الصحافة والصناعة : -
أحرزت الصحافة تقدما في الثلثين الأولين من القرن 19 فقفز عدد النسخ المطبوعة في الصحف الفرنسية من خمسين ألف عام 1801 إلى مليون نسخه في العام 1870 وكان وراء هذه القفزة عدة عوامل سياسية واجتماعيه واقتصاديه ، فقد اتسعت مساحة الحرية السياسية كما زاد عدد المتعلمين وارتفع المستوى الثقافي بين الطبقات الفقيرة إلي لجأت إلى الصحافة لإشباع تطلعاتها وبعد أن كانت الصحيفة منتجا مكلفا محصورا للنخبة من الاترياء والمثقفين الأوربيين انخفضت أسعارها لتصبح في متناول العامة من المثقفين والمتعلمين كما ساعد تطور التقنية الصحفية على إخراج جذاب للصحف باكتشاف حبر المطابع في العام 1818م على يد الفرنسي " لوريو " ثم بدأت صناعة الورق من ورق الخرق وكانت اقل كلفة من ورق الخشب الذي كان يستخدم في صناعة الورق ، وبدا استعمال طريقه " الستيريوتيب" في تنضيد الحروف ونسخها بدلا من التنضيد اليدوي وكان ذلك نصرا لمطابع الصحف يرجع الفضل فيه إلى الفرنسي "تقولا سيري ير" عام 1852م وبدا استخدام الطابعات الاليه والتي ضاعفت سرعة الطبع القديمة في صحيفة التايمز اللندنية عام 1811م وتم استحداثها لمصلحة التايمز أيضا في العام 1845م وأمنت هذه الطابعات إخراج 18الف نسخه في الساعة ، كما تعدلت طريقة الحفر على الخشب باستخدام الطابعة الحجرية في إخراج الرسوم والأشكال الصحفية ، ولا يمكن تجاهل التقدم الإنساني في مجال المواصلات والبريد والتلغراف وانتشار خطوط السكك الحديدية في انتشار الصحافة الورقية ، وظهور وكالات الأنباء العالمية التي تخصصت في تجارة الأخبار ، وكانت أولها في فرنسا وكالة هافاس عام 1835م مستخدمة مترجمين للصحف الاجنبيه وشبكة من المندوبين والمراسلين داخل فرنسا وخارجها لجمع الأخبار والإعلانات التجارية ، ثم أنشئت وكالة "وولف " الالمانيه وكانت أول وكاله تستخدم البرق الكهربائي لالتقاط الأخبار في العام 1849م ، لكن الوزير بسمارك وضعها تحت الوصاية الحكومية عام 1865م ، وفي لندن أنشئت وكالة رويتر عام 1851م وكانت أقوى وكالات الأنباء الاوربيه لمائة عام تاليه بجانب وكالة الاسوشينيدبرس الامريكيه التي بدأت عملها من اتحاد الصحف اليومية في نيويورك منذ العام 1848 ولا كثر من 150 سنه وشهدت هذه الوكالات منافسة شديدة في ما بينها دفعها إلى التفكير في عقد اتفاق جنتلمان عام 1872م لتبادل الخدمات الاخباريه تعطي لكل منها رقعة جغرافيه تعمل فيها دون غيرها ، وهكذا نشأت الصحافة الورقية التي عرفناها في العالم العربي خلال القرن العشرين ، متنقلة من مرحلة النخبة إلى مرحلة الهيمنة الرسمية وصولا إلى مرحلة الصحافة الشعبية الرخيصة ، وما أنجزته أوربا وأمريكا خلال خمسمائة سنه ، حققته بعض الصحف العربية في مائة سنة من القرن العشرين .
