ولولة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    ولولة

    أمي وهي تتابع المسلسلات المدبلجة أيا كان جنسها وجنسيتها، تنظر إلي بابتسامة بريئة وتخبرني أن الممثلين يشبهوننا، إنهم منا، يتحدثون بلغتنا، ويستعملون مفرداتنا نفسها. وحين أخبرها أن هؤلاء لا علاقة لنا بهم، تنظر إلي شزرا، وتؤكد لي أنهم مسلمون مثلنا بدليل توظيفهم كلمات من الحقل الديني: استمع لهم، ألا ترى أنهم ينطقون بالسلام، ويستشهدون بآيات من القرآن الكريم؟ لا أجد لدي القدرة على إقناعها، هي التي اقتنعت مسبقا بأنهم أبناء جلدتنا.
    أمي امرأة لم ترتد المدرسة ولا الكتاب، طيبة القلب بريئة كالأطفال، لم تغادر المنزل إلا مرات معدودات، الآن، بلغت من العمر الثمانين، احدودب ظهرها قليلا، لكنها مازالت تحتفظ ببعض قوتها تمكنها من تهييئ طعامها بنفسها، والاعتناء بدارها كما كانت تفعل منذ أزمان، وكأنها تترقب عودة أبي في أية لحظة. فلم تقتنع بموته إطلاقا. ترى ذلك غيبة تعقبها عودة أكيدة.
    تحب أن تعتني بمظهرها، وتكون في أبهى زينتها حين تتابع المسلسلات ذات الشخصيات الذكورية الوسيمة. بها تستعيد ذكريات جميلة قضتها صحبة أبي، إذ كان يهديها وردا كل مرة غاب عنها لعمل. ويصطحبها إلى المقهى البعيد عن أعين المدينة حيث يقضيان أوقاتا ممتعة من البوح اللذيذ. تلك أيام سعيدة مازالت تترقب عودتها بعودته.
    كانت تقرب الكرس من الجهاز، وترفع الصوت، وتدني أذنيها منه والعينين، ورغم تحذيراتي لها من مضار مثل هذا السلوك، فلم تقلع عنه، إذ تحب أن تسمع وترى عن قرب، ولا يشبع نهمها الابتعاد. ثم إن ذلك يملأ حياتها وجوانحها ومشاعرها بعد أن ترك أبي فراغا في حايتها لا يمكن ملؤه.
    وحين تشاهد مطرا يهطل، ينتابها شك ما، فتتسلل إلى الصالون، تفتح بحذر النافذة وتطل، ولما لا تجد غيثا، تعود خائبة، وتقول لي: لم لا يسقط المطر عندنا رغم أنه يتساقط هنا؟ أؤكد لها أن ذلك المطر قد سقط في زمن آخر، ومكان آخر، وأنه مطر تم تصويره في بلاتوهات، وأنه ليس حقيقيا. ثم أعود إلى نفسي نادما على ما قلته لها. ,اسعى إلى إرضائها بأنه سيسقط هنا كما هناك بعد فترة، إذ أني أدرك متأخرا أن ما أقوله لها لن تستوعبه، وأنني أحملها ما لا طاقة لها به، فكيف يمكنها أن تستوعب ما يتجاوزها، هي التي، بالكاد، تعرف كيف تشغل التفاز، وكثيرا ما تضيع القنوات، وتنادي علي لكي أعيدها أو أعيد ترتيبها حتى تتمكن من متابعة مسلسلاتها المفضلة.
    حين تخرج صحبة أبي، تظل خلفه، محافظة على المسافة التي تفصلها عنه نفسها، من دون أن تزيد فيها أو تنقص، لاعتقادها بقناعة أبي، أن خلف كل رجل عظيم امرأة، هي تعرف جيدا أن أبي ليس رجلا عظيما بالمفهوم المتداول، ولكنه عظيم بالنسبة لها. فهو لم يمسس شعرة من رأسها، ولم يهنها كما يفعل الكثير من الرجال. صحيح انه لم ينادها باسمها طوال عشرتهما التي دامت نصف قرن، لكنه ناداها به يوم كان على فراش الموت، وكم أسعدها ذلك، فقد وجدت في لفظ حروف اسمها رنة بل نغمة لا تضاهيها أية نغمة، كانت عذبة كماء زلال، أطفأ لهيب رغبتها في سماع صوته يتلون بحروف اسمها، ويروي حقلها المتعطش لصبيب الصوت يغرد بالمطر يتراقص على أديمها.
    لقد طفرت من عينيها دموع الفرح والحزن معا، تضافرا بحيث لم تعد قادرة على التفريق بين الإحساسين المتناقضين.
    قدمت مرة باكرا من عملي، فوجدت أمي وقد تحلق حولها أبنائي، تتابع شريطا وضعه ابني البكر، ظنا منه أنه سيسعد جدته، وإذ رأت زوجها يتكلم، ارتعبت، وصرخت، ألم يمت؟ هل سخر منا؟ ولأنها كانت قد تخففت من لباسها الثقيل قليلا، فقد عدت إلى غرفتها مولولة: يا لفضيحتي! لقد رآني عارية، أين سأخفي وجهي منه؟!
  • أميمة محمد
    مشرف
    • 27-05-2015
    • 4960

