في العمق الأسود من غابات إفريقيا الوسطى ،استوطنت عشيرة" النيجروز" ذو البشرة السوداء الكالحة شعاب "آيدن" ذات السلاسل التلالية الناتئة في أعماق سهل "كرافورث "الأخضر، والممتد جنوباً قرب ضفة النهر الأزرق ،حيث تُخيم العشيرة في معسكرها بقية فصول السنة، قبل هجرتها بحثاً عن الماء والطعام كسائر الحيوانات التي تهرب من الجفاف والجدب الذي يصيب الغابات بداية من حلول تموز .وبعد نفاذ مخزون الطعام يُسارع رجال العشيرة إلى إختيار الزعيم قُبيل رحلة الصيد ، خلفاً للزعيم السابق الذي غالباً ما تكون بقايا أحشائه تسكُن أمعاء الوحوش والمفترسات ...حيثُ تُقام المهرجانات السنوية ويعمد السيد الكاهن إلى سبغ وجهه بطلاء أحمر قاني، ووضع تاج فوق رأسه المسبغ بالحنة والمؤلف من ريش الأوز وقرون الخنازير ...ثم يشرع الكاهن العجوز ذو الجسد النحيل الذي يشبه الأراجوز إلى إجراء طقوس الإختيار ،عن طريق إشعال النار والدخان وابتلاع جمرات الحصى ،والقيام بحركات بهلوانية، وتقليد أصوات الحيوانات ،خاصة القردة ،والنسانيس من أجل إستحضار أرواح الأجداد والأبطال الأفذاذ الذين أثروا المقام الطويل في أمعاء الوحوش والمفترسات، فصارت أصواتهم بين جشاء وضراط ، ثم يشرع السيد الكاهن في أشعال النار والسير على الجمر برفقة النساء اللاتى أخذن في الصراخ والغناء ، فيما انكفأ الرجال على الجلوس في وضعية القرفصاء على شكل دائرة وتدخين الماريجوانا المقدسة ، بناء على أوامر المشعوذ العجوز ، وسرعان ما تهب الرياح تحمل أصوات الأجداد وتشتعل الماريجوانا ، ويتكاثف الدخان ،فيتقاطر الأبطال ، جماعات داخل ضبابة كثيفة قد ألقت ظلالها فوق تخوم المعسكر ، وسرعان ما تهبط الأطياف والأشباح وهم يتقلدون رماحهم وعصيهم ،وقد بُترت أعضائهم وجدعت أنوفهم ،أشلاء الأجداد تتحرك بينهم وتحثهم على القتال والفخر والزهو بأمجادهم كونهم من سلالة الفايكنج ، حيث تنتظرهم جنة "فالهالا" ، برفقة الأساطير ..ثم يعمد الكاهن إلى مكافئة الزعيم الجديد بعذراء فاتنة تضارع عتمة الليل في ظلمته وفحمته .. وبعد أن ينتهى فتيان العشيرة من تدخين الحشيش والماريجوانا يهربون جماعات إلى الكهوف خوفاً من طقوس الأختيار ،ويتذرعون تارة بالمرض ، الحماقة ،والجنون ...ومنهم من يقطع أصابعه حتى يُرفع عنه تكليف الأختيار ،وبعد أن يتم أختيار الزعيم مكرهاً ،يظل طيلة الليل يرى الكوابيس المفزعة فيصرخ ويستغيث ..؟فلم يكن تقليد الزعامة مأثرة أو مندوحة تدعو للزهو أو الفخر ليستطيل بها على أبناء جلدته ..بل كان تقليداً للوقوف على عتبة الموت ،وليس الموت النظيف الهاديء ،بل الموت البطيء على إيقاع الخوف والرعب بين أنياب المفترسات ومخالبهم الناشبة في مسام الجسد ..وفي الصباح يخرج الزعيم متمترساً متقلداً حربته يتقدم رفاقه في رحلة قد تتجاوز ثلاثة أيام طلباً للصيد إذا ندر وجوده ..حتى تنفذ مؤن الماء والطعام ، فيتضوروا جوعاً ليأكلون الحشرات والقشريات ويمتصون سوائلها ،ويلوكون ألياف الأعشاب الندية لترطيب أفواههم ..وقد يسقط بعضهم من سوء حظه فريسة للضباع التي تسومه سوء العذاب قبل قتله .. ثم تمضي الأيام وأعدادهم في تناقص ،بحثاً عن القطعان البرية للجاموس أو الحمار الوحشي أو الفيلة ..وينتظرون قدوم المفترسات ،حيث يكمنون خلف الأعشاب الطويلة ذات الحسك المدبب ، يكتمون أنفاسهم المخنوقة ويعتقلون كل همسة شاردة أو واردة ..