اقتراف
لاشيء في ماضيك يا سيدي يلامس شغاف القلب. لم يكونوا تلامذة نجباء كما وصفتهم ولكنهم كانوا من أبناء أعيان القرية وبعض موظفيها الذين ببيتك تدعمهم في الحساب والصرف والتحويل وقواعد اللغة و... حتى إذا جئناك غدا صباحا تسألنا فيجيبون بسرعة وثقة كبيرة في النفس بينما نحن أبناء المزاليط لا ندري حتى عما تتحدثون.... وتدعي اليوم يا سيدي أنهم كانوا نجباء.... لا لا لا عفوا يا سيدي نحن النجباء الذين رغم سخائك في معاملتنا ضربا ورفسا واحتقارا وازدراء ورغم فقرنا وجهل آبائنا لغة فلوبير، تمكنا من الحصول على شواهد عليا بامتياز لم تحصل عليها أنت يوما. نحن النجباء الذين رغم فقرنا وزلطنا العريضين الواسعين العميقين استطعنا أن نصبح في مجالك أسيادا فدرسنا اللغة الفرنسية التي جعلتها في أدمغتنا الصغيرة شبحا يخيفنا وغولا لا نستطيع حتى الحديث عنه، فكيف نجرؤ على التحدث بلغته؟ ولكننا يا سيدي بفضل أناس أحسنوا معاملتنا صرنا للغة فيكتور هيكو وبالزاك وغيرهما متقنين. رحم الله أستاذي بالإعدادي الطيب النبيل ع .م وأستاذتي الرقيقة الطيبة المبدعة ش. لط. فلهما يرجع الفضل الكبير في كوني أستاذا للغة موليير عن جدارة واستحقاق منذ إثنين وثلاثين سنة خلت. فشكرا لهما لأنهما رفعا معي التحدي الغليظ لمن كان في ما مضى يفرض علي عضلاته المفتولة وأنا طفل صغير ويشبع يدي الصغيرتين ضربا مبرحا وهو يردد كلاما فيه من الإزدراء ما فيه وكأن الفرنسية خلقت له وحده وأن الأطفال من طينتي لم يخلقوا إلا للعمل في الحقول والمزارع والجري وراء قطعان الغنم منذ شروق الشمس حتى غروبها. عفوا سيدي لم تكن حصص الفرنسية بين يديك سوى سجنا مظلما وعذابا وإرهابا كانت خلالها الكلمة الفصل للعصا والصفع على الوجوه البريئة بيديك الغليظتين الضخمتين. ورغم فظاظة قلبك تجاهي وتجاه التلاميذ المنحدرين من نفس وسطي الإقتصادي والإجتماعي الذين لم تكن لهم الإمكانيات المادية للاستفادة من دروسك الخصوصية في بيتك مع أبناء أعيان القرية التي مازالت كدار لقمان على حالها. رغم هذا كله أحترمك وأقدرك لأن أبي الفقيه رحمة الله عليه علمني كيف أحترم من علمني ولو حرفا واحدا. لهذا أحترمك ففي اعتقاد أبي أنت علمتني حرفا واحدا وهذا صحيح. فلقد علمتني بعنفك وقساوتك كيف أتجاوزك وأتحداك علما ومعرفة بلغة أنت أول من كرهني أبجديتها. فلا تتشدق اليوم وتصرح أنهم كانوا نجباء. نحن النجباء لأنهم لم يحققوا ماحققناه نحن الذين - كما كنت تقول بفرنسيتك الباريزية الراقية كما كان يخيل إلي آنذاك- كان الزلط والفقر والقمل والبق والبرغوت ينخرون عظامنا. فشكرا لك كثيرا عميقا. ولك أن لا تغتراليوم بكلمات مدح تغدق عليك بها ثلة من الذين لا يتقنون سوى لغة الجسد وبعض الذين كانت تعفيهم دروسك الخصوصية في منزلك من لسعات العصا التي كانت تكوي جلودنا وتترك على أفخاذنا الصغيرة كدمات زرقاء تؤلمنا وتؤلمنا كلما طرحنا أجسادنا الصغيرة على الأرض ليلا طلبا لنوم يرفض زيارة أعيننا، فلا نشكوها لأحد إلا لخالقنا.
المصطفى العمري
المملكة المغربية
لاشيء في ماضيك يا سيدي يلامس شغاف القلب. لم يكونوا تلامذة نجباء كما وصفتهم ولكنهم كانوا من أبناء أعيان القرية وبعض موظفيها الذين ببيتك تدعمهم في الحساب والصرف والتحويل وقواعد اللغة و... حتى إذا جئناك غدا صباحا تسألنا فيجيبون بسرعة وثقة كبيرة في النفس بينما نحن أبناء المزاليط لا ندري حتى عما تتحدثون.... وتدعي اليوم يا سيدي أنهم كانوا نجباء.... لا لا لا عفوا يا سيدي نحن النجباء الذين رغم سخائك في معاملتنا ضربا ورفسا واحتقارا وازدراء ورغم فقرنا وجهل آبائنا لغة فلوبير، تمكنا من الحصول على شواهد عليا بامتياز لم تحصل عليها أنت يوما. نحن النجباء الذين رغم فقرنا وزلطنا العريضين الواسعين العميقين استطعنا أن نصبح في مجالك أسيادا فدرسنا اللغة الفرنسية التي جعلتها في أدمغتنا الصغيرة شبحا يخيفنا وغولا لا نستطيع حتى الحديث عنه، فكيف نجرؤ على التحدث بلغته؟ ولكننا يا سيدي بفضل أناس أحسنوا معاملتنا صرنا للغة فيكتور هيكو وبالزاك وغيرهما متقنين. رحم الله أستاذي بالإعدادي الطيب النبيل ع .م وأستاذتي الرقيقة الطيبة المبدعة ش. لط. فلهما يرجع الفضل الكبير في كوني أستاذا للغة موليير عن جدارة واستحقاق منذ إثنين وثلاثين سنة خلت. فشكرا لهما لأنهما رفعا معي التحدي الغليظ لمن كان في ما مضى يفرض علي عضلاته المفتولة وأنا طفل صغير ويشبع يدي الصغيرتين ضربا مبرحا وهو يردد كلاما فيه من الإزدراء ما فيه وكأن الفرنسية خلقت له وحده وأن الأطفال من طينتي لم يخلقوا إلا للعمل في الحقول والمزارع والجري وراء قطعان الغنم منذ شروق الشمس حتى غروبها. عفوا سيدي لم تكن حصص الفرنسية بين يديك سوى سجنا مظلما وعذابا وإرهابا كانت خلالها الكلمة الفصل للعصا والصفع على الوجوه البريئة بيديك الغليظتين الضخمتين. ورغم فظاظة قلبك تجاهي وتجاه التلاميذ المنحدرين من نفس وسطي الإقتصادي والإجتماعي الذين لم تكن لهم الإمكانيات المادية للاستفادة من دروسك الخصوصية في بيتك مع أبناء أعيان القرية التي مازالت كدار لقمان على حالها. رغم هذا كله أحترمك وأقدرك لأن أبي الفقيه رحمة الله عليه علمني كيف أحترم من علمني ولو حرفا واحدا. لهذا أحترمك ففي اعتقاد أبي أنت علمتني حرفا واحدا وهذا صحيح. فلقد علمتني بعنفك وقساوتك كيف أتجاوزك وأتحداك علما ومعرفة بلغة أنت أول من كرهني أبجديتها. فلا تتشدق اليوم وتصرح أنهم كانوا نجباء. نحن النجباء لأنهم لم يحققوا ماحققناه نحن الذين - كما كنت تقول بفرنسيتك الباريزية الراقية كما كان يخيل إلي آنذاك- كان الزلط والفقر والقمل والبق والبرغوت ينخرون عظامنا. فشكرا لك كثيرا عميقا. ولك أن لا تغتراليوم بكلمات مدح تغدق عليك بها ثلة من الذين لا يتقنون سوى لغة الجسد وبعض الذين كانت تعفيهم دروسك الخصوصية في منزلك من لسعات العصا التي كانت تكوي جلودنا وتترك على أفخاذنا الصغيرة كدمات زرقاء تؤلمنا وتؤلمنا كلما طرحنا أجسادنا الصغيرة على الأرض ليلا طلبا لنوم يرفض زيارة أعيننا، فلا نشكوها لأحد إلا لخالقنا.
المصطفى العمري
المملكة المغربية
تعليق