" إنَّها الجمعة "

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    " إنَّها الجمعة "

    ( معاناة في طي الكتمان )


    - " إنَّها الجمعة " .
    ( يُجِيبُه أَحد الأبناء )
    يومٌ كبيرٌ هذا الذي يَنْتَظِرُهُ ، قَرَأَ عُنْوَانَهُ مِن صَبِيحَتِهِ ؛ يُلَمِّحُ إلى القَرِينَةِ التي خَنَقَتْهُ البَارِحَةَ وكادَتْ تَقْتلُُهُ ، فتَوجَّسَ خِيفَةً خاصّة وأنَّهُ تَرَكَها في حالةٍ لا تَبْعثُ على الطُمَأْنِينَةِ ، دخلت في الإنعَْاشِ :
    - " هل كانت تَحْتَضِرْ ؟ "
    كيْفَ يَعْرِفُ وهو لم يَتَعَرَّض في حَيَاتِهِ لحاَلاتٍ مُشَابِهَةٍ ، تَعْتَرِيهِ الهَواجِسَ لِتُنْهِكَ ما تَبَقَّى من قُوَّةٍ ، لم يكن باسْتِطاعَتِهِ فِعْلَ أيِّ شيءٍ ، وغادر المستشفى ، مُسْرِعًا ، كأنَّما يبْحَثُ عن شخصٍ ما يُخلِّصهُ من الشُّعُورِ الْمُضْنِي ، يتَمنَّى لو يَتَحَوَّلُ إلى حَجَرٍ أَصَمٍّ ، كالذي يُتَشَكَِّلُ منهُ مَبْنى المستشفى ، وجُدْرانِهِ الصَّامِتَةِ ، التي لا تَكْتَرِثُ بالمشَاعِرِ ، ولا لانْشِغالِ الزَّوّارِ بمُعَاناةِ أقَارِبِهِم الْمَرْضَى ، وطاقِمِهِ الْمُجَرَّدِ من كافَّةِ العَواطِفِ ، بزَيِّهِ الجَامِدِ ، وألْوانِهِ المُوَحَّدَةِ ، وبكُثْرَةِ اِنضِبَاطِ أفرادِهِ ، الذين لا يَتَنَازَلُون على دقيقةٍ واحدةٍ من أوقاتهِم ، لفائِدَةِ المَرْضَى المحْرُومِين ، ولا يلتفِتُون إليهم بعد خَلْعِ المِئْزَرِ ، عادَ إليْها ، وفي يَدِهِ قارُورَة عَسَلِ صَغِيرَةٍ ، تَحْمِلُ مَاركَةٍ سَعُودِيَّةٍ ، استَدَانَها من أَحَدِ المَحَلَّاتِ البَعِيدَةِ ، والتي تُوجَدُ على بُعدِ أميالٍ من المدينَةِ ;تَمْتَمَ فيها بِشيء من القرآن ، وبعض الآياتِ من السُورِ التي يَحفَظُها ، ثمَّ ساعَدَها على رشْفِها ، كما كان يفعلُ ذلك عندما كان يُرقِي المَسَاجِين ، لا يزالُ يَحمِلُ ذاتَ الاعتِقادِ ، وأنَّهُ عبْدٌ صَالِحٌ ومُسْتَجَاب الدَّعْوَةِ ، وبينما كان يجِدُ فيه البعض راحةً لهم ، يُقابِلُه آخرون ، كالحارِسِ ومن جاوَرَهُ من المقَرَّبين ، بتَهكُّمٍ وسُخرِيةٍ ، تلك هي السَّذَاجَةِ التي جعلتهُ يَدخُلُ السِّجنَ ، بلا دليلٍ مُقنِعٍ ، وبدونِ مُقَاوَمَةٍ ، حتى أن الجَمِيع ، بمن فيهم أفرادُ عائلَتِهِ ، لم يَستَأنِسوا كثيرًا للمُِبرِّرات التي كان يتَحَجَّجُ بها أثناء التَّحقِيقِ ، يخالِف آراء الجميع ، كما خالف هذه المرَّةِ رأيَ الطبيبِ ، والمُمرِّضةِ التي منَعَتهُ في البِدايةِ ، لتَغُضَّ عنهُ الطَّرَفَ ، بعدما يَئِسَت من إِقنَاعِهِ بِضرورةِ احتِرامِ النِّظامِ الدَّاخِلِيِّ ، واستَسلَمَت لَهُ ، كما استسلمت أمُّهُ ويئس جميع من في الصّالةِ من تَمَاثُلِها للشِّفاءِ ، في غياب دواءٍ فعَّالٍ ومناسبٍ ، يعيد لها الأملَ .