وسرعان ما تتقاطر الأسود خلف شجيرات الكرز اليابسة ، ثم ينقضوا بلا رحمة خلف قطيع الحمار الوحشي ،الذي أطلق ساقيه للرياح ،وبعد كر وفر سقطت إحدى الفرائس الضعيفة خاصة الأناث بين أشداق الأسود الذين تقاطروا على الفريسة الحية يمزقونها إربا ،ويرتشفون دمائها القانية الساخنة ،ويغرزون أنيابهم الحادة ،يكشطون اللحم والدهن، ويقصفون العظام لساعات حتى تمتلىء بطونهم، وتثقل أمعائهم ، ثم يجدها الزعيم فرصة سانحة ،بعدما ثقلت أمعاء الأسود،فأشار إلى الرجال الذين تحركوا على الفور وأشهروا الحراب والمناجل ، فارتعدت الأسود ،وتراجعت خلف الأشجار .. ثم أخرج الزعيم سكينه الحاد وشرع في كشط اللحم عن العظام ،ودسها في جرابه المعقود على عاتقه ،وكذلك عمد رفاقه إلى حمل الجزء الأكبر من الفريسة وترك القليل ،..تحركت غريزة الأسد وهو يشاهد لص يسلبه صيده بعد عناء امضاه في مطاردة فريسته ،فأطلق صيحة الغضب ووثب إليهما ..نظروا إلى زعيمهم كأنهم يقولون : حان دورك يا زعيم ، الذي بادر بمواجهة الأسد ،وعمل على الهائه، حتى اشتبك في عراك مع الأسد ،إلى أن تمكن رفاقه من الخروج من دائرة الخطر، وظل هو في دائرة الهلاك ،ينتظر الموت بعدما تقاطر الأسود حوله وزائيرهما يزلزل الغابة.
اللحم والدماء
تقليص
X
-
قرأتها بعنايـة يا صديقي ، وأكثـر من مرة ..
هى قصة مشهديـة ..تعتمد على السرد ..
الجمل الاخيـرة في القصة " حول الزعيم ، ورجاله وتركـه وحيدا في مواجهة الوحوش " جعلتني أظن انها بها إسقاطا ما " حاولت إستنطاق الحرف بناء عليه " ولكني عجزت عن إخراجـه "
ففي " منتصف السرد "نوهت أن هذا المنصب " لا أحد يرغب فيـه " ولا يسعى اليـه " نظرا لما يلحقه من مخاطر ..
فـ أصبحت القصة " هى ما لدينا هنا الان " وأن كنت أرى أنها " تحتاج شيءمن الاختزال "
اشكرك صديقي "الاديب الجميل " أحمد فريد
على القصة ..
ودمت يا صديقي بكل خيـر .
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة عزت فوزي أحمد الحجار مشاهدة المشاركةصديقي العزيز أحمد فريد
كم كنت قاس على هذا الإنسان المكره على الزعامة ، أرى أنك تداعب حقيقة الواقع ، فكم تتراكم الجثث من أجل الزعامة ، توصيفك للمشهد اكثر من رائع والنهاية كانت حتمية ... تحياتي لك ولأحرفك الرقيقة
لقد أضفى مرورك الألق مزيداً من الجمال على نصي المتواضع
لاحرمننا اطلالتك على الدوااااااام
تحية خاصة ..وشكر عميقالحمد لله كما ينبغي
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة أحمدخيرى مشاهدة المشاركةقرأتها بعنايـة يا صديقي ، وأكثـر من مرة ..
هى قصة مشهديـة ..تعتمد على السرد ..
الجمل الاخيـرة في القصة " حول الزعيم ، ورجاله وتركـه وحيدا في مواجهة الوحوش " جعلتني أظن انها بها إسقاطا ما " حاولت إستنطاق الحرف بناء عليه " ولكني عجزت عن إخراجـه "
ففي " منتصف السرد "نوهت أن هذا المنصب " لا أحد يرغب فيـه " ولا يسعى اليـه " نظرا لما يلحقه من مخاطر ..
فـ أصبحت القصة " هى ما لدينا هنا الان " وأن كنت أرى أنها " تحتاج شيءمن الاختزال "
اشكرك صديقي "الاديب الجميل " أحمد فريد
على القصة ..
ودمت يا صديقي بكل خيـر .
الشكر موصول لإطلالة حضرتك أ.خيري
وجود قامة أدبية وفكرية مثل حضرتك ،يمنح النصوص شرعية الوجود
شكراً لك صديقي الجميلالحمد لله كما ينبغي
تعليق
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 191186. الأعضاء 6 والزوار 191180.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق