تحليل دلالات السرد في نص نور الدين لعوطار
يأتي نص الكاتب نور الدين لعوطار متفردا.. في ثراءه اللغوي وفي قدرته على خلق صور مرئية من خلال الوصف وفي تقانة السرد القصصي ورسم شخوصه في حركة دائبة غير مستقرة وتقديمهم في تقنيات مستحدثه ،
له القدرة على استخدام المجازات بشكل مواز لما يدور في داخل النفس وهي ليست كالتشبيهات المجازية الشائعة في حصر عملية التشبيه بالمشبه به ، هو أعطى المشبه والمشبه به خصوصية مستقلة لكل منهما ..
جعل من البحر الهائج والصخرة الصامدة ضدان في مواجهة بعضهما بعض في عملية هجوم و صد كتعبير عما يختلج نفسه من هياج واضطراب .الصراع بين (الأنا والهو ) هو صراع الطبيعة مع عناصرها ..
قبل أن نلج إلى النص ونبحر في قراءة تحليلية لنعي وندرك ما بين سطوره من خلال جدلية التحليل .
لا بد أن نبدأ من عتبته الأولى (العنوان ) الذي يعتبر المدخل الرئيسي والبداية التي نبدأ منها لقراءة أي نص ادبي ،
العنوان كما يعرف أيقونة النص ، الإشارة او الدلالة السيمائية التي تبقى عالقة في ذهن المتلقي لتحديد سمة و مرجعية وماهية النص لتميزه عن باقي النصوص ،
وسم النص ب ( المسافران ) يخيل لنا أول وهلة ، ما أن نرى العنوان
( أن الكاتب أراد بكلمة المسافر _ مفردة مسافران _ هو الانتقال من مكان إلى آخر إي انتقال للجسد عبر البعد المكاني .. )
أو إن السفر يأتي بمعنى الانتقال الزماني من زمان إلى آخر .
.او هو انتقال من عالم الحياة الدنيا إلى عالم (الآخرة ) حسب الموروث الديني .
نتساءل للاستبيان من هما هذان المسافران وأين وجهتهما وأي الوسائل قد سخرت لهذا السفر ..
..النص لا يحتوي إلا على رجل وامرأة وكلاهما يبغي الخلاص من قسوة الحياة ومتاعبها ، أذن هي الرغبة بالرحيل من هذه الدنيا ، أي السفر إلى عالم الموت ، أو الفناء .
الصخرة البطل الثالث في النص ..
( جاء ذكرها في النص خمس عشرة مرة )
وكأنها شخصية حية رسمها الكاتب ( أنسنها ) لتضاف إلى عناصر النص الرئيسية ( الرجل ، المرأة ، البحر ، الصخرة ، الرسالة )
في البداية .. قادنا الكاتب عبر سرد متخيل لمظهر البحر وهيبته وعظمته ووصفه بشكل حول فيها الحروف إلى صور مرئية نتفاعل معها ونتخيلها وكأننا نعيشها ، بحر لجي يضرب موجه العاتي على صفحات صخرة صماء صامدة صلدة .وكثيرا ما نرى في الأعمال السينمائية الدرامية مثل تلك المشاهد التي توحي لأحداث جسام قد حصلت أو ستحصل في مجريات العمل .
عبر حوار داخلي متواشج جعل من الصخرة صورة لروحه المتحملة لأهوال الدنيا ومصائبها ، وجعل من موج البحر ما يماثل مدلهمات الحياة التي راحت تصفع وجهه في حين أن الموج ظل يلطم وجه الصخرة بقسوة ، وما تنزفه الصخرة من خرير لبقايا ماء البحر الملتصق فيها هو نزف للجراح في داخله . كلاهما شبيه للأخر في تحمله .. كان الكاتب بليغا في إيصال المعنى
. عبر هذا التناغم الهرموني بين هدير البحر وأنينه المكلوم راح ينظر البطل إلى البحر يتمعن كبر حجمه وعمق قراره وعظمة امواجه المهلكة ..فما أن يحتويه قاعه حتى يكون الخلاص من كل عذاباته والامه وحرقته واحباطاته المتكررة .
. البطل ينظر بيأس إلى ماض قاس لم يحصد منه غير الفشل .. لذا جاء يسلم نفسه إلى أذرع البحر الممتدة إليه وينهي حياته التي ملها ولم ير فيها غير أحزان وآلام متراكمة ..