الصحافة الامريكيه : -
كانت "ذا بابليك اوكورنسز" أول صحيفة امريكيه تصدر عام 1690م ثم تبعها إصدار جون كمبل لصحيفة بوسطن نيوز عام 1704م ، وأفضلها هي التي أصدرها " بنيامين فران كلين " في فيلادلفيا عام 1728م ، وقد بلغ عددها 43 صحيفة في العام 1782م ، ونص الدستور الأمريكي عام 1791م على حرية الصحافة ، وان ظلت متخلفة عن الصحافة الاوربيه وتعتمد في تغطية أخبارها على الصحف الانجليزية حتى ذلك الحين ، فلم يكن تعداد السكان فيها يزيد عن أربعة ملايين نسمه ، لكنها بدأت تقوى مع منتصف القرن 19 خاصة في نيويورك ، بإصدار الصحف الرخيصة ، التي لا يزيد ثمنها عن سنت واحد في العام 1835م زادت إلى سنتين بعد أعوام قليله ، بسبب استخداماتها لأسس الصحافة الحديثة والتي تغطي أوربا وكافة الولايات الامريكيه بآلاف المراسلين ، وقد بلغ توزيع صحيفة لنيويورك هيرالد 33الف نسخه عام 1840م وكانت تهتم بأخبار الفضائح والاثاره ولا تعطي أهمية لأصحاب الرأي السياسي أو الأدبي ، فظهرت صحف أكثر رصانة مثل " التربيون" ذات الطابع الليبرالي الاشتراكي ونجحت في إصدار ملحق أسبوعي كان يوزع مائتي ألف نسخه في العام 1860م ، ومع نشوب الحرب الاهليه خلال أعوام ( 1863 – 1865) ازدهرت الصحافة الامريكيه وحققت رواجا كبيرا وأصبحت الأقوى بين صحف العالم بفضل إتباعها لأحدث التقنيات في الطباعة والإخراج الصحفي واعتمادها على شبكات مراسلين أكفاء ، وأحصي فيها عام 1910م، 2430
صحيفة تطبع 34 مليون نسخه أسبوعيا
صحافة القرن العشرين : -
كان للحرب العالمية الأولى أهميه بالغه في تاريخ الصحافة حيث زاد الإنتاج الصحفي الأمريكي في حين ولدت صعوبات جمة لمثيلتها في أوربا وفي كل الأشياء كانت تلك الحرب بداية الغزو الأمريكي وسيادته على العالم ، فقد فقدت الموارد الاعلانيه ، وعز الورق واكتظت شبكات النقل البري والسكك الحديد بالأغراض العسكرية داخل أوربا فاضطرت صحف كثيرة لتقليل عدد صفحاتها إلى أربع صفحات وأحيانا إلى صفحتين فقط بل اضطرت صحف كثيرة لإغلاق مكاتبها وتسريح موظفيها ، وقد أضافت الرقابة العسكرية على الصحف الاوربيه عقبة أخرى بجانب العقبات الاقتصادية وتحولت إلى صحافة حرب نفسيه كل طرف فيها يدير دعايته بأخبار ومواضيع معظمها غير حقيقي في حين كانت الصحافة الامريكيه تنمو وتتقدم وعرفت عصر الصحف الكبرى طريقها بعد الحرب ، في وقت بدا فيه ظهور الاذاعه ، فكانت منافسه جديدة للصحافة ، فلجأت إلى التجديد والابتكار بانتشار الصحافة الاخباريه المصورة العامة والمتخصصة وتنوعت مقالاتها من مجرد الإعلانات والأخبار والآداب إلى الكتابات التربوية والاجتماعية والرياضية والفنية والنسائية فحافظت على قوتها أمام الاذاعه المسموعة والغير مرئية وطرحت مبادئ الحرية الصحفية في معظم الدول الاوربيه والامريكيه وفي مواجهه الاتحاد السوفييتي الذي يعادي الديمقراطية منذ نجاح الثورة اللينينيه هناك عام 1917م ، وهذا كله دفع العديد من الصحف الصغيرة إلى التجمع لإنشاء المؤسسات الصحفية الكبيرة لمواجهة المنافسة في عصر أصبحت خلاله الصحافة الورقية السلطة الرابعة لمعظم دول العالم المتحررة بل وفي المستعمرات المتقدمة التابعة للدول الاوربيه كما في مصر والهند ولبنان إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية الثانية ، والتي عرفت تغيرات تكنولوجيه في التنضيد والتصميم والطباعة والإخراج الفني – واستخدمت طابعات الروتاتيف ثم اللينوتيب ، ووسائل النقل الشمسي لطباعة المجلات المصورة والملونة بطريقة الهيليوغرافور أو الاوفست ، ومنذ العام1935م تقدم البيلينوغراف في نشر الصور مع التوسع في استخدام الهواتف التي توفر الوقت والمجهود في إجراء التحقيقات والمقابلات الصحفية المهمة إضافة إلى الاعتماد على الشاحنات في توزيع الصحف الكبرى بين المدن أو الولايات وقويت وكالات الأنباء الامريكيه على حساب الاوربيه ولم تعد اتفاقية تقاسم العالم إخباريا بينها ذات شان مع ظهور اليونيتيدبرس بجانب الاسوشيتيدبرس و مجموعة هرست ، الامريكيه التي تفوقت على وكالة رويتر البريطانية والوكالات الالمانيه والفرنسيه التي اضطرت أمام المنافسة الامريكيه أن تقوي نفسها بزيادة رؤوس أموالها وضم مؤسسات اصغر إليها ، فكان عقد الثلاثينات هو عصر المجموعات الصحفية وتابعت الصحف الامريكيه انطلاقتها وزاد توزيعها من 24 مليون نسخه يوميا عام 1910 إلى 41 مليون نسخه يوميه عام 1940 بينما انخفض عدد الصحف اليومية بعد التجميع من 2430 صحيفة إلى 1848 صحيفة يوميه امريكيه فقد اندمجت 311صحيفه في 55 مجموعه عام 1940م وقبل هذا التاريخ حدثت اندماجات أخرى والتي ظهرت في بريطانيا ايضا مثل مجموعة الديلي ميل التي كانت توزع 1,6مليون نسخه يوميا والد يلي ميرور وكانت توزع 700الف نسخه يوميا أما الديلي اكسبريس فوصل توزيعها إلى 1,3 مليون نسخه بينما كانت الصحافة الفرنسية تعاني من انخفاض التوزيع في الصحف اليومية مع ازدهار الصحافة الأسبوعية الفرنسية وحققت الدوريات الفنية والرياضية والادبيه والنسائية والسينمائية والاخباريه المصورة نجاحا مهما خاصة مع ارتفاع سعر الصحيفة اليومية الفرنسية ولم تنشا مجموعات صحفية فرنسيه كبيره إلا في حدود خمسة صحف أبرزها / له بوني باري زيان وباري سوار وقد طغت الصحافة الحزبية على تقدم الصحف الفرنسية عموما بينما كانت المجموعات الصحفية الالمانيه تقوى حتى وصل الحزب النازي إلى الحكم عام 1933م فأغلقت ما يقارب 1500صحيفه يوميه خلال أشهر قليله في حين كانت الصحافة السوفييتية تعاني من الهيمنة الحكومية وهي شبه احتكاريه منذ نشأتها عام 1703م تحت وصاية القيصر ثم بعد الثورة الاشتراكية وهي لم تتقدم كصحافه ثوريه وابرز صحفها برافدا التي عملت في الخفاء عند انشائها عام 1905م ثم أصبحت الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي .
وقد ظهرت الصحف السرية بشكل واسع بعد نشوب الحرب العالمية الثانية وعانت من صعوبات إداريه ورقابية واقتصاديه خلال الحرب فتراجعت خطوات أخرى إلى الوراء خلف الصحافة الامريكيه التي زاد ازدهارها وانتشارها بينما كان التليفزيون كجهاز مرئي ومسموع ينتشر في العالم المتقدم بدئا بأمريكا ولتبدأ الصحافة الورقية في خسارة نفوذها كسلطة رابعة خاصة في أوربا وأمريكا . لعدة أسباب أهمها :-
منافسة وسائل الإعلام الأخرى / أذاعه وتليفزيون ثم البث الفضائي المباشر والمستمر وصولا إلى الصحافة الاليكترونية ، في نفس الوقت زادت تكاليف الورق والأحبار ، ومصاريف النقل والتوزيع ، مع زيادة تعداد السكان وتنوع اهتماماتهم وتعدد فئاتهم وظهور المجلات المتخصصة والوكالات الاعلانيه ونشرات المؤسسات الخاصة والحكومية ولم يعد المشروع الصحفي مربحا إن لم تكن هناك جهة داعمة له وان كان هذا لا يعني التقليل من أهمية ووجود الصحافة الورقية لكنه يعني بالتأكيد تراجع نفوذها مقارنة بقوة الصحافة الاليكترونية أو القنوات الفضائية التليفزيونية .
