حين يبسط القدر إرادته

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سيد يوسف مرسى
    أديب وكاتب
    • 26-02-2013
    • 1333

    حين يبسط القدر إرادته

    قصة قصيرة
    حين يبسط القدر إرادته

    خرجت تقتل النهار وهو الذي يقتلها ،يمزقها يعصر مهجتها يطحن الأحشاء ،كما يُطحن البرُ بين فكي الرحى ،تسعي تستنجد ربُما ...! ،أن تمتد يد إليها ٍ بقليل من فتات أو ثوبٍ كاد نسيجه ينبري وينسل ،لقيمات أو دراهم معدودات ، نظرة عطفٍ أو ابتسامة تعلو فوق الشفاه تزيح الجوي ،حوصرت من جميع الأركان وتكالبت الظروف عليها ، تقبع بين جدرانها المقيتة والفقر سجانها ، كبلها العرف فتقيدت بحباله الهزيلة ، امرأة في العقد الثالث ، تصارع وتركب أسنام الموج ، بحرها متلاطم وفي الحياة بلا عائل ولا سند اللهم كالطير الغريب في سماء البسيطة ،لم يمض علي زواجها ستة أشهر فلم تهنئ بزواج أو تسعد كما يسعد الآخرين ، السعادة لديها لا تعرف لها طريق محكوم عليها بالإعدام إن وطأت لها باب قبل أن تولد فيها الحياة ، فالزوج خرج ولم ولن يعود حكمة القدر المحتوم في كتابة المكنون فرحل عنها تاركاً جنينه في بطنها ، القدر يبسط إرادته ولا محل للإعراب ، تمتد شهور الحمل ويزداد العناء وترتفع البطن وتتضخم ، وينهك الجسد وتضطرب الأنفاس وتتلاحق ، فلا توجد رعاية أو عناية أو اهتمام لمثلها ، وكيف ومن أين تأتيها الرعاية ؟ فلا طعام ولا شراب أنها لقيمات تأتيها علي حين غرة لا تدوم وليس لها معاد والهم يفتت الصخور ،آه لو كانت لوحدها لكان الأمر أيسر بعض الشيء ، لكن الله قدر وقدره نافذ
    *****
    مالك يا فاطمة ..! ما بى شيء يا أماه ، لقد جعت يا بنيتي وأحس بدوخة تلف رأسي ، أصبري يا أمي عسي أن يأتي فرج الله وفرج الله قريب ، وما ذا أفعل يا أمي ؟ إلا تسمعين الولد وبكاءه حتى اللبن قد جف من ضرعي وسيموت من الجوع . يا أمي مثلنا ميت وقبل أن نولد نموت ، رحمتك يا رب ، قالت الأم : يا بنيتي غاب البصر عني كما ترين وأظلمت الدنيا في وجهي فلم أستطيع الخروج كما كنت ، لا يا أمي لن أتركك حتى لومتنا من الجوع مادامت الناس خلت من قلوبها الرحمة ، الأم : أجلسيني علي الباب أو اذهبي بي علي قارعة الطريق واتركيني عسي أن يأتي متصدق ابن حلال ،قالت : فمن يأتي المتصدق في هذا الوقت المتأخر يا أمي ؟ لا عليك بنيتي أجلسنني ،سأقف معك يا أمي عسي أن يمر بنا من يحمل قلبه شفقة ، مضت الدقائق ساعات كالجبال ينتظرن الآتي وكلما مر من أمامهما ماراً اشتدت بهما اللهفة ويتطلعان إليه ولا يقويان علي السؤال ،حتى إذا مضي عنهما وفارقهما توسلا في خبي بتهما أن يعود مرتداً للوراء أو يلف جسده وينظرهما بعينيه ، الفضول يعبأهما أملاً ،من سيضع في يد إحداهما شيئاً يقتلن به خواء البطون ، أو يسترن به جسد عَرِي ، وماذا بعد يا أمي جعت أكثر منك أكاد أموت ؟،أحس أن قلبي يكاد يسقط مني ، أذهبي بنيتي ودق علي باب جارنا عسي أن يكون من المتصدقين ، ويهديه الله علي الإحسان قولي له يا فاطمة أننا نموت من الجوع لا تستحي وافعلي ، سأقول يا أمي وأذهب وما أمري إلا إلي الله وهو خير الرازقين ،
    استجاب الله لهما ونالاً بعضاً من أرغفة وطحين ، وكان ذلك بمثابة عيد لهما ، أكلا وشربا وحمدا الله ورضع الطفل ونام ، ووضعا رأسيهما يدعوان الله بالفرج ،