    #2
    يخيل لي أستاذ عبد الرحيم إنك حين تكتب لا يقطع استرسالك العميق في الكتابة شيء
    بحثت عن أمي ما بين الملامح التي كتبت وقارنت
    النهاية تلفت انتباهي.. أشعر أن عبدالرحيم التدلاوي يحب أن يقفل قصصه بقفلة متجددة محكمة
    ربما أحزنني وجهها المليء بالتجاعيد يعود بوجه طفل نسي كل شيء إلا بعض لعثماته
    لديك موهبتك الخاصة في القص
    تقديري وكل عام وأنت بخير

    تعليق

    • عبدالرحيم التدلاوي
      أديب وكاتب
      • 18-09-2010
      • 8473

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة أميمة محمد مشاهدة المشاركة
      يخيل لي أستاذ عبد الرحيم إنك حين تكتب لا يقطع استرسالك العميق في الكتابة شيء
      بحثت عن أمي ما بين الملامح التي كتبت وقارنت
      النهاية تلفت انتباهي.. أشعر أن عبدالرحيم التدلاوي يحب أن يقفل قصصه بقفلة متجددة محكمة
      ربما أحزنني وجهها المليء بالتجاعيد يعود بوجه طفل نسي كل شيء إلا بعض لعثماته
      لديك موهبتك الخاصة في القص
      تقديري وكل عام وأنت بخير
      المبدعة البهية، أميمة
      أشكرك جار الشكر على قراءتك العميقة.
      سعيد بتفاعلك المثمر، وبإشادتك المحفزة.
      مودتي

      تعليق

      • عاشقة الادب
        أديب وكاتب
        • 16-11-2013
        • 240

        #4
        عدت بعد غياب لاستمتع بكتابتك وحروفك الرائعة
        ذكرتني بجدتي حين نزورها الصيف
        اصبحت الساعة السابعة مقدسة لايمكن ان تتأخر فيها وتعود للمنزل وتجلس في كنبتها المفضلة لتتابع المسلسل المدبلج
        تتعمق فيه وتعيش قصة ابطالها لتجدها تسب اللئيم وتبكي على بكاء المضلوم .
        كم احببت ان اخبرها انه فقط ثمثيل وكم يحزنني حين اراها حزينة لحزن البطل او البطلة
        لم ارد ان اكسر فرحتها واخبرها انها مجرد صناعة رديئة تجود بها قنواتنا لتبرر اقتطاعاتها.
        لاني اعرف انه انيسها الوحيد هي تلك الافلام بعد عمر قضتهفي تربية الابناء لوحدها بعد ان فارقها رفيق الدرب في وقت مبركر من العمر وبقيت الان وحيدة بعد ان كبر الابناء تفرق الشمل فاصبح جهاز التلفاز الوحيد الذي تتبادل معه الحوار وتكلم ابطال مسلسلاته .
        ابدعت في السرد كالعادة

        تعليق

        • عبدالرحيم التدلاوي
          أديب وكاتب
          • 18-09-2010
          • 8473

