في حضرة أخي الحمار

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سيد يوسف مرسى
    أديب وكاتب
    • 26-02-2013
    • 1333

    في حضرة أخي الحمار

    درس في حضرة الحمار
    بسطت الظروف إرادتها واجتمع الحمار مع الجمل ، يجمعهما أمر واحد لا يستغنيان عنه بعدما اشتد الجوع عليهما وسرى الهزل والإعياء على جسديهما والقى الجمل رقبته مستسلما كأنه ينظرشبح الموت يقترب ،والذباب يطوف حولهما ويسقط عليهما كأنه ينتظر وليمة قادمة ، قال الجمل للحمار: وهو يرى الحمار كلما هبّ للوقوف على قوائمه انكب على منخاره لا تساعده قواه ولا سواعده من شدة ما ألم به من جوع وما سرى إلى جسده من هزال ،
    سنكونا ن طعاما ووجبة هنيه للكلاب الضالة والطيور الجارحة وسيشفي غليله فينا أقوام الذباب فلا يتبقى منا غير العظام لو ظللنا على هذا الحال ،ألا توجد لديك فكرة أو طريقة أو
    وسيلة نستطيع أن ننجو بها من الهلاك ؟ أليس لديك عقلاً في رأسك تفكر به ؟
    قال الحمار : يا صاحبي تعلم جيداً أنني أقرب الناس إليك وتجاورني عن قرب وعشنا سوياً معا وحملنا على ظهورنا معا ، وتعرف قدرتي في التفكير ، فما أنا بمثلك ولا ليّ عقل يوازي عقلك لذلك أعذرني ، فالجميع ينعتوني بالغباء حتى أن الناس إذا تضايق واحداً من الأخر وأراد أن يناديه أو يسبه شبهه بى وكناه باسمي ونادي عليه بالحمار ،حتى إذا أردت أن أتكلم أنكروا صوتي لقبحه وأسكتوني قبل أن أكمل ما أريد وما أود قوله لهم ،
    قال الجمل : لا عليك لن يسمعك أحداً من الناس غيري ففكر وحاول أن تجد طريقاً ننجو من هذا الهلاك وننجو بها من الموت ، قال الحمار : الأمر لله سأحاول وعليك أن تفكر مثلي فإذا وجدت حلاً أسرع به علينا ولا تنتظر مني شيئاً ، فالأمر بالغ الخطورة والزمن يمر والبطون فينا توحشت وكدنا نكون ونصبح في عداد الأموات ،
    ******
    مرت الثواني جبال وتراكمت الساعات على ظهرا الحمار والجمل ولم يجد حلا أو وسيلة ، وعلى حين غرة مد الحمار رقبته على الأرض مسبلاً أجفان عينيه خشية الذباب ، وهمهم على الوثوب بغية الاقتراب أكثر من الجمل ،وكأنه وصل إلى فكرة جيده أو حلا ينجوان من خلالهما ،وبقدرة قادر استطاع الحمار أن يقترب بعض الشيء من أذن الجمل كأنه يود أن يهامسه أو يزف إليه بشرى ، رفع الجمل جفن عينيه لمَ أحس بحركة الحمار وتقربه إليه وهو يحاول أن يدنوه إلى أذنيه ،قال الحمار : وهو يظهر ابتسامة على شفتيه ، أرفع رأسك أيها العظيم لقد وجدت لك حلا ً ، رفع الجمل رقبته الطويلة وأصغى للحمار وهو يتكلم ويقول : سأحاول أن أساعدك على النهوض ونسير بقدر الاستطاعة حتى نفارق هذا المكان اللعين ، سنسعى بقدر استطاعتنا ونفارق هذا المكان عسي أن نجدا في الأرض مرعاً أو كلأ فنملئ بطوننا بعد الخواء منه ونبتعد عن خطر الموت والهلاك ،قال الجمل : يا أيها الغبي لو في قدرتي استطاعة أن أقوم ما ظللت في مكاني هكذا ، قال الحمار سوف أساعدك بكل قوتي : نظر الجمل إليه مستغرباً من فكر الحمار ومندهشاً منه ،لكن يبدو أن الفكرة قد راقت للجمل وبدأت تسري في وجدانه وعقله ، فتبسم للحمار مظهراً له القبول بالفكرة وكأنه على مضض من قبولها ، أخذ الحمار وعض في زيل الجمل من الخلف كأنه يدفعه إلى النهوض ويساعده ، وكلما ود الجمل النهوض عاد للأرض هاويا من الهزل والضعف ، ومرات بعد مرات كتب للجمل الوقوف على أرجله وقوائمه وكاد يغشي عليه ويسقط على الأرض وهو يتمالك نفسه والحمار يشجعه ، حتى كتبَ لهما الحركة وبدأت تدب أقدامهما على الأرض ، والحمار يمش خلف العظيم المتهالك يؤازره ويشجعه ،
    *****
    هناك لاح لهما الأمل بعد خطوات ثقيلة وعناء شديد لقيآه في رحلة البحث المضني على الطعام .
    ظهر رجلاً في باحة الطريق يلوح ويصرح ويصرخ وهو ينادي عليهما في تلهف كأنه يستنجد بهما ،

