تغريدة طائر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    تغريدة طائر

    يحكى أن شابّا تفطّن بعد دهر لعطب في روحه ، فغادر الدّيار بحثا عن نفسه التائهة ، فوصل إلى عين دافقة في مرج أخضر ، شرب منها حتى ارتوى ، و مد رجليه فاستعذب الانتعاش السّاري في بدنه ، فاستحمّ خالعا بؤسه، سرت قشعريرة جسده المبلّل فدبّت الحياة في عروقه ، شعر بنفخة تزيح عن نفسه وحشتها ، و ببسمة تداعب قلبه البارد .
    آوى إلى ظل شجرة مورقة ، مدّ بصره مستكشفا المكان ، أرهف سمعه مستمتعا ببهجة الطيور ، فاجأه شيخ بهي الطلعة ، تعلو سحنته مهابة ، و يشع من عينيه وقار ، أقرأ الصبيّ السلام سائلا إيّاه عن بغيته ، و سرّ مجيئه إلى الروضة ، فقال الصبي شارحا : أيها الشيخ الحكيم ، بحثت عنها في المدارس فما وجدتها ، و في الأسواق فما عاينتها ، وفي كل مجمع فما آنستها . روحي أيها الوقور عليلة و نفسي عن ذاتي غريبة و فسحة الودّ في قلبي زهيدة ، يا من علّمته الأيام سر النجاة و شرب من حقول العرفان أقداح المعاني ، و خلا بذاته أعواما حتى خبرها ، خذ بيدي عساني أصل روحي فأمسح عن خدّها دموع الضياع ، أضمّها كضمّ الأمّ لرضيعها في الليالي القارسة مانحة إياه دفء صدرها الفيّاض ، مالئة جوفه حياة و أمنا. أيها المعلم الودود كم اشتقت إلى بسمة من شفتيها ، و نغمة من لسانها تذهبان عنّي هذا السّأم الذي صحّر حدائقي ، و صخّر مشاعري ، فغدوت ضريرا يمشي بغير هدى .
    قال الشيخ : أرأيت هذا الطائر المزركش ريشه ، العذب لحنه ، و الرشيقة حركته ، أينما حل كان للبهجة رمزا ، و للأمل إماما ، و للتحرر عنوانا ، انظر نحوه ، اسرح مع حركاته الخالية من كل أصناف الكدر ، ما أفقدته جماعته رونقا ، و ما ثقلت عليه نفسه في وحدته ، الجمال عينه يزرعه في المقل و البشر نفسه يهديه للنّفوس .
    قال الصبيّ : سيدي ما أظنك فهمت قصدي ، و ما وصلت إلى يقين مصيبتي ، شكوت إليك شحّا في دخيرتي ، وجفافا اعترى نبع آمالي ، وخريفا أسقط زينة ربيعي ، و ظلمة عطلت كل مصابيحي ، أيها المعلم ، أتظن نظرة إلى طائر غرّيد تطرب حالي و نطّا من غصن لغصن يفتح شهيّة أحلامي ، تلك قشور خفيفة ضئيلة ، وما أصابني أعظم و أعظم ، إن كان هذا كل ما تملك فسأواصل سيري بحثا عن روحي التي فقدتها .