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عاشقة الادب مشاهدة المشاركة
          عدت بعد غياب لاستمتع بكتابتك وحروفك الرائعة
          ذكرتني بجدتي حين نزورها الصيف
          اصبحت الساعة السابعة مقدسة لايمكن ان تتأخر فيها وتعود للمنزل وتجلس في كنبتها المفضلة لتتابع المسلسل المدبلج
          تتعمق فيه وتعيش قصة ابطالها لتجدها تسب اللئيم وتبكي على بكاء المضلوم .
          كم احببت ان اخبرها انه فقط ثمثيل وكم يحزنني حين اراها حزينة لحزن البطل او البطلة
          لم ارد ان اكسر فرحتها واخبرها انها مجرد صناعة رديئة تجود بها قنواتنا لتبرر اقتطاعاتها.
          لاني اعرف انه انيسها الوحيد هي تلك الافلام بعد عمر قضتهفي تربية الابناء لوحدها بعد ان فارقها رفيق الدرب في وقت مبركر من العمر وبقيت الان وحيدة بعد ان كبر الابناء تفرق الشمل فاصبح جهاز التلفاز الوحيد الذي تتبادل معه الحوار وتكلم ابطال مسلسلاته .
          ابدعت في السرد كالعادة
          أختي البهية، عاشقة الأدب
          مرحبا بك وبعودتك العطرة.
          شكرا لك على تعليقك الضافي.
          بوركت.
          مودتي

          تعليق

          • نورالدين لعوطار
            أديب وكاتب
            • 06-04-2016
            • 712

            #6
            أهلا بالأخ عبد الرحيم التدلاوي
            نص ببصمة سيرة ، يحملنا إلى رحاب اليوميات ، و أيضا يريد تقديم مجموعة من الرسائل ، و في أحيان كثيرة حاول أن يقترب من الأدب الساخر ، النص في مجمله فيه لغة سلسة ، لكن النص يبتعد عن القصة القصيرة ، فالحدث المتنامي نحو الذروة و الانفراج المصحوب بالانقلاب و حتى الاشتغال على الزمكانية كلها لم تكن موفقة بما يكفي لنسج علاقة حقيقية بين الوحدات البنائية للنص .
            أمي وهي تتابع المسلسلات المدبلجة أيا كان جنسها وجنسيتها، تنظر إلي بابتسامة بريئة وتخبرني أن الممثلين يشبهوننا، إنهم منا، يتحدثون بلغتنا، ويستعملون مفرداتنا نفسها. وحين أخبرها أن هؤلاء لا علاقة لنا بهم، تنظر إلي شزرا، وتؤكد لي أنهم مسلمون مثلنا بدليل توظيفهم كلمات من الحقل الديني: استمع لهم، ألا ترى أنهم ينطقون بالسلام، ويستشهدون بآيات من القرآن الكريم؟ لا أجد لدي القدرة على إقناعها، هي التي اقتنعت مسبقا بأنهم أبناء جلدتنا.
            لو أخذنا نموذج مقدمة النص التي تناولت المسلسلات المدبلجة كمطية لإشكالية التبرير في السلوك الإنساني كحاجة اجتماعية لإرضاء الآخر ، أو بصفة أدقّ ، حاجتنا دائما لنبرر للآخر ما تقترفه ذواتنا ، تبرير الفعل ، و أقصر طريق للتبرير هو إيجاد رابط بين الفعل و المذهبية أو الثقافة السائدة في المجتمع ، فالمقدة طرحت إشكالية الإحراج الذي يحسه الفرد و هو يمارس شيئا بسيطا و هو هنا مشاهدة مسلسل تلفزيوني "مدبج " بمعنى تقريب الآخر المختلف من الذات الجماعية بلسانها " هذا الشعور بالذنب الزائد عن اللزوم الذي تجترحه النفس محاولة التخلص منه و لو بقشة ما ، و هنا الراوي تقمص دور الأنا الأعلى المجتمعية محاولا الدفع بالشخصية الرئيسية إلى الإحساس بالجرم المرتكب ، و من هذا الحدث كان النصّ سيدخل في سياقات قوية جدّا لو اتبع بشكل جدّي المسار الذي خطّته المقدّمة ، ويطرح عمق صراع الأجيال و صراع الثقافات أو التدافع الحضاري ، و اندفاع الجيل الصّاعد و وحمكة المسن .
            في هذه المقدمة توجد جملة زائدة حذفها لا يغير صورة المقطع بل كادت تسقط النص في التقريرية من المقدمة :
            وتؤكد لي أنهم مسلمون مثلنا بدليل توظيفهم كلمات من الحقل الديني

