مألوفا : كيف حالك ؟ غريبة الأسئلة هذه ، عن أية حال يتحدثون ، أليس الوجه مرآة القلب ؟ سؤال لم يستطع الخروج إلا بعد حشرجة حلق وحنحنة فابتلاع غصص بهواء السجن العفن ، لم ينتظر الأب الجواب كثيرا فهو عليم بأحوال الفتى ، فأردف أمك تقرئك السلام ، السلام السلام هل لا يزال حيا أم مجرد شبح يتوهمه البعض ، فيأتيك على حين غفلة فتحسبه واقفا على رجليه كسراب يظنه الظمئ ماء رقراقا .
    لوح لأبيه محركا كف الوداع و قد انصرمت دقائق معدودات بعدد التنهدات .



    سأله المسن عن جديد الزوار ، فلم يجد في نفسه متعة للكلام ، انسلخ منه جزؤه الإجتماعي ، فصاحب لأيام عزلة و خلوة مع نفسه يجلد فيها انشغالها بالتفاهات بينما أسرته تزداد بعدا عن خواطره ، لما رأى آثار منهجه على هيئة أبيه بزغت في نفسه هذه المتعة المفقودة التي لم يغتنم اشباعها فوجد في وحشة السجن ما يغذي هذا الحنين إلى حضن الأسرة الدافئ ، بل يلعن عجزه الإفصاح عن مكنوناته لأبيه ، فذلك الصمت سيزيد من انفلات عقال الرجولة من والده، و من أوجاعه لمصير ابن حاول أن يجعل منه سيد الرجال ، فضاعت كل الأحلام ، تاه في أسئلة بلا أجوبة ليتذكر أمه التي لم تأت ، تراها فعلا غير قادرة على التماسك عندما تقع عينها الحنونة على كبدها خلف قضبان غير التي تحميه في صدرها ، نسي أن يسأل والده عن حالها يقينا منه أنها ستكون أكثر حزنا و أضعف مقاومة من هذا الأب الصلب الذي انقشع طلاء قوته ليظهر ضعيفا مأزوما و إن كان يخادع نفسه بابتسامة مشلولة .
    ليلى عند وصولها وجدت أمها بين جدران المستشفى وحيدة ، و قد اصفر فيها الحزن و تكاد تبيض عيناها من غم بلا دمع ، وضعت باقة ورد على المنضدة مسلمة ، عيناها المطأطأتان تخجلان من مواجهة العين الصريحة للأم التي تحكي أتعابا و أقراحا و تحكي عن جبروت ما يعتصر دواخلها من آلام : " تعبت من الانتظار ، ألن يأتي هذا إلى الميعاد و أنا على قيد التعقل ، أم يستحب أن يجدني مجنونة كما هؤلاء الرجال الذين لا يحبون غير عربدتي المجنونة ، ترى هو أيضا يريدني خارج حدود الصواب ، تراه يستمتع بعذاب لا يحسه ."
    " لاعليك والدتي ، ستشفين ، و تعودين إلى الحياة الطبيعية ، قاومي " تبسمت و هي تقول : " عسى نصائحك تجد أذنا صاغية و تجد فيك حياة تسمع النداء ، يا بنيتي ، كلنا نعرف الكثير ، لكن المهم هو ما تقترفه أيدينا ، كنت دائما مؤمنة بغد أفضل ، لكني لم أفعل يوما ما يجعله كذلك ، لست أدري ، أهو قصور عقلي أم مصير محتوم ، لا تنقصني تجربة و لا ذكاء و لا ملاحة في شبابي ، لكن متى دارت الدائرة لا تستحب التوقف ، كنت سأقدم لك بعض نصح ، لكن أظن أنك ستتصرفين وفق إيمانك ، فحظا سعيدا و شكرا على زيارتك "