    تبسم الهرم قائلا : قبل أن تغادر دياري ، خذ تذكارا من هذه الروضة ، لعلك به تتذكرني .
    أقفل الفتى راجعا و الهمّ يثقل مشيته ، يا لغباء الحكماء ، يا لبساطة أفكارهم ، ما هذه الباقة الزهرية التي أحملها ؟ ألقلة الزهور في موطني ؟ لكن الشيخ لا يملك شيئا غير وجه باسم و لحية بيضاء مرصّفة ، غارق هو في متعة زائفة و هلوسة ناعمة وجنون خفي . ضحك الفتى مقهقها مردّدا تغريدة طائر و باقة زهور يا لسوء حظي يا لسوء مآلي .......
    قبل أن تستقبله أول قرية في طريق عودته و الشمس مائلة للمغيب ، وجد فتاة تركض وراء غنيماتها الطائشة في محاولة لتهدئتها و إعادتها إلى القرية ، سعى في مساعدتها حتى اجتمعت و مشيا صوب القرية ، قالت الفتاة : " من سعيدة الحظ تلك التي أحضرت لها زهورا ؟ " تبسم الفتى وقال : " لن تكون إلا أنت ما دامت الباقة نالت رضاك ." احمر وجهها خجلا و استعصى عليها الردّ و كذلك ثقل عليه لسانه و سار في كل السبل باحثا عن كلمة يوصل بها خيط الكلام ، تعجب من ضياع ثروته اللغوية ، نظرت إليه و نظر إليها و سرعان ما فرّت بعينيها منه ، أطرق رأسه وخيبة العجز تطارده ، ما بال لسانه انعقد و ما بال هذه الحيرة التي اقتحمت أسواره ، تنهد و حنحن و قال : " خذي الباقة " فقالت : "لا آخذ إلا ما كان من نصيبي فاخلص لتلك التي تعلقت بها " صمت و لم يعقّب حتى دنوا من أول مسكن من مساكن القرية إذ ذاك همست : "حان وقت الفراق " حرّك رأسه بالإيجاب و ركن إلى جانب الطريق جالسا ، خفيفة هي رشيقة ، صوتها عذب ناعم و وجهها بدر مليح ، وعندما ابتعدت قليلا صاح : " هذه الباقة سأحتفظ بها لتذكرني بك ، و لأخلّد بها هذه الذكرى الغالية ، هذا اليوم السعيد ، أتعلمين ، ما أشرقت شمس في حياتي كما اليوم ، ما سمعت أذني تغريدة بلبل كما أنت ، ما رفرف طائر أبدا كما ترفرف روحي اللحظة . "
    رجعت على استحياء مغردة ، لمست الصّدق في عينيك منذ أول نظرة ، أما وقد انطلق لسانك و تحرّرت روحك و عمّ الدّفء فؤادك فالآن الآن أقبل الباقة . لأننا لا نسمع في تغريدة البلابل إلاّ شدو أرواحنا و لا نهدي في الزهور غير مشاعرنا .
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    مساء الغاردينيا
    نص بروح لاأدري ماأسميها
    أعدتني لعصور مضت حيث المقردات التي يستخدمها المحبين
    الخجل والبراءة والطهر
    عمق الطلب وبساطته المعروضة
    ونهاية هادئة وسعيده
    لكني أحببت النص لذاك الهدوء ولأني عاصفة تتبعها اعصارات
    أتمنى أن أتعرف عليك أكثر من خلال نصوصك
    تحياتي لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • عبد الحميد عبد البصير أحمد
      أديب وكاتب
      • 09-04-2011
      • 768

      #3
      نص ماتع ..
      دام لنا حرفك السامق
      الحمد لله كما ينبغي








      تعليق

      • نورالدين لعوطار
        أديب وكاتب
        • 06-04-2016
        • 712

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
        مساء الغاردينيا
        نص بروح لاأدري ماأسميها
        أعدتني لعصور مضت حيث المقردات التي يستخدمها المحبين
        الخجل والبراءة والطهر
        عمق الطلب وبساطته المعروضة
        ونهاية هادئة وسعيده
        لكني أحببت النص لذاك الهدوء ولأني عاصفة تتبعها اعصارات
        أتمنى أن أتعرف عليك أكثر من خلال نصوصك
        تحياتي لك
        رمضان كريم أ. عايدة محمد نادر ، طبعا سيكون لي حضور هنا معكم في القادم من النصوص.
        شكرا على حضورك الجميل .

        تعليق

        • نورالدين لعوطار
          أديب وكاتب
          • 06-04-2016
          • 712

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة احمد فريد مشاهدة المشاركة
          نص ماتع ..
          دام لنا حرفك السامق
          أ . أحمد فريد
          المتعة في في حضركم الجميل

          رمضان كريم

          تعليق

          • محمد فطومي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 05-06-2010
            • 2433

            #6
            ظننتُ أنّي قرأتُ كلّ نصوص نور الدين لعوطار الأديب الذي يستحق لقب الحكيم فعلا، حتى فوجئت بنفس حكائي شيّق ومختلف،
            فبالإضافة إلى عذوبة نصوصه والتدفق السهل لكتابة ما يشاء من مقاصد عميقة، خطيرة ومؤلمة، فإنّ فلسفة خفيّة تتسلّل إلى أعماقك دون أن تشعر. توحي لي نصوص نور الدين بأشياء عندما أنتهي من قراءتها وأتساءل هل حقا اشتغل على ما وصلني، في الواقع هذه هي ميزة الأدب الكبير، أن يجعلك تتوهّم بأنّك اكتشفت أفقا جديدا بشكل عفوي دون قصد من الكاتب.
            المشكلة مع نصوص نور الدين أنّ أبلغ ما يتماشى معها هو الإعجاب بصمت، صمت من باب الوقوف أمام الجمال.
            أقترح عليكم قراءة هذا النصّ.
            وكما سأل عنّي ذات يوم قائلا: أين أنت أستاذ محمد فطومي؟ فإنّي أسأله: أين أنت أستاذ نور الدين لعوطار؟
            مدوّنة

            فلكُ القصّة القصيرة

            تعليق

            يعمل...
            X