            أمي امرأة لم ترتد المدرسة ولا الكتاب، طيبة القلب بريئة كالأطفال، لم تغادر المنزل إلا مرات معدودات، الآن، بلغت من العمر الثمانين، احدودب ظهرها قليلا، لكنها مازالت تحتفظ ببعض قوتها تمكنها من تهييئ طعامها بنفسها، والاعتناء بدارها كما كانت تفعل منذ أزمان، وكأنها تترقب عودة أبي في أية لحظة. فلم تقتنع بموته إطلاقا. ترى ذلك غيبة تعقبها عودة أكيدة.

            تحب أن تعتني بمظهرها، وتكون في أبهى زينتها حين تتابع المسلسلات ذات الشخصيات الذكورية الوسيمة. بها تستعيد ذكريات جميلة قضتها صحبة أبي، إذ كان يهديها وردا كل مرة غاب عنها لعمل. ويصطحبها إلى المقهى البعيد عن أعين المدينة حيث يقضيان أوقاتا ممتعة من البوح اللذيذ. تلك أيام سعيدة مازالت تترقب عودتها بعودته.

            كانت تقرب الكرس من الجهاز، وترفع الصوت، وتدني أذنيها منه والعينين، ورغم تحذيراتي لها من مضار مثل هذا السلوك، فلم تقلع عنه، إذ تحب أن تسمع وترى عن قرب، ولا يشبع نهمها الابتعاد. ثم إن ذلك يملأ حياتها وجوانحها ومشاعرها بعد أن ترك أبي فراغا في حايتها لا يمكن ملؤه.




            هذه الفقرة الخاصة ببناء شخصية الأم موفقة إلى حدّ بعيد رغم بعض الضرر الذي ألحقه بها الجزء الأخير الذي غابت عنه الأدبية . كما أن أحداثه تصب في صالح المقدمة و يمكن منها صناعة نص متماسك لولا أن الأجزء الموالي قضى على استرسالية النص وأسقطه في استطراد لا يخدم بشكل فعال البناء الفني للنص وأقصد هذه الفقرة بالذات .

            وحين تشاهد مطرا يهطل، ينتابها شك ما، فتتسلل إلى الصالون، تفتح بحذر النافذة وتطل، ولما لا تجد غيثا، تعود خائبة، وتقول لي: لم لا يسقط المطر عندنا رغم أنه يتساقط هنا؟ أؤكد لها أن ذلك المطر قد سقط في زمن آخر، ومكان آخر، وأنه مطر تم تصويره في بلاتوهات، وأنه ليس حقيقيا. ثم أعود إلى نفسي نادما على ما قلته لها. ,اسعى إلى إرضائها بأنه سيسقط هنا كما هناك بعد فترة، إذ أني أدرك متأخرا أن ما أقوله لها لن تستوعبه، وأنني أحملها ما لا طاقة لها به، فكيف يمكنها أن تستوعب ما يتجاوزها، هي التي، بالكاد، تعرف كيف تشغل التفاز، وكثيرا ما تضيع القنوات، وتنادي علي لكي أعيدها أو أعيد ترتيبها حتى تتمكن من متابعة مسلسلاتها المفضلة.

            معذرة أخي عبد الرحيم إن تجرّأت على نصك هذا ، ما كنت لأفعل لولا أنك كاتب محترف .

            أسلوب اليوميات أو السيرة من أصعب أساليب الكتابة ، و خاصة حين تريد أن تجعل منه قصة قصيرة .

            محبتي أيها الكاتب النبيل .
            التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين لعوطار; الساعة 21-07-2016, 16:36.