    خرجت من المشفى متوجهة إلى المحطة سيرا على العادة القديمة وجدت نفسها راكبة على القطار المتوجه إلى مدينة الجامعة ، لم تتفطن أنها تسافر نحو الماضي إلا و قد سار القطار قاطعا أميالا ، في نفسها انقباض أنثى مجروحة ، كيف يعجز الفرد على تقديم المواساة لأقرب الأقربين ، كيف واستها أمها و هي الطريحة ، أي قدرة هذه عند الأمهات ، في خضم آلامها و وحدتها تواسي ابنتها ، ترسل لها رسالة تنبيه على صعوبة الاختيار ، هي تعاني أوجاعا مؤلمة لكنها تخشى على صغيرتها من الضياع ، و ركوب صهوة النفس الجامحة ، تلك مضيعة للروح و الجسد و المجهود ، تلك فتنة لا يسلك من اتبع طريقها المتشعب في دوائر متاهات لا تنتهي ، حلقات مفرغة تستهلك طاقة كبيرة بلا منتوج ، هكذا غابت عن جلسائها ، مسافرة إلى أتون الحياة ، فجأة ظهرت صورته في ذهنها ، تراه كيف يواصل حياته ، لكنها ترى فيه قوة خارقة ، قادر هو على الصمود ، روحه مستعدة للعراك ، ليست روحا بريئة إلى هذا الحد ، ربما يفوقها عنادا و صمودا ، يقرأ واقعه بسهولة ، فيختار التصرف بعقلانية ، لكن كيف وقع في فخ القتل ؟ و هل فعلا هو قاتل ، متأكدة أنه ليس بذلك المجرم الحقود ، ذلك الذي يستحلي عذابات الناس ، فيه بعض رقة أنثى ، فيه روح تعتريها خلطة ألوان لم تجد من يسير بها إلى بر الأمان .
    أسوار الجامعة ، حدائقها ، مكتباتها ، مدرجات المعرفة ، تمشي تائهة لعلها تلاقي شبحه في زاوية ما ، بنات بأزياء جميلة بشعرهن الناعم ، كلهن بسمة و رقة وحيوية ، منهن من تتسارع خطواتها ، منهن من تفضل المشي على إيقاع رفيقها ، أحست غربة شديدة كأنها تقتحم هذا العالم لأول مرة ، أحيانا يعتبر الوقوف على الأطلال محزنا متعبا ، بل كثيرا ما تضمحل فيك المتعة و أنت تعود إلى مكان غادرته ، هذا التقهقر في الحياة موجع ، قد يكون استرجاع الذكرى ذهنيا أجمل و أبهى من التوغل إلى الماضي سيرا على الأقدام ، تسير غير آبهة بأحد هامة بالخروج لما أمسكت يد بعضدها ففزعت منتفضة الجسد وتسارعت دقات قلبها ، فقال لها ميشيل ، منذ متى أصبحت ضعبفة مرتعبة ؟

    "ميشيل صديقي ، اشتقت إليكم "
    " كنت أعرف أنك آتية لا محالة ، مهما ابتعد الإنسان تبقى الجامعة تجذبه ، والعصابة أكثر ، المتعة خصوصا "
    تعرف ميشيل ، صراحة كنت في زيارة لبلدتي ، وقلت أعرج عليكم ، ثم أمضي "
    " إذن لا تنوين البقاء "
    " بالطبع لا "
    " إلى أين ستذهبين "
    " صديقي تعلم أن أنطوان أنا من سببت له كل تلك الأتعاب ، و تعرف أن المقتول كان من أعز أصدقائي ، فهو رجل شهم ، فأرى أن أبتعد من هنا ، فكل هذه الأرض ذكرياتها تقتلني "
    " أقدر محنتك ، لكن ما العمل ، ألا تحبين المكتوت عندي و لو لبعض وقت "
    " تعرف أني ما عدت كما كنت ، أصبحت طباعي شرسة بعض الشيء ، لا أحتمل كثرة الكلام ، أحس بنفسي تزداد غرابة أطوارها "
    "كلنا في البداية كنا كذلك ،الآن كل شيء يتغير ، حتى العصابة تقوّت ، و ترقيت في سلّمها ، أصبحت أنا المسير هنا في الجامعة و الحي "
    "إذن أنت من اختير مكان المقتول "
    "كنت أظن أنتك ستهنئينني "
    "أظن أني لم أستطع تجاوز محنتي"
    " لن أتركك في هذا التيه ، هيا إلى المسكن "
    كانا يتبادلان من أطراف الحديث ، يسترجعان ذكرياتهما في أول اللقاءات ، هو من عرفها إلى إريك ، لكن سرعان ما فضلته عليه ، كان إيريك شابا صلبا متيقظا لينا وسيما عكس ميشيل الموصوم باندفاعية المقامر ، إلى مطعم جميل اصطحبها ، ثم إلى مسكنه ، تركها تستريح قليلا و قام إلى أعماله ، ليلا كان الموعد مع الرقص و اللف والكؤوس والرغبة . استيقظت في الصباح فوجدت نفسها في سرير ميشيل لا يكسوها غير جلدها الأبيض اللامع ، خرجت دمعة من عينها بعد مخاض عسير يجترح روحها ، أنا لا أستطيع التغير يا ماما ، حياتي تقودني إلى الهلاك ، سامحني أنطوان ، ها أنا أظلمك مرة أخرى ، سامحني إيرك كنت خير رفيق لي قتلوك في ظروف غامضة ، ها أنا أبدأ من جديد مع من أدخلني إلى هذا العالم الصاخب .