الصحافة العربيه : -
ظهرت في أمريكا خلال عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين صحف صغيره محليه داخل كل ولاية تتميز بقصر مقالاتها وكثرة صورها ورخص أسعارها ويقبل عليها القراء في داخل الولايات الامريكيه – وهذا النوع من الصحف ظهر في الألفية الثالثة داخل مصر حيث ينتشر فيها أكثر من خمسين صحيفة أثاره أسبوعيه عام 2008م أي بعد ستين عام من انتشارها في أمريكا – وظهرت في لبنان هذه الصحافة خلال عقدي الستينات والسبعينات قبل مصر بأربعين سنه لظروف تتعلق بنظام الحكم الديمقراطي اللبناني ما قبل بدء الحرب الاهليه اللبنانية بالطبع ، وتميزت الصحافة الخليجية عامه والكويتية خاصة بالتنوع والتوسع في إصداراتها رغم قلة عدد سكانها لكنها كانت تتعامل مع مئات الآلاف من الوافدين العرب فيها ومعظمهم من المثقفين أو المتعلمين ، وتبقى الرياده الصحفية العربية لمصر ولبنان ، وأقدم الصحف العربية الرسمية هي الأهرام وأسسها اللبناني جورجي زيدان بداية القرن 20 وأقواها الآن في مطلع القرن 21صحيفة الشرق الأوسط السعودية ، ويبقى العائق الأهم لتقدم الصحافة العربية ،هو مساحة الحرية المتاحة ، أو إساءة استخدامها رغم توفر إمكانيات نجاحها البشرية والاقتصادية ، والدليل رواج الصحافة اللبنانية في عقد السبعينات ، وقوة الصحافة الخليجية في الثمانينات ، وانتشار الصحافة الشعبية ألمصريه في الالفيه الثالثة ، وهي الفترات التي شهدت مساحة معقولة من الديمقراطية المحدودة ، إضافة إلى إحساس المواطن العربي بالعجز والضعف مع الانكسارات المتتالية منذ حرب 1967 وحتى الغزو الأمريكي للعراق 2003م ، وحصار الفلسطينيين في غزه2007م فما الذي سيقال ، ولم نقله ، يفيد القاري العربي أو الكاتب العربي في زمن أهدرت فيه كرامة الإنسان العربي ، وقيمته .
الباحث / يسري راغب شراب
أحرزت الصحافة تقدما في الثلثين الأولين من القرن 19 فقفز عدد النسخ المطبوعة في الصحف الفرنسية من خمسين ألف عام 1801 إلى مليون نسخه في العام 1870 وكان وراء هذه القفزة عدة عوامل سياسية واجتماعيه واقتصاديه ، فقد اتسعت مساحة الحرية السياسية كما زاد عدد المتعلمين وارتفع المستوى الثقافي بين الطبقات الفقيرة إلي لجأت إلى الصحافة لإشباع تطلعاتها وبعد أن كانت الصحيفة منتجا مكلفا محصورا للنخبة من الاترياء والمثقفين الأوربيين انخفضت أسعارها لتصبح في متناول العامة من المثقفين والمتعلمين كما ساعد تطور التقنية الصحفية على إخراج جذاب للصحف باكتشاف حبر المطابع في العام 1818م على يد الفرنسي " لوريو " ثم بدأت صناعة الورق من ورق الخرق وكانت اقل كلفة من ورق الخشب الذي كان يستخدم في صناعة الورق ، وبدا استعمال طريقه " الستيريوتيب" في تنضيد الحروف ونسخها بدلا من التنضيد اليدوي وكان ذلك نصرا لمطابع الصحف يرجع الفضل فيه إلى الفرنسي "تقولا سيري ير" عام 1852م وبدا استخدام الطابعات الاليه والتي ضاعفت سرعة الطبع القديمة في صحيفة التايمز اللندنية عام 1811م وتم استحداثها لمصلحة التايمز أيضا في العام 1845م وأمنت هذه الطابعات إخراج 18الف نسخه في الساعة ، كما تعدلت طريقة الحفر على الخشب باستخدام الطابعة الحجرية في إخراج الرسوم والأشكال الصحفية ، ولا يمكن تجاهل التقدم الإنساني في مجال المواصلات والبريد والتلغراف وانتشار خطوط السكك الحديدية في انتشار الصحافة الورقية ، وظهور وكالات الأنباء العالمية التي تخصصت في تجارة الأخبار ، وكانت أولها في فرنسا وكالة