تبقى الصخرة هي الشاهد الوحيد على مأساته لأنها كانت حاضرة دائما حين كان ينوي الانتحار ، وحين عدل عن قراره وحتى المرأة لها حكاية مع تلك الصخرة فقد أدميت رجلها حين تسلقتها
((و قال : " كيف أصيبت رجلك ؟ " فأجابت " خدشة بسيطة إنها الصخرة ، جرحتني خشونتها و أنا أتسلقها " .))
لم يذكر الكاتب إنها تسلقت الصخرة ولم يوح لنا بذلك لكن هذا الحوار يؤكد اعتلائها تلك الصخرة ، وهذا جزء من الإيجاز الذي شذب الكاتب به نصه وربما لم ينتبه لهذه الجزئية .. لكن ذلك لم يضر بالنص ، بل منحه قوة
والإيجاز كما هو معروف ( إداء المعنى بالقليل من الكلمات ) رغم ان النص بدا طويلا إلا أنه لم يكن فيه اسفاف . فالوصف الثري للحدث إضافة أعطت للقصة جماليتها ..
لكن كان يمكن معالجة بعض الهفوات التي ثلمت بعض من بنيانه الجميل من خلال إعادة القراءة المتكررة للنص ..
اليأس المطبق
الصخرة صمدت طويلا متحدية تلاطم الامواج بشجاعة ربما لأكثر من قرن أو عدة قرون ،يؤكد البطل بصوت السارد أنه مع مر الأيام لابد لها أن تتحطم وتتلاشى ، لن تصمد أذا ما جاءت أمواج أقوى منها حتما ستزيحها عن مكانها وتكسر ديمومتها ..
هكذا ستكون مواجهته لأمواج الحياة الهادرة ( كما يرى) فكلما ازدادت واستحكمت حلقاتها حوله كلما فقد من قدرته على الثبات ..لذا يطرح سؤاله ما جدوى المقاومة بلا أمل
((أيقن بمرارة استنزاف رصيده من الصّمود كأنّه الصخرة التي تأويه أتاها البحر من جذورها يجتثّ حياتها و يجعلها مسكنا لذوات القواقع .تساءل عن جدوى المقاومة إن كان الأمل معدوما ))
المنتحر يصير منقذا
في غمرة يأسه يرى امرأة تهرول على الساحل باتجاه البحر بخطوات متثاقلة .. تريد الموت من خلال احتواء البحر لجسدها ، أن يأخذها لقراره العميق ..
ولكن البطل أبت مروءته أن يبقى أسير صراعاته الداخلية لذا هم لإنقاذها ،
رفض ان يكون الموت اختيارا لغيره لذا اسرع بكل قوته حتى يحول دون ان يبتلعها البحر ، ليخرجها من بين براثنه في عملية تحد جديد ة لحياة ما أراد أن يعيشها حين أعطى كل المبررات التي أوصلته لقرار الانتحار هذا ،
رفض أن يرى امرأة تموت ربما لديها أسبابا أكثر قبولا منه للانتحار ، يبذل كل جهده متحديا الموج لإنقاذها ،
ربما وجد سببا لكسب مقومات جديدة للحياة كانت قد ضاعت عنه في زحمة أفكاره السيكوباثية ، أنسته تلك المرأة رغبته بالانتحار .رأى عالما آخرا ما كان يراه بهذا الجمال ..
الموت بحد ذاته شيئا رهيبا ، لا يمكن لأي إنسان أن يتقبله دون سبب مقنع إلا في حالة ضياع التصرف المنطقي السليم ، وحسب تعريف الويكيبيديا للانتحار
(الانتحار هو الفعل الذي يتضمن تسبب الشخص عمداً في موت نفسه. تُرتكب جريمة الانتحار غالباً بسبب اليأس، والذي كثيراً ما يُعزى إلى اضطراب نفسي مثل الاكتئاب أو الهوس الاكتئابي أو الفصام أو إدمان الكحول أو تعاطي المخدرات. وغالبًا ما تلعب عوامل الإجهاد مثل الصعوبات المالية أو المشكلات في العلاقات الشخصية دوراً في ذلك.)
الرسالة المتصورة
الرسالة التي كتبت بلغة شفافة كانت تبدو مخاطبة لامرأة موهومة ( المفروض إنها زوجته كما يخيل لمن يقرأها ) يحاول في استرساله ان يخبرها ندمه على سوء اختياره ، فهي كما وصفها قبيحة كبيرة السن ..قد استبدل سواد شعرها ببياضه
حياتي .. كلمة يبتدأ فيها رسالته وكأن (المقصود زوجتة ) ..