    مهمومة أثقل الإحباط ممشاها ، رأسها تستعر آلامه ، أزيز و خرير يهدر في أذنيها ، أي حياة هذه ؟ أين الهدوء ، أين الطمأنينة ، بعض منها غادر مع أمي المريضة ، البعض الآخر مع إريك في قبره ، و آخر رمق مدفون في السجن مع ذلك الفتى الوديع ، ليس وجه شؤم ، ليس بروح تستحق قساوة الحياة ، أنا أيضا ليس هذا ما أستحقه ، أستحق أن أكون أميرة تلبس من الثياب الجديد ، ينتظرها الكل لتعطي رأيها و أمرها ، أنا ضائعة ، أين العدل في هذه الحياة ؟ كيف يريدون مني أن أصحو كل يوم لأحس سكاكين الغيرة و الإذلال تمزقني ، ما من طريق إلى الخلاص ، لكن سأزوره في سجنه .
    أربع ساعات و هي تنتظر وعد الحارس بالدخول ، وعد لم يكن ليؤتي أكله لولا وعد منها بمكافأة ، فظهر بطلها بلحيته السوداء من وراء الشباك ، عينها أدمعت لمقدمه بينما هو يخفف عنها ألما يملأها : " لا داعي للبكاء ، فالحياة هكذا صديقتي " فقالت منحبة " صديقة أم حبيبة " فرد ببرودة : "كما تشائين و لكن يوما ستعرفين أن الحب مجرد خرافة ، فقط تبقى الصداقة هي التي يحتاج لها الإنسان " غيرت الموضوع بليونة و هي ترى حبيبها كسر السجن ألقه و قلبه ، " وجهك مشرق و ربما ستكون بخير " تبسم و قال " شكرا على التشجيع ، لكن وجهك كئيب ، ألا تستطيعين مسامحة نفسك ؟ " فانخرطت في بكاء آخر كطفلة وهي تردد : " سامحني سامحني ...و لا تعول علي كثيرا ..فأنا منهزمة ..ضعيفة .." فقال: " انسي الموضوع واعلمي أني بخير ، و سأكون أكثر جرأة على مواجهة الحياة ."
    رجع إلى غرفته والدمع يتهاطل من عينيه شفقة عليها و على حاله ، فقال في نفسه " ما بال هذه الزيارات ، تزيدني ألما أكثر من السجن؟"

    هو في السجن طوال الليل لم يغمض له جفن ، يتقلب يمينا و يسارا ، هي تاهت في كوابيس مرة تسترجع بسمة أمها المتكلفة ، تارة تسترجع كلماته التي تحاول رسم قدرته على التحمل فلم تنجح في ترجمة مقصودها ، تذهب بين المشهدين فتقفز روح القتيل فجأة بدماء تلطخ صوته و هو يقول ، لقد أخطأت و هو يقترب منها ، فرفعت الغطاء عن وجهها ، ميشيل يضيء المصباح ، يفتح صندوقه ، يخرج خنجرا طويلة شفرته ، مدية جزار ، ارتعبت وجف حلقها و دقت طبول قلبها فأحست لوعتها كسكين تغرس في صدرها ، سكين مضمخ بالدماء الجافة ، يتقدم نحو الحائط ثم نحو الباب يفتحه ، يهوي بالسكين على طيف سمعه يطرق الباب ، وهو يقول : ألا تريد الموت ؟ مت أيها الوغد الحقير ، لقد قتلتك مرة ، و سأقتلك كل يوم ، و سأقتله عندما يغادر السجن ، و سأقتلها متى رأيتها تتألمت بموته.
    أغلق الباب ثم سمعت الصندوق يقفل ثم يرجع إلى سريره ليغط في نوم عميق ، ساعتها أعادت فتح عينيها ، انسلت من الغرفة هاتفت الشرطة ، أخبرتهم بالحقيقة ، أرادت أن تلبس ملابسها حين استفاق و رآها صفراء شاحبة و هي ترتجف ، فاحمرت عيناه متقدما نحوها ، ماذا تفعلين ؟، أتريدين الهروب ؟، أم تريدين قتلي أيتها المجنونة ؟ أتعلمين أنك السبب في كل ما ينكد حياتي ؟ أتعلمين أنك من حطم أحلامي ، ستدفعين الثمن غاليا أيتها الغبية ، فأنا لا أقبل بالهزيمة ، كنت دائما في مرمى عيوني حتى و أنت راحلة إلى تلك البلدة اللعينة ، أتظنين أني سأغفر لك ، كلا ، لا تسامح ، لا رجوع ، بل إنهاء الحسابات ، انقض على عنقها الرقيق فخنق فيها البراءة ، و سافرت إلى حيث السلام ، هم بإخراج الجثة حين اقتحم العملاء منزله فانبهر لما رأى الموت في فوهات البنادق يلوح له بعيون مشعة ، فقال : " أرجوكم لا تقتلوني ، أنا من قتلته أنا من قتلها ، هو بريء ذلك الجبان "

    مدير السجن غاضب من الحراس ، كيف جاءت براءته و هو لا يزال حيا ، كان عليكم أن تتصرفوا قبل هذا اليوم ، فقال أحدهم ، لا تحزن فموته خارج الأسوار أحسن من موته هنا . ودع الشيخ بابتسامة و أفراد عصابته بكلمة واحدة ، سأناضل من أجلكم . خارج السجن وجد نفسه غريبة ، لكن عليه أن يواصل حياته ، أول ما يثير الناس هو المظهر ، توجه عند الحلاق و من تم إلى حمام الكنيسة ، لبس بعض ثياب و اقترض بعض فرنكات من رفاقه في العصابة الذين أخبروه أن جثمان ليلى حملتها سيارة نقل الموتى خارج البلدة إلى حيث تسكن أمها.
    في المصحة وجد الأم تتنازعها السكرات ، تحمل صورة صديقه إدير و هي تقبلها ، فقال لها : "آسف على فقدان ليلى " فقالت له : " قتلتموها أيها الأوغاد ، هذا أخوها متى عرف سينتقم منكم جميعا ، لم أنسه يوما لم أستطع مواجهته ، لكن أتابعه أينما حل و ارتحل ، لم أتركه بل لا أستطيع تحمل هذه الأعباء التي قصمت ظهري . شهقت شهقة كسكرة ارتعد لها جسدها وهي تقول حبيبي حبيبي حبيبي . فغادرت الروح إلى الأعالي .
    خرج مهموما و صورة صديقه ، حبيبها ، حبيبه ، ماذا كانت تقول ؟...حبيبي حبيبي حبيبي ، أي سحر في هذه الكلمة الجميلة الوديعة ، بماذا تذكرني ؟ ما هذا الذي مر كطيف من أمامي ، ليس صافيا جدا في ذهني ، لكنه مؤشر على شيء ما ، سأجده سأتعلم قراءة الخواطر قراءة النفس ، قراءة الإشارات ، قراءة النواميس ، لكن يجب أن أخبره .
    كان إدير مشغولا بمحاضراته لما دخل عليه أنطوان و هو بحال بئيسة ، يحدثه و إدير يستغرب من عواقب الزمان على الأرواح ، و هو يردد " كنت أعلم أن الجنون سيفعل بك الأفاعيل ، كنت أعلم أنك ستنتهي مشردا فاقدا لكل إحساس ، يحاول أن يشرح له القصة فلم يستطع إقناعه بشيء ، ظنه مجنونا فقد كل صوابه ، نهره و في المحطة عاتبه و ذكره بأن يتركه يعيش حياته ، فانهزم أنطوان راجعا لا يلوي على شيء .

    لا يعلم أين سيتجه ، منذ جلوسه على مقعد القطار و روحه مسلوبة ، رأى نفسه ينهزم انهزاما مذلا ، يفقد أصدقاءه واحد بعد الآخر ، فكر في أسرته في الجامعة في النظريات في النجاح في المركز الاجتماعي في الزواج فأدركه النوم فلم يستفق إلا وقد مر الليل كمر السحاب و الشمس تلفح وجهه من خلال الزجاج ، توقف القطار فترجل مستفسرا عن المكان ، فعلم أنه بعيد عن الكل ، ففكر أن يبدأحياته من هنا و ينسى كل ماضيه ، قطيعة فعلية مع التاريخ شبيهة بتلك القطيعة الابستيمولوجية التي تحدث في العلوم ، طفرة كالتي تحدث في الوراثة ، بات عقله لا يميز الكثير من المتناقضات التي تتصارع بدون هوادة ، دماغه يغلي غليانا شديدا فسقط على الرصيف فغابت أحلامه وآماله .
    في المقبرة وقف أمام قبرين الأول لعائشة والثاني لعمر ، توفيا قبل مولده بأشهر معدودات ، وضع باقة ورد على قبر ليلى المحادي بدوره لقبر أمها ، هناك فهم الحياة بكل معانيها ، هناك رآى أرواحا ترجع إلى مساكنها و لو بعد حين تبسم ضاحكا من أكذوبة الحياة ، عند خروجه من المستشفى فكر أن يودع ليلى في قبرها ثم يرجع إلى أمه وأبيه فيمضي بقية حياته بينهم ، عازما على تغيير مساراته ، لكن طلقة أسقطته على قبر عمر فشاهد روحه تغادره كطيف نور طويل داخلة ظلام قبر عائشة .
    تصيح مرعوبة أيها المبرمج ، ما هذا الذي تفعله ؟ أين و ضعتني ، لا أريد تلك النفوس المنهزمة ، عمر يشد بيد عائشة ، وهو يقول : " مابك عائشة ، هوني عليك ، فأنت في المستشفى "
    نظرت إليه نظرة استغراب : " أنت حي ياعمر ....، ما هذا ........ماذا وقع ؟
    عمر يبتسم وهو يرد : " لاعليك ، فالطبيب أخبرني أنك اليوم ستستردين وعيك ، لقد أصبت بإغماء لعدة أيام ، أتذكرين عائشة ، حذرتك من التمادي في محاولة برهنة نظرية تحلل الأرواح ، فهي نظرية لن تخرجي من متاهاتها ، الطبيب يقول أن دماغك مصاب بالارهاق الناجم عن كثرة تفكير ، يجب أن تستريحي عائشة ، فأمامنا عمر طويل .."
    فردت عائشة : " أذكر الآن يا له من عمل شاق متعب ، مارأيك حبيبي ، أن أغير بحثي ، وأبرهن نظرية التطور ."
    انتهى


