إلى العلا ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    إلى العلا ..

    جمع صفحات بحثه الذي استنزف كثيرا من وقته و من مخزونه الفكريّ و المعرفيّ ، ضمنه باقة اجتهادات و نظريّات حول طرق بلوغ المجد والنّجاح ، لم ينس فكرة و لا قولة حكيم و لا عبرة و لا دراسة إلا أتحف بها رسالته التي يراها قيّمة ، حفزه إعجاب أساتذته المؤطرين و معظم من يثق بهم و تنويههم بمنهجيّة تناول الموضوع وما يتضمنه من كنوز علميّة و إبداعات خلاقة . وصل اليوم المعلوم ، القاعة مكتظة مدرّجاتها بالطلبة والأساتذة و بمعارفه و أصدقائه ، استوت لجنة التقويم على الكراسي و الكل ينتظر إطلالته ، الجميع متعطش لما سيقدمه المرشّح لنيل هذه الشهادة العليا.
    منذ الصباح الباكر يحاول التركيز و جمع شتات نفسه التي تتبعثر على ضفاف الانتظار و تتشظّى صلابتها كلّما اقتربت ساعة الحسم ، من النّافذة لمح سيّارة صديقه السّوداء ذات الزجاج الغامق الحاجب للرؤيا فملأ رئتيه هواء منعشا ، لبس بذلته الزرقاء التي اقتناها خصّيصا ليظهر في أبهى حلّة في هذا اليوم الذي لا يتكرّر في العمر ، لفّ ربطة العنق السّماوية اللّون متدلية على قميصه الأبيض ، بقدر إضفائها رونقا على حلّته الزاهية تزيد أنفاسه البطيئة اختناقا ، لكنه يحبّ التحدّي والصمود ، أطياف النور المتدفّقة من نافذة غرفته تشعّ من خلال حذائه الأسود ، أمّه تطوف بمبخرتها أرجاء المنزل فيتصاعد دخّانها ذو الرائحة الطّيبة طاردا أرواحا شرّيرة تحبّ إفساد السّعادة في قلوب البسطاء ، رشّته بحبّات ملح متمتمة كلمات حفظتها عن ظهر قلب كما وصّاها الفقيه ، أنهت طقوسها وارتدت جلبابها و بلغتها وسترت شعرها الأشيب بحجاب أسود فنادت طفلها : "هيا يا بنيّ فموعد المحاضرة يدنو وصديقك بالباب " لسعته القولة على مستوى قلبه الّذي انطلق خفقانه المزعج ، أمام المرآة يسترجع أيّام طفولته الأولى حين كان الظلام يغزوه خوفا ، ناهيك عن بغلة المقبرة و عنزة دور العبادة وكل تلك الشرّيرات ذوات المخالب و العيون الحمراء اللاّئي يتربصن بالصغار ، توجه إلى الثلاجة و أفرغ ماء مثلجا في جوفه مستردّا نشاطه ، انحدر مع السلم معانقا صديقه و لسانه لا يستحلي الكلام ، أعطى الحقيبة لأمه التي قبلتها وحضنتها بينما وضع حاسوبه على رجليه ، و باله مشدود إلى ابتهالات منبعثة من حلق منشد بارع ماهر ترتقي به إلى رحاب السماء بينما العجلات بدأت في الدوران.