    نظر الجمل إلى الحمار بعدما وضحت الصورة أكثر وقال للحمار : ويحك ما ذا يريد هذا الفلاح منا ونحن لا نقويان على السير لا على الحمل : أن البشر لا يرحمون ولا يدركون ولا يحسون حتى معاناة بعضهم البعض ، فكيف بهذا الفلاح أن يلقي علينا بأثقاله على ظهرنا هذا المكدس بجانبه ، ألا يجدر به أن يطعمنا أولاً ...! ثم يحمل ما أراد ،اقترب الفلاح منهما وقال لهما : لي خدمة وودي أن لا ترفضانها ، فقد طال مكثي وانتظاري على ما يحملني ويعينني على العودة بمحصولي إلى الدار ، وها قد وجدتكما وقد جئتما لنا ببركة الدعاء ولكما الأجر والصواب ، ولكما علينا إطعامكما حتى تشبعان وسنقدم لكما وجبة هنيه من الحبوب والتبن والعشب الأخضر ،نظر الحمار ناحية كومة التبن وكأنه استعجل الطعام قبل أن يقدم له فتلقي ركلة من قدم الفلاح وضربة على مؤخرته ، وكاد الجمل أن يلقي نفس المصير لولا أنه تجلد بالصبر واحتشم بالرغم من جوعه المفرط ،قدم الفلاح لهما الطعام فما أن شبعا وعرف الفلاح ذلك منها أتي بدن فيه ماء فشربا وارتويا وعادت إليهما الحيوية ودبت الحياة فيهما ، وساقهما الفلاح ليلقي على ظهرهما محصوله فبدأ بالجمل أولاً وراح يرص فوق ظهره ويكدس حتى لم يتبق من المحصول إلا جوالاً معبأ بالحبوب ، قال الفلاح : هذا من نصيب الحمار ، وسمع الحمار ما قاله الفلاح وانتظر وهو ينظر بعينيه إلى الجوال ويقدره ويقدر قدرته على حمله ، فما أن وضعه الفلاح فوق ظهره حتى انتحت وناخت قوائمه وخارت قواه وغرس الحمار حافره في الأرض وهز جسمه والقى ما على ظهره بالأرض ، وكلما حاول الفلاح أن يضع الجوال على ظهره أظهر الحمار المكر بعدم القدرة وانحنى بقوائمه الخلفية مرتعشاً ليسقط ما على ظهره والجمل يراقب ما يدور بين الحمار والفلاح ، فلما يئس الفلاح من الحمار شد على الجمل وألقى بالجوال على ظهره ، فلما زادت الحمولة على طاقة الجمل دمعت عيناه ومن شدة خشيته من الفلاح والخوف من الملامة ، ولم يظهر ضجراً ، فنظر الجمل إلى وهو يتألم فوجد على وجه الحمار البسمة ، هنا قال الحمار: مالي أرى عيناك تدمعان ؟ كأنك تبكي ، قال الجمل : أبكي على حظي الذي أوقعني مع مثلك صح من قال : أتقي مكر الحمار ..!

    بقلم الكاتب // سيد يوسف مرسي
    التعديل الأخير تم بواسطة سيد يوسف مرسى; الساعة 29-06-2017, 07:01.









يعمل...
X