    قرأت هذا النص المطول بكل عناية
    وبكل محبة سأحاول إبداء ملاحظات عليه غدا إن شاء الله
    لك مني كل الاحترام والتقدير
    صديقي العزيز نور الدين.

    تعليق

    • نورالدين لعوطار
      أديب وكاتب
      • 06-04-2016
      • 712

      #3
      مطول أو غير مطول
      هذه النصوص كانت هنا قبل مجيئك
      أنا شخصيا أعفيك من أي نقد ومن أية ملاحظة
      وهل تظن نفسك مؤهلا لممارسة النقد؟

      والملاحظات
      فمعلوماتك لا تتجاوز الفاعل والمفعول

      وكل خزعبلاتك لا تسمن ولاتغني من قريب أومن بعيد
      حان وقت الصّراحة
      أيها الخريف القاحل

      تعليق

      • عمار عموري
        أديب ومترجم
        • 17-05-2017
        • 1300

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
        مطول أو غير مطول
        هذه النصوص كانت هنا قبل مجيئك
        أنا شخصيا أعفيك من أي نقد ومن أية ملاحظة
        وهل تظن نفسك مؤهلا لممارسة النقد؟

        والملاحظات
        فمعلوماتك لا تتجاوز الفاعل والمفعول

        وكل خزعبلاتك لا تسمن ولاتغني من قريب أومن بعيد
        حان وقت الصّراحة
        أيها الخريف القاحل
        الفعل والفاعل والمفاعيل والحروف هو الكلام الذي يحمل معنى القصة الى القارئ...فان فسد لم يصل المعنى.
        والكاتب المحترم والذكي هو من يعطي قيمة للقارئ والمدقق اللغوي والناقد ولا يستهين بملاحظاتهم لانهم يمثلون رافدا له ووسيلة لنشر كتاباته وافكاره على اوسع نطاق.
        وان غدا لناظره قريب.
        مع كل الاحترام.

        تعليق

        • نورالدين لعوطار
          أديب وكاتب
          • 06-04-2016
          • 712

          #5
          لا تعد لمحادثتي أبدا فربما سمعت ما لا تنتظره
          ولتعلم أنني لا أتوسل المنتديات
          فقط يعزّ على الكريم مفاقة أولي الثقة


          اخطب في مكان غير هذا
          و لا تنتظر مني أبدا كلمة طيبة
          تتبعت خطاك من اليوم الأول وسبق أن أخبرتك أنّني ملاحظ جيد
          حتى بعض الأخطاء أتركها لتصيد أمثالك

          ماذا ستقول في هذا النص إن شئت علمتك النقد ولكن ما تركت الأمور تسير بسلاسة حتّى تتعلّم

          ماذا ستقول: أكثرت من استعمال وهو يمشي وهو يسعى وهي تغترف
          هذا ليس نقدا في شيء
          واعلم أنّني لا أحتاج نصائحك وكفى

          نسيت ياء المثنى، علامات إعراب الأسماء الخمسة، والممنوع من الصرف المستثنى
          لا كان بالإمكان وضع الفاصلة ملاصقة للكلمة
          ترّهات

          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
            مطول أو غير مطول
            هذه النصوص كانت هنا قبل مجيئك
            أنا شخصيا أعفيك من أي نقد ومن أية ملاحظة
            وهل تظن نفسك مؤهلا لممارسة النقد؟