            تعليق

            • عبدالرحيم التدلاوي
              أديب وكاتب
              • 18-09-2010
              • 8473

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
              أهلا بالأخ عبد الرحيم التدلاوي
              نص ببصمة سيرة ، يحملنا إلى رحاب اليوميات ، و أيضا يريد تقديم مجموعة من الرسائل ، و في أحيان كثيرة حاول أن يقترب من الأدب الساخر ، النص في مجمله فيه لغة سلسة ، لكن النص يبتعد عن القصة القصيرة ، فالحدث المتنامي نحو الذروة و الانفراج المصحوب بالانقلاب و حتى الاشتغال على الزمكانية كلها لم تكن موفقة بما يكفي لنسج علاقة حقيقية بين الوحدات البنائية للنص .
              أمي وهي تتابع المسلسلات المدبلجة أيا كان جنسها وجنسيتها، تنظر إلي بابتسامة بريئة وتخبرني أن الممثلين يشبهوننا، إنهم منا، يتحدثون بلغتنا، ويستعملون مفرداتنا نفسها. وحين أخبرها أن هؤلاء لا علاقة لنا بهم، تنظر إلي شزرا، وتؤكد لي أنهم مسلمون مثلنا بدليل توظيفهم كلمات من الحقل الديني: استمع لهم، ألا ترى أنهم ينطقون بالسلام، ويستشهدون بآيات من القرآن الكريم؟ لا أجد لدي القدرة على إقناعها، هي التي اقتنعت مسبقا بأنهم أبناء جلدتنا.
              لو أخذنا نموذج مقدمة النص التي تناولت المسلسلات المدبلجة كمطية لإشكالية التبرير في السلوك الإنساني كحاجة اجتماعية لإرضاء الآخر ، أو بصفة أدقّ ، حاجتنا دائما لنبرر للآخر ما تقترفه ذواتنا ، تبرير الفعل ، و أقصر طريق للتبرير هو إيجاد رابط بين الفعل و المذهبية أو الثقافة السائدة في المجتمع ، فالمقدة طرحت إشكالية الإحراج الذي يحسه الفرد و هو يمارس شيئا بسيطا و هو هنا مشاهدة مسلسل تلفزيوني "مدبج " بمعنى تقريب الآخر المختلف من الذات الجماعية بلسانها " هذا الشعور بالذنب الزائد عن اللزوم الذي تجترحه النفس محاولة التخلص منه و لو بقشة ما ، و هنا الراوي تقمص دور الأنا الأعلى المجتمعية محاولا الدفع بالشخصية الرئيسية إلى الإحساس بالجرم المرتكب ، و من هذا الحدث كان النصّ سيدخل في سياقات قوية جدّا لو اتبع بشكل جدّي المسار الذي خطّته المقدّمة ، ويطرح عمق صراع الأجيال و صراع الثقافات أو التدافع الحضاري ، و اندفاع الجيل الصّاعد و وحمكة المسن .
              في هذه المقدمة توجد جملة زائدة حذفها لا يغير صورة المقطع بل كادت تسقط النص في التقريرية من المقدمة :
              وتؤكد لي أنهم مسلمون مثلنا بدليل توظيفهم كلمات من الحقل الديني

              أمي امرأة لم ترتد المدرسة ولا الكتاب، طيبة القلب بريئة كالأطفال، لم تغادر المنزل إلا مرات معدودات، الآن، بلغت من العمر الثمانين، احدودب ظهرها قليلا، لكنها مازالت تحتفظ ببعض قوتها تمكنها من تهييئ طعامها بنفسها، والاعتناء بدارها كما كانت تفعل منذ أزمان، وكأنها تترقب عودة أبي في أية لحظة. فلم تقتنع بموته إطلاقا. ترى ذلك غيبة تعقبها عودة أكيدة.

              تحب أن تعتني بمظهرها، وتكون في أبهى زينتها حين تتابع المسلسلات ذات الشخصيات الذكورية الوسيمة. بها تستعيد ذكريات جميلة قضتها صحبة أبي، إذ كان يهديها وردا كل مرة غاب عنها لعمل. ويصطحبها إلى المقهى البعيد عن أعين المدينة حيث يقضيان أوقاتا ممتعة من البوح اللذيذ. تلك أيام سعيدة مازالت تترقب عودتها بعودته.

              كانت تقرب الكرس من الجهاز، وترفع الصوت، وتدني أذنيها منه والعينين، ورغم تحذيراتي لها من مضار مثل هذا السلوك، فلم تقلع عنه، إذ تحب أن تسمع وترى عن قرب، ولا يشبع نهمها الابتعاد. ثم إن ذلك يملأ حياتها وجوانحها ومشاعرها بعد أن ترك أبي فراغا في حايتها لا يمكن ملؤه.