هافاس عام 1835م مستخدمة مترجمين للصحف الاجنبيه وشبكة من المندوبين والمراسلين داخل فرنسا وخارجها لجمع الأخبار والإعلانات التجارية ، ثم أنشئت وكالة "وولف " الالمانيه وكانت أول وكاله تستخدم البرق الكهربائي لالتقاط الأخبار في العام 1849م ، لكن الوزير بسمارك وضعها تحت الوصاية الحكومية عام 1865م ، وفي لندن أنشئت وكالة رويتر عام 1851م وكانت أقوى وكالات الأنباء الاوربيه لمائة عام تاليه بجانب وكالة الاسوشينيدبرس الامريكيه التي بدأت عملها من اتحاد الصحف اليومية في نيويورك منذ العام 1848 ولا كثر من 150 سنه وشهدت هذه الوكالات منافسة شديدة في ما بينها دفعها إلى التفكير في عقد اتفاق جنتلمان عام 1872م لتبادل الخدمات الاخباريه تعطي لكل منها رقعة جغرافيه تعمل فيها دون غيرها ، وهكذا نشأت الصحافة الورقية التي عرفناها في العالم العربي خلال القرن العشرين ، متنقلة من مرحلة النخبة إلى مرحلة الهيمنة الرسمية وصولا إلى مرحلة الصحافة الشعبية الرخيصة ، وما أنجزته أوربا وأمريكا خلال خمسمائة سنه ، حققته بعض الصحف العربية في مائة سنة من القرن العشرين .
الصحافة الامريكيه : -
كانت "ذا بابليك اوكورنسز" أول صحيفة امريكيه تصدر عام 1690م ثم تبعها إصدار جون كمبل لصحيفة بوسطن نيوز عام 1704م ، وأفضلها هي التي أصدرها " بنيامين فران كلين " في فيلادلفيا عام 1728م ، وقد بلغ عددها 43 صحيفة في العام 1782م ، ونص الدستور الأمريكي عام 1791م على حرية الصحافة ، وان ظلت متخلفة عن الصحافة الاوربيه وتعتمد في تغطية أخبارها على الصحف الانجليزية حتى ذلك الحين ، فلم يكن تعداد السكان فيها يزيد عن أربعة ملايين نسمه ، لكنها بدأت تقوى مع منتصف القرن 19 خاصة في نيويورك ، بإصدار الصحف الرخيصة ، التي لا يزيد ثمنها عن سنت واحد في العام 1835م زادت إلى سنتين بعد أعوام قليله ، بسبب استخداماتها لأسس الصحافة الحديثة والتي تغطي أوربا وكافة الولايات الامريكيه بآلاف المراسلين ، وقد بلغ توزيع صحيفة لنيويورك هيرالد 33الف نسخه عام 1840م وكانت تهتم بأخبار الفضائح والاثاره ولا تعطي أهمية لأصحاب الرأي السياسي أو الأدبي ، فظهرت صحف أكثر رصانة مثل " التربيون" ذات الطابع الليبرالي الاشتراكي ونجحت في إصدار ملحق أسبوعي كان يوزع مائتي ألف نسخه في العام 1860م ، ومع نشوب الحرب الاهليه خلال أعوام ( 1863 – 1865) ازدهرت الصحافة الامريكيه وحققت رواجا كبيرا وأصبحت الأقوى بين صحف العالم بفضل إتباعها لأحدث التقنيات في الطباعة والإخراج الصحفي واعتمادها على شبكات مراسلين أكفاء ، وأحصي فيها عام 1910م، 2430
صحيفة تطبع 34 مليون نسخه أسبوعيا
صحافة القرن العشرين : -
كان للحرب العالمية الأولى أهميه بالغه في تاريخ الصحافة حيث زاد الإنتاج الصحفي الأمريكي في حين ولدت صعوبات جمة لمثيلتها في أوربا وفي كل الأشياء كانت تلك الحرب بداية الغزو الأمريكي وسيادته على العالم ، فقد فقدت الموارد الاعلانيه ، وعز الورق واكتظت شبكات النقل البري والسكك الحديد بالأغراض العسكرية داخل أوربا فاضطرت صحف كثيرة لتقليل عدد صفحاتها إلى أربع صفحات وأحيانا إلى صفحتين فقط بل اضطرت صحف كثيرة لإغلاق مكاتبها وتسريح موظفيها ، وقد أضافت الرقابة العسكرية على الصحف الاوربيه عقبة أخرى بجانب العقبات الاقتصادية وتحولت إلى صحافة حرب نفسيه كل طرف فيها يدير دعايته بأخبار ومواضيع معظمها غير حقيقي في حين كانت الصحافة الامريكيه تنمو وتتقدم وعرفت عصر الصحف الكبرى