            والملاحظات
            فمعلوماتك لا تتجاوز الفاعل والمفعول

            وكل خزعبلاتك لا تسمن ولاتغني من قريب أومن بعيد
            حان وقت الصّراحة
            أيها الخريف القاحل
            مساء الورد عليكما
            ماالذي يحدث أصدقائي ولم كل هذا الغضب
            نظرة للنص ورأي لن تقلب الدنيا ولاتقعدها
            وصدقا أقولها لو قال الف ناقد وأنا غير مقتنعة فستكون كلماته هواء في شبك ولكن
            أنا شخصيا أرحب بأي نقد على نصوصي بل أنا أكثر عضو تلقى النقد وأحيانا ( جارح وليس نقد لأنه شخصي ) ومع ذلك أتقبله وأرد بكل رحابة صدر وأحيانا أغضب .
            ياعزيزي لعوطار النقد سيزيدك قوة حتى لو جاء من عيون ناقد مبتديء أو حريف وأي كان لأنه سيجعلك تنتبه لنصوصك وتحرص عليها كي تخرج بأبهى صوره، النقد يقوينا ويجعل من النصوص القادمة أبهى وأيضا تستطيع أن تعدل وتحذف الفائض حتى النشر الورقي لأنك حين تنشر ورقيا تنتهي المسألة برمتها ولن يعود هناك مجال الا اذا نشرت نسخة معدله.
            أتمنى عليك لعوطار أن تهدأ وتتقبل أي رؤية ونقد لأن أي نص ينشر يصبح ملك القاريء سواء كان ناقدا أو قارئا عاديا وليس لنا أن نتدخل فيما رأي القاريء مطلقا خاصة لو جاء النقد للنص وليس للكاتب ولم يكن تجريحا أو مساس بالشخص، وارى أن الناقد العموري جاء على النص ولم يجئ على شخصك مطلقا.
            تحياتي لكما وباقة ورد
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • عمار عموري
              أديب ومترجم
              • 17-05-2017
              • 1300

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
              لا تعد لمحادثتي أبدا فربما سمعت ما لا تنتظره
              ولتعلم أنني لا أتوسل المنتديات
              فقط يعزّ على الكريم مفاقة أولي الثقة


              اخطب في مكان غير هذا
              و لا تنتظر مني أبدا كلمة طيبة
              تتبعت خطاك من اليوم الأول وسبق أن أخبرتك أنّني ملاحظ جيد
              حتى بعض الأخطاء أتركها لتصيد أمثالك

              ماذا ستقول في هذا النص إن شئت علمتك النقد ولكن ما تركت الأمور تسير بسلاسة حتّى تتعلّم

              ماذا ستقول: أكثرت من استعمال وهو يمشي وهو يسعى وهي تغترف
              هذا ليس نقدا في شيء
              واعلم أنّني لا أحتاج نصائحك وكفى

              نسيت ياء المثنى، علامات إعراب الأسماء الخمسة، والممنوع من الصرف المستثنى
              لا كان بالإمكان وضع الفاصلة ملاصقة للكلمة
              ترّهات
              موضوعك مطروح هنا باختيارك
              ومن حق اي قارئ ان ينتقده
              ان يظهر عيوبه قبل مزاياه
              ونصك مليء بالعيوب ان من ناحية كيفية الكتابة القصصية (ونصك هذا رواية وليس قصة) او نوعيتها.
              وقد قرات لك نصوصا كثيرة ولاحظت انك تخلط بين كتابة القصة والرواية والحكاية
              فضلا عن ضعفك اللغوي الكبير
              والملاحظات التي تنالها نصوصك هي في فائدتك اولا واخيرا
              لانك ستتعلم من اخطائك فتتجنبها في المستقبل
              اما النقطة والفاصلة وغيرهما والتي انت تستخف بها فان اهميتها داخل النص بمكان حتى ان كتبا كثيرة الفت حولها ومن اهمها ''كتاب الترقيم وعلاماته في اللغة العربية'' للأديب أحمد زكي وهو مرجع لا غنى عنه للكتاب المبتدئين.

              تعليق

              • نورالدين لعوطار
                أديب وكاتب
                • 06-04-2016
                • 712

                #8
                أنت بريمل فارغ
                لا تسمع
                لا تعقل
                قلت لك مرارا لا أحتاج لكلامك السقيم وكفى

                لست ناقدا في شيء
                وتم طردك في المنتديات ومنذ وصولك إلى هنا أنت تقلقل

                وعلى الأقل وصل عدد الذين جنيت عليهم وجعلتهم يغادرون ثلاثة

                أنت لا تفهم أنت لا مستقبل لك في أي شيء اجتماعي ونصحتك قبل هذا في رحاب الإنسان
                ونصحك فوزي بيترو

                ولعل هذا الذي يحدث هنا هو ما سيضع حدّا لك

                وسبق أن قلت لك أمت تسيء للناس يا بشر

                لسانك مريض كما عقلك

                تعليق

                • نورالدين لعوطار
                  أديب وكاتب
                  • 06-04-2016
                  • 712

                  #9
                  تعويم النقاش يا مريض لا ينفع معي
                  والسجال غباء يا مريض

                  تعليق

                  • أسعد جماجم
                    أعمال حرة
                    • 24-04-2011
                    • 387