              هذه الفقرة الخاصة ببناء شخصية الأم موفقة إلى حدّ بعيد رغم بعض الضرر الذي ألحقه بها الجزء الأخير الذي غابت عنه الأدبية . كما أن أحداثه تصب في صالح المقدمة و يمكن منها صناعة نص متماسك لولا أن الأجزء الموالي قضى على استرسالية النص وأسقطه في استطراد لا يخدم بشكل فعال البناء الفني للنص وأقصد هذه الفقرة بالذات .

              وحين تشاهد مطرا يهطل، ينتابها شك ما، فتتسلل إلى الصالون، تفتح بحذر النافذة وتطل، ولما لا تجد غيثا، تعود خائبة، وتقول لي: لم لا يسقط المطر عندنا رغم أنه يتساقط هنا؟ أؤكد لها أن ذلك المطر قد سقط في زمن آخر، ومكان آخر، وأنه مطر تم تصويره في بلاتوهات، وأنه ليس حقيقيا. ثم أعود إلى نفسي نادما على ما قلته لها. ,اسعى إلى إرضائها بأنه سيسقط هنا كما هناك بعد فترة، إذ أني أدرك متأخرا أن ما أقوله لها لن تستوعبه، وأنني أحملها ما لا طاقة لها به، فكيف يمكنها أن تستوعب ما يتجاوزها، هي التي، بالكاد، تعرف كيف تشغل التفاز، وكثيرا ما تضيع القنوات، وتنادي علي لكي أعيدها أو أعيد ترتيبها حتى تتمكن من متابعة مسلسلاتها المفضلة.

              معذرة أخي عبد الرحيم إن تجرّأت على نصك هذا ، ما كنت لأفعل لولا أنك كاتب محترف .

              أسلوب اليوميات أو السيرة من أصعب أساليب الكتابة ، و خاصة حين تريد أن تجعل منه قصة قصيرة .

              محبتي أيها الكاتب النبيل .
              مرحبا بك أخي نورالدين
              أشكرك على قراءتك النقدية الواعية والحصيفة، تنم عن رؤية ثاقبة، أحترم ما ورد في تعليقك.
              تلك الجملة المكتوبة بخط أحمر، لا أراها حشوا، بل هي لب النص، إنها العنصر الذي حفز السارد على القول، كونها تعبر عن رؤية مندمجة مع الحدث، فالأم لا ترى فرقا بين الشخصية المتخيلة والشخصية الواقعية، هما واحد بالنسبة لها طالما أنها تستعمل اللغة المحكية ذاتها، لقد لاحظت من خلال متابعتي للعديد من الشخصيات الواقعية، ومنها أمي، أنها لا تفرق بين الترجمة واللغة الأصلية، فما تقوله الشخصيات المتخيلة هو ما تقوله الشخصيات الواقعية، وبالتالي: تستنتج أنها منا، رغم أنها تشاهد الصليب المعلق على النحور. ومن غرائب الأمور، أن واحدة من عائلتي كانت تتزين وتتبرج في انتظار ظهور شخصية مسلسلها المفضل، تسعى إلى لفت انتباهه، والبين أنها امرأة تعيش فراغا عاطفيا جراء موت زوجها المبكر.
              لم أسع إلى كتابة يوميات، بل قصة، ولو وجدت ركنا يستقبل نصوصا من دون تجنيس لنشرت هذا النص في ذلك الركن، فقضية التجنيس غير واردة في حساباتي، أكتب نصوصا وأترك للقارئ حرية التصنيف، وأظن أن بورخيس كان يسمي نصوصه تقارير، وغير ذلك من التسميات غير القصة.
              اعذر إطالتي وهفواتي، فما كنت أريد إطالة، إذ لست كاتبا محترفا، أنا، فقط، هاوي حرف. والأهم، أنني أسوأ مدافع عن نصوصه.
              بوركت.
              مودتي

              تعليق

              • نورالدين لعوطار
                أديب وكاتب
                • 06-04-2016
                • 712