((حياتي أخيرا ينتهي مخاض عمر دام أعواما ، أخيرا اهتديتُ إلى الحلّ الأمثل ))
يتأسى لهذه المرأة ..!!ويتألم لها حين يرى احزانها وكآبتها وبؤسها
يوهمنا الكاتب بهذه الرسالة خص بها ..
حياته تلك التي اذلته وسامته سوء العذاب
إنها رسالة حاول تخريج ما بداخله من مشاعر واحاسيس ، هي بوح او منولوج مخاطبة لذاته ، لم تكن إلا رسالة كتبها يخاطب بها حياته التي ستفارق جسده بعد انتحاره ..من خلال متابعة قراءة النص ..
إن مثل هذا الإيحاء يعطي للنص دفقا كبيرا ..
لم يشأ أن يكون الحوار داخل البطل يسترسل به مع ذاته بشكل مباشر .. بل عمد إلى أن يكون مقروءا بلسان المرأة التي انقذها .. لتتعرف على سره وتعرف انه كان ينوي الانتحار
حوارات جاءت مبهمة
(" رمى اللّفافة مجيبا :" أنت تنتعلين حذاءك " فردت :" نعم تخلصت منه عندما كنت متجهة إلى البحر ، كان يسقطني ..." تتحدث بنغمة ناي ،)
ترى هل تخلصت من حذائها ثم رجعت ولبسته مرة أخرى .. هذا الحوار برأيي لم يضف للنص شيئا إن لم يكن وراء ذلك قصدا آخرا لم أسعف بتحليله ..
((:" أنت قتلتها ودفتنتها بلا رحمة ، كيف لشخص مثلك أن يفعل هذا ؟ " وحين تجاهلها أضافت : "أنت سفاح" ))
الرسالة المكتوبة كانت واضحة قرأتها مرارا ، لم أجد إشارة إلى أنه قتل أحدا ، ربما أن المرأة قد أخطأت الفهم ،
(أنا قتلت نفسي ، أما أنت فقد قتلت نفسا بريئة بعد أن أسكنتك حضنها ، و قطفت ثمارها و أنهكت سحرها ")
في حين أنه استدرك قائلا أنه ما كتب الرسالة إلا لحياته هو فهي المعنية بهذه البوح
.. هذا التداخل جعل النص مبهما أكثر .. ترى هل فهمت البطلة أنه كان يحدث برسالته حياته الخاصة ؟ .. ولكنها غلفت هذا الفهم بإيهام القارئ أيضا لتضيف لحالة التهويم التي عمد لها القاص اسبابا اخرى ..
كيف توصمه بالسفاح وهو لم يقتل احدا إلا رغبته بقتل نفسه .. وهي أيضا فعلت ذلك ،
إن كانت تعني تخليه عن زوجته فهي أيضا تركت شخصا ما بسبب الغيرة ..
ترى هل كانت المرأة هي الرمز للحياة .. أو حياته هو .. ؟
حياته التي انقذها من الموت بعد ان أدرك أن للموت طعما لا يطيقه ، وإن الحياة مهما كانت مرة فهناك جمال لم يره على حقيقته لأنه كان معصوبا بغمامة من اليأس والألم
تبقى الرؤيا مشوشة .. لأن السرد لم يوصلنا لحلول نهائية .. كل النهايات جاءت مبتورة
المضمر في النص .. التقديم الاظهاري بالدلالة
النص كتب بطريقة لا تخاطب القارئ بشكل مباشر ولا تجامله لكي تعطيه مفاتيح ما لم يقله ، لذا فيكثر التأويل ويصعب التحليل ، وإن لم يمعن الناقد أو القارئ بالنص جيدا ويبدا بتجزئته ومن ثم تحليله ، يجد أنه في دوامة ليس لها نهاية .. قد لا تكون التأويلات في ذهن القاص لكن أرى ان العقل الباطني يعطي للخيال استقلالية حيال الواقع .. والابداع لا يأتي من العقل الواعي للإنسان .
. لذا ففي الأبداع تظهر املاءات لم تكن في قصدية القاص .. لذا فان ما احلله هنا جاء من استنتاجات استشفيتها من سياق النص السردي ..
ربما لم يشأ السارد من كشف ما حدث على الصخرة إلا من خلال دلالات بعيدة عن الطرح المباشر فهناك تلميحات إلى أن لقاءً حميم بين المرأة والرجل حصل في لحظة كانا فيها متشوقان لأسباب تجعل للحياة ذائقة مقبولة وجمال كان منحسرا عنه ..