                    #10
                    طويلة يا سيدي ، تشعبت منك و تاهت ، و تدحرجت إلى الفراغ عدة مرات , استرجعت زمامها , كانت تحبو حينا و تترجل أحيانا ، لم تتآلف العواطف و لم تتوحد الأحاسيس ، هي مثل القصص البولسية تفرعت الأحداث لتركن النهاية بلا حراك ، فقدت روحها في التركيز , دون أن تسترجع الأنفاس الطويلة التي تميز بها كاتبها و قد عرفناه في قصصه القصيرة يسدد بالدقة و ينشن بارتياح و بالثقة و الشموخ ،،،،

                    تعليق

                    • عمار عموري
                      أديب ومترجم
                      • 17-05-2017
                      • 1300

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة أسعد جماجم مشاهدة المشاركة
                      طويلة يا سيدي ، تشعبت منك و تاهت ، و تدحرجت إلى الفراغ عدة مرات , استرجعت زمامها , كانت تحبو حينا و تترجل أحيانا ، لم تتآلف العواطف و لم تتوحد الأحاسيس ، هي مثل القصص البولسية تفرعت الأحداث لتركن النهاية بلا حراك ، فقدت روحها في التركيز , دون أن تسترجع الأنفاس الطويلة التي تميز بها كاتبها و قد عرفناه في قصصه القصيرة يسدد بالدقة و ينشن بارتياح و بالثقة و الشموخ ،،،،
                      شكرا على المشاركة القيمة أخي الحبيب أسعد جماجم
                      النص الطويل لا يمكن التحكم في أحداثه وشخوصه إلا إذا كان القاص يمتلك معرفة بأساليب الكتابة ولغة سليمة وشيقة.
                      ثم إن النص الطويل على شبكة الإنترنت برأيي إذا كان كاتبه غير معروف فإنه لا يقرأ ولن يقرأ ولن يلتفت إليه قارئ ولا ناقد.

                      تعليق

                      • أسعد جماجم
                        أعمال حرة
                        • 24-04-2011
                        • 387

                        #12
                        في الواقع سهولة القراءة و ليونة التحليل و التفكيك ،
                        و العلاقات المتعدية و التبادلية و الانعكاسية قي النص ،
                        هي التي تحقق التفاعل و المتابعة و إن كان النص طويلا ,
                        فأحيانا يكون النص امتدادا لمتعة القراءة و الاندماج الحسي في تلك العلاقات المتعددة ،
                        التي تنشأ بين القارئ و النص و شخصيات القصة باختلاف توجهاتهم الفكرية و الايديولوجية و حتى العاطفية ،
                        حقيقة كانت القصة طويلة مما ساهم في تشعب الخط البياني للقصة ،
                        و لم يلتزم الكاتب بممر واحد يتصدر لأية لمحة أيديولوجية معينة حاولت ترك الأثر ،
                        حتى الأسماء اختلفت في المعاني و ابتعدت في التأويل ،
                        أنطوان الاسم اللاتيني في الوسط المخالف و المختلف ،
                        و إيدير رمز لعمق المجتمع الأمازيغي المحافظ القائم على مرجعية القبيلة أو القرية
                        الملتزمة ببنود السلطة الجماعية في حركية المجتمع و تطور علاقاته الإنسانية
                        و لم يكن ندا للشخصية المحورية في مراحل القصة ,
                        فقد تداولت الشخصيات الثانوية و عبر كل المراحل زمام المبادرة ،
                        و لم تترك للبطل هامش المناورة أو تلك المواقف التي ترتكز عليها الأحداث
                        و قد تشعبت إلى اتجاهات مظللة بالغموض و أحيانا بالتيه أو الخلط في التناقضات

                        وإن كان الكاتب يشر في القصة إلى حالة البرمجة و إعادة التأهيل الآلي للحس و العاطفة
                        شكرا لأخينا نور الدين لعوطار،،،، شكرا للناقد عمار عموري ،،، شكرا للجميع

                        المشاركة الأصلية بواسطة عمار عموري مشاهدة المشاركة
                        شكرا على المشاركة القيمة أخي الحبيب أسعد جماجم
                        النص الطويل لا يمكن التحكم في أحداثه وشخوصه إلا إذا كان القاص يمتلك معرفة بأساليب الكتابة ولغة سليمة وشيقة.
                        ثم إن النص الطويل على شبكة الإنترنت برأيي إذا كان كاتبه غير معروف فإنه لا يقرأ ولن يقرأ ولن يلتفت إليه قارئ ولا ناقد.