                #8
                جميل أخي عبد الرحيم

                أعجبتني مداخلتك جلّها ، و أظنك ترافع كما تكتب بشكل جيّد و أحبّ فيك هذا التواضع . ربما ماكتبت تعليقي البسيط إلا لإثارة ذوي الاختصاص ، و التفضل بما يفيد الجميع ، أنا لا ألوم النصّ و أومن أيضا أن الحياة بانورامية الأسلوب مهما حاولت منطقتها ، والإمساك بكل دقائقها ، و لو كانت غير ذلك لأمكن لبني الإنسان التحكم في مخرجاتها ، و لعل الإبداع أكثر بانورامية من غيره من الأعمال ، لكن تبقى لكل قارئ رؤيته الخاصّة وفق ما فهمه و وفق منظوره والزاوية التي ينظر منها للأشياء . بل أومن أن النص يملك زمام نفسه و ليست القراءة التي تعقبه ، و لا يوجد شخص سيعلّمك كيف تكتب ، و إن كان سيوجّهك إلى بعض التنقيحات البسيطة و بعض الأشياء التي قد تنال من النصّ ، أما مفاتيح النصّ الحقيقية فلا يملكها إلاّ كاتبها وكذا أسلوب الكتابة فهو يكاد يكون مختلفا من كاتب إلى آخر.
                ربما كانت مداخلتي كلّها اتجهت نحو الشّكل لا غير ، أمّا المضمون أو بالأحرى الفكرة فهي ملك الكاتب و من حقه أن يتناولها كيف يشاء ، و مهما حاول الذهاب بعيدا فلن يتجاوز التجربة الإنسانية و تظل الواقعية حاضرة حتى في نصوص الفاتازيا ، أنا لم أقصد أنك كتبت سيرة ذاتية أو يوميات بالضرورة ، لكن فنها البانورامي حاضر في النصّ ، فمثلا حدث سقوط المطر ليس له رابط حقيقي مع الحدث الرئيسي الذي يكاد يتمحور حول مشاهدة الأفلام المدبلجة ، الذي يندرج تحت لواء التعرف على الذات انطلاقا من الآخر ، كتفاعل بين الإنسان مع محيطه القريب أو البعيد و لم أتحدث هنا عن الدوافع " خسارة المرأة لزوجها" فدوافع التفاعل تختلف باختلاف الشخص ، هناك من سيشاهد مثلا للاطلاع على الموضة ، و هناك و هناك .

                لست أدري إن كنت عبرت عن فكرتي بشكل جيد .

                كلّ التقدير

                تحياتي .
                التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين لعوطار; الساعة 28-07-2016, 18:51.

                تعليق

                • عبدالرحيم التدلاوي
                  أديب وكاتب
                  • 18-09-2010
                  • 8473

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
                  جميل أخي عبد الرحيم

                  أعجبتني مداخلتك جلّها ، و أظنك ترافع كما تكتب بشكل جيّد و أحبّ فيك هذا التواضع . ربما ماكتبت تعليقي البسيط إلا لإثارة ذوي الاختصاص ، و التفضل بما يفيد الجميع ، أنا لا ألوم النصّ و أومن أيضا أن الحياة بانورامية الأسلوب مهما حاولت منطقتها ، والإمساك بكل دقائقها ، و لو كانت غير ذلك لأمكن لبني الإنسان التحكم في مخرجاتها ، و لعل الإبداع أكثر بانورامية من غيره من الأعمال ، لكن تبقى لكل قارئ رؤيته الخاصّة وفق ما فهمه و وفق منظوره والزاوية التي ينظر منها للأشياء . بل أومن أن النص يملك زمام نفسه و ليست القراءة التي تعقبه ، و لا يوجد شخص سيعلّمك كيف تكتب ، و إن كان سيوجّهك إلى بعض التنقيحات البسيطة و بعض الأشياء التي قد تنال من النصّ ، أما مفاتيح النصّ الحقيقية فلا يملكها إلاّ كاتبها وكذا أسلوب الكتابة فهو يكاد يكون مختلفا من كاتب إلى آخر.
                  ربما كانت مداخلتي كلّها اتجهت نحو الشّكل لا غير ، أمّا المضمون أو بالأحرى الفكرة فهي ملك الكاتب و من حقه أن يتناولها كيف يشاء ، و مهما حاول الذهاب بعيدا فلن يتجاوز التجربة الإنسانية و تظل الواقعية حاضرة حتى في نصوص الفاتازيا ، أنا لم أقصد أنك كتبت سيرة ذاتية أو يوميات بالضرورة ، لكن فنها البانورامي حاضر في النصّ ، فمثلا حدث سقوط المطر ليس له رابط حقيقي مع الحدث الرئيسي الذي يكاد يتمحور حول مشاهدة الأفلام المدبلجة ، الذي يندرج تحت لواء التعرف على الذات انطلاقا من الآخر ، كتفاعل بين الإنسان مع محيطه القريب أو البعيد و لم أتحدث هنا عن الدوافع " خسارة المرأة لزوجها" فدوافع التفاعل تختلف باختلاف الشخص ، هناك من سيشاهد مثلا للاطلاع على الموضة ، و هناك و هناك .