((" البحر هائج هكذا نطقت محاولة كسر جمود جليسها ، قام إلى ملابسه يرتديها وقد أحس انتعاشا في بدنه ودفئا يغمره وفتوة باهرة تملأ أخاديد انكساراته ..)) وما قصدت البطلة هيجان البحر بمعناه الحقيقي وإنما كانت تقصد ذلك الجموح الذي في داخل البطل .. لابد له أن يبدده فحصل هذا التغير الكبير في نفسيتهما
.. كشفت الأبحاث أن العملية الجنسية تفضي إلى تحرير هرمون يدعى endorphins مما يضيف حالة من النشوة تجعل الشخص في وضع الراحة والاسترخاء.
وهو أكثر الطرق أمنا للحصول على الاسترخاء حيث أن مفعولة يفوق مفعول مهدئ الفاليوم بعشرة أضعاف ..
ولما كان لكل فعل رد فعل لذا فأن التغيير الحاصل عليهما لم يكن له سببا غير أنهما وجدا إن للحياة طعما آخر .في نقطة مفصلية لأسباب البقاء هو ممارستهما الجنس ..
((رفع رأسه مبتسما لها مسترسلا في نظرته كاشفا مستكشفا ملاحة وجهها المستدير كالبدر ليلة اكتماله ، هي أيضا لم يفتها تغير ملمحه و انكشاف غمته و ذهاب حزنه و إشراقة وجهه كنور الشمس التي بدأت تبتعد عن الجبل الجاثم على أطراف البحر .)) مثل هذه التلميحات تمنحنا إشارات واضحة لما جرى ،
في النهاية يحلق النص عاليا .. في سمو روحي للبطل والبطلة .بعد ان تغيرت نظرتهما للحياة ورغم انها تركته
وكأنها أدت رسالتها من خلال خطابها للبطل عن مشاهداتها للموت فكانت صورة مرعبة ..
(( رأيت الموت و جبروته ، رأيت أسنانه المكشّرة ، و أنيابه الحادّة ، رأيت شرر عينيه الفائرتين حمما من الرعب و أهولا من الخوف و غيوما من الهلع و ركام دخان من القنوط ، لا يقبل بغير الخضوع ، يذيقك الذّل بمهانة ، لا مقاومة تجدي و لا نواحا ينفع ، لا الاستسلام يقيك بطشه وخبثه ، إن صارعته استحلى نفورك ، و غرس أنيابه في كبدك ، و مخالبه في قلبك و قرونه في أنفك ، وحقنه المسمومة في عنقك ، و أشواك جسمه القنفذي تحيطك من كل اتجاه ، إن خضعت ضمك إلى نفسه ضما ، واعتصر ما بجوفك و أيقظ فيك كل ذكرى مؤلمة ، لحظات بعمر الدّهر ، لم تنته إلا عند خروج المياه من صدري ، لا تفعل فتلك خطوة غبية "))
يعترف البطل أن الفتاة لم ينقذها هو فقط بل هي انقذته أيضا .. فقد جاء حذر الموت على لسانها وهي التي جربته وكأنه أفاق من أوهامه .. عاشت محنة الموت لحظات رهيبة ، شعرت بالرعب وهي تسلم نفسها للموج الذي تقاذفها دون رحمة ..
ينتهي النص نهاية قد تكون متوقعة لكنها جاءت متناغمة مع النص .. هي ذهبت لحالها ضاعت بين مظلات السياح وهو بقي قرب الصخرة ..موجها رسالة شكر محيرة إلى منقذته ..
هل المقصود بها تلك الصخرة أم المرأة التي أنقذها ..
((أنهت كلامها واستدارت ماشية أمامه ، مازال يرقبها حتىّ اختلطت حمرة جلبابها مع ألوان الظّلات والتهمها الأفق ، مزّق الرسالة تمزيقا ، رمى وريقاتها للبحر المتقدم نحو الصخرة يبلسم جراحها و يؤنس وحدتها .
ابتسم ضاحكا و قال : " شكرا لقد أنقذت حياتي."))
ملاحظة ذكر الكاتب كلمة أطواد (تلاطمت الأطواد مرحّبة بالزائرة ) .. وكلمة طود هي الجبل الثابت إلا أذا عنى بذلك صوت صدى هدير البحر .
تقديري لكاتب النص .. وأرجو أن أكون وفقت بتحليلي لهذا النص
.