    ******

    كانت أخر لقيمات دخلت بطونهن ونفاذ مخزون ما جاء من فيض الله ، فلا استطاعة ولا قدرة للعمل فقد كانت خالية واليوم تحمل طفلاً جنيناً بين يديها والأم فاقدة للبصر ، من يعرفونها كأنهم أحجموا عنهما ، أو نسيهم أو قلوبهم غفلة عنهم والسؤال منهما
    يبدو ثقيلاً ، فليخرجن بعيداً عما يعرفون . لقد أمضيا الليل يرقبان النجم وهو يطلع ثم ينزوي ويغيب ،والثواني التي لا يعرفون لها قدراً كالجبل العتيد ،سيخرجون يذهبون لكن إلي أين المراد ؟ فهم لا يعرفون كأنها بداية التمرد علي هذه الجدران ، أنها نظرة سبحت خارج القضبان فالأرض كلها لله وخزائنه وسعت كل الأرض والسموات فلماذا لا يسعيان يطلبان الرزق والنجدة بعيداً عن تلك الديار ، الأمر مرهون بالهمة والسواعد والقدرة علي المشي ،
    الشمس تنبت من مشرقها وتسبح في كبد السماء وترتفع رويداً رويداً حرارتها ، يلتمسان الظل تحت الأشجار المنبثقة علي جانبي الطريق ، يؤويان فإذا أحسا ببعض القدرة وقفت فاطمة تحمل وليدها وتحاول ستره من أشعة الشمس الحارقة ، تنهض الأم الضريرة ممدة يدها لتتعلق بزراع فاطمة ، وتتلظي الأقدام من قيظ الثري الحارق الطريق كان ممتداً وطويل ،لا ينتعلان في قدميهما نعلاً ، كانا يتطلعان لأي مار يسألانه الحاجة ، فإذا أدرك وهب وإن لم يدرك نظر ومضي دون أن يعبأ بهما ،
    ******
    أخذ العناء والتعب منهم مأخذا وضاقت عليهم الدنيا بما رحبت ، كانت الدنيا غليظة عليهما وكأنها تطحنهما بين فكي رحاها طحناً
    تحت جدار بيت هلت من فوق سوره أغصان شجرة لتظلل حيزاً تحت الجدار لجأن وهم يهويان كالعود الهش وهو يرتطم بالتراب ساقطاً ، سال خرير الدموع الذي ما ود أن ينقطع وكانت لحظة ضيق وكربة ، رفعا أكفهما إلي السماء ضارعين إلي رب السماء
    وطال الدعاء في قيظ الصهد والطريق الفقير حتى جف نهر الدموع لكليهما وتوقف القطرات وتحجرت المآقي ورمدت العيون وكادت تغشي عن الرؤية ً، قسماً هن غارقتان في بحر الهموم و ضيف يجلس بجانبهم يعطي ظهره للجدار يؤاخيهم مجلسهم ويشاركهم ظلهم يمد يده بصرة وهو يقول : لا تحزنا ولا تجزعا خذوا هذه عني فإنها كانت مصدر شقاء للكثير وخفت أن أشقي بها ،فلكما حلال عليكما فقد تكون مصدر سعادة لكما ونجاة لنا من النار
    أذهباً هذه منة من الله لكما قد كنت أخشي ألا أجدكما فيخيب مطلبي
    بقلم الكاتب / سيد يوسف مرسي
    التعديل الأخير تم بواسطة سيد يوسف مرسى; الساعة 02-10-2016, 16:26.









  • سيد يوسف مرسى
    أديب وكاتب
    • 26-02-2013
    • 1333

    #2









    تعليق

    يعمل...
    X