لما أخذت دوري في البنك، اكتشفت أن أمامي في مكتب خدمة العملاء ثمانين رقما أو (عميلا) حتى يأتي دوري في الدخول بالرغم من مجيئي مبكرا إلى البنك، ويبدو أن أصحاب الأرقام التي تسبقني قد أتوا قبل فتح أبواب البنك بكثير.
كانت صالة مكتب خدمة العملاء محاطة بحاجز زجاجي وبداخلها أربعة موظفين جالسين أمام أربعة مكاتب؛ يعني أنهم يخدمون أربعة عملاء في ذات الوقت، وكان كل مكتب له شاشة عرض صغيرة خلفه أو بجواره، وكان مكتب المدير –كما يبدو- في وسط الصالة ولا توجد شاشة عرض خلفه ولا بجواره.
ظللت حوالي ربع ساعة مملة حتى أذَّن الجهاز الناطق بالنداء على رقم 14 C! العميل الواحد يأخذ ربع ساعة، ما هذا التطويل الممل؟!
على العموم، أمامي الآن 79 رقما.
كانت شاشة العرض تشير أنهم يخدمون الأرقام 14 و 3 و 11 و 12.
تعجبت بسبب وجود صاحب الرقم 3 C حتى الآن!
هل خِدمته تستحق أن يأتي عليه 11 عميلا؟! أم أن الموظف الذي يخدمه يطول مدة إجراء الخدمة تطويلا حتى يرتاح من خدمة عدد كبير من العملاء، ويقتل وقت الدوام بدون خدمة حقيقية!
نادى المنادي على رقم 15 C؛ فبسرعة الريح جلست مكانه، وكان الواقفون حولي يكادون أن يلتهموني بأعينهم كرها وحقدا وغلا؛ وخاصة أنني جئت متأخرا عنهم...
جلست وتأملت في أعينهم فوجدت شرر الحقد المتطاير والذي كاد أن يصعقني حرقا!... يا لطيف يا رب. يا رب ألطف...
لا أدري سبب عدم توفير مقاعد كافية لعملاء هذا البنك الحكومي العريق؟!
كان الجهاز الناطق ينادي على أرقام الحرف B بسرعة؛ وهذا معناه أن أصحاب هذا الحرف هم من عملاء البنك الذين لهم حساب به، ومعناه أيضا أن عدد الموظفين الذين يخدمون أصحاب هذا الحرف كُثر!
أما أصحاب الحرف A، فكان النداء عليه أقل سرعة من حرف B، ويبدو أن خدمة هذا الحرف متعلقة بسحب أو إيداع أموال.
لازال حرفنا الــC يسير وئيدا بسرعة النملة المشلولة الطرفين أو أقل بكثير، وها هي الموظفة المسجل صوتها على جهاز النداء الآلي تنادي على رقم 16 C، فلم يدخل أحد ولم تدس الموظفة على الزر ليُنادي على الرقم الذي يليه، إنما ظلتْ تلعب على لوحة المفاتيح أو (الكيبورد) كما يقولون، وأظن أنها تدعي أنها تدخل بيانات أو ما شابه ذلك، والحقيقة التي أعتقدها أنها استغلت عدم تواجد العميل صاحب الرقم 16 C وظلت تلعب الكوتشينة، وفي الوقت ذاته، مرارتنا تكاد أن تنفجر من الانتظار...
بدأت معدتي (تصوص) من الجوع.
لازالت الموظفة تلعب الكوتشينة مع الكمبيوتر، وكل واحد منا يقول في سره اضغطي على الزر حتى يدخل رقم 17 C، وربما بعضنا وأنا منهم ندعو عليها أن ينتقم الله منها وخاصة بعدما نادى الجهاز الآلي على الرقم 17 C وصاحبه لم يدخل عند هذه الموظفة إنما دخل على مكتب آخر!
أمامي الآن 76 عميلا.
ظللتُ أبحلق في شاشة العرض كثيرا لأتابع الأرقام التي لا تتحرك تقريبا، وأذني تتابع أرقام حرف B وحرف A اللذيْن يتحركان بسرعة الصاروخ بالنسبة لسرعة حرفنا الكسيح أو المشلول C.
تعبت من البحلقة في شاشة العرض، ولم أجد ما أفعله حتى أقتل الوقت حتى هداني مخي أن أتلو أذكار الصباح مع العلم أن الوقت قد اقترب من الظهر ولا أعلم أذكار الظهر ولا أذكار العصر، إنما ما أعلمه هي أذكار الصباح والمساء، وكيف أقول الآن "أصبحنا وأصبح الملك لله" وصلاة الظهر على الأبواب؟!
قلت لنفسي إني مشغول بمشوار البنك من الصبح ولا أذكر أنني تلوت أذكار الصباح، فما المانع أن أتلوها الآن ولو قضاء؟ وأقنعت نفسي أكثر حينما تذكرت أن الصلاة نفسها يمكن أن تصلى قضاء.
بدأت في قراءة أذكار الصباح من الذاكرة وأذني مع النداء الآلي أما رقبتي وعيناي فعلى شاشة العرض والتي تشير أنهم يخدمون أرقام 17 و 16 و 3 و 15.
تركت أذكار الصباح وقلت في سري:
يا أولاد الحرامية واللصوص!
كيف تخدمون رقم 16 وهو لم يكن متواجدا أصلا ودخل رقم 17 بدلا منه؟!
ونسيت تماما الأذكار حينما ركزتُ على رقم 3 والذي لازال موجودا على شاشة في خلف المكتب رقم 22، ما هذا؟ سيظل ذلك الموظف يخدم صاحب هذا الرقم طوال اليوم!...
بدأت معدتي تصرخ جوعا...
نودي على رقم 18 فلم يدخل، فنودي على رقم 19 فلم يدخل حتى وصل النداء إلى الرقم 25 C الذي دخل؛ فهتفت في نفسي:
يا بركة الأذكار ولو تُليت قضاءً...
طبعا، أصحاب هذه الأرقام قد غادروا البنك بسبب التطويل الممطوط في هذا القسم السمج من البنك...
لازالت الموظفة تلعب على الكيبورد.
تركت الأذكار وقلت بصوت مسموع:
- هذه الموظفة –وأشرت إليها- تلعب الكوتشينة في الكمبيوتر!
فقال أحد الجالسين في الصف التالي لي مباشرة:
- يا سيدي، هي تلعب الشطرنج وهو يأخذ وقتا طويلا!
وقال ثانٍ:
- لا، هي تلعب لعبة الدومينو لأنها تأخذ وقتا أطول!
وثالث:
- يبدو أنها على الفاس بوك الآن ولا تشعر بنا!
وهز الرابع رأسه موافقا وقال:
- أكيد هي على الفاس بوك أو تويتر!...
وخامس:
- أو هي تتصفح الآن الإيميل (البريد الإلكتروني)، وهو يأخذ وقتا كثيرا!
الدعوات عليها بدأت تترى -بحقد شديد- من السامعين للحوار:
(الله ينتقم منها. الله يعميها. الله يطرشها. الله يشلها...).
وأظن أنهم لم يتركوا عضوا من أعضاءها إلا دعوا عليه ماعدا الطحال؛ ربما لا يوجد دعاءٍ مخصوص له...
قلت بصوت عالٍ:
- والعجب أن رقم 3 لازال موجودا منذ الصباح على مكتب رقم 22 كما هو يظهر من الشاشة الخلفية لهذا المكتب.
فرد علي الجالس بعد كرسيين عن يميني:
- هذا المكتب لا يوجد عنده أي زبون منذ فترة طويلة.
فقلت:
- أنا في زاوية لم أتبين وجود صاحب هذا الرقم من عدمه.
وأردفت غاضبا:
-إذن صاحب هذا المكتب (زوغ) من العمل وموجود الآن في أي مكان داخل البنك.
فقال:
- هي موظفة، ولقد رأيتها وهي تترك المكتب منذ الصباح.
وأردف بمط شفتيه امتعاضا:
- وأظن أنها قد غادرت البنك بعدما قدمت الخدمة لصاحب ذلك الرقم منذ بداية العمل!...
وجدت نظرات الحقد تصوب ناحية الجالسين وخاصة ناحيتي؛ أكيد بسبب رفاهية الجدال وهم يموتون تعبا من الوقوف...
دخلنا في موجة جديدة من التطويل السمج والقاتل...
عدت إلى الأذكار فلم أجد أي ذِكر أحفظه لكي أردده.
تعبت من الجلوس وهممت بالوقوف، ولكني وجدت الواقفين يفترسون أي كرسي فارغ؛ فطردت هذه الهمة بقوة وتحملت آلام الجلوس.
معدتي تصرخ الآن بقوة وبحرقة. لا حول ولا قوة إلا بالله...
لقد رأيت أن أتناول طعام الإفطار بعد انتهاء المهمة في البنك، ولم أكن أتوقع أن يطول الوقت هكذا!
كان فرد الأمن الواقف على باب صالة خدمة العملاء يدخل مع عميل جديد كل فترة ويصل به إلى أحد المكاتب الغير مشغولة، وقي الوقت نفسه، لم نرَ أولئك العملاء معنا في الانتظار؛ فامتعضت شفاه الجالسين غيظا، ولم يُنفس هذا الغيظ لأن كل واحد منا يتمنى أن يكون صاحب الواسطة والحظوة والمحسوبية ليدخل مع فرد الأمن وليخرج بسرعة من كابوس الانتظار الممل والقاتل، وربما إذا اعترضنا فسوف تقوم إدارة البنك بعمل مشكلة معنا وتضيع علينا المصلحة، وطبعا، كلنا خائفون أن يجرنا الاعتراض إلى الكلام في السياسة وخاصة أن البصاصين ما أكثرهم في عصر الديكتاتور الذي لازال جاثما على صدر وكل أعضاء البلد ولا ثمة أمل في إزاحته قيد أنملة، ولكننا على يقين أن صمتنا هذا "جُبن ونذالة"!...
هززت رأسي من الخارج وقلت في مخي من الداخل: إذن فرد الأمن ومحاسيبه هم السبب في مد فترة الانتظارَ!
دخل رقم 26 C إلى مكتب رقم 24 وجلس أمام صاحبة المكتب ولم يقدم لها أي أوراق ولم تتعامل مع الكمبيوتر، وظلا يتجاذبان أطراف الحديث وقتا طويلا...
أكيد هذا الزبون له علاقة غرامية مع هذه الموظفة، وأكيد يتفق الآن على ميعاد غرامي؛ وخاصة أنهما يبدوان في هيام شديد...
عدت إلى الأذكار فلم أستطع أن أردد أي شيء جديد أو قديم؛ فاستسلمت في بلاهة إلى التحليق في اللاشيء...
بعد وقت لا أدري ما طوله، فوجئت بأن الجهاز الآلي ينادي على رقم 56 C؛ فانتبهت وعدت من التحليق في اللاشيء.
وهتفت:
يا بركة اللاشيء...
واستعذت بالله من الشيطان لأنه قد خطر على بالي أن (اللاشيء) إلحاد!
نظرت ناحية الموظفة (الهيمانة) فوجدت عميلا آخر هو الموجود أمامها.
هززت رأسي من الداخل عند منطقة المخيخ، وقلت في سري: لقد غادر حبيبها بعدما أخذ الميعاد الغرامي بمنتهى السلاسة وأمام كل زملاءها وأمامنا وبدون أي شبهة...
أدمنت في التحليق في اللاشيء لأنه يقتل الوقت...
غزتني أفكار خاطئة وهلاوس جنسية ستقوم بها تلك الموظفة وعشيقها في الموعد الغرامي، فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم، ولكن تلك الأفكار الجنسية عنهما لم تغادرني...
نظرت حولي فلم أجد أي عميل واقف؛ فوقفت لكي أطرد هذه الهلاوس الجنسية وتمشيت بجوار الكراسي...
عدت إلى الكرسي وتأملت في شاشة العرض فوجدت آخر رقم هو 58. أمامي الآن 35 رقما. هانت. هون يا موهن. يا موهن هون...
ما برح فرد الأمن الواقف على باب مكتب خدمة العملاء يُدخل أصحاب الحظوة والوساطة، ربما هم أقاربه وجيرانه ومعارفه أو معارف أي موظف بالداخل...
أين الدور؟ أين الحضارة والنظام؟
لا إجابة!
خرج أحد الموظفين وحاول أن يفتح مكتبا أمامنا من ناحية اليمين ففشل، فعاد إلى أحد الموظفين (المدير كما يبدو) ليأخذ منه المفتاح وعاد وفتح الباب وأغلقه بمجرد أن ولج إلى الداخل.