    استبدَّ بها المرضُ ، وتدهورَ حالُها ، وزادَ الألمُ ، فاعْتَقَدَ كلُّ من كان حاضِرًا ، أنها تَحْتَضِرُ ؛عندها ؛ صَدَرَت الأوامِرُ ، وصاحتْ فيهم المُمَرِّضَةُ تُطْلُبُ النَّجْدَةَ ،وتَأمُرُهُم بِإخْلاءِ القاعةِ ، الشَّمسُ تدْنُو للْمَغِيبِ وتَنْسَحِبُ من الْمَشْهَدِ ، فَيَنْحَنِيَ ويُقَبِّلُ الجَبِينَ الذي يَصْنَعُ الشَّفَقَ ، يودّعَ صاحِبة الوجهِ الشَّاحبِ والعَينْينِ الْمُتَستِّرَتَيْن خَلفَهُ ، المُشَيَّعتيْنِ بالخُضْرَةِ والصُّفْرةِ ، مُسَمِّرة تَرْقُبُ السَّماءَ ، تسْتعجِلُ الرَّحيلَ ، تنتظِرُ الأجَلَ ؟
    التُبِسَ به الحالُ ، تعقّدتْ أمورُهُ وتشابكتْ ، لم يعد يفرّق بين الأوقاتِ والمواعيدِ : متى سيعود إلى أطفالهِ الأبرياءِ ، وقد تركهم بدونِ مأْوى ولا غِذاءٍ ؟
    قُرِعَ البابُ ، يُرافِقُه صَوتُ امْرأةٍ ؟
    تَدْخُلُ عليهم الممرِّضةُ متوسّطة القامّة ، ترتدي مِئْزرًا أبْيضًا، تَتَّقِدُ ، لم ترُقْها رؤية بعضُ الوجوهِ الغريبةِ ، والتي لم تتعوًّد على رُؤْيَتِها بين المَرْضَى ، وكان واقِفًا بِجانِبِ السَّرِيرِ ، يَتَحَاشَاها ، ويَتَفَادَاها ، يُمْنةً ويُسْرَى حتىَّ لا تُطْرُدُهُ ، تجُرُّ عربةً محمّلةً بالدواءِ ، ومن ورَائِها عامِلةٌ ، ثخينة ، هي أيضًا ترتدي مئزرًا ، لكنَّهُ طويلٌ ، يصِلُ إلى الكَعْبين ، أخضرُ اللَّونِ ، مُرْغِدَ بالزَّيْتِ وألوانِ المَرَقِ ، تفوحُ منها رائحةُ المطبخِ ، تلوِّحُ بمِغْرَفَةٍ كبيرةِ الحَجْمِ ، تملأُ بابَ الصَّالةِ ، في إشارةٍ إلى موْعدِ وجْبة العَشاءِ ، ما كان البابُ لِيَسَعَها ، لو لم يكن عريضًا بما فيه الكفايةِ .
    أقْبلَ اللَّيْلُ بوسائِلِهِ الجديدةِ ، وألْقى الظلامُ بثِقَلِهِ على نَضْرةِ النَّهارِ، فَأمْسَى كظيمًا ، ثَقِيلَ الظِّلِ ، غَيْرَ مَرْغُوبٍ فيه ، تبدو الحياة ، في هذا الزَّخَم الطائش ، كأنّها مَزْحَةً و مَسْخَرَة ، أو مسْرحيّةً قَصِيرة وفاشِلَة ، أُسْدِلَ عليها السَّتارُ !؟
    فقَدَ الأملَ من كلِّ شيءٍ تقريبًا ، ولم يَبْقى له سوى البحْثُ عن مكانٍ يؤدِّي فيه الصَّلاة ، حمداً للهِ ! وجد أخيرًا منْ يُرْشِدُهُ إلى مُصَلٍّ على خطواتٍ من الصَّالةِ ، لا يَتذكَّرُ مِنْهُ سِوَى ركْعَتَيْ خوفٍ أدَّاهُما فيه ، وتَضرَّعَ إلى اللهِ لعلَّهُ يُخفِّفُ عنْها ببركةِ ما يوجدُ فيه من أشياءٍ مقدّسةٍ ، ثمَُّ انْصَرَفَ عائدًا إلى البيتِ .
    خرج من دائرةِ " الزَّمْكَنَةِ " المكانِ والزَّمانِ ، والمشاهِدِ التي عاشَها خلال تلك الزيارة ، ليجد نفْسَهُ ، بين أفلاذِ الأكبادِ ، مُحاطًا بجُدْران البيْتِ ، حاضِرَ الذِّهْنِ .
    تَلَمْلَمَ ، يجمِعُ نفسَهُ ،قَرَّرَ الذَّهاب :
    - " عليه أن يراها قَبل ...لا قدّر الله " ؟
    - " لعلَّ اللهَ يحدِثُ أمرًا ، غير الذي يتوجَّس " ؟
    يعودُ إلى تفَاؤُلِهِ ؛ لأنَّ المِسْكِينَ ليس لديه خيارًا آخرًا ، ولا من أسبابِ الحياةِ سِوَى الأَمَلَ ، أو بِِنْت بارَّة ملبّية ، قد تكونُ هي الأخرى من أسبابِ فَشَلِهِ ؟ولكثرة اعتِمادِهِ عليها ،فهي تُنَفِّذُ جميعَ أوامرِهِ ، دون تردُّدٍ: "أنظُرْ إليهِ كيف يَتَجَرَّدُ من مَسْؤُوليَّاتِه وواجِباتِهِ الأخلاقَيَّةِ ؟ يُحاوِلُ التَّمَلُّصَ من ضَميرِهِ الغائِبِ ؟ "
    ينْدَه عليها :
    - " أميرة بُنَيَّتِي ؛ اذهَبِي إلى بيتِ جَدَّكِ واطلُبِي المُستَشْفَى لست مطمئنًّا لحالِ جَدَّتِكِ " .
    لم يَشْعُرْ إلاّ وقد غادرت ،
    يعدُّ من ورائِها الدّقائق ، والثواني ، يتحسّس ويتَرقَّبُ ، على أحرِّ من الجمرِ ، لم يقْدِر على مقاومةِ الظنُّونِ فيسْتَسْلمَ لهَواجِسِهِ ، وفي النِّهايةِ :
    - " يَا هَيَاه ! "
    تعودُ البِنتُ ، ومظاهر الحزن بادية عليها ، تجرُّ ثَوْبَها البَالي كالخْبَرِ الذي تحْمِلُهُ ، و الأيَّامِ التَّعيسةِ التي تقْسُو على العائلةِ المُعَذَّبةِ ، لتَضِيعَ الأُسْرَةُ الْبَرِيئَةُ في مَتَاهَاتِ الْعَبَثِ فـ :
    - " كَيْفَ سَيَكُونُ جَزَاؤُهُ عند اللهِ يا تُرَى " ؟ "
    ( يتساءلُ ثُمَّ يَتهرَّبُ من الإجابةِ )
    صار مُدِركًا لمقدارِ الجُرْمِ الذي تسبَّب فيه :
    - " بابا "
    ( تتردَّدُ البِنتُ قبل أن تتجرَّأَ على تقديمِ العَزاءِ له )
    - " أعظم الله أجرك "
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
يعمل...
X