طريقها بعد الحرب ، في وقت بدا فيه ظهور الاذاعه ، فكانت منافسه جديدة للصحافة ، فلجأت إلى التجديد والابتكار بانتشار الصحافة الاخباريه المصورة العامة والمتخصصة وتنوعت مقالاتها من مجرد الإعلانات والأخبار والآداب إلى الكتابات التربوية والاجتماعية والرياضية والفنية والنسائية فحافظت على قوتها أمام الاذاعه المسموعة والغير مرئية وطرحت مبادئ الحرية الصحفية في معظم الدول الاوربيه والامريكيه وفي مواجهه الاتحاد السوفييتي الذي يعادي الديمقراطية منذ نجاح الثورة اللينينيه هناك عام 1917م ، وهذا كله دفع العديد من الصحف الصغيرة إلى التجمع لإنشاء المؤسسات الصحفية الكبيرة لمواجهة المنافسة في عصر أصبحت خلاله الصحافة الورقية السلطة الرابعة لمعظم دول العالم المتحررة بل وفي المستعمرات المتقدمة التابعة للدول الاوربيه كما في مصر والهند ولبنان إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية الثانية ، والتي عرفت تغيرات تكنولوجيه في التنضيد والتصميم والطباعة والإخراج الفني – واستخدمت طابعات الروتاتيف ثم اللينوتيب ، ووسائل النقل الشمسي لطباعة المجلات المصورة والملونة بطريقة الهيليوغرافور أو الاوفست ، ومنذ العام1935م تقدم البيلينوغراف في نشر الصور مع التوسع في استخدام الهواتف التي توفر الوقت والمجهود في إجراء التحقيقات والمقابلات الصحفية المهمة إضافة إلى الاعتماد على الشاحنات في توزيع الصحف الكبرى بين المدن أو الولايات وقويت وكالات الأنباء الامريكيه على حساب الاوربيه ولم تعد اتفاقية تقاسم العالم إخباريا بينها ذات شان مع ظهور اليونيتيدبرس بجانب الاسوشيتيدبرس و مجموعة هرست ، الامريكيه التي تفوقت على وكالة رويتر البريطانية والوكالات الالمانيه والفرنسيه التي اضطرت أمام المنافسة الامريكيه أن تقوي نفسها بزيادة رؤوس أموالها وضم مؤسسات اصغر إليها ، فكان عقد الثلاثينات هو عصر المجموعات الصحفية وتابعت الصحف الامريكيه انطلاقتها وزاد توزيعها من 24 مليون نسخه يوميا عام 1910 إلى 41 مليون نسخه يوميه عام 1940 بينما انخفض عدد الصحف اليومية بعد التجميع من 2430 صحيفة إلى 1848 صحيفة يوميه امريكيه فقد اندمجت 311صحيفه في 55 مجموعه عام 1940م وقبل هذا التاريخ حدثت اندماجات أخرى والتي ظهرت في بريطانيا ايضا مثل مجموعة الديلي ميل التي كانت توزع 1,6مليون نسخه يوميا والد يلي ميرور وكانت توزع 700الف نسخه يوميا أما الديلي اكسبريس فوصل توزيعها إلى 1,3 مليون نسخه بينما كانت الصحافة الفرنسية تعاني من انخفاض التوزيع في الصحف اليومية مع ازدهار الصحافة الأسبوعية الفرنسية وحققت الدوريات الفنية والرياضية والادبيه والنسائية والسينمائية والاخباريه المصورة نجاحا مهما خاصة مع ارتفاع سعر الصحيفة اليومية الفرنسية ولم تنشا مجموعات صحفية فرنسيه كبيره إلا في حدود خمسة صحف أبرزها / له بوني باري زيان وباري سوار وقد طغت الصحافة الحزبية على تقدم الصحف الفرنسية عموما بينما كانت المجموعات الصحفية الالمانيه تقوى حتى وصل الحزب النازي إلى الحكم عام 1933م فأغلقت ما يقارب 1500صحيفه يوميه خلال أشهر قليله في حين كانت الصحافة السوفييتية تعاني من الهيمنة الحكومية وهي شبه احتكاريه منذ نشأتها عام 1703م تحت وصاية القيصر ثم بعد الثورة الاشتراكية وهي لم تتقدم كصحافه ثوريه وابرز صحفها برافدا التي عملت في الخفاء عند انشائها عام 1905م ثم أصبحت الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي .
وقد ظهرت الصحف السرية بشكل واسع بعد نشوب الحرب العالمية الثانية وعانت من صعوبات إداريه ورقابية واقتصاديه خلال الحرب فتراجعت خطوات أخرى إلى الوراء خلف الصحافة الامريكيه التي زاد ازدهارها وانتشارها بينما كان التليفزيون كجهاز مرئي ومسموع ينتشر في العالم المتقدم بدئا بأمريكا ولتبدأ الصحافة الورقية في خسارة نفوذها كسلطة رابعة خاصة في أوربا وأمريكا . لعدة أسباب أهمها :-
منافسة وسائل الإعلام الأخرى / أذاعه وتليفزيون ثم البث الفضائي المباشر والمستمر وصولا إلى الصحافة الاليكترونية ، في نفس الوقت زادت تكاليف الورق والأحبار ، ومصاريف النقل والتوزيع ، مع زيادة تعداد السكان وتنوع اهتماماتهم وتعدد فئاتهم وظهور المجلات المتخصصة والوكالات الاعلانيه ونشرات المؤسسات الخاصة والحكومية ولم يعد المشروع الصحفي مربحا إن لم تكن هناك جهة داعمة له وان كان هذا لا يعني التقليل من أهمية ووجود الصحافة الورقية لكنه يعني بالتأكيد تراجع نفوذها مقارنة بقوة الصحافة الاليكترونية أو القنوات الفضائية التليفزيونية .
الصحافة العربيه : -
ظهرت في أمريكا خلال عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين صحف صغيره محليه داخل كل ولاية تتميز بقصر مقالاتها وكثرة صورها ورخص أسعارها ويقبل عليها القراء في داخل الولايات الامريكيه – وهذا النوع من الصحف ظهر في الألفية الثالثة داخل مصر حيث ينتشر فيها أكثر من خمسين صحيفة أثاره أسبوعيه عام 2008م أي بعد ستين عام من انتشارها في أمريكا – وظهرت في لبنان هذه الصحافة خلال عقدي الستينات والسبعينات قبل مصر بأربعين سنه لظروف تتعلق بنظام الحكم الديمقراطي اللبناني ما قبل بدء الحرب الاهليه اللبنانية بالطبع ، وتميزت الصحافة الخليجية عامه والكويتية خاصة بالتنوع والتوسع في إصداراتها رغم قلة عدد سكانها لكنها كانت تتعامل مع مئات الآلاف من الوافدين العرب فيها ومعظمهم من المثقفين أو المتعلمين ، وتبقى الرياده الصحفية العربية لمصر ولبنان ، وأقدم الصحف العربية الرسمية هي الأهرام وأسسها اللبناني جورجي زيدان بداية القرن 20 وأقواها الآن في مطلع القرن 21صحيفة الشرق الأوسط السعودية ، ويبقى العائق الأهم لتقدم الصحافة العربية ،هو مساحة الحرية المتاحة ، أو إساءة استخدامها رغم توفر إمكانيات نجاحها البشرية والاقتصادية ، والدليل رواج الصحافة اللبنانية في عقد السبعينات ، وقوة الصحافة الخليجية في الثمانينات ، وانتشار الصحافة الشعبية ألمصريه في الالفيه الثالثة ، وهي الفترات التي شهدت مساحة معقولة من الديمقراطية المحدودة ، إضافة إلى إحساس المواطن العربي بالعجز والضعف مع الانكسارات المتتالية منذ حرب 1967 وحتى الغزو الأمريكي للعراق 2003م ، وحصار الفلسطينيين في غزه2007م فما الذي سيقال ، ولم نقله ، يفيد القاري العربي أو الكاتب العربي في زمن أهدرت فيه كرامة الإنسان العربي ، وقيمته .
الباحث / يسري راغب شراب
تعليق