لم أتبين جيدا ما بداخل هذا المكتب.
أكيد هذا المكتب هو الحمام!
وطبعا، لو سأل أحد زبائن البنك عن الحمام فلن يخبروه عن مكانه؛ لأن الحمام مخصص لموظفي البنك فقط.
وفي مصلحتي الحكومية، أغلق المدير الحمام بالمتاح ووضع بالخارج لافتة مكتوب عليها (ممنوع التدخين) حتى يخدع أي متعامل مع المصلحة.
وحين يسألنا أحد المواطنين عن مكان الحمام، فإننا نخبره كذبا بأنه لا يوجد حمام، فيعود يسألنا وأنتم أين تقضون حاجتكم؟ فنرد عليه في حمامات المسجد المجاور!
خرج الموظف بعدما قضى حاجته، وعيناي مسلطتان عليه حتى جلس، ولا أدري رقم مكتبه لأن الشاشة ليست في مجال الرؤيا أمامي، وربما يكون رقم مكتبه هو 25.
عيناي الآن مسلطتان على أي حركة لأي موظف أو عميل، وأكيد كل واحد جالس الآن يتابع ببلاهة حركة أي أحد؛ ربما لقتل الوقت أو خلو العقول الآن من أي أفكار بعد الوقت المضني والقاتل في الانتظار.
معدتي تلطم الآن لطما.
كان أبي -رحمه الله- يتناول الإفطار بعد صلاة الفجر مباشرة، وكان يخبرني أن أهم وجبة في اليوم هي وجبة الإفطار، ولم أعرف أهمية هذه النصيحة إلا في هذا اليوم العصيب.
نظرت حولي وخلفي لأعرف عدد الجالسين فوجدت عددا غير قليل من كبار السن، ربما أتوا لينهوا إجراءات مرتب التقاعد من العمل (المعاش)، ولكن أعمارهم قريبة جدا من أعمار الموتى، فهم قد عدوا سن المعاش بكثير، فهل أتوا لكي يبنوا مقبرة بأخذ (سُلفة) من البنك أو أن البنك يبني مقابر في المدن الجديدة وهم قد أتوا اليوم لحجز مقبرة؟
ضحكت في سري لأنني أشعر أن أحدهم أو أكثر من واحد ربما يموت من الانتظار الممل والقاتل قبل أن ينهي إجراءات بناء المقبرة!
حاولت أن أكتم الضحك، ولكن الضحك استفحل كلما حاولت أن أكتمه؛ وخاصة أنني تذكرت حلقة لبرنامج إذاعي في الثمانينات للممثل الراحل حسن عابدين بعنوان "دوخيني يا لمونة"، وكانت الحلقة التي تضحكني الآن بعنوان "مات وهو يثبت أنه حي"، وكان حسن عابدين في تلك الحلقة يدور من هيئة إلى هيئة ومن مكتب إلى مكتب ليثبت أنه حي، حتى فاض به الكيل فقال غاضبا لأحد الموظفين بأعلى صوته: "يا أستاذ أنا حي الآن ولا ميت؟"، فأجابه الموظف بأنه لا يدري ربما يكون عفريته –عفريت السائل- الموجود الآن، فقال له: "اقرصني. اضربني. ألقني على الأرض لكي أثبت لك بأنني حي"، فقال له الموظف: "أنا غير متيقن لأن اسمك مكتوب في دفاتر الدولة أنك ميت"؛ وهنا سقط حسن عابدين، بطل الحلقة، على الأرض ميتا من شدة الصدمة!...
كاد الضحك أن يخرج من قمقمه، وفعلا خرجت نصف ضحكة، فوقفت وكححت بصوت عالٍ لكي أغطي على الضحكة، ولما هدأ الضحك الداخلي جلست.
أكيد منْ سمع النصف ضحكة يقول في سره الآن بأنني رجل مجنون!
نادت المرأة المسجل صوتها على الجهاز الآلي على رقم 83 C.
هانت، باقي تسعة أرقام وأنا العاشر.
الساعة الآن عدت الواحدة ظهرا بكثير.
معدتي الآن تهضم نفسها بنفسها، كان الله في عونها...