                        تعليق

                        • عمار عموري
                          أديب ومترجم
                          • 17-05-2017
                          • 1300

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة أسعد جماجم مشاهدة المشاركة
                          في الواقع سهولة القراءة و ليونة التحليل و التفكيك ،
                          و العلاقات المتعدية و التبادلية و الانعكاسية قي النص ،
                          هي التي تحقق التفاعل و المتابعة و إن كان النص طويلا ,
                          فأحيانا يكون النص امتدادا لمتعة القراءة و الاندماج الحسي في تلك العلاقات المتعددة ،
                          التي تنشأ بين القارئ و النص و شخصيات القصة باختلاف توجهاتهم الفكرية و الايديولوجية و حتى العاطفية ،
                          حقيقة كانت القصة طويلة مما ساهم في تشعب الخط البياني للقصة ،
                          و لم يلتزم الكاتب بممر واحد يتصدر لأية لمحة أيديولوجية معينة حاولت ترك الأثر ،
                          حتى الأسماء اختلفت في المعاني و ابتعدت في التأويل ،
                          أنطوان الاسم اللاتيني في الوسط المخالف و المختلف ،
                          و إيدير رمز لعمق المجتمع الأمازيغي المحافظ القائم على مرجعية القبيلة أو القرية
                          الملتزمة ببنود السلطة الجماعية في حركية المجتمع و تطور علاقاته الإنسانية
                          و لم يكن ندا للشخصية المحورية في مراحل القصة ,
                          فقد تداولت الشخصيات الثانوية و عبر كل المراحل زمام المبادرة ،
                          و لم تترك للبطل هامش المناورة أو تلك المواقف التي ترتكز عليها الأحداث
                          و قد تشعبت إلى اتجاهات مظللة بالغموض و أحيانا بالتيه أو الخلط في التناقضات

                          وإن كان الكاتب يشر في القصة إلى حالة البرمجة و إعادة التأهيل الآلي للحس و العاطفة
                          شكرا لأخينا نور الدين لعوطار،،،، شكرا للناقد عمار عموري ،،، شكرا للجميع

                          شكرا لك اخي الحبيب الاستاذ اسعد جماجم على المشاركة القيمة
                          بهذا القسم ايضا توجد قصتان رائعتان من حيث الفكرة وتستاهلان القراءة : الشمس كما لم تكن ابدا ومؤامرة واود ان تلقي عليهما نظرة

                          تعليق

                          • mmogy
                            كاتب
                            • 16-05-2007
                            • 11282

                            #14
                            الأستاذ المبجل نور الدين لوعطار هل يمكن أن تشرح للقارىء أسباب هذا الهجوم غير المبرر لنــا على الأقل فالرجل الذي طلبنا منه القيام بتلبية طلبات رواد الملتقى لنقد نصوصهم .. لم يبد أية ملحوظات نقدية حتى يتم الهجوم عليه بهذا الشكل .. لذلك أرجو سرعة توضيح الأمر لأننا لانقبل بمثل هذا الأسلوب إلا إذا كان لديك مبررات مقبولة .. ومادمت حضرتك قد وضعت النص طواعية هنا فليس من حقك الاعتراض على أي ناقد اللهم إلا اعتراضا أدبيا ونقديا .. وتقبل تحياتي
                            إنْ أبْطـَأتْ غـَارَةُ الأرْحَامِ وابْـتـَعـَدَتْ، فـَأقـْرَبُ الشيءِ مِنـَّا غـَارَةُ اللهِ
                            يا غـَارَةَ اللهِ جـِدّي السـَّيـْرَ مُسْرِعَة في حَلِّ عُـقـْدَتـِنـَا يَا غـَارَةَ اللهِ
                            عَدَتِ العَادونَ وَجَارُوا، وَرَجَوْنـَا اللهَ مُجـيراً
                            وَكـَفـَى باللهِ وَلـِيـَّا، وَكـَفـَى باللهِ نـَصِيراً.
                            وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوكيلُ, وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

                            تعليق

                            • نورالدين لعوطار
                              أديب وكاتب
                              • 06-04-2016
                              • 712

                              #15
                              الأستاذ العميد محمد شعبان الموجي

                              نعم لا أنفي هجومي بشكل غير لائق في هذه الصفحة
                              و لا أحد يقبل هذا وأنا معك وأضم صوتي إليكم
                              ولكن أرجو زيارة هذه الصّفحة
                              فكل شيء بدأ هنا

                              فإن كان مقبولا في أعراف العرب أن ينادى الذكر بالأنثى و تقابل الحسنة بالسئة كنت أعظم المجرمين

                              ما كان قصدي إزعاج أي شخص
                              ولكن ما تفعل حين تجر جرّا
                              فوق المقعد الكئيب كرمة ثكلى تذرف آخر دمعاتها في فسقية ناحبة تواسيها محزونة شمس الغروب...


                              المشاركة السابعة بالتحديد

                              وشكرا
                              التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين لعوطار; الساعة 29-09-2017, 21:58.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X