يأتي نص الكاتب نور الدين لعوطار متفردا.. في ثراءه اللغوي وفي قدرته على خلق صور مرئية من خلال الوصف وفي تقانة السرد القصصي ورسم شخوصه في حركة دائبة غير مستقرة وتقديمهم في تقنيات مستحدثه ،
له القدرة على استخدام المجازات بشكل مواز لما يدور في داخل النفس وهي ليست كالتشبيهات المجازية الشائعة في حصر عملية التشبيه بالمشبه به ، هو أعطى المشبه والمشبه به خصوصية مستقلة لكل منهما ..
جعل من البحر الهائج والصخرة الصامدة ضدان في مواجهة بعضهما بعض في عملية هجوم و صد كتعبير عما يختلج نفسه من هياج واضطراب .الصراع بين (الأنا والهو ) هو صراع الطبيعة مع عناصرها ..
قبل أن نلج إلى النص ونبحر في قراءة تحليلية لنعي وندرك ما بين سطوره من خلال جدلية التحليل .
لا بد أن نبدأ من عتبته الأولى (العنوان ) الذي يعتبر المدخل الرئيسي والبداية التي نبدأ منها لقراءة أي نص ادبي ،
العنوان كما يعرف أيقونة النص ، الإشارة او الدلالة السيمائية التي تبقى عالقة في ذهن المتلقي لتحديد سمة و مرجعية وماهية النص لتميزه عن باقي النصوص ،
وسم النص ب ( المسافران ) يخيل لنا أول وهلة ، ما أن نرى العنوان
( أن الكاتب أراد بكلمة المسافر _ مفردة مسافران _ هو الانتقال من مكان إلى آخر إي انتقال للجسد عبر البعد المكاني .. )
أو إن السفر يأتي بمعنى الانتقال الزماني من زمان إلى آخر .
.او هو انتقال من عالم الحياة الدنيا إلى عالم (الآخرة ) حسب الموروث الديني .
نتساءل للاستبيان من هما هذان المسافران وأين وجهتهما وأي الوسائل قد سخرت لهذا السفر ..
..النص لا يحتوي إلا على رجل وامرأة وكلاهما يبغي الخلاص من قسوة الحياة ومتاعبها ، أذن هي الرغبة بالرحيل من هذه الدنيا ، أي السفر إلى عالم الموت ، أو الفناء .
الصخرة البطل الثالث في النص ..
( جاء ذكرها في النص خمس عشرة مرة )
وكأنها شخصية حية رسمها الكاتب ( أنسنها ) لتضاف إلى عناصر النص الرئيسية ( الرجل ، المرأة ، البحر ، الصخرة ، الرسالة )
في البداية .. قادنا الكاتب عبر سرد متخيل لمظهر البحر وهيبته وعظمته ووصفه بشكل حول فيها الحروف إلى صور مرئية نتفاعل معها ونتخيلها وكأننا نعيشها ، بحر لجي يضرب موجه العاتي على صفحات صخرة صماء صامدة صلدة .وكثيرا ما نرى في الأعمال السينمائية الدرامية مثل تلك المشاهد التي توحي لأحداث جسام قد حصلت أو ستحصل في مجريات العمل .
عبر حوار داخلي متواشج جعل من الصخرة صورة لروحه المتحملة لأهوال الدنيا ومصائبها ، وجعل من موج البحر ما يماثل مدلهمات الحياة التي راحت تصفع وجهه في حين أن الموج ظل يلطم وجه الصخرة بقسوة ، وما تنزفه الصخرة من خرير لبقايا ماء البحر الملتصق فيها هو نزف للجراح في داخله . كلاهما شبيه للأخر في تحمله .. كان الكاتب بليغا في إيصال المعنى
. عبر هذا التناغم الهرموني بين هدير البحر وأنينه المكلوم راح ينظر البطل إلى البحر يتمعن كبر حجمه وعمق قراره وعظمة امواجه المهلكة ..فما أن يحتويه قاعه حتى يكون الخلاص من كل عذاباته والامه وحرقته واحباطاته المتكررة .
. البطل ينظر بيأس إلى ماض قاس لم يحصد منه غير الفشل .. لذا جاء يسلم نفسه إلى أذرع البحر الممتدة إليه وينهي حياته التي ملها ولم ير فيها غير أحزان وآلام متراكمة ..