ذاكرتي نكشتني لكي أتذكر صديقي في المرحلة الجامعية وكان يضحك ويضحكنا كلما دخلنا نعزي في أي سرادق عزاء، فقد كان بعد مضي قليل من الوقت، والكل ساكت أو صامت يستمع إلى فقرة من القرآن الكريم أو لا تكون هناك وصلة قرآن أو موعظة، فإذا بصدر صديقي يتحرك ويهتز ويصعد وينخفض ويصعد وينخفض أكثر ويصعد ويزداد حركة؛ فتتفجر ضحكة فيحاول أن يكتمها فلا يفلح، وكلما حاولنا أن نسكته، تستفحل الضحكة ويستشري الضحك، حتى تصيبنا عدوى الضحك؛ فنضحك ونترك السرادق غير مأسوف علينا!
قامت موظفة لتفتح المكتب المجاور والغير مكتوب عليه بأنه دورة مياه، ولكن بعد فتح الباب، وجدت أن المكتب عبارة عن حمام من الداخل كما توقعت.
شيعتها نظرات الحاضرين كالعادة في هذا الوقت -وقبله بكثير- حتى عادت إلى مكتبها.
طبعا، لا يجرؤ أحدنا أن يستأذن في الدخول للحمام، كان الله في عون كبار السن والذين يحملون (بروستاتا) تكاد أن تصل إلى منتصف الساق.
قامت موظفة أخرى لتذهب إلى الحمام.
واضح أن الشاي المشروب منذ الصباح بدأ يفعل ألأفاعيل في المثانة.
الحمد لله أننا لم نشرب شيئا ولا يوجد أصلا أي مشاريب للجمهور، وهذه نصاحة من إدارة البنك وإلا ستحدث مشاكل المشاريب والمثانة والحمام المغلق بالمفتاح.
يبدو أن هذه الموظفة أطالت مكوثها في الحمام لذلك لم أتابع خروجها منه حتى تصل إلى مكتبها؛ لأن رأسي ثقلت من عناء الانتظار ومتابعة الداخل والخارج للحمام ولصالة مكتب خدمة العملاء ولأي حركة ولو لفرد الأمن الذي لم يتوقف عن إدخال أصحاب الحظوة والوساطة بدون أي دور، ورقبتي وجعتني بسبب تحريكها في كل الاتجاهات، وحتى عيناي ثقلت بسبب بحلقتي المستمرة لشاشة العرض...
بعد قليل، انتبهت على تجمهر كبير لعملاء البنك وخاصة الذين يجلسون خلفي لأن كثيرا منهم عجائز وشيوخ، وكانوا ملتفين حول أحد كبار السن الملقى على الأرض في إغماء أو يبدو أنه مات، وكانت ثمة جلبة وصخب وصراخ، وفي وسط هذا الزحام والجلبة والضجيج، لم أتعرف إلا على الموظفة (الهيمانة) وهي تشير للعميل العاشق وسط هذا الجمع من الناس وهذه الشدة. حاولت أن أتساءل بصوت عال: "ما الذي أتى بهذا العشيق مرة ثانية؟"، ولكن خواء معدتي أضعف صوتي بدرجة أن صوتي لم أستطع أن أسمعه إلا من داخلي، ولا أظن أن أحدا قد سمع صوتي وسط هذا الضجيج. فلما اقترب العشيق منها ليحضنها ويقبلها -كما ظننتُ- وسط تلك الجلبة والصراخ، صرختُ بكل قوة: "عيب. لا يصح هذا. عيب...".
أفقت من الحلم على لمسة من الرجل الذي عن يميني فشكرته وقلت: يبدو أنه كابوس.
سمعت آثار وصدى همهمات وضحكات كانت خلفي...
بحلقت في الشاشة فوجدت أنهم يخدمون الآن رقم 92 وثلاثة أرقام أخرى، يعني الدور عليّ.
العجيب أن رقم 3 لازال موجودا على شاشة العرض!
حمدت الله أن الوقت مر بسرعة ولم أشعر به منذ أن نادوا على رقم 83.
وحمدت الله ثانيا أنني استيقظت في الوقت المناسب، وإلا كان الدور سأفقده!