                  لست أدري إن كنت عبرت عن فكرتي بشكل جيد .

                  كلّ التقدير

                  تحياتي .
                  مرحبا بك أخي الكريم، نورالدين
                  أشكرك على كلماتك المشجعة.
                  فعلا، ينبغي أن يكون هناك تفاعل بناء يشارك فيه أصحاب الاختصاص، وجميع القراء كل بحسب اجتهاده، ولا ينبغي للكاتب أن يتدخل أو أن يشرح، فنصه صار مستقلا عنه، نسبيا. وما مداخلتك الجيدة إلا من أجل إثارة نقاش عميق ومفيد، وتسخين أطراف النقاش، في ظل برودة بينة، بيد أن المراد لم يتحقق، لنجد نفسينا في حوار ثنائي، أرجو أن تكون فيه مداخلاتي مفيدة.
                  أعود إلى الجملة التي ذكرت أن لا محل لها من الإعراب، لأقول لك إنها تتضافر والجملة السابقة في تعليقك الأول؛ إنها تروم تأكيد اندماج الشخصية في أجواء العوالم المتخيلة لدرجة أنها ترى واقعها في واقع المسلسل، وأن لا انفصال بينهما...
                  فالجملة جاءت لتقوية دلالة النص، وبالتالي فهي تدخل في نشيجه، لا يمكن القفز عليها.
                  أرجو أن أكون قد أوضحت موقفي، وبينت ترابط جمل وفقرات النص فيما بينها.
                  دمت بروعة.
                  ملاحظة: تعليقاتي بسيطة على نصوص غيري، لا أمتلك وسائل النقاش، أترك انطباعا، علما، أنني مقصر في حق نصوص الكثيرين، ومنها نصوصك، فمعذرة.
                  مودتي

                  تعليق

                  • عباس العكري
                    أديب وكاتب
                    • 07-07-2016
                    • 139

                    #10
                    جميل هذا.. والأجمل أنتما

                    تعليق

                    • عبدالرحيم التدلاوي
                      أديب وكاتب
                      • 18-09-2010
                      • 8473

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة عباس العكري مشاهدة المشاركة
                      جميل هذا.. والأجمل أنتما
                      بوركت أيها الأخ الجميل، سي عباس
                      شكرا لك
                      مودتي

                      تعليق

                      • حسن لشهب
                        أديب وكاتب
                        • 10-08-2014
                        • 654

                        #12
                        أسعدني أن أقرأ لك صديقي
                        استمتعت بقراءة نص كتب بسجية لا شك في أنها أضفت عليه قدرا كبيرا من التميز.
                        ممتع أنت سي عبد الرحيم

                        تعليق

                        • عبدالرحيم التدلاوي
                          أديب وكاتب
                          • 18-09-2010
                          • 8473

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة حسن لشهب مشاهدة المشاركة
                          أسعدني أن أقرأ لك صديقي
                          استمتعت بقراءة نص كتب بسجية لا شك في أنها أضفت عليه قدرا كبيرا من التميز.
                          ممتع أنت سي عبد الرحيم
                          اخي القاص البهي، سيدي حسن
                          أكرمك الله ورعاك.
                          شكرا لك على متابعاتك الداعمة، وعلى طيب إشادتك.
                          تقديري والمودة.

                          تعليق

                          يعمل...
                          X