تبقى الصخرة هي الشاهد الوحيد على مأساته لأنها كانت حاضرة دائما حين كان ينوي الانتحار ، وحين عدل عن قراره وحتى المرأة لها حكاية مع تلك الصخرة فقد أدميت رجلها حين تسلقتها
((و قال : " كيف أصيبت رجلك ؟ " فأجابت " خدشة بسيطة إنها الصخرة ، جرحتني خشونتها و أنا أتسلقها " .))
لم يذكر الكاتب إنها تسلقت الصخرة ولم يوح لنا بذلك لكن هذا الحوار يؤكد اعتلائها تلك الصخرة ، وهذا جزء من الإيجاز الذي شذب الكاتب به نصه وربما لم ينتبه لهذه الجزئية .. لكن ذلك لم يضر بالنص ، بل منحه قوة
والإيجاز كما هو معروف ( إداء المعنى بالقليل من الكلمات ) رغم ان النص بدا طويلا إلا أنه لم يكن فيه اسفاف . فالوصف الثري للحدث إضافة أعطت للقصة جماليتها ..
لكن كان يمكن معالجة بعض الهفوات التي ثلمت بعض من بنيانه الجميل من خلال إعادة القراءة المتكررة للنص ..
اليأس المطبق
الصخرة صمدت طويلا متحدية تلاطم الامواج بشجاعة ربما لأكثر من قرن أو عدة قرون ،يؤكد البطل بصوت السارد أنه مع مر الأيام لابد لها أن تتحطم وتتلاشى ، لن تصمد أذا ما جاءت أمواج أقوى منها حتما ستزيحها عن مكانها وتكسر ديمومتها ..
هكذا ستكون مواجهته لأمواج الحياة الهادرة ( كما يرى) فكلما ازدادت واستحكمت حلقاتها حوله كلما فقد من قدرته على الثبات ..لذا يطرح سؤاله ما جدوى المقاومة بلا أمل
((أيقن بمرارة استنزاف رصيده من الصّمود كأنّه الصخرة التي تأويه أتاها البحر من جذورها يجتثّ حياتها و يجعلها مسكنا لذوات القواقع .تساءل عن جدوى المقاومة إن كان الأمل معدوما ))
المنتحر يصير منقذا
في غمرة يأسه يرى امرأة تهرول على الساحل باتجاه البحر بخطوات متثاقلة .. تريد الموت من خلال احتواء البحر لجسدها ، أن يأخذها لقراره العميق ..
ولكن البطل أبت مروءته أن يبقى أسير صراعاته الداخلية لذا هم لإنقاذها ،
رفض ان يكون الموت اختيارا لغيره لذا اسرع بكل قوته حتى يحول دون ان يبتلعها البحر ، ليخرجها من بين براثنه في عملية تحد جديد ة لحياة ما أراد أن يعيشها حين أعطى كل المبررات التي أوصلته لقرار الانتحار هذا ،
رفض أن يرى امرأة تموت ربما لديها أسبابا أكثر قبولا منه للانتحار ، يبذل كل جهده متحديا الموج لإنقاذها ،
ربما وجد سببا لكسب مقومات جديدة للحياة كانت قد ضاعت عنه في زحمة أفكاره السيكوباثية ، أنسته تلك المرأة رغبته بالانتحار .رأى عالما آخرا ما كان يراه بهذا الجمال ..
الموت بحد ذاته شيئا رهيبا ، لا يمكن لأي إنسان أن يتقبله دون سبب مقنع إلا في حالة ضياع التصرف المنطقي السليم ، وحسب تعريف الويكيبيديا للانتحار
(الانتحار هو الفعل الذي يتضمن تسبب الشخص عمداً في موت نفسه. تُرتكب جريمة الانتحار غالباً بسبب اليأس، والذي كثيراً ما يُعزى إلى اضطراب نفسي مثل الاكتئاب أو الهوس الاكتئابي أو الفصام أو إدمان الكحول أو تعاطي المخدرات. وغالبًا ما تلعب عوامل الإجهاد مثل الصعوبات المالية أو المشكلات في العلاقات الشخصية دوراً في ذلك.)
الرسالة المتصورة
الرسالة التي كتبت بلغة شفافة كانت تبدو مخاطبة لامرأة موهومة ( المفروض إنها زوجته كما يخيل لمن يقرأها ) يحاول في استرساله ان يخبرها ندمه على سوء اختياره ، فهي كما وصفها قبيحة كبيرة السن ..قد استبدل سواد شعرها ببياضه
حياتي .. كلمة يبتدأ فيها رسالته وكأن (المقصود زوجتة ) ..