    بالأمس أخضع نفسه لامتحان عسير ، تسلق مئذنة المسجد غير آبه بتلك العنزة المقيتة ، يتسلّق الدّرج بيديه و رجليه محاولا التّماسك ، مجابها دوارا كثيرا ما حرمه من التمتع بتلك النظرة الفوقيّة ، تلك القدرة الملائكيّة ، ذلك الطيران في الآفاق ، ذلك المعراج الذي يستصغر مطبّات الحياة ، كلّما أطلّ خلسة من نوافذ الصّومعة اختلت فيه الموازين و انقلب عالي الأرض سافلها ، لتجتاحه تلك الحمّى الملعونة ، جفّ حلقه واصفرت ملامحه لا هو قادر على الصعود و لا الهبوط ، يستغيث بكفايته العلميّة فيعرف تمام المعرفة أن ما يدور في خلده مجرّد أوهام ، يعلم علم اليقين أن تلك التّخيلات أضعف من أن تهتزّ لها الأرض و دعامات المئذنة ، لكن في الوقت ذاته يحسّ جبروتها و استعصاء تجاوزها و القفز عليها و قد استوطنت نفسه ، تذّكر المجنون و حركاته وحواراته و انجرافه مع العوالم الخفيّة ، لطم خدّه ، فصاحت أمّه : " ضربة عين حاسدة ، خمسة وخميسة عليهم " توقّف صاحبه ، ترجلا من السّيارة ، لامسته برودة آتية من البحر ، يسأله صديقه ، " ما بك ؟" يردّ عليه : " لا بأس أنا بخير ، لن أستسلم " .
    عادا إلى السيارة فطمأن أمّه أنه نسي دعوة واحد من أصدقائه المقربين ، هامسا في نفسه ، ما أحلى الكذب ، لولاه لما استطعنا الصّمود ، سأحاول أن أكذب على نفسي لعلها تهدأ ، تسعة و تسعون ، ثمانية و تسعون ، سبعة و تسعون .... و هكذا استرسل في عدّ تنازلي لكنّ كلما اقتربت السيارة من الموقع استبد به الحال كما بالأمس ،كلما أصرّ على الصعود أفرغت معدته محتوياتها ، أحس بمغص شديد رغم أنه لم يتناول غير ماء و سكر فغلبه قيء خفيف كاد يلطخ بذلته و حذاءه ، بضع بقع صفراء تموضعت على حاسوبه ، قدّم له صديقه منديلا ورقيا في صمت ، لحسن حظّه توقفت السّيارة فأسرع نحو الحمّام ، متخلّصا من إفرازات جسمه ، خلل وجهه الشّاحب بالماء ، ناوله صديقه قطعة حلوى فالتهمها بنهم ، ساعده على شحذ همته واسترداد ألقه ، فتوجها إلى القاعة ، عند الباب قال : " دعواتك أمّي " .
    دخل من البوابة من حيث يرتفع على الجميع ، نظره لا يفارق حذاءه ، هذه الشرفة تكاد تعلو تلك الصومعة التي قهرها بالأمس رغم إصرارها على هزمه ، تذكر وصايا والده و هو يغادر الحياة : " لا تستسلم ، كن شجاعا ، كن قويا ، كن رجلا...... " أحس بنظراته تنهره ، رأى صرامة ملامحه ، سمع صوته ، فارتعب و ارتعشت يداه و هو يبسط محتويات حقيبته و يهيئ حاسوبه ، رفع رأسه فتراءت له عيون محمرة على امتداد البصر تفترسه ، فهوى بعينيه مسقطا قلمه تحت المنضدة ، لعلّه يحظى و لو بلحظة خلوة مع نفسه ، سرعان ما عاد بعدها إلى الصورة ، المنشّط ذكّر بموضوع اللّقاء ، صاحبنا جاء دوره في الكلام ، نقر نقرات خفيفة على الميكرفون بأصبعه فسمعها تدوّي على أغشية أذنيه أضعافا مضاعفة ، حنحن فانطلق صفير مزعج من مكبر الصوت أرغم الكل على غلق عيونهم وآذانهم ، فانطلق لسانه في غفلتهم يلتهم الصفحات ، و تحررت يداه مساهمتين في توضيح العبارات بمرونة نادرة ، فشخصت الأبصار أمام هذا الفيضان المعرفي ، و هذه القدرة الخارقة على البرهنة و الاستدلال ، و تلك الموهبة الفذة في الخطابة و السيطرة على الموقف ، فاتضحت البيانات على شاشة عملاقة ، وقف الجميع تصفيقا و إعجابا.
    في نهاية العرض ، بطلنا يرى عيني والده تبتسمان فرحا و هو يلوح بيديه كما فعل بالأمس من أعلى الصومعة و زغرودة أمه تحمل إليه بشرى النجاح مردّدة: " إلى العلا إلى العلا ."
  • حسن لشهب
    أديب وكاتب
    • 10-08-2014
    • 654

    #2
    أهلا أخي نور الدينن
    تشرفت بقراءة بعض من نصوصك الفريدة ، ما قرأته سابقا حظي بقراءة إخوة سبقوني وسبب توقفي عند هذا النص يرجع للصفرية المرتسمة إلى جانبه .
    فكل نص يستحق بعض الاهتمام ولا أدعي هنا أفضلية أمن بها عليك.
    فكرة النص جيدة لكن الأجود هو حرصك على الوصف الدقيق وجمالية العبارة وهذه ميزة قل نظيرها وتستحق التنويه.
    تحيتي لإبداعك الجميل .
    تشرفت بالقراءة لأديب أريب.

    تعليق

    • نورالدين لعوطار
      أديب وكاتب
      • 06-04-2016
      • 712

      #3
      أستاذي العزيز حسن لشهب

      شكرا على ذوقك الغالي

      و شكرا على بث روح جديدة في النص

      تقديري الوافي

      تعليق

      يعمل...
      X