كنا مجموعة أفراد يعيشون في البيت نفسه لكن نادراً ما نجتمع سوية تحت سقف واحد، كل شخص منا مشغولاً بهمه، كل يوم ينقضي يشابه الذي سبقه بين مَن هم خارج البيت لأداء العمل أو مبحلق بصمت الأموات بشاشة التلفاز وجهاز النقال متابعاً لبرامج التواصل الاجتماعي. أنتهى الأن كل شيء بسبب نعمة الحرب التي قطعت التيار الكهربائي لينقطع معها الأنترنت وكل الوسائل التي تحول دون تجمع العائلة وتواصلها فيما بينها، ووضعت الكل على المحك فالطريقة الوحيدة للنجاة هي بتكاتف جهود الجميع لاجتياز المحنة. توضحت أبي ذلك الرجل الذي لم أتوقعه بيوم أن يكون رب العائلة المسؤول عن حمايتها وتوفير الطعام رغم ندرته وخطورة الحصول عليه, يعيش يومه الآن بقلق شديد وهو يبحث عن سبل نجاتنا من الموت, كنا نادراً ما نراه فهو قليل التواجد كثير المشاكل عصبي وحاد المزاج وبالأخص مع أمي التي كان يشتمها ويضربها احياناً لمطالبتها بتوفير مصاريف العائلة, يعمل نهاراً خارج البيت ويعود أواخر الليل مترنحاً لينام دون أن نعلم بوجوده, لا يهتم بأسرته ولم يعرف احتياجاتها, كأنني يتيمة لم أتذكر أخر مرة تبادلنا أطراف الحديث سوية مثل أي بنت مع والدها, حتى أني متيقنة كونه لم يكن يعلم لأي مرحلة دراسية قد وصلت. وأنا الوك الخبز بينهم لاح لي وجه أمي المتزينة بالألوان وكأنها أبنة العشرين تجلس بجانب والدي تتبادل معه ضحكات خجولة نابعة من همسات غزلٍ متبادلة, ذلك الوجه المتغضن الذي رسمت عليه فرشاة الزمن خطوط متعرجة تشبه الأنهار بالجبين وأسفل العينين, لم تضع المكياج على وجهها ولم أشم عطر أنوثتها بيوم, لا أعلم ما الحكم الذي أطلقه عليها باتت أماً حنون تشعر بانها ملاك لطيبتها وحنانها تجعلني أتسال هل من المعقول إن تكون هي نفسها الأم العصبية دائماً والقاسية التي كانت غالباً ما تضربنا لأتفه الأسباب, ربما لعدم اهتمامها بنفسها كانت كثيرة المشاكل مع والدي أو لعدم الاتفاق بالآراء بينهم جعلها تهمل نفسها لتصبح كما هي الأن, كيف أصبحت تهتم لأمر الجميع تأخذني فجراً نجوب شوارع المدينة لجمع الأخشاب المختلفة لعمل الخبز وتوفير الطعام للأسرة. تحوصت أختي آمنة تتناول الخبز وتتحدث مع أخي الأكبر عثمان لا تفارق وجهها الابتسامة كيف صارت محبوبة وودودة بعد إن أصبحنا نقضي اليوم بطوله سوية، وأمست تملك الكثير من المال بعد أن أخذت تخيط الملابس للجيران مقابل النقود بعد انقطاعها عن الدوام بسبب الحرب، حتى أخبرتني مؤخراً بانها ستوفر ما تحتاجه بنفسها وتترك أساليبها المشبوهة وطرقها الملتوية لتوفير المال لشراء الملابس المواكبة للموضة وتقتني أغلى العطور وغيرها من مطالب الحياة الجامعة. كم كانت حاقدة على الجميع متجهمة الوجه دائماً ولا تحدث احداً ابداً، تذكرتها عندما كانت تطالب بالنقود البسيطة التي تحتاجها من أجل طباعة الكتب وأجور النقل ولم يستمع لمطالبها أحد حتى أنتهى بها المطاف للانحراف، وهي البنت التي تشبه زهرة بيضاء بدأت تتفتح لتبوح بجمالها للأخرين. لمحت أخي وهو يلوك التمر بصمت كيف أصبح مسؤولاً عن توفير الطعام للعائلة، بعد ذهابه للسوق مع والدي رغم خطورة القصف أو الخطف، لشراء أكياس الطحين بأثمان باهظة بكل النقود التي جمعها طوال سنوات عمله الماضية في البلدية صباحاً وحارس مولدة الحي مساءً، بقصد الزواج من خطيبته أبنة خالتي التي لم توافق على خطبتها إلا بمهرٍ كبير، منذ ذلك اليوم تحول لشخص أناني لا يهمه أحد وهمه الوحيد كان جمع المال وكيفية اكتنازه. وقعت عيني على جيهان أخر العنقود والتي كانت حصتها قرصي خبز مع كمية تمر مضاعفة من أجل اكتمال النمو، أعتقد بانها الوحيدة سعيدة الحظ بين افراد العائلة كونها البنت المدللة حتى أنها حصلت على جميع مستلزمات الدراسة من ملابس وحقيبة وقرطاسية كاملة قبل عام من دخولها المدرسة. رغم كل الخوف والمعاناة أتمنى أن تستمر الحرب إلى ما لا نهاية، بأيامها فقط شعرت بطعم الألفة والمحبة بين الأهل وأحسست بأني جزء من عائلة مترابطة تخاف على حياتي وتحميني من طائر الموت المحلق فوق الرؤوس باستمرار، وجدتها قد غيرت نمط تفكير الجميع في طريقة عيش الحياة. ما إن تناولنا وجبتنا البسيطة، عاد القصف من جديد فتوجهنا للحديقة لنقضي ليلتنا بحفرة على شكل شق طولي أشبه بالمقبرة الجماعية حفرها أبي بمساعدة أخي يسمونها الملجأ هرباً من القصف العشوائي الذي يطال الابرياء وهم نيّام، وتأخر الأبوان عن اللحاق بنا بحجة تحضير مستلزمات الطعام ليوم غد.
................................................ فراس عبد الحسين