((حياتي أخيرا ينتهي مخاض عمر دام أعواما ، أخيرا اهتديتُ إلى الحلّ الأمثل ))
يتأسى لهذه المرأة ..!!ويتألم لها حين يرى احزانها وكآبتها وبؤسها
يوهمنا الكاتب بهذه الرسالة خص بها ..
حياته تلك التي اذلته وسامته سوء العذاب
إنها رسالة حاول تخريج ما بداخله من مشاعر واحاسيس ، هي بوح او منولوج مخاطبة لذاته ، لم تكن إلا رسالة كتبها يخاطب بها حياته التي ستفارق جسده بعد انتحاره ..من خلال متابعة قراءة النص ..
إن مثل هذا الإيحاء يعطي للنص دفقا كبيرا ..
لم يشأ أن يكون الحوار داخل البطل يسترسل به مع ذاته بشكل مباشر .. بل عمد إلى أن يكون مقروءا بلسان المرأة التي انقذها .. لتتعرف على سره وتعرف انه كان ينوي الانتحار
حوارات جاءت مبهمة
(" رمى اللّفافة مجيبا :" أنت تنتعلين حذاءك " فردت :" نعم تخلصت منه عندما كنت متجهة إلى البحر ، كان يسقطني ..." تتحدث بنغمة ناي ،)
ترى هل تخلصت من حذائها ثم رجعت ولبسته مرة أخرى .. هذا الحوار برأيي لم يضف للنص شيئا إن لم يكن وراء ذلك قصدا آخرا لم أسعف بتحليله ..
((:" أنت قتلتها ودفتنتها بلا رحمة ، كيف لشخص مثلك أن يفعل هذا ؟ " وحين تجاهلها أضافت : "أنت سفاح" ))
الرسالة المكتوبة كانت واضحة قرأتها مرارا ، لم أجد إشارة إلى أنه قتل أحدا ، ربما أن المرأة قد أخطأت الفهم ،
(أنا قتلت نفسي ، أما أنت فقد قتلت نفسا بريئة بعد أن أسكنتك حضنها ، و قطفت ثمارها و أنهكت سحرها ")
في حين أنه استدرك قائلا أنه ما كتب الرسالة إلا لحياته هو فهي المعنية بهذه البوح
.. هذا التداخل جعل النص مبهما أكثر .. ترى هل فهمت البطلة أنه كان يحدث برسالته حياته الخاصة ؟ .. ولكنها غلفت هذا الفهم بإيهام القارئ أيضا لتضيف لحالة التهويم التي عمد لها القاص اسبابا اخرى ..
كيف توصمه بالسفاح وهو لم يقتل احدا إلا رغبته بقتل نفسه .. وهي أيضا فعلت ذلك ،
إن كانت تعني تخليه عن زوجته فهي أيضا تركت شخصا ما بسبب الغيرة ..
ترى هل كانت المرأة هي الرمز للحياة .. أو حياته هو .. ؟
حياته التي انقذها من الموت بعد ان أدرك أن للموت طعما لا يطيقه ، وإن الحياة مهما كانت مرة فهناك جمال لم يره على حقيقته لأنه كان معصوبا بغمامة من اليأس والألم
تبقى الرؤيا مشوشة .. لأن السرد لم يوصلنا لحلول نهائية .. كل النهايات جاءت مبتورة
المضمر في النص .. التقديم الاظهاري بالدلالة
النص كتب بطريقة لا تخاطب القارئ بشكل مباشر ولا تجامله لكي تعطيه مفاتيح ما لم يقله ، لذا فيكثر التأويل ويصعب التحليل ، وإن لم يمعن الناقد أو القارئ بالنص جيدا ويبدا بتجزئته ومن ثم تحليله ، يجد أنه في دوامة ليس لها نهاية .. قد لا تكون التأويلات في ذهن القاص لكن أرى ان العقل الباطني يعطي للخيال استقلالية حيال الواقع .. والابداع لا يأتي من العقل الواعي للإنسان .
. لذا ففي الأبداع تظهر املاءات لم تكن في قصدية القاص .. لذا فان ما احلله هنا جاء من استنتاجات استشفيتها من سياق النص السردي ..
ربما لم يشأ السارد من كشف ما حدث على الصخرة إلا من خلال دلالات بعيدة عن الطرح المباشر فهناك تلميحات إلى أن لقاءً حميم بين المرأة والرجل حصل في لحظة كانا فيها متشوقان لأسباب تجعل للحياة ذائقة مقبولة وجمال كان منحسرا عنه ..