أذن المؤذن بدخول رقم 93 C إلى مكتب رقم 24، فحمدت الله، ووقفت ولسان حالي يتساءل: ألا يوجد مكتب آخر غير مكتب الموظفة الهيمانة و(العشيقة) في الحلم منذ قليل؟!
دخلت على الموظفة وأخبرتها بأنني أريد أن أعمل (مخالصة) لبقية الأقساط المتبقية علىَّ في الغاز؛ وخاصة أن البنك يضيف نسبة عمولة (ربا) على الأقساط المتأخرة في السداد.
ضحكتْ ضحكة غير بريئة أو ماجنة حينما قلت بأن هذه الزيادة على القسط ربا!
ضربت بعض الأزرار على لوحة المفاتيح بعدما أخذت مني بطاقة الأحوال المدنية.
وظللتُ ساهما ومتبسما من الداخل بعدما تذكرت الحلم (الكابوس)، وهتفت في سري "إن بعض الظن غير إثم"!
بعد قليل، أخبرتني بأنني يجب أن أحضر آخر وصل دفعت به فاتورة الغاز، فقلت لها بأنني أفتقده، فهزت رأسها موافقة (ولا أدري سبب هذه الموافقة؟ هل كانت معي حينما افتقدته؟ أم متأكدة من صدقي؟)، وقالت:
- عليك أن تذهب إلى شركة الغاز لكي تحضر صورة من آخر وصل مدفوع.
فتساءلت:
- المفروض أن ما سددته يسجل عندكم في البنك ليخصم من الديْن الذي عليَّ.
فهزتْ رأسها بحركة رأسية وقالت:
- معك حق، ولكن الفاتورة تأخذ حوالي شهرين حتى تسجل عندنا في البنك.
فتساءلت غاضبا:
- ولماذا لم يأمرني موظف الاستعلامات منذ الصباح الباكر حينما سألته عن تسديد باقي الأقساط.
فهزت كتفيها بازدراء وقالت:
- والله هو غير مسئول عن جهلك بهذا الأمر.
- جهلي. جهلي!
وقفت وزعقت:
- أنتم الجهلة. أنتم لا توجهون عملاء البنك جيدا منذ الصباح. كان يجب أن يخبرني موظف الاستعلامات بدلا من أن أنتظر عدة ساعات على لا شيء...
فردتْ:
- أنت أكبر جاهل لأن كل العملاء يأتون البنك ومعهم آخر وصل دفعوه ليسددوا المخالصة.
صرخت واربدت وأزبدت:
- أنت أكبر جاهلة. وفاسدة.
واتجهت ناحية باقي الموظفين وخاصة الموظفة التي كانت تلعب الشطرنج مع الكمبيوتر وقلت صارخا غاضبا:
- أنتم تلعبون الشطرنج مع الكمبيوتر وتدخلون على الفاس بوك وتوتير ونحن نتعذب بالخارج من الانتظار الممل والقاتل.
تبسم بعض الموظفين -ولكن أحدهم أظنه المدير- غضب.
وجهت وجهي ناحية الموظفة الهيمانة وصرختُ:
- كلكم فسدة.
وأردفت ساخرا وأنا أشير إلى وجهها بسخرية وغضب:
- منذ قليل، أخذ عميل موعدا غراميا مع هذه الهانم...
لا أدري ما حدث بعد ذلك سوى معركة حربية حامية الوطيس تجمع فيها كل موظفي وعملاء البنك، وكان السباب على أشده، وكان فرد الأمن هو الوحيد الذي كان يعاملني بلطف ويحاول أن يهدئني، ولا أذكر أنني نفست غيظي وغيظ العملاء من فرد الأمن هذا والمحسوبية التي كان يقوم بها؛ ربما بسبب سحب الغضب التي غطت منطقة التفكير، وبعد وقت لا أذكر طوله أو قصره، وجدت نفسي في سيارة شرطة ومقبوض علىَّ، وعُرضت على النيابة بتهمة الاعتداء على موظفين حكوميين أثناء قيامهم بعملهم، وأثناء الطريق إلى النيابة كنت أقول في سري (هذا ذنب سوء الظن والهلاوس الجنسية عن الموظفة الهيمانة. إن بعض الظن إثم.)...
القاهرة في الخميس 2/5/1437 والموافق 11/2/2016
تعليق