((" البحر هائج هكذا نطقت محاولة كسر جمود جليسها ، قام إلى ملابسه يرتديها وقد أحس انتعاشا في بدنه ودفئا يغمره وفتوة باهرة تملأ أخاديد انكساراته ..)) وما قصدت البطلة هيجان البحر بمعناه الحقيقي وإنما كانت تقصد ذلك الجموح الذي في داخل البطل .. لابد له أن يبدده فحصل هذا التغير الكبير في نفسيتهما
.. كشفت الأبحاث أن العملية الجنسية تفضي إلى تحرير هرمون يدعى endorphins مما يضيف حالة من النشوة تجعل الشخص في وضع الراحة والاسترخاء.
وهو أكثر الطرق أمنا للحصول على الاسترخاء حيث أن مفعولة يفوق مفعول مهدئ الفاليوم بعشرة أضعاف ..
ولما كان لكل فعل رد فعل لذا فأن التغيير الحاصل عليهما لم يكن له سببا غير أنهما وجدا إن للحياة طعما آخر .في نقطة مفصلية لأسباب البقاء هو ممارستهما الجنس ..
((رفع رأسه مبتسما لها مسترسلا في نظرته كاشفا مستكشفا ملاحة وجهها المستدير كالبدر ليلة اكتماله ، هي أيضا لم يفتها تغير ملمحه و انكشاف غمته و ذهاب حزنه و إشراقة وجهه كنور الشمس التي بدأت تبتعد عن الجبل الجاثم على أطراف البحر .)) مثل هذه التلميحات تمنحنا إشارات واضحة لما جرى ،
في النهاية يحلق النص عاليا .. في سمو روحي للبطل والبطلة .بعد ان تغيرت نظرتهما للحياة ورغم انها تركته
وكأنها أدت رسالتها من خلال خطابها للبطل عن مشاهداتها للموت فكانت صورة مرعبة ..
(( رأيت الموت و جبروته ، رأيت أسنانه المكشّرة ، و أنيابه الحادّة ، رأيت شرر عينيه الفائرتين حمما من الرعب و أهولا من الخوف و غيوما من الهلع و ركام دخان من القنوط ، لا يقبل بغير الخضوع ، يذيقك الذّل بمهانة ، لا مقاومة تجدي و لا نواحا ينفع ، لا الاستسلام يقيك بطشه وخبثه ، إن صارعته استحلى نفورك ، و غرس أنيابه في كبدك ، و مخالبه في قلبك و قرونه في أنفك ، وحقنه المسمومة في عنقك ، و أشواك جسمه القنفذي تحيطك من كل اتجاه ، إن خضعت ضمك إلى نفسه ضما ، واعتصر ما بجوفك و أيقظ فيك كل ذكرى مؤلمة ، لحظات بعمر الدّهر ، لم تنته إلا عند خروج المياه من صدري ، لا تفعل فتلك خطوة غبية "))
يعترف البطل أن الفتاة لم ينقذها هو فقط بل هي انقذته أيضا .. فقد جاء حذر الموت على لسانها وهي التي جربته وكأنه أفاق من أوهامه .. عاشت محنة الموت لحظات رهيبة ، شعرت بالرعب وهي تسلم نفسها للموج الذي تقاذفها دون رحمة ..
ينتهي النص نهاية قد تكون متوقعة لكنها جاءت متناغمة مع النص .. هي ذهبت لحالها ضاعت بين مظلات السياح وهو بقي قرب الصخرة ..موجها رسالة شكر محيرة إلى منقذته ..
هل المقصود بها تلك الصخرة أم المرأة التي أنقذها ..
((أنهت كلامها واستدارت ماشية أمامه ، مازال يرقبها حتىّ اختلطت حمرة جلبابها مع ألوان الظّلات والتهمها الأفق ، مزّق الرسالة تمزيقا ، رمى وريقاتها للبحر المتقدم نحو الصخرة يبلسم جراحها و يؤنس وحدتها .
ابتسم ضاحكا و قال : " شكرا لقد أنقذت حياتي."))
ملاحظة ذكر الكاتب كلمة أطواد (تلاطمت الأطواد مرحّبة بالزائرة ) .. وكلمة طود هي الجبل الثابت إلا أذا عنى بذلك صوت صدى هدير البحر .
تقديري لكاتب النص .. وأرجو أن أكون وفقت بتحليلي لهذا النص
.
تعليق